تشكل توصيات الخبراء لرأب الصدع عبر الأطلسي الختام المنطقي لهذا الكتاب، غير أننا نلاحظ أن أبرز هذه التوصيات تدور حول تأكيد ضرورة وصول الاتحاد الأوروبي إلى مداه الكامل في ضم الأعضاء المستهدفين منذ عام 2003،مع التزام الاتحاد بالمزيد من المرونة في إدارة الشأن العام، والتأكيد على أهمية الأبعاد الاقتصادية والتجارية في تطوير العلاقات عبر الأطلسي، والتشديد على ضرورة أن يصبح الاتحاد الأوروبي كيانا ناطقا بصوت واحد، وأن يرفض، في الوقت نفسه، أن يقتات بالشعارات مهما كانت جاذبيتها.مثل كل تقرير سياسي يتم إعداده على مستوى رفيع من البحث العلمي والموضوعية الأكاديمية، كان لابد وأن ينتهي كتابنا بعدد من التوصيات المهمة التي حرص المساهمون في تأليف الكتاب على أن يدرجوها ضمن أجندة جدول أعمال مزدوج إلى شقين أساسيين:

الشق الأول: مطروح تحت عنوان «أجندة لأوروبا الجديدة كي تصبح لاعبا أساسيا على مسرح العولمة فيما تظل شريكا متكافئا مع الولايات المتحدة.... الشق الثاني: ويتعلق بالمحالفة الأطلسية «الناتو» التي تضم كلا من الشريك الواقع شرق المحيط وهو الاتحاد الأوروبي، والشريك الآخر القابع إلى غربي الأطلسي وهو أميركا، حيث تستهدف التوصيات الإبقاء على دور «الناتو» قائما وفعالا وديناميكيا. وربما يعنينا أكثر ـ من منظورنا العربي في منطقة الشرق الأوسط ـ مضمون وتوجهات الشق الأول. لماذا؟ لأن أوروبا هي القارة الأقرب إلى منطقتنا العربية، ومن ثم فهي شريك أساسي لنا من حيث المصالح الاقتصادية والعلاقات الثقافية والتبادل التجاري، فضلا عن عوامل وأوضاع التفاعل الإنساني الأخرى في مجالات شتى منها السياحة والعلاج والتعليم والإعلام وغيرها.

زد على ذلك أن تجربة جارنا ـ الاتحاد الاوروبي تجربة يمكن أن يتعلم منها العرب الكثير من الدروس المستفادة. لعل هذه الدروس تثير في الكيان القومي العربي قدرا من الغيرة أو رغبة موضوعية في النسج على منوال هذه التجربة التي باتت ـ كما هو معروف ـ تضم أشتاتا من الدول وأخلاطا من الشعوب التي تفرّق بينها لغات ولهجات وأقاليم وأعراق شتى. ولكنها قررت أن تجتمع في إطار وحدوي وعلى أرضية تصدق عليها عبارة جوهرية تقول:المصالح قبل العواطف، والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة قبل الشعارات الحماسية والخطب العصماء والأناشيد القومية مهما بلغت بلاغتها.

لقد عمد الاتحاد الأوروبي إلى بناء كيانه الاتحادي عبر خطوات وئيدة متأنية تذرعت بالصبر المتدرج وانتهجت أسلوب الخطوة البسيطة التي لا تلبث أن تسلم إلى خطوة أخرى،تقطع مساحة محدودة نعم ولكنها كفيلة في كل حال بأن تنقل الكيان ولو بضعة أمتار إلى الأمام، وبعدها تتحول الأمتار إلى أشواط، والأشواط إلى فراسخ، ومن ثم يستطيع الفرقاء أن يتوقفوا عند كل مرحلة لزوم استقاء العبرة والتقاط الأنفاس ومراجعة المسافات التي تم اجتيازها، وبعدها أيضا تتواصل الخطى ويستمر المسير.

قصة نجاح

تقول التوصيات التي حرص محررا الكتاب على إدراجها في الفصلين الختاميين ـ ص178: للاتحاد الأوروبي قصة نجاح جديرة بأن تُحكى. لقد جاء إطلاق الاتحاد النقدي في عام 1999، وقد واكبه طرح عملة اليورو الموحدة ليرسي الأساس الوطيد الذي كفل لاقتصاد أوروبا.. مستقبل المنافسة مع أطراف شتى في العالم،كما هيأ السبل لكي ينعم مواطنو أوروبا السائرة على طريق الوحدة برغد العيش وعائد الرخاء.

في الوقت نفسه جاء هذا الإجراء النقدي ـ الاقتصادي ـ وخاصة استخدام اليورو ليشكل الدعائم السياسية والاقتصادية التي نهض على أساسها الاتحاد الأوروبي تمهيدا لكي يصبح هذا الاتحاد لاعبا فعالا في دنيا العولمة ومركزا للمنعة الاقتصادية في دنيا القرن الحادي والعشرين.

تومض سطور هذا الفصل الثالث والثلاثين ـ قبل الأخيرـ من كتابنا لكي تعترف أن اليورو الأوروبي سجل بداية ضعيفة أمام سطوة الدولار، ولكنه ما لبث أن استطاع أن يؤكد مكانه ومن ثم مكانته بوصفه «عملة تحظى بالاحترام على مستوى العالم الخارجي». أما على صعيد الداخل فمازالت الآمال معقودة على أن يؤدي اليورو القوي إلى الضغط على الأقطار من أعضاء الاتحاد التي تعثرت أو حتى تخلفت طويلا عن مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي ـ لكي تبادر إلى اللحاق بهذه المسيرة حيث أن فلسفة استخدام العملة الأوروبية الموحدة تقضي بفرض ضوابط مالية على الدول الأعضاء لمواصلة مسيرة هذا الإصلاح.

بيد أن اليورو ـ كما يؤكد هذا الفصل من الكتاب ـ له دور آخر يضطلع به على المسرح الدولي: إن دور اليورو ـ كما يقول الكتاب ـ يتجاوز دور العملة، أي عملة نقدية مستخدمة للمعاملات المالية في هذا الركن أو ذاك من عالمنا،اليورو رمز للتكامل الأوروبي، بقدر ما أنه يمثل في رأي كتابنا واحدا من أهم المنجزات السياسية والاقتصادية، التي شهدتها اللحظات الأخيرة من القرن العشرين.

وسائل تحقيق الهدف

لقد جاءت سنوات القرن الحادي والعشرين لتشهد «أوروبا الجديدة«المتوسعة في إطار اتحادها وهي تمتلك إمكانات تؤهلها موضوعيا ـ كما يؤكد الكتاب ـ لكي تشكل قوة كبرى في الشؤون العالمية بقدر ما تؤهلها أيضا لكي تكون شريكا للولايات المتحدة.

هنا يمكن طرح السؤال الذي يقول مباشرة: كيف يتسنى تحقيق هذا الهدف المزدوج الذي يتعلق بقوة أوروبية عالمية يُعتد بها ويُحسب حسابها.. بقدر ما يتصل في الوقت ذاته بشريك أوروبي متكافئ مع ابن العم الأميركي المقيم غربي المحيط؟

الإجابة المباشرة أيضا هي: على جميع الدول الأوروبية أن تنهض لاتباع استراتيجية مشتركة.. وأول متطلبات هذه الاستراتيجية أن نبادر (نحن الأوروبيين) إلى تعريف مصالحنا وإلى أن نجيب على أسئلة جوهرية من قبيل: ما هو العالم الذي نريد أن نراه قائما بعد 25 أو حتى 50 سنة من الآن؟، وما هي طبيعة مساهمات أوروبا المفضية إلى تحقيق هذا العالم الذي نرنو إليه من الناحيتين السياسية والاقتصادية والعسكرية؟ وهل تمتلك أوروبا الإرادة السياسية التي تؤهلها لاستثمار قدراتها ووسائلها من أجل تحقيق هذا الهدف؟

عند هذا المنعطف من التحليل، نلاحظ، كقارئين للكتاب ومحللين لمحتواه، أن ثمة روحا جديدة أو متجددة باتت تسري في أعطاف الساسة والمخططين وربما الانتلجنتسيا المثقفة في أوروبا الحالية بشكل عام.

ها نحن نطالع معهم حديثا تحمله لنا سطور الكتاب ليتناول ما يطلقون عليه اسم أوروبا الجديدة.. أو أوروبا العفية الشابة.. أوروبا الموسعة.. الموحدة.. أوروبا ـ الفتاة كما قد نقول ـ كيف لا وهي في رأيهم تدلف إلى مسرح السياسة العالمية مزودة بعقلية طازجة ورؤى بالغة الجدة وتتوخى مصالح لم يسبق أن توخاها أحد من قبل؟

ردود أوروبية

هنا يشعر القارئ المتمعن أن هذه السطور من الكتاب تكاد تشكل ردا مباشرا أو غير مباشر لا يهم ـ على المقولات التي سبق إلى ترديدها في السنوات القليلة الماضية أركان إدارة بوش من المحافظين الجدد حين أطلقوا ألسنتهم ـ دونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق مثلا ـ بأحاديث تغمز من قناة الشريك التاريخي شرقي الأطلسي ـ ودارت تلك الأحاديث عن أوروبا.. القديمة.. أوروبا العتيقة.. أوروبا العجوز.. الخ.

هنا يشعر القارئ المتعمق أيضا أن هذه الروح الجديدة.. أو العزيمة الطازجة ـ كما يسميها الكتاب ـ هي التي تؤكد على ضرورة دور الشريك المتكافئ أو الطرف ـ الند أو النظير المتساوي في أداء الدور المرتقب على رقعة الشطرنج العالمية.

6 توصيات جوهرية

في هذا السياق يسجل هذا الجزء الختامي من الكتاب لائحة تشخيص للحالة تضم 6 توصيات رئيسية نعرض لها بإيجاز في السطور التالية:

التوصية الأولى: استكمال توسيع الاتحاد الأوروبي وهو ما يتحقق بالضم النهائي لعدد من الدول التي سبقت في ابريل عام 2003 إلى توقيع معاهدات الانضمام وهي قبرص وتشيكيا ومالطة وبولندا وهنغاريا (المجر) وسلوفاكيا وسلوفينيا ثم دول البلطيق الصغيرة الثلاث وهي لتوانيا واستونيا ولاتفيا. وفي كل حال فإن الأعضاء الجدد للاتحاد الأوروبي سبقوا إلى إعلان التزامهم بأن يصبحوا جزءا من أحدث مشروع اقتصادي وسياسي مبتكر شهدته السنوات الخمسون الماضية. وقد تجسد هذا المشروع بالطبع في قيام الكيان القوي والذي حمل اسم الاتحاد الأوروبي.

ويلاحظ في هذا السياق أيضا أن مثل هذه التوصية تنصح الاتحاد الأوروبي باتباع مزيد من المرونة في إدارة الشأن العام.. بمعنى أن تتاح العضوية للدول الأوروبية المؤهلة لها وهي تلك التي استكملت شروط التكامل مع الكيان الاتحادي أو الوحدوي الأوسع سواء من ناحية الأوضاع السياسية أو الظروف الاقتصادية.. وأن يصبح بالإمكان أيضا استيعاب الدول التي لم تتأهل بعد من خلال مرحلة يطلق عليها وصف «الانتساب إلى الاتحاد»..

وفحوى الأمر في هذا كله هو التدرج والتأني واتباع نهج الواقعية، بعيدا عن ضغوط الشعارات أو استعجال التطورات أو سياسة حرق المراحل أو القفز إلى الأمام أو الالتفاف حول المشكلات وهي الضغوط والثغرات والعقبات التي شابت مثلا محاولات الكيان العربي القومي، سواء في مشرق الوطن العربي أو مغربه.. فكان أن أصيبت دعوات الوحدة العربية وكياناتها الدستورية بنكسات وإحباطات بغير أول أو آخر.

من ناحية أخرى، تعترف هذه السطور من كتابنا بوجود عقبات راهنة تحول دون انضمام تركيا عضوا كامل العضوية إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن مساهمات الكتاب في هذا الخصوص تسلّم مع ساسة أنقرة بأهمية تركيا من النواحي الجيو ـ سياسية والاستراتيجية والاقتصادية بالنسبة للمحالفة الأطلسية بأكملها سواء في جانبها الأوروبي أو جانبها الأميركي.

وعندنا أن تجّلت براعة الساسة والدبلوماسيين الأتراك حين استعرضوا باقتدار مشهود أهمية تركيا في هذا الصدد وهو ما يلخصه كتابنا (ص181) في سطور يقول فيها:

ـ الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أن تصبح تركيا لاعبا مشاركا بحق على الساحة الدولية وبما يخلّف تأثيرا فعالا في إدارة شؤون العالم:

ـ إن تركيا قطب للاستقرار في منطقة البحر الأسود وهي بذلك عنصر توازن مع روسيا كما أن تركيا تسيطر على الممر الواصل بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. بالإضافة إلى أن تركيا لها دور مهم تضطلع به في منطقة البلقان (سياسيا وجغرافيا وثقافيا وتاريخيا وربما عرقيا) فضلا عن أن نسبة 60 في المئة من واردات أوروبا من الغاز والنفط تأتي من دول مجاورة لحدود تركيا.

أهمية تركيا استراتيجياً

من هنا ـ يضيف كتابنا ـ تحرص الولايات المتحدة على إيلاء اهتمام خاص للعلاقة الجيو ـ استراتيجية مع تركيا وهو ما ينبغي أن ينسج على منواله، بالضرورة، الاتحاد الأوروبي الذي ينبغي أن يتمثل هدفه الرئيسي فيما يلي: التعاون مع الأقطار التي تضمها مناطق الصراع في الشرق الأوسط + بناء جسور مع العالم الإسلامي.

أخيرا يعلق الكتاب على هذه النقطة قائلا:إن التكامل مع منطقة الشرق الأوسط لن يصبح ميسورا إلا عندما تنضم تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي لكي تؤدي دور همزة الوصل بين أوروبا وعالم الإسلام والمسلمين، فتساعد بذلك على الحيلولة دون أن تصل إلى أوروبا شرارة (الخطر) الذي تنبأ به المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون بشأن «الصراع أو الصدام بين الحضارات».

ـ التوصية الثانية: وتحمل عنوانا له صياغة صحفية تقول: «مزيد من مونيه.. وقليل من مترنيخ» تلك هي الصياغة التي اختارها الكتاب للحث على انجاز وإقرار دستور الاتحاد الأوروبي بعد أن لاقى اعتراضا من جانب الرأي العام في فرنسا وأقطار أوروبية أخرى. والمعنى بشكل عام هو دعوة الأطراف الأوروبية إلى المزيد من النزوع نحو التكامل والوحدة، مع الدعوة إلى تقليل التمسك بالانتماءات القومية أو النزعات الشوفينية أو الأصول العرقية، وذلك باعتبار أن الاقتصادي الفرنسي جان مونيه (1888ـ 1979) هو رمز لدعوة التكامل والوحدة بين أرجاء القارة الأوروبية..

ويسجل له أن قام في عام 1947 بكتابة «خطة مونيه» التي أفضت إلى مشاركة فرنسا في مشروع مارشال الأميركي لتعمير ما دمرته الحرب العالمية الثانية في غرب أوروبا. وهو أيضا واضع «مشروع شومان» الذي حمل اسم وزير خارجية فرنسا عام 1950 وأفضى إلى قيام جماعة الفحم والصلب الأوروبية في عام 1952 وهي اللبنة الأولى في صرح الكيان الاتحادي الأوروبي بشكل عام.

مطلوب في المقابل التخفيف من غلواء «مترنيخ».. وفي ذلك إشارة إلى السياسي النمساوي الشهير (1773ـ 1859) صاحب دعوة توازن القوى في أوروبا وهو السياسي الداهية الذي أشرف على تصفية إمبراطورية بونابرت في فرنسا.

ومن هنا تأتي الدعوة الراهنة التي يتبناها ساسة ودبلوماسيو الاتحاد الأوروبي إلى مزيد من التكامل والتمازج بين أجزاء القارة والقليل من الانكفاء على الانتماءات الوطنية أو القومية داخل أقاليمها ودولها وشعوبها باعتبار أن الدولة ـ القومية الواحدة كما يسمونها في مصطلحات علم السياسة غير مؤهلة ـ كما يؤكد كتابنا (ص182) ـ لمواجهة التحديات والتهديدات الجديدة التي جاءت به العولمة.

ـ التوصية الثالثة: العمل على تخصيص مقعد للاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.. والحث على مواصلة إصلاح القانون الدولي. وذلك درس مستفاد ومستقى من واقع اختلافات الرؤى والآراء بين الحلفاء الأوروبيين أنفسهم خلال مناقشات مجلس الأمن لقرار أميركا بشن الحرب على العراق في ربيع عام 2003. ويشير هذا الدرس إلى ضرورة إصلاح هياكل صنع القرار في مجلس الأمن مع ضرورة تطوير أحكام شتى في القانون الدولي من أجل التكيف ـ كما تقول هذه التوصية ـ مع الحقائق المستجدة على أرض الواقع بعد حادثة 11 سبتمبر 2001 في نيويورك.. وبغير هذه الإصلاحات في مجلس الأمن والقانون الدولي تحذر هذه التوصية من أن يفقد كلا الطرفين الدوليين أهميته بالنسبة لما يجري على صعيد الساحة العالمية.

ـ التوصية الرابعة: اسمها «تافتا» طبعا على منوال اسم آخر هو «نافتا» التي تصدق حرفيا على «اتفاق أميركا الشمالية للتجارة الحرة» الذي يضم الجيران في القارة الأميركية الشمالية في إطار حلف تجاري وهم: كندا + الولايات المتحدة الأميركية + المكسيك.

ورغم أن الاتفاق الأميركي القديم «نافتا» أصبح الآن موضع خلاف أحيانا بل وإدانة أحيانا أخرى في غمار سباق الرئاسة المحتدم حاليا في أميركا إلا أن هذه التوصية من كتابنا تطالب بما تطلق عليه اسم «تافتا» وتعنى حرفيا ما يلي: منطقة عبر الأطلسي للتجارة الحرة (بين أوروبا وأميركا)

ونحسب أن على العرب أن يولوا كثيرا من الاهتمام واليقظة والتركيز على مثل هذه المقترحات التي تنطلق كما يقول واضعوها من تاريخ الشراكة الثقافية والسياسية بين أوروبا وأميركا ثم من حقيقة الإيقاع السريع، كما يؤكد أو يحذر كتابنا ـ لخطى العولمة في زماننا ثم من واقع الاعتماد المتبادل أو التكافل كما يقول تراثنا العربي بين الشريكين الغربيين عبر المحيط الأطلسي.

بين الاقتصاد والثقافة

يوضح الكتاب في هذا الخصوص كيف طرحت فكرة منطقة «تافتا» للتجارة الحرة عبر الأطلسي إلى الوجود لأول مرة في عام 1994.. ومن ثم فالمطلوب إحياؤها وإعادة إطلاقها.. لكي تجسد في رأي الكتاب «أكبر منطقة تجارة حرة في العالم» وبحيث تضمن حرية انتقال السلع ورؤوس المال والخدمات والأشخاص بين الاتحاد الأوروبي وأميركا.. ويرى الكتاب أن المسألة ليست بعيدة عن التحقيق في أرض الواقع لأسباب شتى.. منها مثلا:

* إن نحو 60 في المئة من الأرصدة الخارجية للشركات الأميركية وهي تكاد تصل إلى نحو 6 تريليونات دولار مودعة ومستثمرة في القارة الأوروبية.

* إن ثلثي العمليات التي تتبناها الشركات الأميركية في مجالات البحث والتطوير تتم على أرض الاتحاد الأوروبي ذاته.

* إن الاتحاد الأوروبي يشكل من الناحية الموضوعية عملاقا اقتصاديا.

وفيما يمكن أن تكون أوروبا شريكا لأميركا أو مستفيدا منها في ناحية الأمن.. إلا أن الاتحاد الأوروبي يمكن، بفضل إمكاناته الموحدة الجديدة، أن يتولى زمام القيادة، قبل أميركا ذاتها، في مجال الاقتصاد ومن ثم يمكن بعد توسيع عضويته أيضا أن يقود مسيرة تطوير العلاقات الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي.

ـ التوصية الخامسة: ضرورة إنشاء «أكاديمية أوروبية» للعلماء والفنانين (من الاتحاد الأوروبي) في العاصمة الأميركية واشنطن.

هنا يتطرق كتابنا إلى المجال الثقافي والإبداعي. ربما أحس المشاركون فيه والقائمان على تحرير ونشر مساهماته بأن قد استغرقهم إلى حد كبير البحوث السياسية والتحليلات الاقتصادية والمخططات الإستراتيجية. وها هم يتحولون إلى دنيا الفن والفكر والعلم والإبداع. ولعل السبب بالأساس في هذا التحول يتمثل فيما يعبر عنه كتابنا بالعبارة التالية: يحتاج الأمر إلى تشجيع وتعزيز التبادل الثقافي بين أميركا وأوروبا في وقت يشهد كثيرا من علماء أوروبا وكتّابها وفنانيها وهم في حال من الاختلاف مع أميركا والاعتراض على سياساتها.

ومن شأن تشييد مؤسسة في أميركا لهؤلاء العلماء والفنانين ـ سواء الذين يعارضون أميركا أو الذين يظاهرونها ـ أن يساعد على تبديد هذه الصورة القولبة والجامدة التي رسخت في أذهان أهل الفكر والعلم والفن عن أميركا ومن ثم تخدم في إقامة الجسور الثقافية العابرة للمحيط الأطلسي.

في إطار هذه الأكاديمية المنشودة يستطيع زملاء البحث والفكر والفن أن يقيموا ويتفاعلوا مع نظرائهم الأميركيين في ميادين تجمع بين التاريخ والفلسفة وبين النقد الأدبي وعلوم الاقتصاد والسياسة العامة والدبلوماسية ثم بين هذا كله وبين الرسم والتصوير والموسيقى الكلاسيكية والحديثة على السواء.

وعلى الصعيد العملي، يرى كتابنا أنه يمكن لهؤلاء الزملاء ـ الزائرين أن يتلقوا «مصروف جيب» شهريا وأن تتهيأ لهم سبل الإقامة والمعيشة.. على أن يساهم في تغطية النفقات مصادر عامة وخاصة من داخل الاتحاد الأوروبي ومن خلال حملات عامة لجمع ما يستلزمه هذا الأمر من أموال.

ـ التوصية الأخيرة: وتقضي بترجمة السياسة الأوروبية المشتركة في مجال الأمن والعلاقات الخارجية إلى حيث تصبح حقيقة استراتيجية واقعية.. هنا يتركز تأكيد أجندة التوصيات جميعا على أن يصبح الاتحاد الأوروبي كيانا ناطقا بصوت واحد، وأن يدلل على إمكانية نهوضه بالتزاماته في مجال القدرات العسكرية وإدارة الأزمات والتصدي لتحديات الأمن في القرن الحادي والعشرين التي يلخصها كتابنا عند سطوره الختامية في أنها تتمثل أولا في: انتشار أسلحة الدمار الشامل، وثانيا في النزعات الأصولية (بمعنى المتطرفة) وثالثا في الصراعات العرقية (أو الشعوبية) فضلا عن الأشكال الجديدة والقديمة من الإرهاب.

نحمد أخيرا للكتاب أنه ينوه بسلوك الاتحاد الأوروبي في مجال استكمال هياكله وبناء قدراته. يوضح الكتاب (ص191) كيف أن أوروبا المتحدة ترفض أن تقتات بالشعارات مهما كانت جاذبيتها أو حسن سبكها.. وها هي التوصية الختامية التي نعرض لها تؤكد على أن من أهم واجبات الاتحاد الأوروبي في مجال بناء القدرة هو المبادرة إلى إنشاء «وكالة لبحوث التسلح والدراسات الاستراتيجية» بحيث تتمثل مهامها في التشجيع على تحسين القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي وتعزيز علاقات التعاون بين أعضائه ودراسة الإمكانية الكفيلة بتطوير أحدث النظم العسكرية، الملائمة لروح العصر.. مع شرط جوهري يوجزه الكتاب في عبارة وحيدة تتعلق بمشتريات الأسلحة ويقول فيها: المسألة ليست أن نشتري أسلحة أميركية ولا أسلحة أوروبية.. جوهر القضية هو أن نشتري أسلحة عبر أطلسية.

إضاءة

يتطرق كتابنا إلى المجال الثقافي والإبداعي. ربما أحس المشاركون فيه والقائمان على تحرير ونشر مساهماته أنه قد استغرقهم إلى حد كبير البحوث السياسية والتحليلات الاقتصادية والمخططات الإستراتيجية. وها هم يتحولون إلى دنيا الفن والفكر والعلم والإبداع. ولعل السبب بالأساس في هذا التحول يتمثل فيما يعبر عنه كتابنا بالعبارة التالية: يحتاج الأمر إلى تشجيع وتعزيز التبادل الثقافي بين أميركا وأوروبا في وقت يشهد كثيرا من علماء أوروبا وكتّابها وفنانيها وهم في حال من الاختلاف مع أميركا والاعتراض على سياساتها.

ومن شأن تشييد مؤسسة في أميركا لهؤلاء العلماء والفنانين ـ سواء الذين يعارضون أميركا أو الذين يظاهرونها ـ أن يساعد على تبديد هذه الصورة المقولبة والجامدة التي رسخت في أذهان أهل الفكر والعلم والفن عن أميركا ومن ثم تخدم في إقامة الجسور الثقافية العابرة للمحيط الأطلسي.

عرض ومناقشة: محمد الخولي