ارتبط الخامس والعشرون من ابريل عند المصريين بذكرى تحرير سيناء التي رحل عنها الإسرائيليون في مثل هذا اليوم من عام 1982 (عدا طابا التي استردت فيما بعد في مارس 1989). صار هذا اليوم عيدا وطنيا تعطل فيه المدارس والمصالح والهيئات. وهو بالفعل حدث قومي يحق لأبناء الكنانة الاحتفال به سنويا.
ولكنْ هناك حدث تاريخي آخر ـ في مثل هذا اليوم ـ يعود إلى قرابة 150 عاما ولا يمكن أن تغفل عنه الموسوعات العلمية وسجلات التاريخ الحديث لأنه من أهم المنجزات الحضارية في القرن التاسع عشر. ففي يوم الخامس والعشرين من ابريل عام 1859، بدأ المصريون بسواعدهم حفر قناة السويس، وشقوا بأيديهم أكبر ممر مائي ـ صناعي ـ في العالم يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، بطول 163 كيلومترا بين بورسعيد والسويس. فكرة حفر قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر عبر الأراضي المصرية.. ليست وليدة العصر الحديث. بل إنها قديمة وتعود إلى قرابة ألفي عام قبل الميلاد. فموقع مصر المتميز جغرافيا جعلها مركزا لتبادل التجارة بين الشرق والغرب.
ومن هنا خطط فراعنة مصر القدامى لتطوير اقتصادهم بحفر ما عرف بقناة الفراعنة. وأول من أنشأها سنوسرت الثالث وافتتحت عام 1874 ق.م ثم أهملت وأعيد فتحها عدة مرات. وفي عام 1310 ق.م، أنشئت قناة سيتي الأول. ثم قناة نخاو عام 610 ق.م . وقناة دارا الأول عام 510 ق.م . وقناة بطليموس الثاني عام 285 ق.م . وقناة الرومان (راجان) عام 117 ق.م . وعندما فتح المسلمون مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد عمرو بن العاص عام 640 ميلادية، ظهرت أهمية تسهيل التنقل مع شبه الجزيرة العربية.
فأعيد حفر القناة من الفسطاط إلى القلزم (السويس) وأطلق عليها قناة أمير المؤمنين، وكان ذلك في عام 642 م واستمرت هذه القناة ما بين 100 إلى 150 عاماً، إلى أن أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بردم القناة تماماً، وسدها من ناحية السويس منعاً لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الذين يقاومون الحكم العباسي. وعندما اكتشف الرحالة فاسكو دي جاما طريق رأس الرجاء الصالح، لم تمر السفن على مصر بل كانت تدور حول القارة الإفريقية. ولكن عندما ضمّت بريطانيا الهند إلى ممتلكاتها أصبح طريق رأس الرجاء الصالح حكراً على بريطانيا وحدها. ومن هنا سعت فرنسا إلى تشجيع فكرة حفر قناة السويس لتسهيل تجارتها. وفي عهد نابليون بونابرت وخلال الحملة الفرنسية على مصر، بدأت فكرة شق قناة السويس حيث أمر بونابرت في14 نوفمبر1799 بدراسة إمكانية شق قناة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط . ولكن فشلت معظم المحاولات للاعتقاد الخاطئ بأن منسوب مياه البحر الأحمر أعلى من مياه البحر المتوسط بحوالي 5. 8 مترات.
دور دي ليسبس
ارتبط اسم القناة خلال فترة تشييدها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالفرنسي فرديناند دي ليسبس الذي ينسب إليه مشروع إنشائها. كان ملحقا فرنسيا. ولم يكن هو في الأصل صاحب فكرة الإنشاء. فالفكرة ولدت في عهد محمد على الذي فضل إنشاء القناطر الخيرية لمنع إهدار ماء النيل في البحر. وكان المهندس الفرنسي بالحكومة المصرية لينان دى بلفون وضع في عام 1840 مشروعاً لشق القناة، مبددا المخاوف التي ترددت في ذلك الوقت من علو منسوب مياه البحر الأحمر على البحر المتوسط وأكد أن ذلك لا يضر
بالمشروع، بل يساعد على حفر القناة، خاصة وأن مياه النيل تجري من الجنوب إلى الشمال وتصب في البحر المتوسط.
وبعد أن تولى محمد سعيد باشا حكم مصر في 14 يوليو 1854 خلفا لعباس الأول، حصل دي ليسبس ـ المقرب من سعيد باشا ـ على فرمان عقد امتياز قناة السويس الأول وكان يشمل 12 بنداً أهمها مدة الامتياز 99 عاما من تاريخ فتح القناة تنتهي عام 1968وهو ما اعترضت عليه انجلترا خوفا على مصالحها في الهند. (وقيل ان الخديوي اسماعيل اعترض على شروط الامتياز. وفي 1864 تم تسوية الخلاف بأن تدفع مصر للشركة 84 مليون فرنك فزادت أعباؤها المالية وديونها، وهو ما دفع اسماعيل ليبيع أسهم مصر بمبلغ 4 ملايين جنيه لبريطانيا).
وقد شارك دى ليسبس مع كبيري مهندسي الحكومة المصرية دى بلفون وموجل بك في متابعة جدوى المشروع، وفي ديسمبر 1855 تم التأكد من إمكانية شق القناة دون خوف من منسوب المياه لأن البحرين متساويان في المنسوب وأنه لا خوف من طمي النيل لأن بورسعيد شاطئها رملي. وفى 5 يناير 1856 صدر عقد الامتياز الثاني وقانون الشركة الأساسي. وفى الفترة من 5 إلى 30 نوفمبر 1858 تم الاكتتاب في أسهم شركة قناة السويس و بلغ عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب 400 ألف سهم بقيمة 500 فرنك للسهم، بعدها تم تأسيس الشركة و تكوين مجلس إدارتها على يد دي ليسبس.
وفي 25 ابريل 1859 أقيم حفل ببورسعيد للبدء بحفر قناة السويس، وضرب دي ليسبس بيده المعول إيذاناً ببدء الحفر وكان معه 100 عامل حضروا من دمياط، ثم توقف الحفر بسبب معارضة إنجلترا والآستانة، ثم استكمل في 30 نوفمبر 1859 بعد تدخل الامبراطورة الفرنسية أوجيني لدى السلطان العثماني ووصل عدد العمال المصريين إلى 330 عاملا والأجانب 80 عاملا، ثم استغني عن العمال الأجانب لارتفاع أجورهم واختلاف المناخ واختلاف عاداتهم عن المصريين.
وفى أواخر عام 1861 قام الخديوي اسماعيل الذي كان قد خلف عمه سعيد باشا بزيارة مناطق الحفر بجوار بحيرة التمساح و اختار موقع المدينة التي ستنشأ وحملت اسم الإسماعيلية، وطلب بعدها دي ليسبس زيادة عدد العمال إلى 25 ألف عامل شهرياً للوفاء باحتياجات الحفر، إلا أن العمال عانوا من السخرة. وبسبب كثرتهم وعدم توافر رعاية صحية لهم، انتشرت الأوبئة ومنها الكوليرا والجدري.
وقبل أن ينتهي تشييد القناة، كان أكثر من 125 ألف عامل مصري قد استشهدوا خلال عمليات الحفر التي شارك فيها مليون مصري على مدى عشر سنوات. وانتهى العمل على امتداد 104 أميال - حوالي 163 كيلومترا - بقاع عرضه الأدنى 150 قدما وعمق 33 قدماً. وفي 17 نوفمبر 1869، افتتحت القناة رسميا ودعا الخديوي إسماعيل من أجله ملوك العالم لحضور حفل الافتتاح الذي كان أسطوريا وأشبه بليلة من ليالي ألف ليلة و ليلة، اذ بلغ البذخ في الحفل حدّاً زاد من ديون مصر.
أطماع الغرب
اتجهت أنظار الغرب إلى مصر بعد افتتاح القناة، وزادت أطماع الدول الأوربية فيها. الأمر الذي انتهى باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882. وكان المناضل المصري أحمد عرابي، يخطط لردم القناة لحماية مصر من الغزو البريطاني عن طريقها. وتدخل دي ليسبس. إذ أكد استحالة أن تستخدم القناة في الأغراض الحربية ضد مصر. رغم ذلك احتلت مصر ومر الأسطول البريطاني في القناة.
وفي 29 أكتوبر عام 1888 وقعت اتفاقية القسطنطينية بهدف ضمان حرية جميع الدول في استعمال قناة السويس. وجاء بالمادة الأولى أن تظل القناة بصفة دائمة حرة مفتوحة في زمن السلم والحرب لجميع السفن التجارية والحربية بدون تمييز. وجاء بالمادة الثانية تعهد الدول العظمى بعدم المساس بسلامة القناة ومنشآتها.
وتشير المادتان الثامنة والتاسعة إلى التزام مصر بالقيام بالتدابير الضرورية التي تضمن تنفيذ المعاهدة. ومن البنود الهامة الأخرى، ما جاء في المادة العاشرة، إذ تنص على حق تقييد الملاحة إذا اقتضى ذلك أمن مصر والتي لا تلتزم إلا بإخطار الدول الموقعة على المعاهدة. كما أن المادة الثالثة عشرة تؤكد على عدم المساس بسيادة مصر. وفي عام 1910 حاولت بريطانيا تمديد امتياز قناة السويس أربعين عاماً أخرى تنتهي في عام 2008، وباءت المحاولة بالفشب تحت ضغط الرأي العام المصري. وأغتيل بطرس غالي رئيس وزراء مصر لموقفه المؤيد لبريطانيا في تمديد الامتياز.
إن قصة القناة لا تتوقف عند افتتاحها وتشغيلها لخدمة التجارة العالمية. فهناك قصص عديدة مثيرة تتعلق بالقناة بدءا من استحواذ القوى العظمى عليها في القرن التاسع عشر بسبب الاستدانة التي عانت منها مصر في عهد الخديوي إسماعيل، ومرورا باحتلال مصر عام 1882، ثم قصة تأميمها عام1956 بقرار من الزعيم جمال عبد الناصر وما ترتب على ذلك من عدوان غاشم من جانب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.
خدمة متميزة لحركة التجارة العالمية
تسمح القناة بعبور السفن القادمة من دول البحر المتوسط و أوروبا وأميركا بالوصول إلى آسيا دون سلوك الطريق الطويل ـ رأس الرجاء الصالح ـ حول افريقيا. وقبل حفر القناة كان بعض النقل يتم عن طريق تفريغ حمولة السفن ونقلها برا إلى البحر الأحمر. وعلى سبيل المثال تبلغ المسافة بين ميناء جدة السعودي وميناء كونستانزا بالبحر الأسود 11771 ميلا عن طريق رأس الرجاء الصالح، بينما تبلغ هذه المسافة 1698 ميلا فقط عن طريق قناة السويس، وبذلك تحقق القناة وفرا في المسافة يبلغ حوالي 86% . كما تبلغ نسبة التوفير في المسافة بين طوكيو، وميناء روتردام الهولندي 23% بالمقارنة مع طريق رأس الرجاء الصالح.
والوقت الذي تستغرقه السفينة لعبور القناة حوالي مابين 12 إلى 16 ساعة، وتقدر الطاقة الاستيعابية للقناة في اليوم الواحد حوالي 76 سفينة معيارية تقريباً. وتمر السفن في قناة السويس بنظام القوافل، والقافلة هي مجموعة من السفن تسير بسرعة واحدة، والفواصل بينها متساوية تقريباً وتدخل القناة ثلاث قوافل يومياً، قافلتان من الشمال وقافلة من الجنوب، وتخضع كل قافلة لنظام محدد من حيث موعد دخول القناة والسرعات المسموح بها. ويتم تزويد مرشدين من شركة قناة السويس بسفن إرشادية حين وصولهم لمنطقة الرباط المغطاة حتى خروجهم من الطرف الآخر للقناة إلى البحر المفتوح.
مصدر دخل مهم لمصر
قناة السويس، مازالت أهم معبر مائي اصطناعي في العالم. وتحقق لمصر عائدا سنويا يصل إلى أربعة مليارات دولار. وتأتى في المركز الثالث بين مصادر الدخل القومي الأربعة الرئيسية للاقتصاد المصري، إذ ان السياحة تأتي عادة في المركز الأول، تليها تحويلات المصريين العاملين في الخارج، ثم إيرادات قناة السويس، وبعد ذلك يأتي البترول والغاز الطبيعي.
ومن أبرز الأسباب التي ساعدت على زيادة إيرادات القناة هي التوسعات السابقة التي جرت في المجري الملاحي للقناة، ومكنته من استيعاب مرور ناقلات عملاقة لم تكن قادرة على المرور به من قبل وسفن بحمولات كبيرة، فالقناة تستوعب الآن سفنا ذات حمولات كاملة تصل من200 إلى220 ألف طن، بالإضافة إلى استمرار حالة الانتعاش التجاري من وإلى دول مثل الصين والهند واليابان. وتتأثر الإيرادات بالإيجاب أيضا بتزايد حركة شحن النفط من مناطق إنتاجه في الخليج وشبه الجزيرة العربية إلى أوروبا. كما أن رسوم عبور القناة ما زالت تتسم بالمرونة، وتعد تكلفة المرور بها حتى الآن الأقل تكلفة من أي مسار آخر.
دبي ـ حسن صابر



