نهض مواطن سوي في الصباح، فرك عينيه ولم يصدق ناظريه: فجأة بدأ صحافيون ومعلقون كانوا قبل لحظات يشرحون له وللمواطنين البسطاء الآخرين أنه لا أساس لملفات التحقيق ضد أولمرت يؤكدون له الآن أن رئيس الوزراء في ضائقة حقيقية.
فجأة شرع هؤلاء الزملاء باجتياز الخطوط، وتنكروا في لباس رجال عصابات سلطة القانون بل أنهم صاروا يطالبونه بالخروج في إجازة. وهم فعلا مذهولون مما تبدى في الأسبوعين الأخيرين من تحقيقات رئيس الحكومة.
فيا زملائي، لا تنذهلوا. ولا ينبغي لكم التظاهر بالمفاجأة من أوامر المستشار القضائي للحكومة ميني (مناحيم) مازوز بفتح تحقيق مع إيهود أولمرت خلال ثمان وأربعين ساعة فقط. فالعنوان كان مكتوباً على الجدار، والمشبوه معروف جيداً للشرطة، وقائمة الأشخاص المشكوك فيهم الذين دأب على معاشرتهم، وبينهم مجرمون حقاً، أشهرت نفسها بنفسها. لقد رأيتم، قرأتم، صمتم واخترتم الدفاع عنه حتى بعد نشر تقارير مراقب الدولة. فالرجل فاسد، كما يتبدى بشكل واضح من هذه التقارير، لكنكم واصلتم إغماض عيونكم.
لقد سمعت في نهاية الأسبوع أحد المعلقين في التلفزيون يشرح بجدية أن مشكلة أولمرت هي كثرة التحقيقات ضده. ليست البينات، ليس الجوهر، وليست الأفعال. ليست هناك زاوية لا يوجد فيها رئيس الحكومة، ذيله أو أيا من حاملي أختامه الأوفياء. ليست هناك قناة مجار لم يسبح فيها أولمرت. وكيف بالوسع الهروب من القصة الحقيقية لرئيس الحكومة؟
سمعت «خبيراً» آخر في ملفات أولمرت يشرح للجمهور أن الملف هذه المرة جدي. وبدا كأنه متلهف لهذا الملف بعد أن كان منشغلا حتى الآونة الأخيرة بملاحقة كاشفي قضايا رئيس الحكومة، بدلاً من الانشغال بالمشبوه المنتظم. ومن ناحيته حان الوقت لتطهير الضمير، قبل أن تتوحد جميع ملفات أولمرت في لائحة اتهام واحدة، ويتحول هو نفسه إلى نكتة.
وينبغي ترتيب الأمور: أولا، لا يدور الحديث عن تحقيق جديد وإنما عن تفرع جديد نشأ على واحدة من أشجار الفساد الموجودة أصلا في تحقيقات الشرطة. ولو أنهم لم يتعاملوا بجدية مع هذه الشجرة، كما فعل محققو مكتب مراقب الدولة، لما اكتشفوا وثائق الفرع الجديد هذا. فقسم من مثيري الجلبة والاحتجاج ضد تحقيقات مراقب الدولة، والذين يقفزون الآن على عربة المحافظين على القانون، حاولوا في حينه بأنفسهم إماتة هذه الشجرة. ولذلك يجدر بنا استذكار هذه الحقيقة.
ثانيا، عدا قضية كرميا، التي سيخرج أولمرت منها بسلام بسبب الافتقار للقرائن (حيث سيقدم للمحاكمة فيها موظفان كبيران في بلدية القدس)، فإن في جميع الملفات الأخرى ضد رئيس الحكومة، قرائن صلبة على وجود أفعال تحايل منتظمة. وأبرز هذه القضايا ملف بنك «ليئومي» الذي يحوي براهين على أن أولمرت حاول شخصياً، في لقاءاته وجها لوجه مع أصحاب الشأن في العطاء وفي أحاديث هاتفية معهم وراء البحار، ترجيح نتائج العطاء. وهناك براهين على أنه فعل ذلك بناء على طلب أصدقائه وأنه نسق الأمور معهم في كل خطواته.
وفي هذا الملف، الذي لم يغلق والذي هناك في النيابة العامة من يعتقدون بوجوب رفض توصية الشرطة بإغلاقه، هناك أربعة شهود مركزيين من قمة وزارة المالية في السابق، وهناك وثائق دامغة، وهناك تقديرات ضرر متوقع. ولو أن أولمرت أفلح في تحقيق مراده، لخسرت الدولة ربع مليار دولار. نكرر المبلغ ربع مليار دولار!
أما الملف المذهل الثاني فهو المعروف باسم قضية مركز الاستثمارات، والذي يضم حشدا من أعمال الاحتيال لمصلحة زبون لصديقه وشريكه السابق، المحامي أوري ميسر. والضرر لخزينة الدولة : عشرات ملايين الشواقل. وينبغي إمعان النظر في الشهادات في المحاضر وفي التدخل الشخصي لأولمرت من أجل فهم مستويات الفساد التي بلغها رئيس الحكومة. أليس هذا ملف خطير؟ ألا يصرخ هذا الملف للسماء؟ أليس ملفا يمكن أن يجلس بسببه مدير عادي سنوات طويلة خلف القضبان؟
أما الملف الثالث، المتعلق بالتعيينات الفاسدة ولا يقل خطورة عن ملف الوزير السابق تساحي هنغبي. والصحافة تعرف ذلك، ومع ذلك فإن قسما منها يواصل الدفاع عن الفساد في السلطة. وعلى خلفية هذه الصورة القاتمة فإنني أقول بالحذر المطلوب: لو أن وسائل الإعلام أدت دورها بإخلاص، لما فوجئت وصدمت بالتحقيقات الإضافية لرئيس الحكومة. وأنا لا أنوي انتهاك أوامر حظر النشر، الذي صدر هذه المرة وبحق ولسبب وجيه، وتقديم إثباتات.
لا أنوي رواية ما الذي قاد إلى التطورات المثيرة في تحقيقات رئيس الحكومة. ولا يزال الوقت مبكرا لوصف إسهام صحيفتي «إسرائيل اليوم» و«هآرتس» في كشف الفرع الجديد في شجرة الفساد التي يجري الحديث عنها.فذاك اليوم سوف يأتي وستحين اللحظات المثيرة التي في إجمالها يمكن من الآن القول: لقد أقرت النيابة العامة والشرطة بخطئها وفهموا أن النقد الصحافي كان جوهريا واندفعوا إلى الأمام.
لقد اتخذ هذان الجهازان القرار المطلوب ولم تتأخر النتائج في الظهور. وعندما تسمح المحكمة بالنشر ويتبدد الضباب سيفهم الجمهور كيف أن أولمرت سقط في بئر عميق آخر.
ـ عن «إسرائيل اليوم» 4 مايو