داخل طائرة طيران الإمارات المتجهة من دبي إلى الخرطوم، تخيرك مضيفة حسناء بين عدة صحف لتزجي بها وقتك طوال الرحلة التي ستمتد إلى نحو أربع ساعات متواصلة.. وعندما تطلب نسخة من كل صحيفة من المجموعة التي تعرضها، تكتم المضيفة «المضياف بحق» دهشة في خفر، لكنها تلبي طلبك مقرونا بابتسامة آسرة.
تطالع الصحف وتتخير من بين صفحاتها أخبار السودان على وجه الخصوص فيطل عليك من بين السطور في أكثر من صحيفة الوزير نفسه الذي تصادفه كل يوم تقريبا خلال متابعتك للأخبار وأنت من تمتهن هذه المتابعة.. تحدث نفسك: «لو لم تظفر في نهاية هذه الرحلة الصحافية التي تنظمها ملحقية الإعلام بالقنصلية السودانية في دبي لمجموعة من الإعلاميين في الدولة، سوى بحوار مع هذا الرجل، لكفاك حصيلة». تطالع صحف الخرطوم صبيحة اليوم التالي غداة الوصول، فتجد الرجل نفسه محتكرا «مانشيتاتها».. تجتاحك الرغبة في أن تحاوره للتو وما تلبث أن تغرق في الدهشة:انه هو من سيبدأ به برنامج لقاءات الوفد الزائر مع المسؤولين في الخرطوم.. ولسبب ما خارج عن إرادتك تتخلف عن لقاء الوفد به.. تنشغل في دوامة برنامج الرحلة طوال عشرة أيام يظل خلالها الرجل «نجم» الصحافة الأول.. ويزداد إصرارك على محاورته ويقيض الله لك من يرتب اللقاء معه..
ها أنت الآن أخيرا أمام «الصيد الثمين»، الدكتور كمال عبيد، وزير الدولة بوزارة الإعلام الذي تسنم هذا المنصب مؤخرا وان كان معروفا، كأحد أهم الكوادر القيادية لحزب المؤتمر الوطني المهيمن على الحكم والذي يتزعمه رئيس البلاد المشير عمر البشير.
ولما كان الدكتور عبيد محتفظا إلى جانب الوزارة بمنصب أمين أمانة الإعلام في حزبه ما يعني انه الناطق باسم الحزب، فقد ظل في لجة المعارك السياسية المستعرة في السودان.. التي نتابع جزءا منها في سياق الحوار التالي: وقبل ذلك دعوني أحفظ للرجل فضل ما لمسته من رحابة صدر وطول بال مقرونا بمهارة في عرض الأفكار.. وان شاب ذلك شيء من «الدهاء المراوغ» فذلك شأن كل سياسي حذق.. تستطيع أن تخرج منه بحوار مفيد ومثير في آن..
* في تصريحات أبرزتها صحافة الخرطوم قبل أيام، وفي إطار حديثه عن آفاق حوارات المؤتمر الوطني مع القوى السياسية الأخرى، قال مساعد رئيس الجمهورية والرجل الثاني بعد الرئيس في المؤتمر الوطني «نحن لسنا أغبياء حتى نجعل من حزبنا في وضع الأقلية في أي صيغة حكم قادمة». ويسيطر على الساحة السياسية الآن الحديث عن اتفاقات وشيكة بين المؤتمر والكيانات السياسية الكبرى. في أي إطار نقرأ ما يجري.. هل إشارات مضللة أم هي خيارات مفتوحة؟
ـ لا.. بالعكس.. هذه سياسة ثابتة.. المؤتمر الوطني حزب له مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة في السودان.. وقدم من هذا المنطلق مجموعة من الحلول أصبحت ـ مهما كان الاختلاف حولها ـ مركز التلاقي لكل القوى السياسية.. والفرصة متاحة الآن بالفعل لهذا التلاقي.. نحن من أول يوم كنا نسأل أنفسنا: ماذا بيننا وبين القوى السياسية؟.
كانت قراءتنا للمراحل السياسية السابقة تفضي إلى أن أزمة الحكم في السودان لا تكمن في من يحكم بل في كيف يحكم.. ما هي الأسس التي يبنى عليها الحكم؟ وبناء على هذه الفكرة عقدت «الإنقاذ» في أيامها الأولى سلسلة مؤتمرات حول الحوار الوطني والقضايا المختلفة.. كانت دعوة للأطراف المختلفة للمشاركة في الحكم.. فشارك من شارك وعزف عن المشاركة آخرون.
لكننا توصلنا الآن إلى حلول ومعالجات باعتبار أن السودان يمر الآن بفترة انتقالية والفترات الانتقالية أكثر الفترات هشاشة في تاريخ الأمم.. ومن أجل أن تصلب هذه الفكرة لابد من تحقيق أكبر إجماع متاح حول القضايا المختلف عليها.. نعلم أنه ليس بالإمكان تحقيق إجماع مئة بالمئة، ولكن هنالك قضايا كلية يمكن أن يحصل حولها إجماع..
ونحن في لقاءاتنا المشتركة، سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف مع القوى السياسية المختلفة نريد أن نصل إلى هذه المشتركات.. وتقديرنا الآن، حسبما برز في آخر اجتماع يخص هذه القضية، أن مساحة المشتركات بيننا وبين القوى السياسية هي الآن أكبر مما كانت عليه في أي فترة سابقة.
ولذلك هنالك ترحيب بأن تصل الفترة الانتقالية إلى منتهاها بقيام الانتخابات، بناء على قرار على درجة عالية جداً من التراضي والاتفاق.. وهذا يمكن تحقيقه الآن أو تحقق بالفعل.. ففي خلاصة الحوارات التي جرت بيننا وبين القوى السياسية المختلفة، بعضها إما محاضر جرى التوقيع عليها كاتفاقيات موقعة.. وإن كانت قد بقيت نقاط خلاف فإنها لا تكاد تتجاوز نقطة واحدة من مجمل 14 نقطة في معظم الاتفاقيات، ونقطة الخلاف الوحيدة هذه ليست قضية جوهرية.
* ما هي هذه النقطة تحديداً؟
ـ الخلاف الآن حول أفضل الصيغ التفصيلية في النظام الانتخابي.. نحن نتبنى صيغة النظام الانتخابي المختلط.. والقوى السياسية كلها موافقة على ذلك.. الاختلاف فقط حول تحديد النسب وحول طبيعة القوائم هل تكون مدمجة أم مستقلة.. باختصار الخلاف حول تفصيلات فنية يمكن أن تحسم من خلال اللجان الفنية المشتركة بيننا وبين هذه القوى السياسية.
لكن الخط السياسي العام يؤشر إلى نقلة كبيرة جداً في تاريخ السودان بان يتحول نظام الانتخابات من النظام الانتخابي الحر المباشر إلى النظام الانتخابي النسبي لأول مرة في تاريخ البلاد.. رغم أن الاختلاف حول هذه المسألة في القطاع الطلابي سبق أن أدى إلى كوارث في فترة من الفترات، الآن الساحة السياسية تجاوزت هذه المرحلة.
* هنالك من يشير إلى صراع داخل المؤتمر الوطني نفسه.. هل هنالك إجماع حول ما يجري؟
ـ عندما تتحدث عن صراع داخل المؤتمر الوطني وكأنك تقارنه مع ما يجري داخل أحزاب أخرى.. المؤتمر الوطني قائم على مؤسسات.. الرأي الذي يخرج من هذه المؤسسات لا أحد يخرج عنه.. القضايا تطرح في مستويات معينة وتناقش عبر الأجهزة المعنية حتى يصدر القرار.. وبصدوره يدافع عنه كل الحزب بكل مستوياته.
* طبعاً نفس هذا الكلام نسمعه من الأحزاب الأخرى.. ولكن أعود وأكرر السؤال.. ألا يوجد أي صراع داخل المؤتمر الوطني؟.. ألا توجد مراكز قوى معينة؟
- ليس صحيحاً أن الأمر نفسه ينطبق على الأحزاب الأخرى.. ثانياً: أؤكد بثقة أنه لا وجود لصراع داخل المؤتمر الوطني ولا وجود لمراكز قوى فيه.. أنا أتحدث من منطلق انخراطي داخل الأجهزة.. ثم مإذا تقصد بالصراع.. الصراع بين من ومن. ؟ القضايا الكلية نحن على اتفاق حولها.
* (مقاطعة).. بوضوح أكثر.. هنالك حديث في الشارع السياسي يشير إلى صراع يتلبس أحياناً حتى لبوس الجهوية.. هنالك من يتحدث عن مجموعة «الشايقية» و«الجعلية» (قبيلتان في شمال البلاد).. هل هذا صحيح؟
- (مقاطعاً).. هل هذا الحديث يخرج من دوائر المؤتمر الوطني؟ أم من جهات أخرى؟
* هذا ما يتردد في الشارع..
- ليس في الشارع السياسي العام.. هنالك جهات سياسية لديها إشكالات فتلجأ إلى السعي لإصباغ المؤتمر الوطني بصبغة تهدف إلى تشويه صورته.. ولكن نحن الحزب الوحيد الذي تجتمع مؤسساته بصورة منتظمة ومفتوحة للكل.. فعلى سبيل المثال عندما نعقد المؤتمر العام لحزبنا لا يقتصر الأمر على أن يدعى الناس لجلسة افتتاحية وسماع خطاب من رئيس الحزب فحسب، بل يحرص الجميع على حضور كل الجلسات التالية ولذلك....
* (مقاطعة) دعنا ننتقل إلى ملف الانتخابات.. هل سيخوض المؤتمر الوطني هذه الانتخابات وحده أم متحالفاً مع حزب أو أحزاب أخرى؟
ـ نحن نفضل أن نخوضها متحالفين رغم أننا كحزب سياسي نريد أن نثبت للآخرين إلى أي مدى الشارع السياسي السوداني ملتف حول المؤتمر الوطني.. ولكن ـ كما سبق أن ذكرت - لأن هذه الفترة فترة انتقالية والفترات الانتقالية تستلزم أن تستجمع فيها قدراً عالياً من الوفاق، فإننا نفضل أن نخوض الانتخابات متحالفين.
* مع من تفضلون التحالف؟
ـ مع كل القوى السياسية دون استثناء.
الحوار مع حزب الترابي
* يتداول الشارع السياسي أيضا الحوار الذي يجري بينكم وبين المؤتمر الشعبي «حزب الترابي»وبما أنكم كنتم سابقاً في كيان واحد قبل الانشقاق الشهير، تخرج إشارات متضاربة وغامضة عن اندماج المؤتمرين أو التحالف بينهما.. إلى أين وصلتم في هذا الجانب؟ وهل داخل المؤتمر الوطني أي خلاف إزاء هذه القضية؟
ـ هي ليست إشارات غامضة.. وأحيلك إلى كل ما قيل من طرفنا فستجد التعبير الواضح الذي يشير إلى أن كل ما يجرى الآن حيال المؤتمر الشعبي هو عبارة عن مبادرات على المستوى الشخصي لم ترق حتى الآن إلى مستوى يستلزم المعالجة على مستوى البعد السياسي.
* وما هو سقف هذه المبادرات؟
ـ سقفها يحدده مستوى نضوج هذه المسألة وعندما تنضج لا سبيل لإقرارها وإجازتها إلا عبر الأجهزة المؤسسية المعنية.. الأمر يجري على المنوال نفسه مع القوى السياسية الأخرى.. فقد كان يجرى حوار مع الحزب الشيوعي بدأ خارج الأطر ثم دخل إلى الأجهزة وكذلك الأمر مع الحركة الشعبية.
* حسناً.. ولكن الأمر لم يكن ليصل إلى حد الاندماج مثلما يقال الآن بشأن حواركم مع المؤتمر الشعبي.. أليس كذلك؟
ـ نحن الآن لا نتحدث عن اندماج.. نحن نتحدث عن بداية حوار تجاوزنا فيه مرحلة القطيعة والمواجهة والصراع إلى مرحلة استكشاف الأفكار بعد هذه التجربة الطويلة من القطيعة.
* لتصل إلى ماذا؟ ما هو سقفكم الأعلى؟
ـ بالنسبة إلينا نحن في السودان في مجتمع تعددي لا يمكن أن نتحدث عن كيان سياسي واحد؟
* لكنكم كنتم كياناً سياسياً واحداً..
ـ أنا الآن أتحدث عن المؤتمر الشعبي باعتباره كياناً خارج المؤتمر الوطني.. بمعنى أننا نتحدث مع المؤتمر الشعبي بالمستوى نفسه الذي نتحدث فيه مع الحزب الشيوعي.. ومع الحركة الشعبية.. ويمكن ـ نظرياً ـ أن يندمج المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية في يوم من الأيام!
* ونظرياً أيضا هل يمكن أن تندمجوا مع الحزب الشيوعي؟
ـ نعم ممكن نظرياً.
* وهل ينطبق هذا القياس على علاقتكم مع المؤتمر الشعبي؟
- هذا القياس ينطبق على كل القوى السياسية لأننا الآن في التشكيل الحكومي معنا «الإخوان المسلمون» و«الحركة الشعبية«؟
* بهذا المنطق هل يمكنني أن أنسب إليك تصريحاً مفاده: المؤتمر الوطني سيندمج مع «الشعبي» عندما يقرر الاندماج مع الحزب الشيوعي؟!
ـ لا.. قطعاً لا.. هذا التحوير يمثل بالضبط مشكلة كثير من الصحافيين
* الأمر لا يتعلق بمشكلة... كل ما قلته يؤدي إلى هذا المعنى دعني أكرر السؤال: ما هو السقف الأعلى لحواركم مع المؤتمر الشعبي؟
ـ أنا أريد أن أقول: نحن ككيان سياسي تسعى كل القوى ا لسياسية للتحاور معه ليس لدنيا سقف محدد.. ونحن حريصون على النظام التعددي ولا نسعى لتجميع كل القوى السياسية في تشكيل واحد.
* عفواً.. أنا أسألك عن الحوار مع المؤتمر الشعبي تحديدا؟
ـ لحظة.. لا تقاطع..
* تفضل..
ـ هنالك قوى سياسية موجودة في الساحة وتختلف المسافات بيننا وبينهم.. في المسافات نفسها هنالك تغيرات كبيرة جداً في أوضاعها.. والقضايا التي خرج بها المؤتمر الشعبي من المؤتمر الوطني في عام 1999م ليست هي القضايا نفسها التي تهمه اليوم.. حدث تغيّر بالتأكيد.
الحزب الشيوعي نفسه لم يعد اليوم هو نفسه الحزب الشيوعي إبان قيام ثورة الإنقاذ عام 1989م وهو مقبل على عقد مؤتمره العام.. وكذلك حزب الأمة عام 1989م ليس هو حزب الأمة اليوم وبالتالي هنالك تحول كبير جداً في القوى السياسية.. الهدف من الحوار ونتيجته هو تقريب المسافات بين القوى السياسية إما في إطار تعددية تتيح التعايش على مشتركات متفق عليها أو تحالفات بناء على صيغ متفق عليها أيضا..
* عفواً ما زلت تتحدث عن عموميات وأنا أسألك عن الحوار مع المؤتمر الشعبي.. لا تنس أنكم كنتم كياناً واحدا.. هل ذلك من شأنه أن يقدم أي خصوصية لتفضي إلى مزيد ليكون الأقرب إلى التحالف؟
ـ دعنا من الحديث عن أننا كنا جزءاً منهم أو كانوا جزءاً منا.. نحن كنا في مرحلة ما جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين وهي جماعة موجودة الآن،.. كنا أيضا جزءاً من تحالف إسلامي في جبهة الميثاق الإسلامي التي كانت تضم أيضا جماعة «أنصار السنة» وهذه الجماعة كيان مستقل الآن.. كنا جزءاً من الجبهة الوطنية السودانية التي كانت تضم حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي..
كنا جزءاً من الاتحاد الاشتراكي في يوم من الأيام.. وهكذا تجد أن هناك تحولاً سياسياً ديناميكياً ولا أريد أن يعطي حديثي هذا «ظلالاً» بعينها، لكنني أتحدث عن تعامل سياسي قائم على خيارات حرة جداً في التعامل مع الآخر.. الحركة الإسلامية كانت كياناً واحداً وحدثت فيها تفاعلات وعندما وقع الانفصال لم يحدث أن تنصلنا من المسؤولية لنلقيها على جهة ما.. بل اعترفنا بأن ما حدث ناجم عن إشكال داخلي أدى إلى ما أدى إليه..
وطوال فترة السنوات الثماني الماضية التي أعقبت الانفصال ظللنا نحاول أن ندرس السبب وراء ما حدث وتوصلنا إلى أنه لم يكن مبرراً وبالتالي انخرطنا في البحث عن معالجات.. والآن فإن الأطقم المعنية بهذا الأمر تتحدث عن مساحة واسعة جداً من الخيارات..
تبدأ من التعايش مروراً بالاندماج علما بأن الاندماج مستويات: مستوى الحركة.. مستوى الحزب.. وغير ذلك.. لكن كل هذا الآن يتم التداول حوله خارج الأطر التنظيمية الرسمية عندما يتصل الأمر ليعرض على هذه الأطر وحينذاك لكل حادث حديث..
* حزب كبير منظم مثل المؤتمر الوطني كيف تخرج منه مبادرات فردية هكذا فجأة؟ أليس هنالك ضوء أخضر من مستوى ما في الحزب للأفراد الذين يضطلعون بهذا الدور ليبدأوا به ويمضوا فيه؟
ـ نعم هنالك ضوء أخضر ولكن يختلف الضوء الأخضر الممنوح لشخص مفوض بالتعبير عن رأي الحزب عن شخص يذهب هكذا كمبادرة فردية خالصة، وفي هذه الحالة لا يمنحه الحزب ذلك إلى أن يبذل اجتهاداته الخاصة فيأتي بنتائج معينة تخضع للتقييم.
النزاع مع الحركة الشعبية
* فلننتقل إذن إلى ملف الخلاف (الحركة الشعبية) التي تشارككم في الحكم.. منذ أن تجاوز الطرفان أزمة انسحاب وزراء الحركة من الحكومة بالتوصل إلى ما سمي ب«المصفوفة» جرت الأمور بهدوء إلى أن عادت في الآونة الأخيرة حرب التصريحات والتصريحات المضادة وتبادل الاتهامات.. ويتحدث المراقبون عن انك شخصياً أحد من يلعبون دور إشعال أوار الملاسنة ما الذي يحدث؟
ـ أنا أقول الآتي: ليس هنالك مشكلة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني في قضية سبق أن اتفقا حولها.. لا حول اتفاقية السلام ولا مراحل تنفيذها.. ولا حول تنفيذ «المصفوفة».. الواضح أن هنالك مشاكل وتفاعلات داخل الحركة الشعبية تعلم بها الحركة نفسها أكثر من غيرها ويعلم بها الشارع السياسي..
كان المطلوب من الحركة الشعبية ان تعالج قضاياها الداخلية حتى تساعد بالتالي في معالجة قضايا الوطن بعلاقاتها أو ببرنامجها المطروح.. ولأنها كانت حركة معارضة مسلحة لفترة طويلة كانت تغطي على مشاكلها في الداخلية سواء كانت هزائمها العسكرية قبل اتفاق السلام أو مشاكلها المتعلقة بالخلافات الداخلية.. ويبدو أنها استصحبت هذه المشاكل معها حتى الآن.
* قضية أبيي الآن طغت على المشاكل كلها.. ماذا يجري بشأنها؟
ـ هذه القضية جرى الاتفاق حولها على أن تعالج في إطار المجلس الرئاسي (رئيس الجمهورية ونائبيه) وأي معالجة للقضية خارج هذا الإطار يعني خرقا للاتفاقية.. أن تذهب الحركة وتسمى إدارة خاصة بأبيي دون الرجوع للآلية المتفق عليها لحل هذه المشكلة هذا خرق فاضح للاتفاقية.
*لكنهم يقولون انهم انتظروا كثيراً وفاض بهم الكيل مما يسمونه تسويفا من المؤتمر الوطني.. ماردكم؟
ـ ينتظرون من؟
* ينتظرون تنفيذ الاتفاقية.
ـ وعلى عاتق من تقع مسؤولية التنفيذ؟ نحن في حكومة واحدة.. إذا كانت الحركة الشعبية في المعارضة ونحن في الحكم لوحدنا يكون أمر تحميلنا المسؤولية مقبولاً.. لكننا طرفان مشاركان في الحكم والمسؤولية تقع على عاتق الطرفين اللذين أحالا الأمر إلى مؤسسة الرئاسة لمعالجتها.
هل تأخرت اجتماعات هذه المؤسسة بسبب غياب أحد الممثلين للمؤتمر الوطني (البشير أو نائبه علي عثمان)؟ كان قد تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لحل قضية ابيي واجتمعت اللجنة وخرجت بتوصيات أبدت الحركة موافقتها المبدئية عليها لكنها طلبت مهلة لبحث الأمر في إطار أجهزتها وعندما عرض على بعض أطراف الحركة رفضوا هذه التوصيات ووقف الأمر عند هذا الحد.. وبالتالي فإن التأخير ليس من المؤتمر الوطني. ما مصلحة المؤتمر الوطني في أن يعطل اتفاقاً يمكن أن يساهم في تحقيق السلام في الوطن؟
لماذا لا تسأل الحركة عن تأخرها في تنفيذ البرامج التي تليها في الجنوب؟ هل استطاعت الحركة بموجب ولايتها على الجنوب طبقاً للدستور أن تحقق ما هو مطلوب منها في الجنوب؟ أحيلك إلى مسألة إعادة انتشار القوات حتى هذه اللحظة وبموجب آخر تقرير انسحاب قوات الحركة من الواقع التي يفترض أن تنسحب منها لا يتجاوز 11%..
خلاصة القول نحن لا نريد أن نجعل الخلاف بيننا وبين الحركة قضية تراشق إعلامي.. نحن بيننا وبين الحركة مجموعة من الأجهزة تقديرنا انها قادرة على حل القضايا الخلافية.. واليك مثال: عندما آثرت الحركة أن تسحب من الحكومة وتعطل مشاركتها في الحكم قلنا إن هذا يخص الأجهزة المشتركة.. غابوا لمدة أشهر وعادوا للأجهزة المشتركة وحلت القضية..
وهكذا يتضح ان الأمور ليست قضية ملاسنات.. الحركة الشعبية قامت بمشروع وبرنامج وبآلية لتنفيذ هذا البرنامج لكن الآلية لم تفلح في تنفيذ ذلك البرنامج وأدخلت تعديلات في البرنامج واجهت الحركة ما نتج عن فقدها لمؤسسها.. ولديها إشكالاتها.. نحن كمؤتمر وطني والشعب السوداني كله مطلوب منه أن يساعد الحركة في الاضطلاع بمسؤوليتها في تحقيق السلام وعلى الحركة أن تعين الشعب السوداني لمساعدتها.
* ولكن للحركة أيضا شكاواها وتقول انكم تحاربونها بطرق أخرى عبر دعم ميليشيات مناهضة لها.. ولها سلسلة من الاتهامات الأخرى ولكن دعنا..
ـ (مقاطعا) لا بل دعني أتحدث عن موضوع الميليشيات في فترة الحرب كانت هنالك ميليشيات تقاتل معنا ضد الحركة بشراسة.. وبتوقيع اتفاقية السلام توصلنا إلى أن تجرد هذه الميليشيات من السلاح وأتيحت لها فرصة أن تنضم كقوات نظامية إلى الجيش الحكومية أو إلى قوات الحركة واختارت بعض المجموعات المقاتلة معنا أن تذهب إلى الحركة ولم نسبب لها أي إشكالات.
* تقول الحركة إنكم تسلحون قبيلة المسيرية في منطقة ابيي.. ما ردكم؟
ـ أنت ألست سودانياً؟
* بالطبع..
ـ حسناً.. هل المسيرية يحتاجون إلى جهة تسلحهم؟
* هذا سؤال ملتبس والإجابة بلا أو نعم لا تعني بالضرورة الا تقوم جهة ما بتقديم السلاح.
ـ ليس ملتبساً ولا شيء.. كن أميناً يا أخي واقرأ الواقع في هذه المنطقة.. التي ظلت تتدفق عليها الأسلحة من تشاد منذ قيام الثورة التشادية عام 1966 حتى اليوم.. فأفراد قبيلة المسيرية لا يحتاجون إلى جهة تسلحهم.. هم يملكون السلاح من قبل أن يأتي البشير إلى الحكم.
* لكنكم أيضا توجهون الاتهام نفسه للحركة بأنها تستخدم قواتها لمحاربة المسيرية والحقيقة غير واضحة في ظل تبادل الاتهامات.
ـ ليست اتهامات متبادلة.. هنالك وقائع على الأرض يمكن أن يطلع عليها أي شخص يذهب إلى المنطقة.. هذه القضايا تثار في الخرطوم ولكن أهل المنطقة هناك يعرفون من مع من وتفاصيل ما يحدث.
* بالمناسبة ماذا ستفعلون مع إدارة ادوارد لينو (قائد من الحركة شكل إدارة ونصب نفسه حاكما لمنطقة ابيي المتنازع عليها).
ـ المؤتمر الوطني أصدر بيانا يقول فيه إن هذه الخطوة منافية لاتفاقية السلام.
* ماذا بعد.. ما هي الخطوة التالية؟
ـ هذه سلطة غير شرعية.. ولن تتعامل معها... هل يعقل أن تقوم سلطة وتدير منطقة وهي لا تستند إلى أي مسوغ دستوري؟ السلطة مسؤولية والسلطة تتعامل مع أجهزة أخرى والسلطة مال، فإذا نصب أحد نفسه مثلا محافظاً على الديوم الشرقية (حي من أحياء الخرطوم) كيف سيدبر أمره؟ الأمر ليس ادعاء.
* سؤالي: ما هي خطوتكم التالية؟
ـ الخطوة التالية أن يزال هذا القرار لأنه غير صحيح وغير شرعي.
* وإذا أصر لينو والحركة على الاستمرار في خطوته؟
- هو لن يستطيع أن يستمر.. كيف يستمر؟ نحن الآن نخاطب الحركة ونوضح لها أن هذا الإجراء غير صحيح وغير سليم ونطالبها بمعالجة هذا الأمر بسحبه.. وقد حدث مثل هذا من قبل.. عندما أقبلت أصدرت الحركة تصديقات لبعض الشركات للتنقيب عن النفط متجاوزة كل النظم والقوانين ونبهناها إلى أن هذا الأمر خطأ فاستدركت الأمر وعالجت هذا الخطأ.
حلايب.. والإحصاء السكاني..
* سبق أن سئلت عما إذا كان الإحصاء السكاني سيشمل منطقة حلايب المتنازع عليها مع مصر فأجبت بنعم أليس كذلك؟
ـ نعم أجبت «بنعم» هل تريد إجابة أخرى أم ماذا؟
* ما دعاني لأجدد السؤال هو اطلاعي لاحقاً على تصريحين مهمين أولهما من مسؤول في المؤتمر الوطني من ولاية الأحمر يشير إلى أن حلايب أصبحت مدينة مصرية في الواقع ولا يستطيع مواطن سوداني دخولها، الا بتأشيرة..
مؤكداً بالتالي استحالة إجراء التعداد هناك، والتصريح الآخر من مسؤول في الهيئة المعنية بالإحصاء يشير فيه إلى أن موضوع حسم إجراء الإحصاء في حلايب، شأن سيادي تقرره الجهات السيادية مشيراً أيضا إلى عدم وجود أي استعدادات (حتى الآن) لإجراء الإحصاء في حلايب.. فماذا تقول؟
ـ من هو المسؤول الذي صرح بذلك لماذا لم يسم نفسه؟
* بل سمى نفسه ولكني لا استحضر اسمه الآن.
ـ على كل حال عدد من عمليات الإحصاء سبق ان جرت في حلايب.
* أنا أسأل عن الإحصاء المرتقب؟
ـ وأنا أتكلم عن ظرف مماثل بل ظرف أسوأ مما نحن عليه الآن في علاقتنا مع مصر اقصد عام 1993 الذي شهد إجراء إحصاء في حلايب.
* دعنا مما جرى في الماضي هل تستطيع أن تؤكد الآن ان الإحصاء الجديد سيشمل حلايب؟
ـ ما أعرفه ان الإحصاء سيشمل كل أنحاء السودان.
* بما فيها حلايب؟
ـ بما فيها أي منطقة في السودان.
* بما فيها حلايب؟
ـ أقول كل منطقة في السودان.
* عفوا سعادتك.. أنا اسأل تحديدا: بما في ذلك حلايب؟
ـ نعم بما فيها حلايب.. وأريد التأكيد على أن علاقتنا مع مصر الآن علاقة على درجة عالية جداً من التعاون إلى درجة أن العلاقات الآن لا يحدها أي سقف.
* شكراً لكم.
(ملحوظة : عمليات الإحصاء جارية والى الآن لم تشمل حلايب)
حاوره في الخرطوم: محمد خليل كاره

