يتابع المؤلف هنا إلقاء الضوء على تفاصيل عملية التطهير العرقي التي قام بها الصهاينة ضد الفلسطينيين، حيث وزعت المهام على 12 كتيبة من قوات الهاغاناه، ويلفت نظرنا إلى أن ديفيد بن غوريون لم يتردد في التخلي عن المستعمرات الإسرائيلية القائمة في قلب التجمعات العربية، وذلك لإعطاء أولوية مطلقة لتنفيذ التطهير العرقي ضد الفلسطينيين وفي الوقت نفسه راح يدرس إمكانية غزو الضفة الغربية والجولان وجنوب لبنان وقصف المدن المصرية.

ينفي الدكتور إيلان بابه أكذوبة «المحرقة الثانية» التي تذرعت بها الحركة الصهيونية، قائلا بالحرف الواحد: قبل نهاية الانتداب البريطاني لم يكن المتطوعون العرب من خارج فلسطين، ولا الجماعات شبه العسكرية الفلسطينية داخلها، يمثلون أي تهديد جدي للمجتمع اليهودي سواء بخسارة المعركة أو بإجباره على الاستسلام، بل على العكس من ذلك عجز هؤلاء المتطوعون من الخارج والداخل عن حماية السكان الفلسطينيين من الاعتداءات اليهودية.

ويضيف المؤرخ الإسرائيلي قوله: «ومع ذلك نجح الإسرائيليون، والأميركيون بوجه خاص، في تكرار أسطورة احتمال التدمير أو «المحرقة الثانية» التي تنتظر الدولة اليهودية المقبلة. وباستغلال هذه الأسطورة تمكنت إسرائيل بعد ذلك من ضمان دعم هائل للدولة من المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم، مع الاستمرار كذلك في رسم صورة شيطانية للعرب جميعا والفلسطينيين خاصة في عيون الجمهور العام في الولايات المتحدة، غير أن الحقيقة على أرض الواقع كانت مناقضة تماما فقد كان الفلسطينيون يواجهون حملة طرد جماعي.

ويؤكد مؤلف الكتاب أنه في تلك الفترة التي يصفها التاريخ الرسمي الإسرائيلي بأنها «الأصعب» كان الفلسطينيون مشغولين بالفعل في محاولة إنقاذ أنفسهم من ذلك المصير، لا في تدمير المجتمع اليهودي. وعندما انتهى شهر مارس 1948 لم يقف شيء في طريق القوات الإسرائيلية لتنفيذ التطهير العرقي للشعب الفلسطيني. وإذا عدنا إلى ما بعد قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين نجد أن المنظمة الدولية كانت مرتبكة ولم تفكر قط فيما تفعله لو قرر الفلسطينيون رفض القرار، فتركت الأمم المتحدة المسألة مفتوحة بينما كان مسؤولوها يستفسرون من الدوائر العليمة في دول مثل بريطانيا وفرنسا عما إذا كانت الدول العربية المجاورة سوف تضم المناطق المخصصة للفلسطينيين، وشعروا بالرضا عندما علموا أن دولة واحدة مستعدة للتفاوض مع اليهود.

وقد تأثر القرار العربي بشأن كيفية التدخل والمساعدة بالتطورات الجارية على أرض الواقع التي كان السياسيون يراقبونها بفزع، ويتابعها المثقفون والصحافيون برعب، إذ بدأت تتكشف أمام أعينهم عملية طرد السكان. ولقد كان لدى الساسة العرب عدد من ممثليهم في المنطقة يكفي لإدراكهم الكامل لأهداف وحجم العمليات اليهودية.

وفي تلك المرحلة المبكرة ـ في بداية 1948 ـ لم يكن يراودهم الشك في الكارثة التي تنتظر الشعب الفلسطيني، ولكنهم أخذوا يسوفون ويؤجلون قرار التدخل العسكري المحتوم لأطول مدة ممكنة، وعندما حدث ذلك كانوا سعداء بإنهائه على وجه السرعة.

ولقد عرف هؤلاء الساسة جيدا أن الشعب الفلسطيني لا حول له ولا قوة وأن الجيوش العربية ليس أمامها فرصة للصمود في وجه القوات اليهودية المتفوقة، وينتهي المؤلف إلى القول إن السياسيين العرب أرسلوا قواتهم لخوض حرب يعلمون جيدا أنها لن تنتصر فيها.

وكان العديد من الزعماء العرب يستخفون بالكارثة الوشيكة في فلسطين، ولكن عددا قليلا منهم كان يشعر بقلق حقيقي ولكنهم احتاجوا إلى بعض الوقت لتقويم الموقف وخاصة الانعكاسات المحتملة لأي تورط منهم في فلسطين على أوضاعهم غير المستقرة في دولهم. وكانت مصر والعراق منغمستين في المراحل الأخيرة لمعاركهم من أجل التحرير، أما سوريا ولبنان فقد كانتا حديثتي عهد بالاستقلال.

ولم تقم الحكومات العربية بنوع من التنسيق بينها إلا عندما كثفت القوات اليهودية عملياتها وتكشفت نوايا اليهود تماما، وعندئذ حولت القرار إلى أداتها الإقليمية وهي جامعة الدول العربية حتى لا يجرفها إعصار يطيح بأوضاعها المهتزة في أوطانها.

أطالت الجامعة مناقشاتها حتى بعد أن أصبحت الأوضاع الحقيقية في الريف والحضر الفلسطيني شديدة الوضوح بدرجة لا يمكن تجاهلها. وأخيرا تقرر في نهاية ابريل 1948 إرسال قوات إلى فلسطين في الوقت الذي كان قد تم فيه طرد ربع مليون فلسطيني وتدمير مائتي قرية وإخلاء عشرات المدن.

ويؤكد مؤلف الكتاب حقيقة نعرفها نحن العرب جميعا وهي أنه لم يكن هناك نقص في المتطوعين، وقد خرجت جماهير غفيرة في البلاد العربية في تظاهرات ضخمة تندد بعجز حكوماتها، وكان آلاف الشباب العرب على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل فلسطين كما كتب الكثير عن تلك المشاعر القومية الفياضة آنذاك. ويضيف المؤلف أن أفضل تفسير لذلك هو أن فلسطين والجزائر أصبحتا مثالين للنضال الضاري والشجاع ضد الاستعمار الاستيطاني في مواجهات ألهبت المشاعر القومية لدى الشباب العربي في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

اقتراح أميركي

يعود الدكتور إيلان بابه إلى الحديث عن أطماع بن غوريون قائلا إنه يبدو أنه شعر بالندم بسبب قرار عدم استغلال الحرب إلى أقصى حد للتوسع في الاستيلاء على أراض تتجاوز نسبة الثماني وسبعين في المائة من فلسطين التي كان يطمع فيها، ولكن العجز العربي أعطى للحركة الصهيونية فرصة لا تهدر.

أما بالنسبة للقيادة الفلسطينية فإن ما تبقى منها تمزق في فوضى شاملة وأسرع بعض أعضائها إلى المغادرة، بينما فضل عدد قليل البقاء في البلاد ومواجهة العدوان اليهودي في ديسمبر 1947 وعمليات التطهير العرقي في يناير 1948، ولكن بعضا من الأعضاء ظل وراء الستار واحتفظ بالعضوية الرسمية في اللجان الوطنية.

وكان من المفروض أن يتم تنسيق كافة تلك الأنشطة تحت إشراف اللجنة العربية العليا التي تعتبر الحكومة غير الرسمية للفلسطينيين منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ولكن نصف أعضائها أيضا غادر البلاد، ووجد من بقوا صعوبة في مواجهة المشاق، ولكنهم ظلوا مع أبناء وطنهم إلى النهاية حتى من فضل منهم مغادرة فلسطين.

وهكذا لم يستطع المتطوعون العرب من داخل وخارج فلسطين أن يشكلوا أي تهديد خطير للمجتمع اليهودي لا بهزيمته في معركة ولا بإجباره على الاستسلام وذلك قبل نهاية الانتداب البريطاني، وكل ما حاولته القوات الخارجية أو المحلية حماية السكان ضد الاعتداء اليهودي ولكن دون نجاح.

ولم تترك الأحداث في شهري مارس وابريل 1948 أي خيار آخر أمام زعماء العالم العربي فبدأوا جديا في الاستعداد للتدخل العسكري. وفجأة جاءت من واشنطون أنباء غير متوقعة تفيد بأن وزارة الخارجية الأميركية تتجه نحو تناول أميركي جديد للقضية وأن ممثلي الولايات المتحدة في ميدان الأحداث أصبحوا يدركون تماما أبعاد ما يجري من عمليات طرد للفلسطينيين ولذلك اقترحوا على رؤسائهم في أميركا وقف تنفيذ خطة تقسيم فلسطين والعمل على إيجاد حل بديل.

بحلول يوم 12 مارس 1948 كانت وزارة الخارجية الأميركية قد انتهت من إعداد مسودة اقتراح جديدة تقضي بفرض الوصاية على فلسطين مدة خمس سنوات يقوم الطرفان خلالها بالتفاوض على حل مقبول. وقيل إن ذلك هو أفضل اقتراح أميركي في تاريخ فلسطين. وقال وارن أوستن سفير أميركا لدى الأمم المتحدة آنذاك: «إن الولايات المتحدة الأميركية ترى أن تقسيم فلسطين لم يعد خيارا قابلا للبقاء».

ورحبت الدول الأعضاء في المنظمة الدولية بالاقتراح، وساد الإحساس بأن قرار التقسيم فشل في جلب السلام إلى فلسطين، وأنه في الحقيقة تسبب في المزيد من نزعات العنف وإراقة الدماء، ومع أن المنطق كان أحد الجوانب الجديرة بمراعاتها بذلك الاقتراح، كان هناك جانب آخر هو الرغبة في عدم معاداة لوبي قوي في أميركا وهو في هذه الحالة هو الأعظم هيمنة، ولولا نفوذ هذا اللوبي الصهيوني وضغوطه الفاعلة على الرئيس الأميركي هاري ترومان لتغير مسار تاريخ فلسطين تغيرا كبيرا.

وآنذاك عرفت الأقسام الصهيونية في المجتمع اليهودي الأميركي مدى قدرتها على التأثير على السياسة الأميركية في فلسطين وفي منطقة الشرق الأوسط كلها بعد ذلك. ويقول إيلان بابه: «في عملية أطول استمرت خلال خمسينات وسنوات الستينات الأولى من القرن العشرين نجح اللوبي الصهيوني في استبعاد وتنحية خبراء الشؤون العربية في وزارة الخارجية الأميركية، ووضع سياسة الشرق الأوسط الأميركية في أيدي وزارة الدفاع والبيت الأبيض حيث يتمتع اللوبي بنفوذ كبير».

غير أن انتصار اللوبي في وزارة الدفاع الأميركية لم يكن سهلا إذ كان خبراء الشؤون العربية في وزارة الخارجية يدرسون التقارير الواردة من صحيفة نيويورك تايمز بعناية أكبر من رجال الرئيس، ثم يبذلون محاولات يائسة لإقناع ترومان بإعطاء مزيد من الوقت على الأقل لإعادة النظر في خطة التقسيم إذا لم يقبل بفكرة الوصاية، وكذلك أخذوا يحثونه على تقديم اقتراح للطرفين بعقد هدنة مدتها ثلاثة شهور.

وفي يوم 12 مايو جمع بن غوريون مستشاريه أعضاء أداة جديدة اسمها «مجلس الشعب» الذي تحول بعد ثلاثة أيام إلى حكومة دولة إسرائيل. وكان الهدف من الاجتماع اتخاذ قرار برفض الاقتراح الأميركي، خاصة مع استمرار عمليات التصفية العرقية التي لم يسمح بن غوريون لأحد بأن يوقفها. وما لبث البيت الأبيض أن اعترف بالدولة الجديدة، ودفع الصهاينة من جديد بوزارة الخارجية إلى الصفوف الخلفية للسياسة الأميركية الخاصة بفلسطين.

ويبدأ المؤلف حديثه عن مسؤولية بريطانيا بالتساؤل عما إذا كانت تعلم بخطة داليت للتطهير العرقي ويجيب بأن من المفترض أنها كانت على علم بها ولكن من الصعب إثبات ذلك، غير أن المثير للدهشة أن تعلن بريطانيا ـ بعد وضع الخطة ـ أنها لم تعد مسؤولة عن حفظ القانون والنظام في المناطق التي مازالت قواتها تتواجد فيها، ثم تقرر أيضا حصر نشاطها في حماية تلك القوات.

وكان معنى هذا تحويل حيفا ويافا وكل المنطقة الساحلية بينهما إلى مساحة مفتوحة تنفذ فيها القيادة الصهيونية خطة داليت دون عائق أو مواجهة مع الجيش البريطاني. ويضاف إلى ذلك أن اختفاء البريطانيين من الريف والمدن والبلدات أدى إلى انهيار القانون والنظام انهيارا شاملا في كل أنحاء فلسطين.

وقد عكست الصحف اليومية آنذاك مثل صحيفة «فلسطين» انزعاج الناس من ارتفاع مستوى جرائم السرقة والسطو والنهب في المراكز الحضرية والقرى. وكان معنى انسحاب قوة الشرطة البريطانية عجز عدد كبير من الموظفين الفلسطينيين عن استلام رواتبهم من البلديات المحلية بسبب تعرضهم للهجمات لأن معظم الدوائر الحكومية كانت تقع في الأحياء اليهودية. ولا عجب أننا مازلنا نسمع الآن اتهام الفلسطينيين لبريطانيا وتحميل الانتداب البريطاني المسؤولية الأساسية عن الكارثة التي تعرضوا لها.

ويؤكد المؤرخ اليهودي إيلان بابه أن البريطانيين تجنبوا أي تدخل حقيقي من جانبهم، ووقفوا متراخين وغير مبالين أمام محاولات القوات اليهودية الاستيلاء على المخافر. وفي شهر ديسمبر 1947 كانت لبريطانيا قوة من خمسة وسبعين ألفا في فلسطين، ولكن مهمتها حددت في مجرد حماية جلاء جنود الانتداب وضباطه ومسؤوليه.

وقد ساعد البريطانيون عملية التطهير العرقي بوسائل مباشرة أخرى بإمداد القيادة اليهودية بصكوك الملكية والبيانات الحيوية الأخرى التي كانوا قد صوروا نسخا منها قبل تدميرها. وقد أضاف هذا المخزون من الوثائق التفاصيل النهائية إلى ملفات القرى التي احتاجها الصهاينة لعملية الإخلاء الضخمة للسكان الفلسطينيين.

وصحيح أن أول متطلبات الطرد والاحتلال وجود قوة عسكرية وحشية، ولكن الوسائل والأوراق البيروقراطية لا تقل أهمية في تنفيذ عملية تطهير عرقي واسعة النطاق لا تتيح تجريد الناس من ممتلكاتهم فحسب بل تؤدي كذلك إلى إعادة تمليك الغنائم للغير.

الحرب الزائفة

في نهاية الفصل الخامس من كتابه يصف إيلان بابه موقف الأمم المتحدة بالخيانة ويقول: كان على هيئة الأمم المتحدة أن تتواجد في الموقع وفقا لقرار التقسيم لتشرف على تنفيذ خطتها لإحلال السلام والتي تتلخص في تحويل فلسطين ككل إلى قطر مستقل به دولتان مختلفتان ولكنهما تشكلان وحدة اقتصادية واحدة.

وقد تضمن القرار الصادر في 29 نوفمبر 1947 أوامر ملزمة في وضوح كامل من بينها: تعهد الأمم المتحدة بمنع أية محاولة من أي جانب لمصادرة أراضي يمتلكها مواطنون من الجانب الآخر أو مجموعة وطنية أخرى، سواء كانت الأراضي مزروعة أو غير مزروعة ومثال ذلك: أي أرض محروثة ومتروكة نحو عام.

ويشير المؤلف إلى أن أمرا معينا قد يحسب لصالح مبعوثي الأمم المتحدة المحليين وهو أنهم على الأقل أدركوا أن الأمور تتطور من سيئ إلى أسوأ وحاولوا الضغط من أجل إعادة تقويم سياسة التقسيم، ولكنهم مع ذلك لم يتخذوا أي إجراء يتجاوز «التفرج» وإرسال تقرير عن بداية التطهير العرقي.

كذلك كان للمنظمة الدولية تواجد محدود في فلسطين منذ أن منعت السلطات البريطانية فريقا تابعا لها من البقاء هناك متجاهلة بذلك طلب الجانب المالك للأرض وفقا لقرار التقسيم الذي طلب وجود لجنة من الأمم المتحدة. ولقد سمحت بريطانيا بارتكاب عمليات التطهير العرقي أمام أعين جنودها ومسؤوليها خلال فترة الانتداب التي انتهت في منتصف ليلة 14 مايو 1948، بينما أعاقت بريطانيا جهود الأمم المتحدة للتدخل لإنقاذ عدد من الفلسطينيين.

ويضيف مؤلف الكتاب قوله: «بعد 15 مايو لم تعد هناك حجة تبرر تخلي الأمم المتحدة عن الشعب الذي قسمت أرضه، بقرارها، أو تبرير تسليم مصالحه وحياة أفراده لليهود الذين أرادوا منذ القرن التاسع عشر اقتلاع جذورهم والاستيلاء على بلدهم والبقاء فيه بدلا عنهم وادعاء أنه بلدهم هم».

وفي الفصل السادس من الكتاب يستعير المؤلف عبارة قالها الجنرال غلوب باشا قائد الفيلق العربي الأردني في مقابلة معه وفي كتابه: «جندي مع العرب» وهي وصفه لحرب فلسطين ب«الحرب الزائفة». ويلتقط إيلان بابه العبارة ليضمنها عنوان الفصل السادس من الكتاب الذي يسمى ما جرى في مايو 1948 ب«الحرب الزائفة والحرب الحقيقية على فلسطين».

ويشير ذلك الفصل في مطلعه إلى أن القوات اليهودية كانت قد وصلت إلى غالبية المستوطنات اليهودية المنعزلة خلال أسابيع من انتهاء الانتداب البريطاني، ولكنها فقدت اثنتين من المستوطنات فقط بسبب وجود الفيلق العربي في المنطقة، وقد حارب جنوده ببسالة. ورغم أن الجيش الأردني كان يعتبر أقوى قوة عربية، إلا أنه تم تحييده من اليوم الأول للحرب على فلسطين.

وهنا لا يجد مؤلف الكتاب ما يدعوه للتعجب من عبارة غلوب عن الحرب الزائفة لأنه كان يدرك تماما القيود التي فرضت على عمليات الفيلق فضلا عن اطلاع غلوب على أسرار المشاورات العربية العامة وعمليات الإعداد للحرب، وكان هذا الجنرال يعلم أن الاستعدادات التمهيدية للجيوش العربية الأخرى للقيام بعملية إنقاذ فلسطين بدون فعالية تذكر، شأنه في ذلك شأن بقية المستشارين العسكريين البريطانيين المنتشرين في كثير من الجيوش العربية آنذاك.

وقد وجدت القوات العربية التي دخلت فلسطين أن خطوط امداداتها قد طالت كثيرا مما هددها بعدم الحصول على ذخيرة لأسلحتها العتيقة السيئة، ثم ما لبث ضباطها أن اكتشفوا أن التنسيق بين مختلف الجيوش العربية مفقود، وأن الأسلحة لن تصل إليهم لعدم توافرها في بلادهم.

وقد شحت الأسلحة لأن بريطانيا وفرنسا أعلنتا فرض حظر على إرسال الأسلحة إلى فلسطين مما أصاب الجيوش العربية بالشلل لأن الدولتين كانتا المورد الوحيد للسلاح إليها، غير أن ذلك لم يؤثر بشيء على القوات اليهودية التي وجدت موردين مرحبين للسلاح من الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية. وفي نفس الوقت لم تتوقف عمليات التطهير العرقي في فلسطين، وأصبح لدى إسرائيل قوات تكفي للتعامل مع الجيوش العربية والاستمرار في تطهير الأراضي من أصحابها.

ويؤكد المؤلف بالتالي أنه أصبح من الواضح في تلك الفترة أن الأسطورة الإسرائيلية الأساسية التي زعمت هروب الفلسطينيين بإرادتهم عند بدء الحرب استجابة لطلب الزعماء العرب لإخلاء الطريق أمام الجيوش الغازية هي أكذوبة لا أساس لها من الصحة. ومازالت الكتب المدرسية الإسرائيلية حتى اليوم تروج لأكذوبة أخرى يصفها المؤلف بأنها «مجرد فبركة» تتحدث عن محاولات يهودية مزعومة لحث الفلسطينيين على البقاء.

والكل يعرف أن مئات الآلاف من الفلسطينيين طردوا من بلادهم بالقوة قبل أن تبدأ الحرب، كما طرد عشرات الآلاف في الأسبوع الأول من الحرب. وهكذا فإن يوم 15 مايو 1948 لم يكن يوما ذا معنى خاص بالنسبة للفلسطينيين آنذاك ولكنه مجرد واحد من أيام الروزنامة المرعبة للتطهير العرقي الذي كان قد بدأ قبل ذلك اليوم بخمسة أشهر.

توجهات بن غوريون

وفي الفصل السادس يلفت النظر موقفان للمسؤول الأول عن المذابح وحرب الإبادة وهو دافيد بن غوريون: الموقف الأول هو عدم اهتمامه بمصير المستوطنات اليهودية الواقعة في مناطق بعيدة ومنعزلة عن غيرها من المستوطنات وقد تعرض بن غوريون لانتقادات كثيرة من المؤرخين الإسرائيليين لأنه اتخذ قرارا استراتيجيا يقضي بترك المستوطنين اليهود في المستوطنات الضعيفة الواقعة في قلب الدولة العربية وفق التقسيم أو في أقصي أطراف البلاد.

وكان مبرره في التضحية بأرواح أبناء جلدته هو أن عمليات التطهير العرقي هي الأهم والأولى في أجندته. ويكشف هذا الموقف عن دموية هذا الرجل وولعه بإبادة الشعب الفلسطيني. أما الموقف الثاني فيبدو من خلال ما جاء في يومياته بتاريخ 24 مايو 1948 عندما بدأ التفكير في غزو الضفة الغربية ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان.

ويصف المؤلف ما جاء في اليوميات بأنه يكشف عن جوع ذلك الإرهابي للسلطة. يقول بن غوريون: «سوف نقيم دولة مسيحية في لبنان تكون حدودها الجنوبية هي نهر الليطاني. وسوف نحطم شرق الأردن ونقصف عمان وندمر جيشها ثم نسقط سوريا، وإذا ظلت مصر تقاتل فسوف نقصف بورسعيد والإسكندرية والقاهرة. وسوف يكون ذلك انتقاما لما فعله (المصريون والآراميون والأشوريون) لآبائنا الأولين في العصور التوراتية».

وفي نفس ذلك اليوم 24 مايو 1948 تسلم الجيش الإسرائيلي شحنة ضخمة من المدافع الحديثة الجديدة من الكتلة الشيوعية. وهكذا أصبحت إسرائيل تمتلك قوة مدفعية لا تضاهيها القوات العربية داخل فلسطين ولا جميع الجيوش العربية مجتمعة. ويشير المؤلف هنا بوجه خاص إلى أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي كان الأداة الرئيسية في تدبير تلك الصفقة.

وبذلك استطاعت اللجنة الاستشارية الصهيونية الخلاص من حالة القلق التي انتابتها في البداية بشأن القدرة الكلية لجيشها للعمل على جبهتين بكفاءة عندما بدأت «الحرب الحقيقية». وتفرغ أعضاء اللجنة لتوجيه القادة إلى ما يفعلونه بالمجموعات الفلسطينية الصغيرة التي تركت في المدن المختلطة، وكان القرار الذي توصلوا إليه هو نقل جميع هؤلاء الناس إلى ضاحية معينة في كل مدينة وتجريدهم من حرية الحركة وإخضاعهم لنظام عسكري صارم.

وبعد أن يستعرض الكتاب التوسع في عمليات التطهير العرقي الموزعة على اثنتي عشرة كتيبة صهيونية، والأطماع الواسعة التي تتطلع إليها القيادة الصهيونية العليا في احتلال شمال الضفة الغربية وأجزاء من الجليل الأعلى وصولا إلى جنوب لبنان. يقول المؤلف: «مهما كانت وقاحة هذه الأطماع مع الاستمرار في عمليات الإبادة والتطهير العرقي، فإنها تكشف زيف أكذوبة أخرى كان الصهاينة يصرون على ترويجها وإقناع العالم بها، وهي تلك التي تدعي أن إسرائيل كانت تخوض ما يسمى «حرب البقاء».

وهكذا اندمجت الجبهتان معا: جبهة الحرب الحقيقية، وجبهة الحرب الزائفة، في تلك الأيام من شهر مايو حيث أصبحت القيادة العليا واثقة من قدرتها على إرسال وحدات إلى مناطق الحدود المتاخمة للدول العربية للاشتباك مع القوات العربية التي أرسلتها حكوماتها إلى فلسطين يوم 15 مايو 1948 بينما ركز لواءان يهوديان جرائمهما في عمليات التطهير العرقي على الحدود مع سوريا ولبنان ووقفت القوات اللبنانية والسورية القريبة من الحدود موقف اللامبالي وأدارت وجهها بدلا من المخاطرة برجالها.

عرض ومناقشة: صلاح عويس