تؤكد الوقائع القائمة في لبنان أن أزمته الراهنة هي امتداد، في شكل جديد وفي شروط جديدة، لأزماته السابقة التي رافقت ولادته منذ الاستقلال في عام 1943. لكن الصيغة الراهنة لهذه الأزمة، المترابطة والمتكاملة مراحلها، إنما تشكل، وفق ما أشرنا إليه سابقاً، خلاصة مكثفة ومعقدة للأزمات السابقة. وهي تؤسس، بذلك، إلى ما يمكن وصفه ب«المسألة اللبنانية».
والجديد القديم في هذه المسألة هو أنها ليست اختراعاً لبنانياً وحسب. بل هي، أيضاً، صناعة عربية وإقليمية ودولية. إلا أن الأساسي في توليد هذه المسألة إنما يعود، من دون جدال، إلى دور الفرقاء اللبنانيين من أصحاب المشاريع والمشاريع المضادة، ما هو أقرب إلى الوطنية اللبنانية من هذه المشاريع، وما هو مفترق عنها، بحكم ارتباطه العضوي بقوى خارجية.وفي الواقع فإن تحوّل الأزمة اللبنانية إلى «مسألة»، بمعنى تحوّلها إلى قضية تتشابك فيها المصالح اللبنانية، بتعددها وتناقضها، مع مصالح خارجية، متعددة الأهداف السياسية وغير السياسية، إن هذا التحول في الأزمة اللبنانية الذي يزيدها تعقيداً لا يشكل بذاته حاجزاً أمام البحث الحقيقي في إمكانية الوصول إلى حل ملائم لها، حتى ولو بدا ذلك مستعصياً في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. لذلك فإننا نرى أن من واجب اللبنانيين، قبل سواهم، البحث، من موقع الوطنية اللبنانية، عن المخارج التي تقود، ولو بالتدريج، إلى الخروج بلبنان من «عنق الزجاجة» إلى الحرية.
تراجع اليسار وتقدم التطرف الطائفي وبالطبع فإن علينا، ونحن نتحدث عن هذه المهمة التاريخية المطلوب من اللبنانيين أن ينخرطوا فيها لإنقاذ بلدهم مما هو فيه، ومما يمكن أن يكون أكثر سوءاً، علينا أن نرى الصعوبات الحقيقية التي تعترض هذه المهمة، من دون أن تشكل حاجزاً حقيقياً يحول دون اختراقها وتجاوزها. وتتمثل هذه الصعوبة في أمرين يؤسس كل منهما للآخر، ويكمله. يتمثل الأمر الأول في حالة الانقسام العمودي بين اللبنانيين الذي يسود حالياً في الأوساط السياسية والثقافية والشعبية، إلى الحد الذي يبدو فيه الحوار مستعصياً، بفعل فقدان الثقة. لكن الأخطر، في ظل هذا الانقسام، هو تحوّل كتل شعبية كبرى إلى قوى عمياء، مهيأة غريزياً في أي وقت لأن تؤسس لانفجارات أمنية يصعب التحكم بها. أما الأمر الثاني فيتمثل بتراجع قوى اليسار العلماني، الذي كان، في فترات تاريخية معينة، يشكل في الصواب من مواقفه ضد الخطأ فيها، ضمانة معينة ضد استفحال الجانب الطائفي في الصراع.
والخطورة في تراجع دور اليسار تكمن في أنه، بتراجعه عن دوره السابق، وعجزه عن تقديم مشروع وطني ديمقراطي حقيقي، قد ترك نوعاً من الفراغ ملأه التطرف السياسي والطائفي، وغذته المشاعر والغرائز، وأوهام المشاريع التي أتت إلى لبنان من محيطه ومن الأماكن البعيدة.في ضوء هذه الصعوبات، بأنواعها وصيغها ومصادرها، الداخلية والخارجية، يتعين علينا، كوطنيين لبنانيين، أن نبحث عن المخارج التي تقود إلى استعادة لبنان كيانه الوطني ودولته الديمقراطية ووحدة شعبه وحريته وتطوره الديمقراطي. وهي أهداف لا تخدم لبنان واللبنانيين وحدهم، بل هي تصب، بالتأكيد، في مصلحة العرب جميعاً، من دون استثناء.
وأسمح لنفسي، كمواطن لبناني، في إطار هذه الدعوة لكي يمارس اللبنانيون جهدهم من أجل إيجاد حل لهذه الأزمة المستعصية على الحل والتي تقود بلدهم إلى كوارث غير محسوبة النتائج، أسمح لنفسي بأن أتقدم ببعض الأفكار، حتى وإن بدت، في بعض جوانبها، أقرب إلى الرومانسية، في ظل الأوضاع القائمة وصعوباتها. لا بأس.
تتلخص هذه الأفكار بالأمور التالية:
الأمر الأول يتعلق بعودة اللبنانيين إلى الإقرار التاريخي بأن لبنان هو وطنهم، وأن انتماءهم إليه هو الانتماء الأول، من دون أن يعني ذلك تخلي أي منهم عن انتماءاته السياسية والفكرية والدينية. الأمر الثاني يتعلق بإقرار اللبنانيين أن مجتمعهم التعددي هو مصدر غنى لوطنهم، وهو الأساس الثابت لنظامهم الديمقراطي، الذي قامت عليه دولتهم منذ أن تكوّن لبنان الحديث في عام 1920، ثم تكرس هذا النظام في مرحلة الاستقلال.
الأمر الثالث، يتعلق بصيغة النظام السياسي اللبناني. وهو نظام لا يمكن إلا أن يكون، استمراراً لما نشأ عليه لبنان منذ تأسيسه، النظام البرلماني الديمقراطي، الذي تشكل الدولة فيه الإطار الدستوري القائم على المؤسسات، والتي يشكل الانتخاب الحر أساس التمثيل فيها. وهو نظام ديمقراطي، لا يختلف في شكله الدستوري عن الأنظمة الديمقراطية السائدة في العالم.
إنها ديمقراطية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، حتى وإن كانت مؤسسات الدولة موزعة بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، المناصفة التي تشكل ضمانة لاستمرار وحدة لبنان، وتعبيراً دستورياً عن خصوصيته التي يختلف فيها هذا البلد عن سائر البلدان العربية. وطبيعة هذه الديمقراطية اللبنانية، كضمانة لاستمرار لبنان، إنما تتعارض تعارضاً كاملاً مع المفهوم الهجين للديمقراطية، ذلك المفهوم الذي صار يحمل اسم «الديمقراطية التوافقية».
فهذه الديمقراطية التوافقية التي يكثر الحديث عنها اليوم هي تعبير فظ ومرفوض عن المحاصصة الطائفية التي تحوّل لبنان إلى فيدرالية طوائف، وتعطل بناء الدولة المركزية الواحدة، وتلغي الطابع الديمقراطي للنظام اللبناني، وتلحق لبنان، مواربة، بالأنظمة الشمولية القائمة في المنطقة.
وهو ما يحقق عملياً لإسرائيل هدفاً تاريخياً طالما سعت إليه منذ تأسيسها، هدف تحويل لبنان بالذات، والبلدان العربية الأخرى، إلى كانتونات طائفية ومذهبية. وهو واقع، إذا ما تحقق، سيبرر لإسرائيل وجودها واستمرارها كدولة يهودية صافية، حتى وإن كانت لا تحتاج إلى مبرر لتأكيد أحاديتها الدينية والعرقية.
العلاقة مع السوريين والفلسطينيين
الأمر الرابع يتعلق بالتزام جميع مكونات الشعب اللبناني، السياسية والاجتماعية والطائفية، بأن لبنان هو جزء من العالم العربي، وأن علاقته بسوريا هي علاقة قربى وتاريخ مشترك، شرط أن تقوم هذه العلاقة على الندية وعلى الاحترام المتبادل من قبل الدولتين لاستقلال وخصوصية كل منهما، وعلى العمل من قبلهما لتوفير كل الشروط التي تساهم في تكاملهما، استناداً إلى المصالح المشتركة بينهما.
ويساهم ترسيم الحدود بين البلدين، والتبادل الدبلوماسي بينهما في جعل هذه العلاقة تقوم على قاعدة الشروط الجديدة المشار إليها، من دون أي خلل أو تجاوز لهذه الشروط من قبل أي منهما. وتأتي، في السياق ذاته من الأهمية، علاقة لبنان بالقضية الفلسطينية، كسلطة وطنية وكلاجئين مقيمين على الأرض اللبنانية، وكواجب قومي من قبل اللبنانيين في دعم نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه كاملة وإقامة دولته المستقلة على أرض وطنه فلسطين.
غير أن ذلك يتطلب من الفلسطينيين المقيمين في لبنان احترام شروط وجودهم المؤقت في هذا البلد الشقيق، والإدراك الواعي بأنهم لا يملكون الحق في اعتبار لبنان الساحة التي يمارسون فيها نضالهم لاستعادة حقوقهم في فلسطين. لكنهم يملكون الحق كاملاً في أن تحترم الدولة اللبنانية حقوقهم المدنية من دون تمييز.
حق الاستقلال والسيادة
الأمر الخامس يتعلق بطبيعة موقع لبنان في المنطقة في علاقاته مع العالم الخارجي. وفي اعتقادنا فإن الموقع الصحيح للبنان كدولة عضو في الأمم المتحدة يقضي بأن تكون علاقاته مع العالم علاقة طبيعية، تستند إلى حقه في ممارسة سياساته الخاصة به في المجالات كافة، السياسات التي تضمن له استقلاله وسيادته وحرية خياراته.
أما بالنسبة إلى القوى السياسية اللبنانية فمن حقها أن تختار سياساتها بحرية، شرط ألا تترك هذه السياسات، بتنوعها وتعدد اجتهادات أصحابها وتعدد تحالفاتهم، أي تأثير سلبي يتهدد استقلال وسيادة لبنان، ويسيء إلى موقعه في العالم المعاصر. لكن مشاركة لبنان في القضايا العربية العامة، وفي القضية الفلسطينية بالذات، لا يجوز أن تستمر أكثر من طاقته كما كان عليه الحال على امتداد العقود السابقة.
فمن غير الطبيعي أن يظل لبنان لوحده، من دون سائر البلدان العربية، ساحة صراع بكل الوسائل، بما في ذلك بالحروب مع إسرائيل، بعد أن حرر أرضه من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000، بتضحيات باهظة، ومن دون أي ثمن سياسي يخل باستقلاله وبسيادته. ويقضي ذلك بأن تكف مقاومة حزب الله عن ممارسة دورها كجيش بديل من الجيش اللبناني، وأن يكف حزب الله عن ممارسة سلطته، بديلاً من سلطة الدولة، في بعض المناطق، وأن تكف القوى الطائفية الأخرى عن هذه الممارسة ذاتها.
وطن للحرية والتنوع والإبداع والجمال
وإني لأشعر، في ختام هذه المحاولة لعرض الجوانب المختلفة من الأزمة اللبنانية، في التاريخ القديم والحديث، ولتقديم بعض الأفكار حول إيجاد حلول لها، أجد نفسي مدفوعاً لتقديم ملاحظتين سريعتين إلى المثقفين العرب، وإلى المثقفين الديمقراطيين، اليساريين خصوصاً، في العالم.
في الملاحظة الأولى أريد أن ألفت نظر هؤلاء الأشقاء والأصدقاء من المثقفين، ونظر الكثرة ممن أعرف وممن لا أعرف أسماءهم، وبين هؤلاء وأولئك كبار ممن أحترم وأقدر، إلى أن لبنان هو وطن حقيقي لشعب حقيقي وعريق هو الشعب اللبناني، وأن لهذا الوطن، أسوة بالأوطان الأخرى في المنطقة خصوصاً، الحق في أن تحترم سيادته، ويحترم استقلاله، ويحترم حق شعبه في الحرية وفي السلام.
والسبب الذي يدعوني إلى لفت نظر أشقائنا وأصدقائنا المثقفين إلى هذه الحقيقة البديهية هو أن كثرة منهم يطلقون العنان لمواقف ينحازون فيها بإطلاق إلى فريق من السياسيين اللبنانيين، ضد الفريق الآخر، ويشاركون ذلك الفريق في تخوينه للفريق الآخر.
وهذا ليس من حقهم. أما الملاحظة الثانية فترمي إلى لفت نظر هؤلاء المثقفين من أشقائنا وأصدقائنا إلى أن لبنان ليس الساحة الوحيدة، في المنطقة وفي العالم، لممارسة الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية وضد مخططاتهما في المنطقة.
ففي مثل هذا الموقف ما يبدو ظلماً للشعب اللبناني، هذا الشعب الذي مارس النضال ضد هذين العدوين لبلداننا على امتداد ما يزيد على نصف قرن، وقدم في هذا النضال التضحيات الجسام، وحقق إنجازات تاريخية تمثل آخرها في تحرير أرضه بالكفاح وبالدم، وصار من حقه أن ينعم بالحرية وبالسلام، مقرونين بالسعي لبناء دولته ومؤسساتها، وبالنضال على الجبهة الداخلية لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي لبلده، في جوانبه المختلفة.
لقد حان الوقت، حان منذ زمن طويل، لكي يعيش اللبنانيون في بلدهم من دون حروب أهلية ومن دون حروب مفروضة عليهم، ولكي يكونوا قادرين، عندما يتعرض بلدهم لاعتداء خارجي، على امتلاك حريتهم في الدفاع عن أرضهم تحت راية الدولة، وليس تحت أي راية أخرى. هكذا، فقط، يمكن أن يعود لبنان كما أراده أبناؤه، وكما حلم به رواد نهضته، وكما أحب أشقاؤه أن يكون، وطناً للحرية، وللتنوع، وللإبداع الثقافي، وللجمال.



