ينتقل المؤلف من التمهيد الذي تناول في إطاره الخلفية التاريخية للتطهير العرقي في فلسطين إلى تناول القرار رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة والقاضي بتقسيم فلسطين وأثره التدميري على فلسطين التاريخية، ويرى فيه جريمة حقيقية ارتكبت بحق الفلسطينيين الذين تعرضوا لحملة تطهير صهيونية استهدفت القضاء على مليون نسمة منهم على الأقل، حيث كان القادة الصهاينة على تمام الاقتناع بأن الدولة التي يسعون لإقامتها لن تكتب لها الحياة إلا إذا كان 80% من سكانها من اليهود.يختار الدكتور إيلان بابه للفصل الثالث من كتابه عنوانا موحيا هو: «التقسيم والتدمير: أثر قرار الأمم المتحدة رقم 181».

وهو بهذا يهيئ أذهاننا لهجومه الشديد ونقده المر لهيئة الأمم المتحدة ويحملها وزر جريمة تقسيم فلسطين وتجنيها على الشعب الفلسطيني. ويشير المؤلف إلى أن فلسطين كانت بحق بلدا عربيا بنهاية عهد الانتداب البريطاني بالرغم من سياسة بريطانيا المنحازة للخطط الصهيونية وتنامي الأقلية اليهودية. وكان معظم الأراضي الزراعية تقريبا في فلسطين ملكا للعرب لا للمهاجرين اليهود الذين يمتلكون فقط 8. 5% في عام 1947. ومع أن الزعماء الصهاينة أخذوا يحثون هؤلاء المهاجرين على الإقامة في المناطق الريفية. إلا أن القادمين الجدد فضلوا المدن والبلدات، ونتيجة لذلك كانت المستوطنات الصهيونية في المناطق الحضرية بعيدة عن بعضها، بل وكانت في بعض المناطق مثل الجليل في الشمال والنقب في الجنوب جزر منعزلة في الريف الفلسطيني المحيط بها.

وكانت تلك العزلة تعني أن تلك المستوطنات أقيمت مثل الثكنات العسكرية لا مثل القرى وصممت على أساس الاعتبارات الأمنية لا الإقامة فيها مما جعلها مناقضة تماما لبراح المساحات المفتوحة للقرى الفلسطينية التقليدية ببيوتها الحجرية الطبيعية ومنافذها المنسابة دون عائق نحو الحقول المجاورة وبساتين الفواكه وأشجار الزيتون الملتفة حولها.

خيارات بريطانية

لقد كان تقسيم فلسطين حلا بريطانيا في الأساس ثم أصبح جوهر السياسة الصهيونية من عام 1937، غير أن بريطانيا قدمت عدة خيارات أبرزها إقامة دولة ثنائية القومية، ولكن اليهود رفضوا الاقتراح. وهناك اقتراح آخر بإقامة دولة كانتونات مثل النموذج السويسري، ولكن الطرفين رفضاه وفي النهاية امتنعت بريطانيا عن البحث عن حل وتركت القضية الفلسطينية في يد الأمم المتحدة في فبراير 1947، ومع دعم بريطانيا لزعماء الحركة الصهيونية أصبح التقسيم هو اسم اللعبة الجديد مع استئصال مصالح الفلسطينيين بالكامل.

ويقول مؤلف الكتاب إن من الواضح أن الأمم المتحدة، بقبولها قرار التقسيم، قد تجاهلت تماما التركيبة العرقية لسكان فلسطين. ولو كانت قررت أن تجعل الأراضي التي استوطنها اليهود في فلسطين متناسبة مع حجم دولتهم، لما منحتهم أكثر من عشرة في المئة من البلاد، ولكن المنظمة الدولية قبلت المزاعم القومية للحركة الصهيونية بشأن فلسطين، بل وأكثر من ذلك سعت إلى تعويض اليهود عن «الهولوكوست» النازية في أوروبا. ونتيجة لذلك منحت الحركة الصهيونية دولة تمتد إلى أكثر من نصف فلسطين.

وفي رأي الدكتور بابه أن الأمم المتحدة انتهكت حقوق الفلسطينيين وتجاهلت اهتمام العالم العربي الأوسع نطاقا بفلسطين في ذروة النضال ضد الاستعمار الاستيطاني في الشرق الأوسط. والأسوأ من ذلك تأثير قرار الأمم المتحدة على فلسطين نفسها وشعبها، فبدلا من تهدئة الأجواء أدى إلى تفاقم حالة التوتر، وتسبب مباشرة في إغراق البلاد في أكثر المراحل عنفا في تاريخها، فضلا عن تجاهل القرار للاعتراض المبدئي الأساسي الذي أبداه الشعب الفلسطيني ضد التقسيم.

وكانت الاعتراضات الفلسطينية معروفة جيدا للوسطاء منذ إعلان وعد بلفور. ويستشهد المؤلف بما ذكره المؤرخ وليد الخالدي في مقال له إذ يقول: «إن شعب فلسطين المقيم رفض تقسيم بلاده بينه وبين جماعة المستوطنين، مثله في ذلك مثل كل شعب آخر في العالم العربي وآسيا وإفريقيا وأميركا وأوروبا». وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها رقم 181 في نوفمبر 1947 بدأ أسوأ كابوس في حياة الفلسطينيين.

وبعد تسعة أشهر من إعلان بريطانيا إلغاء الانتداب البريطاني أصبحوا تحت رحمة منظمة دولية مستعدة لتجاهل كل قواعد الوساطة الدولية التي نص عليها ميثاقها، وعازمة على إعلان قرار بدا في أعين الفلسطينيين قرارا غير قانوني ولا أخلاقي. وقد طالب عدد من القيادات الفلسطينية آنذاك بالبت في شرعية ذلك القرار أمام محكمة العدل الدولية، ولكن ذلك لم يحدث على الإطلاق. ولا يحتاج أحد إلى فكر قضائي أو قانوني واسع لكي يستنتج كيف يكون حكم تلك المحكمة على فرض حل على بلد أعلنت غالبية شعبه رفضها له.

ويصف المؤلف الظلم الذي وقع بذلك القرار بأنه كان فادحا وقت صدوره مثلما هو فادح في الوقت الحاضر، ولم تعلق عليه أي من الصحف الغربية الكبرى التي كانت تغطي أخبار فلسطين والتي لم تتناول حقيقة تسليم اليهود أكثر من نصف أراضي فلسطين كلها بينما لم يكونوا يمتلكون إلا أقل من ستة في المئة ولا يمثلون إلا ثلث مجموع السكان. وفي نفس الوقت لا تعطيهم حدود الدولة المقترحة من جانب الأمم المتحدة إلا 11% من الأراضي.

ويتحدث الكتاب الذي نستعرضه عن جوانب أخرى تنسف شرعية القرار وتؤكد لا أخلاقيته فقد تبين أن قرار التقسيم دمج أخصب الأراضي في الدولة اليهودية المقترحة مثلما فعل بالنسبة لجميع المساحات اليهودية في الحضر والريف ولأربعمئة قرية من بين ألف قرية فلسطينية.

ويتصدى مؤلف الكتاب للرد على بعض أعضاء لجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن فلسطين، الذين زعموا أن القرار 181 استند إلى افتراض أن الكيانين السياسيين الجديدين سوف يتعايشان في سلام ومن ثم فلا حاجة لمزيد من الاهتمام بالتوازنات الديموغرافية والجغرافية.

ويرى دكتور إيلان بابه أن هؤلاء الأعضاء أجرموا لأنهم أساءوا قراءة الأطماع الصهيونية وفهم مطامعها إساءة كبيرة. ومرة أخرى يشير إلى وصف وليد الخالدي للقرار 181 بأنه كان متسرعا ووهب نصف فلسطين لحركة أيديولوجية أعلنت بصراحة في الثلاثينات من القرن الماضي، عن رغبتها في محو عروبة فلسطين. ويضيف بابه إلى ذلك قوله إن أسوأ جانب لا أخلاقي في هذا القرار هو خلوه من أية آلية لمنع التطهير العرقي في البلاد. وتبين خارطة التقسيم التي وضعت أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي صوتت لصالح القرار ساهمت مساهمة مباشرة في الجريمة التي ارتكبت بعد صدوره.

أما بالنسبة لرد الفعل اليهودي فإن المؤلف يرى أن رفض الحكومات العربية والقيادة الفلسطينية لقرار التقسيم سهّل على بن غوريون الاقتناع بأن في إمكانه قبوله والعمل ضده في نفس الوقت. وقبل صدور القرار كان ذلك الزعيم الصهيوني قد عمد بالفعل إلى إبلاغ أصدقائه بأن الدولة اليهودية لن تكون مضطرة لقبوله إذا كانت خارطة التقسيم غير مرضية.

ويخلص المؤلف من ذلك إلى أن من الواضح إذن أن رفض الفلسطينيين أو قبولهم للخطة لم يكن ليغير من تقدير بن غوريون لنواحي القصور فيها من زاوية أطماعه، فبالنسبة إليه والى أصدقائه على أعلى مراتب القيادة الصهيونية، كانت الدولة اليهودية القابلة للحياة تعني دولة تهيمن على معظم فلسطين ولا تسمح إلا بوجود عدد ضئيل جدا من الفلسطينيين إذا كانت هناك ضرورة لوجودهم.

كذلك لم تزعجه المطالبات بتحويل القدس إلى مدينة دولية وكان مصرا على جعل المدينة بأكملها عاصمة يهودية، ولكن فشله في ذلك يعود في رأي المؤلف إلى تعقيدات واختلافات ناشئة عن مفاوضات أردنية ـ إسرائيلية حول مستقبل فلسطين والمدينة. أما بالنسبة لحدود الدولة اليهودية فكان من رأي بن غوريون أنها سوف تتحدد عن طريق القوة وليس قرار التقسيم، بالإضافة إلى مصير العرب المقيمين فيها أيضا.

الاستعدادات الصهيونية

يتناول الكتاب بالتفصيل الاستعدادات العسكرية الصهيونية تمهيدا لتنفيذ خطة التطهير العرقي ومقارنة القوات اليهودية في فلسطين بالقوات العربية. ويشير إلى أن الجانبين كانا يعانيان من نقص المعدات حتى مايو 1946 ثم أنشئ الجيش الإسرائيلي، وبمساعدة الحزب الشيوعي في البلاد تلقى الجيش شحنات ضخمة من العتاد والأسلحة الثقيلة من تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي.

وقبل الحرب بعدة أسابيع قليلة اكتملت عملية التجنيد وأصبح تعداد الجيش اليهودي 80 ألف فرد بينما لم تتجاوز القوة النظامية العربية 50 ألفا بالإضافة إلى أن بريطانيا امتنعت عن تزويدها بالسلاح رغم أنها المورد الوحيد. بمعنى آخر نجد أنه خلال المراحل المبكرة لجريمة التطهير العرقي كان هناك آلاف ضئيلة من الفلسطينيين والعرب غير النظاميين في مواجهة عشرات الآلاف من القوات اليهودية جيدة التدريب.

وعلى هامش القوة العسكرية اليهودية الرئيسية كانت هناك جماعتان أكثر تطرفا هما عصابة إرغون وعصابة شتيرن. واتجه جانب مهم من الجهد العسكري الصهيوني إلى تدريب وحدات كوماندوز خاصة باسم بالماخ العصابة التي أسست في عام 1941.

وفي عمليات التطهير العرقي التي تلت ذلك كانت العصابات الثلاث: الهاغاناه، وبالماخ، وإرغون، هي القوات القائمة فعليا باحتلال القرى الفلسطينية، وفي أعقاب الاحتلال مباشرة تحال القرى إلى أيدي قوات أقل استعدادا لخوض الاشتباكات تسمى «حرس الميدان» وهي الذراع اللوجيستية للقوات اليهودية وأنشئت في عام 1939.

وقد وقعت بعض الجرائم الوحشية التي رافقت التطهير العرقي على يد تلك الوحدات الإضافية. وكانت لدى الهاغاناه أيضا وحدة استخبارات أنشئت عام 1933 مهمتها الأساسية التجسس على السلطات البريطانية والتنصت على الاتصالات الجارية بين المؤسسات السياسية العربية داخل وخارج فلسطين.

وكانت تلك الوحدة المسؤولة عن الإشراف على إعداد ملفات القرى وإقامة شبكة من الجواسيس والمتعاونين مع الصهاينة داخل المناطق الريفية. وقد ساعدت تلك الشبكة على التعرف على آلاف الفلسطينيين الذين تعرضوا للإعدام الفوري في مواقعهم أو السجن لفترات طويلة بمجرد بدء عمليات التطهير العرقي.

ويسرد الكتاب حقائق مؤسفة تكشفت بعد صدور قرار التقسيم 181 عن الأمم المتحدة إذ أعلن القادة العرب رسميا أنهم سوف يرسلون قوات للدفاع عن فلسطين كما نعرف جميعا. وفيما بين نوفمبر 1947 ومايو 1948 لم يشعر بن غوريون ولا المجموعة الصغيرة من الشخصيات الصهيونية من حوله بأن مستقبل دولتهم القادمة يتعرض لأي خطر، أو أن قائمة العمليات العسكرية ساحقة إلى حد إعاقة عملياتهم لطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

ولجأ قادة المجتمع اليهودي إلى الترويج علنا لسيناريوهات تدعي تعرض اليهود للفناء، وحذروا العالم من «هولوكوست ثانية»، ولكن هؤلاء القادة لم يستخدموا هذا الأسلوب في جلساتهم الخاصة على الإطلاق، وكانوا يدركون جيدا أن خطب الحرب العربية لم تواكبها استعدادات جدية على أرض الواقع. كذلك كانت لدى القيادات الصهيونية معلومات جيدة عن ضعف معدات الجيوش العربية وافتقارها إلى الخبرة القتالية الميدانية والتدريبات الخاصة بها، وكذلك كانوا على علم بأنها تملك قدرة محدودة على شن أي نوع من الحروب.

أما مسألة مواجهة السكان الفلسطينيين في دولتهم اليهودية المقبلة فقد تعرضت لمناقشات مكثفة في الشهور السابقة على انتهاء الانتداب البريطاني وظل مفهوم جديد يقفز من وقت لآخر في دهاليز القوة الصهيونية، ويتلخص في كلمة واحدة هي: «التوازن»، والمقصود بها هو التوازن الديموغرافي بين العرب واليهود في فلسطين، وعندما كان يميل ضد الغالبية اليهودية كانوا يصفون الموقف بأنه مأساوي.

وتوصلت القيادة الصهيونية إلى نوعين من مواجهة هذا المأزق: أحدهما من أجل الاستهلاك الجماهيري، والثاني من أجل الجماعة المحدودة القريبة من بن غوريون. وتركزت السياسة العلنية في ترويج الحاجة إلى تشجيع الهجرة اليهودية بحجم كبير. أما في الدوائر المحدودة فقد كان القادة يقرون بأن الهجرة المتزايدة لن تكفي لموازنة الغالبية الفلسطينية ويقولون إن الهجرة اليهودية تحتاج إلى أن تصاحبها وسائل أخرى.

وكان بن غوريون قد سبق ووصف هذه الوسائل في عام 1937 لأصدقائه فأخبرهم بأن حقيقة وجود غالبية فلسطينية يجب أن تدفع المستوطنين اليهود إلى استخدام القوة لتحقيق الحلم أي: «فلسطين يهودية». وبعد عشر سنوات، يوم 3 ديسمبر 1947 ألقى خطابا أمام جمع من كبار أعضاء حزبه (حزب الماباي) كشف فيه بوضوح عن كيفية التعامل مع الحقائق المرفوضة في قرار الأمم المتحدة. ومن بين ما جاء في خطابه قوله: «يوجد 40% من غير اليهود في المناطق التي خصصت للدولة اليهودية. وهذه التركيبة لا تشكل أساسا صلبا لدولة يهودية.

وعلينا مواجهة هذه الحقيقة الجديدة بكل ما تحتويه من قسوة وتفرقة. إن مثل هذا التوازن الديموغرافي يختبر قدرتنا على الحفاظ على السيادة اليهودية.. وإن دولة بها 80% من اليهود على الأقل هي وحدها الدولة المستقرة والقابلة للحياة».

وفي يوم 2 نوفمبر، وقبل نحو شهر من صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة تحدث بأوضح عبارات ممكنة عن أن التطهير العرقي هو الوسيلة البديلة أو المتممة لضمان قيام دولة جديدة يهودية حصريا. وزعم بن غوريون أن الفلسطينيين داخل تلك الدولة سوف يكونون طابورا خامسا، ولذلك يمكن اعتقالهم بشكل جماعي أو طردهم، ومن الأفضل طردهم!

في ذلك الوقت بدأت القيادة الصهيونية في دراسة استكمال الوسائل الفعلية الملموسة لطرد الأعداد الهائلة من السكان، فقد كان يعيش على أراضي الدولة اليهودية المقبلة مليون فلسطيني في أوائل ديسمبر 1947 من بين مجموع السكان الفلسطينيين البالغ مليونا وثلاثمئة ألف نسمة بينما كان المجتمع اليهودي نفسه يمثل أقلية من 600 ألف فرد.

إستراتيجية أكثر عدوانية

في اليوم العاشر من الشهر نفسه اجتمعت اللجنة الاستشارية الصهيونية في تل أبيب لتستمع إلى متحدثين اثنين من غلاة الإرهابيين الصهاينة، الأول مهاجر يهودي من سوريا اسمه عزرا دانين عضو عصابة الهاغاناه ورئيس «القسم العربي» المشرف على تجنيد عملاء عرب للتجسس على الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، كما كلف بعد ذلك بالإشراف على أنشطة القوات اليهودية بعد الاحتلال عندما بدأت عمليات التطهير العرقي.

أما المتحدث الثاني فهو الإرهابي جوش بالمون من مواليد فلسطين، ويعتبر التالي في القيادة بعد دانين. وقد ارتكب الاثنان وضباطهما العديد من الجرائم ضد القرى الفلسطينية وسكانها في سرية تامة حتى يوم الاجتماع. وقد افتتحا اجتماع تل أبيب بقولهما إن النخبة من سكان الحضر الفلسطينيين معتادون على مغادرة بيوتهم إلى مقار إقامتهم الشتوية في سوريا ولبنان ومصر حتى تهدأ حالة التوتر في فلسطين فيعودوا إلى منازلهم من جديد، وهو تصرف طبيعي من أهل المدن.

ومع ذلك فإن بعض المؤرخين الإسرائيليين يتعمدون تفسير ذلك على أنه «هروب إرادي» وذلك لكي يوهموا الناس بأن إسرائيل ليست مسؤولة عنهم. ويضيف مؤلف الكتاب أن هؤلاء المغادرين كانوا ينوون العودة إلى بيوتهم مرة أخرى بعد إقامة قصيرة في الخارج، غير أن الإسرائيليين كانوا يمنعونهم من العودة، وهو تصرف مماثل لعمليات طرد المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم بهدف إنقاص عددهم. واقترح الإرهابيان الاثنان ضرورة اللجوء إلى العنف لإرهاب هؤلاء السكان، وأشارا إلى أن تطبيق استراتيجية أكثر عدوانية ضدهم سوف يضعهم «تحت رحمة الصهاينة».

وأعجب بن غوريون بتلك العبارة وتساءل: ماذا تقصدون باللجوء إلى أعمال عنيفة؟ فأجابه الإرهابيان بأنهما يقصدان تدمير حركة الانتقالات (الباصات، والشاحنات التي تحمل المنتجات الزراعية، والسيارات الخاصة.. الخ) وكذلك إغراق مراكب الصيد في يافا، وإغلاق محلات الفلسطينيين ومنع المواد الخام من الوصول إلى ورشهم.

وبعد ثلاثة أيام كتب بن غوريون رسالة إلى موشي شاريت ليوضح له أن «الفكرة العامة هي أن يصبح المجتمع الفلسطيني في المنطقة اليهودية تحت رحمتنا» ويمكن لليهود أن يفعلوا بهم كل ما يريدون بما في ذلك «تجويعهم حتى الموت». وهذا ما نقله مؤلف الكتاب عن يوميات بن غوريون وما سجله فيها يوم 11 ديسمبر 1947 ورسالته إلى شاريت. ونحن من جانبنا نتساءل: أليس هذا ما يحدث حتى اليوم تنفيذا لتلك الخطة الصهيونية الجهنمية الهادفة إلى ما يسميه الصهاينة «اقتلاع جذور الفلسطينيين»؟!

ولعل مما يؤكد ذلك ما جاء في تقرير حقوقي نشر مؤخرا يوم 18 فبراير 2008، مؤكدا أن معدل الفقر بين العرب المقيمين في إسرائيل يبلغ أربعة أضعاف اليهود. وفي نهاية اجتماع اللجنة الاستشارية الصهيونية استقر رأي الحاضرين على اختيار ما أسموه «حملة اشتباك منهجية للتصفية».

وقد بدأت الحملة في اليوم التالي مباشرة على شكل حملة تهديدات منسقة تحولت بعد ذلك إلى ما يسميه إيلان بابه استخدام منهج إرهابي ضد القرى الفلسطينية يتلخص في اختيار قرى خالية من وسائل الدفاع واقتحامها في منتصف الليل والبقاء فيها عدة ساعات يتخللها إطلاق النار على أي رجل أو امرأة يتجرآن على مغادرة البيت. وتطورت الحملات بعد ذلك إلى تدمير بعض البيوت والمدارس، وأعقبها عدد من عمليات التدمير في مناطق محدودة في الريف والحضر الفلسطينيين.

استهداف حيفا

في اجتماع آخر للجنة الاستشارية يوم 17 ديسمبر، واجتماع ثان في اليوم التالي لما يسمى «لجنة الدفاع» تمت الموافقة على عمليات إضافية تشمل تدمير القرى وطرد سكانها وإسكان مستوطنين من اليهود بدلا منهم. ووافقت اللجنة أيضا على أن تشمل السياسة الجديدة مناطق الحضر واختيرت مدينة حيفا كهدف أول.

ومرة أخرى يفند المؤلف مزاعم بعض المؤرخين الصهاينة لنفي الجرائم التي ارتكبت بحق سكان المدينة. ويقول الدكتور بابه إن حقيقة ما حدث تختلف تماما عما يردد هؤلاء المؤرخون المنحازون، وابتداء من صباح اليوم التالي لقرار التقسيم تعرض سكان المدينة الفلسطينيون وتعدادهم 75 ألفا لحملة إرهاب مشتركة بين عصابتي إرغون والهاغاناه. وكان المستوطنون اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين منذ سنوات قليلة قد بنوا بيوتهم في أعلى الجبل.

وبهذا سكنوا ـ طوبوغرافيا ـ فوق الضواحي العربية وأصبح في إمكانهم قصف الفلسطينيين واصطيادهم على أيدي القناصة. ومنذ أوائل شهر ديسمبر بدأوا بذلك واستخدموا أيضا وسائل إرهاب أخرى مثل قيام القوات اليهودية بدحرجة براميل مملوءة بالمتفجرات وكرات هائلة من الصلب من فوق الجبل على رؤوس السكان الأصليين، وكذلك صب كميات من الزيت المختلط بالبنزين على الطرقات ثم إشعالها بالنيران، وفي اللحظة التي يسرع فيها السكان الفلسطينيون إلى الخروج من بيوتهم لإطفاء أنهار النيران المشتعلة يحصدهم اليهود بزخات من المدافع الرشاشة.

وفي المناطق التي مازالت تجمع بين المجتمعيْن كانت عصابة الهاغاناه تأتي بسيارات إلى الورش الفلسطينية بحجة إصلاحها وبعد أن تملأها بالمتفجرات وأدوات تفجيرها. وكانت وحدة خاصة من الهاغاناه وراء تلك الجرائم، ويتنكر أعضاؤها كفلسطينيين.

الصدمة والرعب

يقول مؤلف الكتاب: «في ظل هذه الأجواء يتذكر الإنسان في ذلك الوقت تهجير نحو خمسة عشر ألفا من نخبة الفلسطينيين من أهل حيفا، وكثير منهم تجار ناجحون أدى رحيلهم إلى تخريب الحركة التجارية والمهنية، الأمر الذي أضاف المزيد من الأعباء على أجزاء المدينة الأكثر تعرضا للسلب.

وعندما عادت اللجنة الاستشارية إلى الاجتماع يوم 31 ديسمبر 1947 كان ذلك قبل ساعات من تعرض سكان قرية بلد الشيخ الفلسطينية لمذبحة مروعة، ومع ذلك وقف الإرهابي يوسف وايتس عضو اللجنة ليصيح قائلا: «هذا لا يكفي» وكان يفصح علنا عما كان قد كتبه سرا في يومياته في بداية الأربعينات في العبارات التالية: «ألم يحن الأوان الآن للتخلص منهم؟ لماذا نظل نبقي بيننا هذه الأشواك بينما يمثلون خطرا علينا».

وبدا لهذا الرجل أن انتظار الفرص لشن هجمات انتقامية أمر عفا عليه الزمن لافتقاره إلى الهدف من الهجوم على القرى واحتلالها. وكتب في عام 1940 يقول: «الترانسفير لا يخدم هدفا واحدا فحسب، وهو تخفيض أعداد السكان العرب، بل يحقق أيضا هدفا ثانيا لا يقل أهمية وهو إخلاء الأراضي التي زرعها العرب وإفراغها لإقامة المستوطنات اليهودية، وهكذا فإن الترانسفير (أي ترحيل العرب) من هنا إلى الدول المجاورة هو الحل الوحيد، ولا ينبغي استثناء قرية واحدة أو عشيرة واحدة».

وتحت عنوان فرعي هو: «الصدمة والرعب» يتناول إيلان بابه النشاط الصهيوني في مجال امتلاك الأسلحة بما فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات. ويبدو لي أن المؤلف نقل ذلك العنوان عن إدارة الرئيس الأميركي بوش وآلته العسكرية التي كانت تتفنن في اختيار الأسماء والعناوين لعملياتها أثناء غزو العراق ومن بينها ذلك العنوان الذي اختاره المؤلف في كتابه للصفحات التي يتحدث فيها عن أن الجيش اليهودي أصبح في فبراير 1948 قادرا على إنتاج أسلحة الدمار لنفسه.

كان بن غوريون قد تابع شخصيا شراء سلاح مدمر سرعان ما استخدم في حرق حقول وبيوت الفلسطينيين، وهو السلاح المسمى قاذف اللهب. وقد رأس عالم الكيمياء الأنجلو-يهودي ساشا غولدبرغ مشروع شراء ثم تصنيع هذا السلاح في معمل في لندن أولا ثم في رحوفوت جنوب تل أبيب بعد ذلك الذي أصبح اسمه معهد وايزمان في خمسينات القرن العشرين. ويحفل تاريخ النكبة المروي بالأدلة على الآثار المرعبة التي خلفها هذا السلاح على الناس والممتلكات.

وقد كان مشروع قاذف اللهب جزءا من وحدة كبيرة قامت بأبحاث الحرب البيولوجية تحت رئاسة عالم كيمياء حيوية هو إفراييم كاتزير الذي أصبح رئيسا لإسرائيل، والذي كشف في ثمانينات القرن الماضي ـ في زلة لسان ـ عن امتلاك الدولة اليهودية أسلحة نووية. وقد بدأت الوحدة البيولوجية التي أدارها هو وأخوه أهارون في شهر فبراير 1948، وكان هدفها الأساسي إنتاج سلاح يصيب الناس بالعمى.

وقال كاتزير بعد ذلك لبن غوريون: «نحن نجري الاختبارات على الحيوانات ولم تتعرض للموت ولكنها أصيبت فقط بالعمى. وبإمكاننا إنتاج 20 كيلو غراما يوميا من تلك المادة». وفي شهر يونيو اقترح كاتزير استخدام هذا السلاح ضد البشر.

عرض ومناقشة: صلاح عويس