في الوقت الذي بدأت تهدأ حدة الجدل الدائر حول ما إذا كانت هناك لقاحات للأطفال تتسبب في إصابتهم بالتوحد، أصدرت الإدارة الأميركية قرارا مؤخرا أعاد المشكلة إلى المربع رقم واحد ثانية. فقد أفادت مجلة (نيو ساينتست) العلمية في أحد أعدادها الأخيرة أن الحكومة الفيدرالية الأميركية قررت تعويض زوجين قالا إن لقاحات معينة تناولها طفلهما في سنواته الأولى وبالتحديد في عام 2000 تسببت في إصابته بمرض التوحد.

ولم يتم على الفور تحديد نسبة التعويض الذي سيحصل عليه الأبوان، غير أن التقارير تشير إلى أنه قد يصل إلى أكثر من مليون دولار. وبشكل تسبب في مزيد من اللغط، لم يذكر القرار الأميركي أي شيء حول ما إذا كانت تلك اللقاحات قد تسببت في إصابة الطفل بالتوحد، بل إن محاميي الحكومة قد خلصوا إلى أن تلك الأمصال تسببت في تفاقم خلل خلوي كان موجودا في جسم الطفل قبل أن يتناول تلك الأمصال، حيث نتج عن هذا بعض الانهيار في أنسجة المخ أدى في النهاية إلى أحد أشكال التوحد.

وعلى الرغم من عدم احتواء القرار على أي تفاصيل، إلا أن المناهضين للأمصال التي يتناولها الأطفال والذين تبنوا حملة كبيرة ضدها في الآونة الأخيرة استغلوا القرار الأميركي الأخير لمعاودة الهجوم والتأكيد على وجود صلة بينها وبين الإصابة بالتوحد.

يقول خبراء التوحد إن السبب وراء دفع التعويض غير واضح حتى الآن. وقد شجع هذا القرار عددا كبيرا من العائلات على التقدم بدعاوى قضائية وصل عددها إلى 5000 دعوى للحصول على تعويضات فيدرالية بسبب إصابة أطفالهم بالتوحد نتيجة تناول بعض الأمصال. وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي فشلت بحوث علمية تتم على مدار عشرات السنوات في إيجاد أي صلة بين استخدام الأمصال والإصابة بمرض التوحد.

وتنقل المجلة عن عدد كبير من الباحثين قولهم إن الحكومة في أغلب الظن لن تدفع أي تعويضات للمشتكين. غير أن باعث القلق الرئيسي الذي ينطوي عليه القرار الأميركي الأخير هو أنه سيقوض ثقة المجتمع في أمصال الأطفال، لا سيما بعد المشكلات التي أثيرت حول استخدام الزئبق في بعضها. فعلى سبيل المثال أثار المرشح جون ماكين مسألة استخدام الزئبق في بعض الأمصال ودور هذه المادة في إصابة الطفل بالتوحد.

وكانت دراسة نُشرت مؤخرا قد أشارت إلى أن هناك دوراً لمادة الزئبق الموجودة في محتويات لقاح الأطفال في انتشار حالات التوحد. وحسب النتيجة التي خلص إليها الدكتور ديفيد غير وفريق بحثه من كاليفورنيا الذين قاموا بالدراسة فإنه منذ البدء في إزالة مادة الزئبق من مكونات لقاحات الأطفال فإن التقارير الواردة عن الإصابة بالتوحد وغيره من الاضطرابات العصبية قد انخفضت بمعدل كبير يقارب الـ 35%.

وكانت المؤسسة الطبية في الولايات المتحدة قد نفت عام 2004 أي أثر محتمل لكمية الزئبق في لقاحات الأطفال على نشوء التوحد أو غيره من الاضطرابات العصبية، ونصحت بعدم إجراء المزيد من الدراسات حول هذا الأمر نظراً لعدم جدوى ذلك.

وفي الوقت ذاته كثر الحديث من الباحثين المستقلين عن أن كمية الزئبق في اللقاحات التي يتعين على الأطفال أخذها هي كمية مرتفعة، فحتى عام 1989 كان لزاماً على الأطفال دون سن الدخول إلى المدرسة تناول 3 لقاحات فقط، بينما وصل عددها في عام 1999 إلى 22 لقاحا، التي يحتوي معظمها على الزئبق.

وأشارت إحصائيات التسعينات إلى أن 40 مليون طفل أخذوا لقاحات تحتوي على الزئبق بشكل أو بأخر، مما يعنى تعرض الطفل إلي تجمع كمية من الزئبق تعادل 187 ضعفاً للكمية التي يتعرض لها الطفل عادة في الحياة الطبيعية.

وكان التصرف الجيد هو من قبل الأكاديمية الأميركية للأطفال عام 1999 التي أسدت نصيحة إلى الإدارة العامة للخدمات الصحية في الولايات المتحدة بإزالة مادة ثيميروسال من لقاحات الأطفال كإجراء احترازي دون إشاراتها إلى الربط المباشر بين الزئبق وظهور التوحد.

وفي الوقت نفسه خلصت مجموعة من الأطباء كانت قد اشتركت منذ فترة في دراسة مثيرة للجدل أوحت بأن هناك علاقة بين تطعيم يعطى للأطفال ومرض التوحد- خلصت إلى أنه ليس هناك دليل كاف للتوصل لتلك النتيجة.

وكان إعلان نتائج الدراسة قد تسبب في إحجام الآباء عن تطعيم أطفالهم بمصل مركب ضد التهاب الغدة النكفية والحصبة والحصبة الألمانية بسبب علاقة محتملة بين هذا المصل ومرض التوحد واعتلال في الأمعاء على الرغم من عدم تقديم تلك الدراسة لعلاقة قطعية.

وتسببت المخاوف من التطعيم المركب في تدني نسبة الأطفال البريطانيين الذين يحصلون عليه. وقالت مصادر طبية إن مادة الثمروسال التي كانت تدخل في بعض التطعيمات المستخدمة للأطفال، لوقايتهم من الأمراض المعدية لا تتسبب في الإصابة بالتوحد، نافية بذلك ما أطلقته بعض التجمعات المعارضة للتطعيم وعلى رأسها تجمعات أولياء أمور الأطفال المصابين بالتوحد في الولايات المتحدة.

وكان الاهتمام قد ازداد بتوحد الطفل مع تطور الوضع الصحي عالميا وتجري دراسات عديدة حتى الآن لمعرفة أسبابه وخصائصه وتشخيصه لما له من تأثير كبير على نمو وتطور الطفل ومستقبله ولإيجاد طرق علاجية ناجحة تعتمد على التدخل المبكر في المعالجة لرفع كفاءة الطفل لتمكنه من مواجهة الحياة وتدبر نفسه بالقدر الممكن.

يذكر أن التوحد بشكل عام هو حالة عجز تطوري للمهارات لدى الطفل، فيتولد لديه خلل في الاتصال بالآخرين وخلل في العلاقات الاجتماعية والعاطفية والتواصل اللفظي وغير اللفظي واللعب التخيلي والإبداعي وسلوكيات محدودة تكرارية، وهذه الحالة النادرة تصيب في كثير من مناطق العالم واحداً من كل ألف طفل تقريبا أغلبهم من الذكور، وإن كانت مناطق ترتفع فيها الإصابة إما بشكل حقيقي أو نتيجة الاهتمام بالكشف عنه لدى الطفل أي تطور وسائل التشخيص.

وتشير بعض الدلائل السائدة إلى أن التوحد هو نتاج خلل وظيفي في المخ وليس نتاجا لأية تأثيرات بيئية أو عاطفية، بمعنى أنه ينتج عن اضطراب عصبي يؤثر على الطرق التي يتم خلالها جمع المعلومات ومعالجتها بواسطة الدماغ مسببة مشكلة في المهارات الاجتماعية التي تتمثل في عدم القدرة على الارتباط وخلق علاقات مع الأفراد، وعدم القدرة على اللعب واستخدام وقت الفراغ، مع عدم القدرة على التصور البناء.

وعند الولادة يكون الطفل التوحدي طبيعيا، ويظهر التوحد بوضوح خلال الثلاثين شهرا الأولى من عمر الطفل، فيبدأ الخلل في مهارات التواصل بالوضوح، فقد لا يتكلم هذا الطفل، أو يظهر عدم القدرة على التعبير عن الذات تلقائيا وبطريقة وظيفية ملائمة، كما يتجلى عدم القدرة على فهم ما يقوله الآخرون، وعدم القدرة على استخدام مهارات أخرى بجانب المهارات اللفظية لمساعدة الفرد في القدرة على التواصل.

بالتالي تظهر مشكلة التأقلم مع البيئة، فيصبح غير مستجيب للبيئة التي يعيش فيها، وهنا تظهر مشكلته في التأقلم معها والتي تكمن في عدم القدرة على القيام بعمل وأداء وظيفي بفاعلية وعدم القدرة على مسايرة وتحمل التغيرات المحيطة والتعامل.