أيا من يكن هو ذلك الذي وصف السودان بالوطن «الطويل القامة حافي القدمين»، وهو وصف تداولته بعض منتديات مثقفيه في فترة ما تلت وسمه ب«سلة غذاء العالم» بعد أن كان يوصف قبل ذلك ب«رجل افريقيا المريض».

وبغضّ النظر عن هذه الأوصاف التي جسدت مراحل متباينة للأوضاع الاقتصادية في السودان فان زائر هذا البلد اليوم سيجد هذا العملاق الأسمر لا يزال محتفظا بقامته الطويلة، ولكنه لم يعد حافي القدمين.. وسيجد «البلد الحبوب» وقد تهندم «بالجلابية والتوب والجبة والسديري» وانتعل «المركوب»، ووقف شامخا للترحيب بوفود الأشقاء التي بدأت تتدفق أخيرا، بعد أن خرج من عنق الزجاجة التي انحشر فيها لسنوات طويلة لأسباب يستدعي شرحها تتبع كل تاريخه السياسي الحديث.. وليس هنا المجال المناسب لذلك.. هذا الوطن القارة الذي يحتل مساحة مسطحة مستوية من الأرض تتجاوز مليوني كيلو متر مربع، تمتد على كافة الأقاليم المناخية المتنوعة (من صحراوي إلى شبه الصحراوي إلى السافنا فالاستوائي.

فضلا عن مناخ البحر الأبيض المتوسط)، وتشق تربتها البكر ثمانية أنهر عذبة، وتمرح في أرجائها أكثر من 130 مليون رأس من الماشية (من بقر وماعز وابل)، بدأ الآن يطل كمركز جذب اقتصادي، واتجهت نحوه «قرون الاستشعار» الاستثمارية.. أما «قرون الاستشعار» الصحافية فقد تتبعت، خلال زيارة للسودان رتبتها المحلقية الإعلامية في القنصلية السودانية بدبي لوفد من الإعلاميين من الإمارات، «ذبذبات» أفضى فك شفرتها إلى رصد «هجمة استثمارية» على السودان وتحديدا العاصمة الخرطوم التي تدعى «مقرن النيلين»، تشنها دول خليجية، تزامنت، صدفة أو ربما بتنسيق، مع «اقتحام» مصري على محور آخر.. شملت يوميات «الهجمة» الخليجية و«الاقتحام» المصري التي أمكن رصدها خلال وجود الوفد الإعلامي في الخرطوم:

ـ زيارة وفد إماراتي على مستوى عال. ـ زيارة وزير النفط والتعدين السعودي. ـ زيارة وفد كويتي ووضع حجر الأساس لمدينة ضخمة على الضفة الغربية من النيل الأبيض، لتمتد من أطراف أم درمان الجنوبية حتى جبل أولياء جنوبا. ـ زيارة لوفد مصري وافتتاح ملتقى الاستثمار السوداني المصري. - الإمارات وواحة الخرطوم: وكان قد سبق محادثات الوفد الإماراتي مع المسؤولين السودانيين الإعلان عن تفاصيل مشروع عقاري ضخم في قلب الخرطوم وفي مؤتمر صحافي عقدته الشركة القائمة بهذا المشروع. وكشفت إدارة مشروع «واحة الخرطوم عن إعداد خطة تسويق وعمل إشراف شركة «ديار» للتطوير العقاري، ومركزا تسويقيا للمشروع وفقاً للمعايير العالمية. وأبانت انه تم إعداد التصاميم النهائية وجداول الكميات ومستندات العطاء وتوزيعها على الشركات المستهدفة عبر الاستعانة ببعض بيوتات الخبرة. وقالت إنها استلمت العروض المالية من الشركات الخارجية لإكمال المشروع بنهاية العام الجاري.

من جهته، أعلن والي الخرطوم د. عبد الحليم المتعافي عن موافقة ولايته على ضم ميدان الأمم المتحدة لمشروع واحة الخرطوم ليكون امتداداً لها، على أن يكون موقفاً للسيارات ومتنزهاً مفتوحاً للجميع، تشيده إدارة الواحة وفق أحدث الطرز ليكون متنفساً لوسط الخرطوم، كما أعلن عن أن الافتتاح الرسمي لأبراج الواحة سيكون نهاية العام الحالي، بعد اكتمال كافة المشروعات المتعلقة بها من طرحٍ للمحال التجارية والمكاتب للإيجار وخلافه، والتي قال مديرها الوليد فائت إنها ستطرح مطلع يونيو المقبل، رغم تسلمها للكثير من الطلبات.

وكان هذا المشروع مر بمراحل عدة تميزت بعضها بالإنجاز والتحدي والجزء الآخر بالركود، حيث واجه المشروع عقبات أبرزها التمويل مما أدى إلى تأخير في مراحل التنفيذ مما دعا إلى تولي المشروع إلى شركة الإمارات الوطنية المحدودة من مطلع عام 2006م واستطاعت الشركة أن تنقل المشروع إلى أرض الواقع.

الكويت ومدينة النور

أما المشروع الثاني فكان مشروع «مدينة النور» بأم درمان الذي دشنه علي عثمان محمد طه نائب الرئيس البشير، والذي تنفذه شركة (قراند) الكويتية على الضفة الغربية للنيل الأبيض على امتداد واجهة نهرية بطول 46 كيلو مترا أي ان المدينة ستمتد من أطراف ام درمان الجنوبية حتى منطقة جبل أولياء.

وسيتم تنفيذ المرحلة الأولى للمدينة على مساحة 17 مليون متر مربع، وتشمل المرحلة الأولى مناطق تنظيمية متكاملة بحيث تكون مشروعا قائما بذاته ويحتوي على مناطق سكنية ومناطق للتجارة ومراكز أعمال ومناطق للسياحة والفنادق والترفيه ومناطق للمرافق والخدمات العامة والمناطق اللوجستية، وستكون هناك مساحات خضراء تساوي نصف المساحات المعمرة. وقال سامي البدر رئيس مجلس إدارة شركة قراند الكويتية بالسودان إن المشروع سيكون نموذجا للاستثمار بالسودان وبداية لفتح مجالات استثمارية أخرى.

والمشروع الذي يتكلف في جملته 7 مليارات دولار تقريبا وهو باكورة مشاريع شركة (قراند) إذ سيتلوه بعد قليل بنك استثماري يعنى بالزراعة والصناعة والطاقة والغابات والحبوب بشكل عام، حسبما قال رئيس مجلس إدارة الشركة الدكتور سامي البدر الذي أكد أن انجاز مدينة النور سيستغرق بين 5 إلى 7 سنوات.

وقال إن شعب الكويت يثق كثيرا في أن شعب وحكومة السودان سيتجاوزان هذه المرحلة ليلعب السودان دوره المنتظر كبوابة لافريقيا. وقال «اننا كمستثمرين نثق ونؤكد أن السودان الذي أعطى الكثير وأسهم في نهضة الكويت ودول الخليج العربي قد حان موعد رد الجميل له». وقال إن «العرب يعانون كثيرا في أمر الغذاء ولا حل لهذه المشكلة إلا في أرض السودان المعطاء والتي تتمتع بكثير من الميزات والموارد». ودعا القطاع الخاص في الكويت للاستثمار في السودان حتى يسهم السودان في إعادة خريطة الاقتصاد العربي.

السعودية وكنوز البحر الأحمر

وبالتزامن مع افتتاح هذه المشاريع وصل وزير النفط السعودي المهندس علي بن إبراهيم النعيمي على رأس وفد رفيع المستوى لبحث أوجه التعاون المشترك بين السودان والسعودية في شتى المجالات عامة والمتعلقة بالطاقة خصوصا «اكتشاف كنوز البحر الأحمر» الذي يطل عليه البلدان. وكان وفد برئاسة وكيل وزارة النفط السعودية وعدد كبير من المسؤولين فيها قد سبق الوزير إلى الخرطوم وأجرى محادثات مستفيضة. وذكرت تقارير نشرت في الخرطوم ان قاع البحر الأحمر السوداني به حوالي 18 موقعاً ممتلئا بما يسمى (أجاج ملحي ساخن) مختلط بطبقات معدنية مهمة نالت دراسات مكثفة، وبهذه المواقع المذكورة أكثر من 100 مليون طن، تحوي فلزات الفضة والحديد والنحاس والزنك.

تعاون زراعي

وفي مجال آخر كشف مسؤول في السفارة السودانية في الرياض، عن أن بلاده بدأت في استقبال طلبات سعودية مكثفة بغرض إقامة مشاريع زراعية تتركز في إنتاج القمح والحبوب والأعلاف والتي وضعت المملكة قيوداً على عمليات إنتاجها نظراً لأزمة شح المياه تقدر بحوالي ست مليارات دولار أميركي. وقال المستشار الاقتصادي في السفارة إن حركة كبيرة من جانب السعوديين منذ مطلع العام لجهة بحث إقامة مشاريع زراعية ضخمة، مشيراً إلى أن وفوداً من شركات «الوطنية» و«نادك» وحائل وإدكو وشخصيات استثمارية زارت السودان أخيراً أظهرت اهتماما جلياً ورغبة في إقامة مشاريع.

وتوقع المستشار الاقتصادي أن تجتذب السودان استثمارات سعودية قدرها 6 مليارات دولار بنهاية العام المقبل تتركز معظمها في القطاع الزراعي. وتأتي هذه التحركات المتسارعة للمزارعين السعوديين على خلفية قرار الحكومة السعودية في يناير الماضي التوقف عن زراعة القمح والتحول إلى استيراد كل احتياجاتها السنوية بالكامل بحلول العام 2016 بموجب خطة لتوفير المياه.

وحرصت وفود سودانية زارت المملكة تباعاً خلال الشهرين الماضيين على لقاء مستثمرين سعوديين وترويج فرص الاستثمار الزراعي في بلادهم، إذ تقدر الأراضي الزراعية بنحو 200 مليون فدان صالحة للزراعة. وأبلغت الحكومة السودانية المستثمرين السعوديين بامتيازات أهمها إعفاء مدخلات المشروع الرأسمالية من الرسوم الضريبية وكذلك إعفاؤها من ضريبة أرباح الأعمال لمدة 10 سنوات إضافة لميزات أخرى تهدف إلى جذب استثمارات استراتيجية.

الملتقى الاستثماري السوداني المصري

وفي غمرة هذا النشاط الاستثماري الخليجي المحموم انطلقت، على المحور الآخر، فعاليات ملتقى الاستثمار المصري السوداني بالخرطوم.وشملت البرامج التي خرج بها الملتقى مجالات الاستثمار التي تم الاتفاق عليها والمتمثلة في المشروعات الزراعية والتصنيع الزراعي والغذائي ومجالات البنية التحتية علاوة على النقل البري والبحري والنهري والخدمات المالية المختلفة لدعم الاقتصاد في البلدين بالإضافة إلى مجالات الاستثمار في الطاقة والتعدين بالتركيز على النظام الخاص للاستثمار في المجال الزراعي والثروة الحيوانية.

ورسم الملتقى صورة زاهية لمستوى التعاون والعلاقات الاقتصادية من خلال الكلمات التي قيلت ومحضر الملتقى الذي تم التوقيع عليه من وزيري الاستثمار في البلدين.وقد اتفق الجانبان السوداني والمصري في ختام الملتقى الاستثماري المشترك علي تشكيل لجنة للتعاون الاستثماري بين البلدين تجتمع بالتناوب وبالتنسيق بين وزارتي الاستثمار في البلدين.

واتفق الجانبان السوداني والمصري في ختام الملتقى على انشاء مشروعي أرقين وأبو سمبل على الحدود المصرية ـ السودانية، بهدف إنشاء مزرعة تجريبية بمساحة عشرة آلاف فدان ويتم من خلالها دعم محطتي بحوث دنقلا في السودان وأبو سمبل في مصر للإشراف على هذه المزرعة، كما اتفقا على بذل الجهود كافة الخاصة بإحيائه لكونه من المشروعات كثيفة العمالة ذات الأثر الفعال في تغطية احتياجات البلدين من الأمن الغذائي.

النموذج الإماراتي

حركة الاستثمار التي نشطت في الآونة الأخيرة كان قد تطرق إليها، عرضا، وزير الخارجية السابق، مستشار الرئيس حاليا، الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل.. أثناء حديثه للوفد الإعلامي الزائر مشيرا خصوصا إلى أن جنوب السودان يحتاج إلى تنمية حقيقية. وبعد أن توجه إلى الوفد الإعلامي القادم من دبي بالكلام قائلا «بالطبع تابعتم زيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية سيلفا كير إلى الإمارات».

أكد الدكتور إسماعيل أن «الإمارات ستدخل في استثمارات ومشروعات ضخمة في الجنوب في مجالات متنوعة مثل النفط والسياحة والفندقة والمصارف.. وغيرها» قبل أن يضيف: «وهذا نموذج لما يمكن أن تقدمه الدول العربية لترسيخ وحدة السودان.. واستراتيجيتنا للمرة القادمة تتجه إلى ترتيب مثل هذه الزيارات إلى كل الدول العربية حتى يشعر أبناء الجنوب بأن العرب هم الأقرب لهم ثقافيا وسياسياً واقتصادياً وهم الذين يشعرون بمعاناتهم أكثر من غيرهم».وقال «ضمن استراتيجيتنا اجتذاب الاستثمارات العربية على طول وعرض السودان وصولاً إلى جعله بالفعل سلة الغذاء العربي ان لم تكن العالمي».

من تغير: الإنقاذ أم الآخرون؟

وفي حوار ساخن وشيق مع الدكتور كمال عبيد وزير الدولة بوزارة الإعلام والاتصالات، تناول أكثر من محور (وينشر بالتتابع منثورا في كل حلقة من حلقات هذه السلسلة من التحقيقات)، سألته عن سر هذه «الهجمة» الاستثمارية الخليجية المفاجئة والتي أتت بعد انسحاب نحو عقدين من عمر حكومة «الإنقاذ»، فعزا ذلك إلى «السياسات الاقتصادية التي باتت تنتهجها الحكومة الآن».

ويشير الوزير السوداني، الذي سطع نجمه مؤخرا وبات ضيفا ثابتا على الصحف اليومية، إلى أن «الدولة في بداية التسعينات اختارت نظاماً اقتصادياً حراً، واستتبعت ذلك بتعديل النظم والقوانين والإجراءات التي تستلزم حرية الاقتصاد». ويستطرد «رغم ذلك فإن الجهات التي كان لديها استعداد للتعامل معنا كانت تصطدم ـ في فترة من الفترات ـ بالواقع الذي استصحبناه معنا من فترة الاقتصاد التحكمي، وكان ذلك في ظل واقع سياسي يسوده التوتر اما الآن فان الدولة تجاوزت هذه السلبيات.. وبالقدر نفسه تجاوزت بعض المشكلات السياسية التي كانت تسود بين السودان ودول الخليج على وجه التحديد والدول العربية والأجنبية الأخرى على وجه العموم».

ـ فضلاً قبل أن تسترسل.. هل نظام الإنقاذ هو الذي بادر بتغيير سياساته أم أن هذه الدول هي التي غيرت سياساتها؟

ـ بالطبع لا يمكن أن تعالج أي معادلة بمعامل واحد.. المسألة تتدخل فيها أكثر من معامل.. بمعنى ـ وهنا أتحدث عن الجانب الذي يلينا ـ نحن بصراحة كان لنا إسهامنا في إحجام الخارجي عن الدخول في السودان.

ـ عفواً من تقصد بـ «نحن»؟

ـ أقصد نحن كدولة وكمجتمع سوداني.. أما نحن كحكومة «إنقاذ» فلسنا من اختار النظام الاقتصادي التحكمي، ولسنا نحن من ابتدع المصادرات وتأميم الشركات، إنما قامت بذلك الدولة السودانية في حقبة من الحقب.. بل «الإنقاذ» هي التي بادرت إلى تطبيق سياسة تحرير الاقتصاد.

لا تصادم بل سوء فهم

ـ لكن هذه «الإنقاذ» كانت تتبع في أيامها الأولى اتجاها تصادمياً في المجال السياسي، تجاه دول الخليج.. ويمكننا أن نتذكر التفاصيل..أليس كذلك؟

ـ لا.. لا.. لم تكن تصادمية بل كانت تفسيراً لمواقف اتخذها السودان في ذلك الأوان.. والآن نجد أن دول الخليج تستفيد منها.. فالآن نجد أن الإرادة الحرة للحكومة السودانية هي التي جعلت موقف السودان في فترة من الفترات متميزاً عن دول أخرى، وكان ذلك خصماً على علاقة السودان مع الآخرين.. لكن نفس هذه الإرادة الحرة هي التي أصبحت تجذب عدداً من الدول للتعامل مع السودان بناءً على أن هنالك الآن قراراً سياسياً مستقلاً.

وفي الخلاصة فإن القرار السياسي الحر والقرار الاقتصادي الحر للسودان هو ما دفع دول الخليج إلى الاندفاع في التعاون الاقتصادي مع السودان تحت دافع الاطمئنان إلى أن هذا البلد لن تتأثر تعاقداته الاقتصادية بالمواقف السياسية.. إضافة إلى ذلك فإن مستوى الأداء الاقتصادي في السودان شهد نقلات جريئة كانت واضحة أمام أعين أي مراقب في المجال الاقتصادي.

وسط الخرطوم يتلفح بالعباءة الخليجية

تجتاحك لواعج الشجن والحنين عندما تداهمك ذكريات «الزمن الجميل» وانت تهيم في جولة حرة بعد أن تدلف من باب فندق «التاكا» الذي تحل فيه، والقابع في وسط «السوق العربي» في قلب الخرطوم. منظر«السوق العربي»، الذي كان يوما يضج بالحياة، يبدو اليوم وكأنه بقية من ساحة معركة بائسة.. لا حركة ولا حراك فيها إلا من بقايا متفرقة من سابلة يهيمون بلا أمل على طرقاته التي صارت منبعا للأشجان والحنين.

تفيق من وهدة هذه الشجون وقد جذبت ناظريك لافتة ضوئية تدل على أنك أمام «فندق دبي».. وبينما تختلط في ذهنك الخواطر وتحاول الهرب من ورطة المقارنة الساذجة بين دبي وهذه البقعة المتربة الوحشة. وسرعان ما تفاجئك لافتة أخرى:«فندق الشارقة»..ثم «فندق البحرين».وتتوغل أكثر في أزقة السوق العربي فتجد عدد من «البنسيونات» بأسماء «مكة» و«المدينة» و«قباء».

تمتشق الكاميرا من حقيبتك لتوثق ما اعتبرته صرعة جديدة ربما تواكب «الهجمة الاستثمارية الخليجية». يعترضك رجال أمن يقبعون أمام فندق «البحرين» وينتهي الجدل بان تقف أمام مدير الفندق لتستأذنه لتصوير اللافتة.يأذن لك بعد تردد لكنه لا ينسى أن يزودك بمعلومة مفادها أن اسم «البحرين» ليس مقترنا بالدولة الخليجية وإنما يقصد به «النيلين».

ـ ولماذا لم تسموه «فندق النيلين»؟

ـ لان القرآن الكريم لم يرد فيه ذكر «النيلين» إنما يقول سبحانه وتعالى «مرج البحرين يلتقيان»!

تشكره وتغادر دون تعليق.

تعود إلى الفندق.. وما ان تجلس على طاولة في البهو الفسيح لتدون بعض الخواطر وهي بعد طازجة، وفي اللحظة التي تطوف بذهنك فقرات من تحقيق مؤثر عن شارع «الجمهورية» العتيق كان قد نشر في «البيان»، تلجمك دهشة الصدفة: ها هو صديقك الصحافي محمد الاسباط، الذي طرز ذلك التحقيق، يقبل نحوك!

تخبره بما كان.. وتغوصان في سيرة السوق العربي فيفيض الحديث في أكثر من اتجاه حول هذا «السوق العربي» الذي ظل يماثل النقيض التجاري السرمدي ل«السوق الأفرنجي» الذي يجاوره على الطرف الآخر من قلب العاصمة، في سياق ثنائيات السودان الكبرى «الجنوب والشمال».. «الزنوجة والعروبة».. «العاصمة الوطنية (أم درمان) والعاصمة الافرنجية الخرطوم»، وإلى عهد قريب كان هذا السوق مهد كل ما هو سوداني من صناعة الجلابيب وعرض الثوب السوداني مرورا بعطور «بت السودان» و«السيد على» وسائر المنتجات السودانية الخالصة. كما كان تجاره رموزا لكل ما يمثل السودان بمختلف منظوماته الثقافية والقيمية وحتى الاثنية.

وإلى عهد قريب أيضا كان السوق العربي ساحة لكل ما هو شعبي في السودان حتى أتى حين من الدهر أضحى فيه السوق العربي أكثر الأمكنة ازدحاما في السودان بعد أخرجت الحروب الأهلية أثقالها ودفعت بالهاربين من جحيمها إلى العاصمة حيث ترتكز الخدمات ومظاهر التنمية والمدنية..انتشروا في شوارعها يطارد بعضهم الرزق بتجارة هامشية فوضوية، ويصطاد بعضهم الآخر جيوب مرتادي السوق المزدحم.. غير أن السوق العربي أضحى الآن فراغا يسرح فيه القليل جدا من الباعة المتجولين بعد أن تم تحويل مواقف المواصلات العامة إلى مواقع جديدة متفرقة.

في اليوم نفسه تجمعك الصدفة بالبحاثة الموسوعة الدكتور عبد الله حمدنا الله والكاتب الإسلامي عبد المحمود الكرنكي، في مكتب رئيس تحرير صحيفة «الأحداث»، عادل الباز. وتتحول الدردشة في احد فصولها إلى الحديث عن «السوق العربي» فيحيلك الدكتور حمدنا الله إلى مراجع عديدة تناولت تاريخ هذا المكان.ويأبى الكرنكي إلا أن يلقي بملاحظة متخمة بنظرية المؤامرة عندما يشير إلى أن المستعمرين الانجليز هم من أطلقوا اسم «السوق العربي» على المحال التجارية التي قامت على الجهة الجنوبية من وسط الخرطوم وهي الجهة التي كانت، ولا تزال، متواضعة الحال مقارنة بالجهة المقابلة من وسط المدينة حيث «السوق الافرنجي» وهو اسم أطلقه الانجليز ـ حسب الكرنكي ـ ليضفي إسقاطات واضحة تدل على التمدن مقابل التخلف.

الخرطوم ـ محمد خليل كاره