** أياً من يكن القائل: «من يطل على الغابة من فوقها ويشاهدها ببعد «بانورامي» يستطيع أن يحيط، بشكلها على الأقل، بمستوى أفضل ممن هو بداخلها تائها بين أشجارها»... ** وبغض النظر عن الواقع الذي دفعه لصياغة هذه الحقيقة البديهية وألبسها ثوب «الحكمة» فإن العائد من السودان بعد مهمة صحافية امتدت لعشرة أيام يكاد يجزم أن هذا «الحكيم» إنما كان عائداً للتو من دارفور! ...** «غابة» دارفور التي تشاهدها من على البعد «البانورامي» عبر الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، غربية أو عربية، ليست سوى رقعة من الأرض تعادل مساحة فرنسا (تكررت المعلومة إلى درجة أن حفظها حتى تلاميذ المدارس) تقبع في أقاصي السودان الغربية وتشتعل في أنحائها الحرائق وتهطل من سمائها القذائف ليل نهار.. ويتربص بالهاربين من الجحيمين، «نفر» من الجن يمتطون ظهور الجياد متمنطقين برشاشات «جيم 3».. يطلق عليهم «الجنجويد». بيد انك عندما تتوغل في هذه «الغابة» ستجد نفسك تائها مرتبكاً.. ليس لأنك ستهبط في مدينة نيالا (عاصمة جنوب دارفور) في مطار «أنيق» نسبياً مقارنة حتى بمطار الخرطوم الدولي، وستشق الحافلة «المكيفة» التي تنتظرك وزملاءك من الوفد الإعلامي القادم من الإمارات شارعاً معبداً فسيحاً خالياً من المطبات التي صادفتك في الخرطوم، وتتلفت بذهول وأنت تمر على جانبي الشارع بمطعم مصري، وآخر لبناني، وكازينو سوري، لتستقر في فندق يديره طاقم هندي.. فلا تصدق انك في دارفور.

ليس لكل ذلك، بل لأنك ستجد من يؤكد لك في اليوم التالي في معسكرات ضحايا الحرب أن كل ما شاهدته وسمعته من أهوال من على البعد «البانورامي» صحيح.. ولا تجد بداً من أن تصدقه وأنت «تستجوبه» في أطراف المدينة في مخيم بئيس تعاف من العيش فيه حتى البهائم!.. لكنك تغرق في الربكة عندما تعود في المساء إلى المدينة لتجد نفسك في مطعم فخم.. أمامك كل ما تشتهي النفس، ضيفاً على مائدة مسؤول كريم هادئ، رزين، ومفوه.. يحاول أن يقنعك بأن كل ما شاهدته آناء النهار القائظ في مخيمات البؤس ليست سوى «مسرحية من إخراج قوى الاستكبار الغربي والدوائر الصهيونية والصليبية بقيادة أميركا وإسرائيل»، مع الاعتراف باستحياء بأن هنالك «مشكلة» قابلة للحل!

وعندما تهجع إلى مخدعك في الليل مبكرا، قبل العاشرة، طبقا للتعليمات الصارمة من قبل الطاقم المرافق الحريص على عدم الإخلال بنظام حظر التجول،..ينهشك القلق وأنت تفكر فيما ستقوله لقرائك عندما تعود... وتحاور نفسك في «منولوج» مرهق عما إذا كان يدخل في إطار الجحود و«قلة الأدب» أن يخدش سن قلمك، في سبيل القول الصدق الحكومة ومسؤوليها وهم من احاطوك وزملاءك بهذا الكرم الحاتمي والمعاملة اللطيفة منذ وطأت قدماك الخرطوم ليغمروك برفاهية تصل إلى حد «الدلع» تتبعك حتى في هذه البقاع الموحشة.. لكنك تستعيد في ذهنك تلك الجملة التي لا يفتأ يكررها مستضيفوك وعلى رأسهم صديقك الملحق الصحافي بقنصلية السودان بدبي محمد محمد خير، مؤكدين أن «لا شيء نخفيه هنا.. تحركوا بحرية وارصدوا كل ما تريدون واكتبوا ما يمليه عليكم ضميركم».

وهنا تهدأ نفسك وتقبل على تدوين ملاحظاتك خلال اليوم الآفل بعد أن يستقر في دواخلك القرار: صف ما شاهدته بصدق.. واسرد ما سمعته من كافة الأطراف بأمانه لا تعرف المجاملة أو التلوين.

لا مبالاة

وأنت في الخرطوم لا تكاد تسمع بدارفور سوى في الأخبار التي تتابعها عبر الفضائيات وأنت ممدد باسترخاء على سريرك في غرفتك النظيفة المرتبة بفندق «التاكا» في قلب المدينة، أو عندما تطالع صحف الصباح «الكثيرة العدد»، أو عندما تجلس لتحاور وزملاؤك العشرة أعضاء الوفد الإعلامي القادمين معك من دبي، مسؤولا رفيعاً، تخرج من مكتبه لتجلس إلى آخر.. سمتهم جميعاً منطق مرتب ورحابة صدر لا يعرف الضجر.

في الشارع تحاول أن تسترق السمع إلى «ونسة» الناس المتحلقين حول «ستات الشاي» (نساء يكسبن قوتهن من بيع الشاي على الهواء الطلق).. تجدهم مشغولين في الغالب بالجدل في شأن رياضي مثل أجواء مبارتي «الهلال» و«المريخ» (اكبر ناديين جماهيريين على مستوى السودان) مع فريقين زائرين في إطار الدورة الإفريقية..أو نقاش ساخن حول الدوري الأوروبي بل حتى حول الدوري في الإمارات..!!

وإذا تخطى الجدل هذه الدائرة فإنه ينتقل خصوصا داخل المركبات العامة، إلى الاختناقات المروية.. وقرار نقل مواقف المواصلات العاملة من وسط المدينة التي منعت من الدخول إليها سيارات «أمجاد»، (حافلة صغيرة تسع لبضعة أشخاص)، و«الركشات» (دراجات بخارية هيئت لتسع شخصين)... ولن تعدم وسط هذه «الونسات» من يغمز من قناة حكومة ولاية الخرطوم تلميحاً، أو يتحمس ليطلق اتهامات على عواهنها.

.. المهم لا ذكر لدارفور التي ينشغل بها العالم.. تقحم نفسك فتسأل بعض من تصادفهم مثلا عن رأيهم القوات الدولية الإفريقية المشتركة (الهجين) التي تتهيأ للانتشار في دارفور، فتجد من يرمقك بنظرة ارتياب ويكتفي بالتزام الصمت المطبق.. لكنك لن تعدم من يتصدى للموضوع بحماس ليلعن «سلسفيل» أميركا والدول الغربية «الطامعة في موارد السودان والساعية لاستعماره». كما لن تعدم في المقابل من يحمل المسؤولية حكومة «الإنقاذ» ويمضي أكثر ليهزأ من حكاية «القسم المغلظ» للرئيس عمر البشير وقوله وعدد من أركان حكومته إن «باطن الأرض خير من ظاهرها» اذا قبلوا بدخول جندي أجنبي واحد.. فإذا بالأمر ينتهي إلى القبول بدخول 26 ألف جندي أجنبي حتى لو كانوا قادمين من الدول الإفريقية!!

مع المسؤولين

الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل مستشار رئيس الجمهورية، وزير الخارجية السابق، الذي يعد مهندس انفتاح السودان على الخارج بعد فترة من التوتر ابان التشدد الذي وسم سياسات الخرطوم الخارجية خلال التسعينات، بادر في اشارة عابرة خلال لقاء «تنويري» مطول في مكتبه إلى الاعتراف بان هناك بالفعل «مشكلة» في دارفور ليقول: «ما من شك في ان هنالك مشكلة في دارفور.. هنالك قضية نعم.. ولكنها تستغل بأكبر قدر من القوى المعادية للسودان».

ويسهب في إيضاح هذا الجانب مضيفا:«هذه القضية اريد لها التصعيد والإبراز بأكبر قدر ممكن لكي تغطي على قضية أخرى تحاصر الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية وهي مأساة العراق، فحسب تقارير الأمم المتحدة والتي نعتقد نحن في السودان أنها مشكوك فيها. وبحسب تقارير المنظمات الغربية التي لا تسعى لمصلحة دارفور فإن القتلى في دارفور 200 ألف ولكن عدد القتلى في العراق أكثر من مليون ورغم ذلك فإن من يتابع الإعلام الغربي يجد تضخيما واضحاً للأوضاع في دارفور وكأن ما يجرى فيها اخطر مما يجري في العراق».

الأفارقة انتبهوا للمؤامرة

وينتقل د. اسماعيل إلى نقطة أخرى فيقول: «علينا أيضا ان لا ننسى ان مجتمع دارفور مجتمع قبلي ومتنوع عربي افريقي، ورغم ان هذا التنوع مستمر منذ أكثر من 400 عام لدرجة ان احداً لا يستطيع أن يمايز بين عربي وإفريقي في دارفور، بالرغم من كل هذا أرادت القوى الخارجية المعادية أن تستغل قضية دارفور لدق الإسفين في العلاقات العربية الإفريقية بزعم أن ما يجري في دارفور هو عملية إبادة للعرق الإفريقي من قبل العرق العربي الذي يسمونه حينا بالجنجويد وحينا آخر بالميليشيات.. لكن أول من انتبه لهذا الخلط والخطأ كانوا هم الأفارقة قبل أن ينتبه العرب.. ولذلك حرصوا، الأفارقة، أن يأتوا بقوات افريقية من إفريقيا جنوب الصحراء وان يرفعوا صوتهم للقول إن ما يجري ليس إبادة عرقية كما يدعي الإعلام الغربي..

وعلى عكس ما كانوا يرغبون (الغرب) فإن أزمة دارفور التي أرادوا لها ان تكون شوكة في العلاقات العربية الإفريقية دعمت وقوت هذه العلاقات، والملاحظ ان عدد الاجتماعات التي عقدت في إطار قضية دارفور بين الدول العربية والإفريقية بعد قيام الاتحاد الإفريقي اكبر من معدل الاجتماعات التي عقدت بين الطرفين قبل قيام الاتحاد، وبالتالي وجدنا بالفعل عملا عربيا إفريقياً مشتركا لمواجهة تحديات أريد لها أن تخرب العلاقات العربية الإفريقية.

ابحث عن إسرائيل

ويمضي د. مصطفى اسماعيل في تحليله ليؤكد ان دارفور منطقة تحدٍ بالنسبة للعرب «لأن إسرائيل تريد ان تجعل مدن دارفور أيضاً ساحة معركة بينها وبين العرب». وفي شرحه لهذا البعد يقول: «أولاً استراتيجية إسرائيل كدولة قائمة على العرقية اليهودية وباعتبارها الدولة العرقية الوحيدة تقريباً في العالم هي ان تبحث عن دول شبيهة تقوم على العرقية، وهذه المحاولة ليست جديدة.. اقصد ليست في دارفور فقط.. فعلى سبيل المثال عندما استقل اقليم بيافرا عن نيجيريا وأقام دولته على عرقية الآيبو كانت إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي اعترفت بهذا الإقليم وقدمت له السلاح».

ويضيف:«ونعلم ان إسرائيل تحسب حساباتها على ان افريقيا جنوب الصحراء قائمة على عرق زنجي وتبني إستراتيجيتها على فصل افريقيا جنوب الصحراء عن افريقيا شمال الصحراء التي تضم العنصر العربي.. وبالتالي تريد إسرائيل ان تنفذ هذه الاستراتيجية ايضاً في اقليم دارفور بفصله على أساس عرقي زنجي على ان يتم تفريغ العرق العربي من دارفور، ولذلك يمكن الآن ملاحظة ان الهجرات المنظمة إلى إسرائيل هي من عرقية واحدة في دارفور».

ويمضي في الحديث عن استغلال إسرائيل لقضية دارفور فيقول: «عندما عرض موضوع الجدار العنصري في فلسطين على المحكمة الدولية ثم اعيد للجمعية العامة للأمم المتحدة بدأ مندوب إسرائيل في المنظمة الدولية بالحديث عن ماذا يفعل العرب في دارفور! وكان واضحاً انه يريد ان يرسل رسالة مفادها ان العرب في فلسطين وفي لبنان وفي العراق هم العرب انفسهم الذين يقومون بأعمال القتل والاغتصاب والإبادة وخلافها في دارفور وبالتالي لا تلومونا على ما نفعله في فلسطين أو في غيرها لأن هؤلاء هم العرب..في محاولة فاضحة لتشويه صورة امتنا».

ويخلص مستشار الرئيس السوداني إلى ان « قضية دارفور ـ بالتالي - تمثل تحديا ليس امام السودان فحسب، بل امام الدول العربية كلها.. والتحدي هو ان نفضح هذا التزييف الذي يراد له ان يمر عبر دارفور وذلك بمعالجة قضية دارفور».

غير ان المستشار الرئاسي الآخر د. عبدالله مسار الذي استقبل الوفد الإعلامي في وقت لاحق لم يركز كثيرا على هذا التأثير الغربي والإسرائيلي في أزمة دارفور وان كان قد مر مرورا سريعا بتعليق مقتضب على أقدام الفصيل المتمرد الذي يقوده عبد الواحد نور على افتتاح مكتب في إسرائيل فضلا عن إشارة عابرة إلى الصراع على مقدرات المنطقة من جانب الغرب عموما وفرنسا خصوصا إلى جانب الصين اللاعب الجديد في القارة الإفريقية.

وفي المقابل، وبعد استرسال مطول حول تاريخ بدء الصراع القبلي الداخلي وتطورات مراحله ركز مسار على انعكاسات صراع دول الجوار على الأزمة، مشيرا بصفة خاصة إلى النزاع الداخلي في تشاد، التي يقول إنها كانت حاضنة لكل حركات التمرد السودانية عبر المراحل المختلفة منذ الحركة المسلحة التي قادها داوود يحيي بولاد.

وهذا الأخير كان من رموز الحركة الإسلامية في جامعة الخرطوم وكان لاحقا كادرا قياديا في نظام الإنقاذ في عهده الأول (حتى العام 1991) قبل أن ينقلب عليه ويخرج من صفوفه مغاضبا الدكتور علي الحاج النائب الحالي للأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي. والحاج الذي يقيم في المنفى الآن بالمانيا دارفوري ايضا وينتمي إلى قبيلة البرنو واتهمه بولاد بمحاباة ابناء قبيلته على حساب القبائل الاخرى.

وبعد ان يصل الدكتور مسار في نهاية تحليله إلى ان الأزمة في دارفور«ليست سوى نزاع قبلي عادي حول المرعى وموارد المياه تزين لاحقا برداء سياسي». يخلص إلى فكرة يتمسك بها ويدافع عنها بقوة مفادها ان «أي جهد يجري الآن سواء التفاوض مع المتمردين أو نشر لقوات الهجين لن يجدي نفعا ما لم يتوصل اهل دارفور إلى صلح داخلي فيما بينهم».

وأقاطعه: لكنك مستشار رئاسي في حكومة تتجه بكلياتها إلى ساحة التفاوض.. فهل؟

ولا يدعني أكمل السؤال قائلا في لهجة لا تخلو من الحدة:«يا أخي هذا هو رأيي الشخصي». لكنه يستدرك: «طبعا من واجبات الحكومة ان تفعل ما ترى لاستتباب الأمن بما فيها مفاوضة حاملي السلاح» ويعود للتشديد على فكرته ان «لا حل دائما لمشكلة دارفور الا بتفاهم وتصالح أهلها بكل مكنوناتهم».

وفي اطار سرده للمعلومات التي يشير احيانا إلى انها «خاصة» بأسلوب شيق يشوبه حماس متدفق لا يتحفظ الدكتور مسار في توجيه سهام الاتهام إلى أكثر من طرف سياسي لاعب الآن بقوة في الساحة السياسية بتأجيج الصراع في دارفور في مراحل مختلفة كل لاسبابه.. ولا توفر سهام اتهاماته الحركة الشعبية لتحرير السودان (الشريك في الحكومة الحالية)، وحزب المؤتمر الشعبي (الترابي) رابطا بينه وبين «حركة العدل والمساواة» المتمردة..بل انه لجأ ايضا إلى الغمز من قناة «حركة تحرير السوان» بزعامة جاره في اروقة القصر الرئاسي مني اركو مناوي كبير مساعدي رئيس الجمهورية الذي تسنم هذا المنصب بعد اتفاق سلام وقعه في ابوجا (نيجيريا) فصيله الذي انشقت عنه حركة عبد الواحد وحكومة الخرطوم.

في نيالا

تحط الطائرة المدنية الصغيرة من طراز (الفوكرز) في مطار نيالا.. فتتنفس الصعداء.. كيف لا؟.. وانت الذي كنت قد ولجت إلى جوفها مرتبكا بعد ان اخبرك زميلك القادم معك من دبي عن تقرير تابعه للتو عبر قناة «الجزيرة» عن كوارث الطيران.. وظللت طوال الرحلة مشغولا باستعراض سلسلة حوادث «نوعية» من هذا النوع راح ضحيتها مسؤولون كبار بينهم نائب رئيس البلاد، الزبير محمد صالح..

تحمد الله على سلامة الوصول وتتجاهل موجة الحر الذي يلفحك وتنشغل بالتمعن في منظر المروحيات العسكرية الرابضة في المدرج وتجهد لتطرد خواطر مزعجة تتدافع إلى ذهنك الذي يصر على استدعاء تقارير «الغارات» التي لا تفتأ تتدفق على طاولتك عبر وكالات الأنباء وانت الذي تمتهن متابعتها.

خارج المطار، الذي ينسب اهل جنوب دارفور فضل انجازه للوالي السابق المهندس الحاج عطا المنان، حسبما علمت لاحقا، يلفت نظرك مشهد سيارات الاجرة الكثيرة المتراصة في صفوف منتظمة وقد طليت باللون الاصفر، اللون نفسه الذي يميز مثيلاتها في الخرطوم سوى انها، كلها تقريبا، من طراز «اتوس» وهي صناعة كورية جنوبية.

خلال المشوار من المطار إلى وسط المدينة، تسجل في كراستك أكثر من مشهد ملفت..لكنك تكاد تفغر فاك عندما تفاجأ بطاقم هندي في استقبالك عند باب الفندق! وقبل ان تنهي ترتيب غرفتك يستعجلك الطاقم المرافق من ادارة الإعلام الخارجي للتوجه فورا إلى مكاتب الامم المتحدة في اول استهلال لبرنامج العمل الطويل المعد للوفد..وبعد تنوير موجز للأوضاع..تنتقل وزملاؤك إلى بيت القصيد..في طرف قصي من المدينة.

في معسكرات النازحين

هنا إذن تسكن المأساة وأي مأساة!!..

ما ان تقف الحافلة عند مدخل معسكر «سكالي» حتى يتدافع نحوها اطفال وصبية بوجوه شاحبة واعين غائرة تسيل منها الفاقة.. على مقربة من اللافتة التي تدل على انك في «حي الوالي» وليس معسكر سكالي كما يطلق عليه.. وعلى الظل الممتد لمساحة ضيقة بين خيمتين من القماش متجاورتين لا تتجاوز مساحتيهما ثلاثة امتار مربعة، تقبع مجموعة من النساء المرهقات في صفين متراصين ينظمهما شاب ينادي عليهن لتدلف الواحدة تلو الاخرى إلى داخل الخيمة الاولى ثم إلى الثانية..يحركك حب الاستطلاع فتقترب لتكتشف انك في العيادة الوحيدة في هذا المعسكر الذي يقطنه الالاف!!

غير بعيد من المكان تتناثر الخيام، بل «العشش»، التي تؤوي جحافل البؤساء الهاربين من جحيم الحرائق والرصاص والقذائف المنهمرة من السماء..(حسبما ترد في الشهادات الطازجة امامك الان..) يصيبك الرهق واحيانا الملل وانت تتابع ما يسردنه بعربية مكسرة من مشاهد الاهوال التي عشنها قبل ان يهربن من قراهن لتحتويهن هذه العشعش الشبيهة بزرائب الحيوانات ان لم تكن اسوأ.. تسألهن عن حقيقة حالات الاغتصاب التي تتحدث عنها تقارير المنظمات الدولية.. تنبري احداهن لتؤكد وقوع هذه الحالات، تحاورها لتقف على التفاصيل فلا تجد سوى جمل مبتورة لا تروي الغليل ولا تعطي الصورة الواضحة تماما...؟

* ما الذي جرى؟

« ايوا دربونا (ضربونا)..وشردونا.. واقتسبونا (اغتصبونا)».

وهنا تتذكر ما شدد عليه مسؤول مكتب الأمم المتحدة في جنوب دارفور في تنويره للوفد من ضرورة التعامل بحذر مع عبارة «الاغتصاب» عند التحدث مع من قذفت بهن الأقدار إلى هذه المعسكرات، فقد تحمل دلالات ليست بالضرورة متطابقة مع معناها اللغوي الحقيقي..

وتواصل الحوار الاشبه بـ «الاستجواب»:

* انت متزوجة؟

ـ لا

* في حد اغتصبك؟

ـ ايوا دَرَبوني واقتسبوني... واضطر الى إلقاء سؤال صريح حول ما اذا كان كلامها يعني فقدها عذريتها؟ فتنتفض مستنكرة لتنهي الحوار قائلة: شنو كلام قلة ادب دا؟

وتستعيد مجددا ملاحظات المسؤول الدولي الذي اشار إلى ان هذا لايعني عدم وقوع حالات اغتصاب قبل ان يضيف ان «الاغتصاب يستخدم احيانا كسلاح في الحرب بين القبائل..ويرجح ان الدافع لحرق القرى غالبا ما يعود سببها إلى دواعي الانتقام من هذه الحالات وان كانت الأطراف المعتدية لا تجاهر بالسبب حفاظا على شرف القبيلة».

في ختام جولتك في هذه الساحة البائسة.. وما بين غصة في حلقك وشحنات من كوامن الحزن والشفقة والغضب والغثيان والاختناق معا يموت في داخلك هتاف تمنيت لو تطلقه بصوت عال: «سحقا سحقا للسياسة وممتهنيها، موالاة ومعارضة، سحقا لكل الشعارات والتقارير وسحقا لكل من يبحث عن تبرير وسحقا لاي «نضال» يفضي إلى مثل هذه الفضيحة الإنسانية المنتصبة أمام أعين العالم في مشهد مفتوح بدا في اطاره هؤلاء المساكين وكأنهم كائنات أليفة في «حديقة حيوانات» تسلي الزائرين.. أو تثير شفقتهم.. أو حتى حنقهم.. لا فرق!

تعود إلى الخرطوم فيبادرك من تلاقيه بالسؤال:

* «اها.. كيف دارفور»؟

ـ الحق ان المدينة التي زرناها (نيالا) جميلة وتفوق في مستواها كل المدن التي زرتها في «الشمالية» على الاقل.. ولكن الأوضاع في أطرافها داخل المخيمات «تحنن الكافر»®. وتجتهد، وانت تغالب دموعك، ان تسرد تفاصيل الواقع المأساوي للنازحين وكيف ان أسرة بكاملها تعيش تحت «برش» مثبت على خشبتين..وكيف، وكيف.

وتندهش حين يأتي الرد دائما بسؤال مغلف ببرود بل وباستغراب لحماسك:

ـ وما العجب في ما رأيت؟!..سكان المعسكرات الذين تكاد تبكي على أحوالهم هي هذه حياتهم العادية حتى في قراهم التي نزحوا منها.. على الأقل هنا يحظون بمن يتفقد أحوالهم!

تعود لتغرق في الارتباك، ومرارة الخيبة تجتاحك عندما تكتشف في نهاية المطاف انك لست سوى «شاهد مفهمش حاجة»!

الخرطوم، نيالا (دارفور) ـ محمد خليل كاره