يلتقي القارئ هنا مع مجموعة من الدراسات التي تبدأ بالتسليم بأن العلاقات عبر الأطلسي وصلت إلى نوع من الطريق المسدود، وأن المنطلقات الأساسية في الحوار بين الجانبين الأميركي والأوروبي لم يعد لها وزن كبير، وبالتالي لابد من منطلقات أفضل، ويلفت الباحثون الأنظار إلى أن الوضع الخطير الراهن نشأ من انفراد أميركا بالقرار، وأن العلاج الحقيقي هو في أن تصبح أوروبا شريكا متكافئا لأميركا وليس تابعا لها، ولا يتردد هؤلاء الباحثون في اقتراح التوصل إلى «نيو كارتا» لتوثيق العلاقات بين الجانبين.
ثمة مداخلة ضمن فصول هذا الباب تأتي هذه المرة من إيطاليا. بالتحديد من ديفيد أندروز وهيلين والاس، وهما أستاذان عند مستوى الدراسات العليا بالجامعة الأوروبية في فلورنسه بايطاليا. هذه هي المداخلة الأخيرة، وهي تحمل الفصل رقم 32 من فصول كتابنا، بحيث يعقبها مباشرة الفصلان اللذان يحملان مجموعة من التوصيات المهمة التي خلصت إليها فصول الكتاب.
وقد حرص واضعوه على أن يضعوا نصب أعينهم الهدف المحوري التالي: إصلاح الشراكة عبر المحيط الأطلسي بمعنى محاولة تلافي ما لحق بهياكل العلاقة ـ التاريخية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من انشقاقات وشروخ وتصدعات. في هذا الفصل الأخير الذي نتوقف عنده من تحليلات الكتاب يستهل كاتباه مداخلتهما بإقرار حقيقة مستقاة من واقع الحال وتقول بغير مواربة:إن العلاقة عبر الأطلسية وصلت حاليا إلى نوع من الطريق المسدود.
لماذا؟لأن المنطلقات الأساسية في الحوار وتبادل الآراء والمعاملة بالمثل، وهي التي كانت تشكل الأساس المستنير للتوافق الذي كان ينعم به طرفا هذه العلاقة، لم يعد لها وزن كبير لا عند الأوروبيين إلى الشرق ولا عند نظرائهم الأميركيين في الغرب من المحيط. من هنا يسارع الباحثان إلى الدعوة لتلافي هذه المشكلات السلبية: يريان أن استفحال هذا التدهور في العلاقات من شأنه أن يدفع أميركا إلى مزيد من سياسة الانفراد بالرأي وأحادية السلوك.. وهذا من شأنه أن يفضي بدوره إلى أن يفقد الأوروبيون ـ حلفاء الأمس ـ ثقتهم في «الشريك» الأميركي ومن ثم يُضعف الإطار التعددي اللازم لسلامة العلاقات الدولية، وهو الإطار الذي ظل يصب في مصلحة أميركا وأوروبا على مدار نصف القرن الماضي.. لهذا يرى الأستاذ ديفيد أندروز وزميلته هيلين والاس أن الوضع أصبح من الخطورة بمكان.
وهما يتصوران أيضا أن هذا الوضع الخطير نشأت جذوره ونهضت أسبابه في غمار انفراد أميركا بشن الحرب على العراق، ثم تفاقمت في نتائج هذا الانفراد وتلك الحرب حيث أصبحت آثارهما تشمل مجالات شتى وإن لم تؤثر بعد على العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. ولكن من ذا الذي يضمن أن لا تمتد تلك العواقب السلبية لتلحق أفدح الآثار بتلك العلاقات الاقتصادية؟ لهذا تدعو المداخلة التي نعرض لها إلى أن يبذل ساسة أوروبا كل ما يستطيعون لعزل العلاقات الاقتصادية عن تأثيرات حرب أميركا ووجودها على أرض العراق بكل ما ينطوي عليه ذلك من آثار ومغارم وتكاليف.
استغلال العلاقات الاقتصادية
من نفس المنطلق تأتي الدعوة إلى استخدام هذه العلاقات الاقتصادية ذاتها كوسيلة مرتجاة قد تؤدي إلى إعادة تنشيط العلاقات السياسية التي كانت حميمة في الماضي واعترتها عوامل التوتر والإجهاد والفتور ربما إلى ما يشبه القطيعة في بعض الأحيان. في هذا المضمار يستعيد الباحثان ذكريات نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي يصفانها بأنها شهدت لمحات باهرة من العبقرية السياسية التي كفلت مداواة جراح ذلك الصراع الدموي الرهيب الذي دام 6 سنوات، فيما كفلت تلك العبقرية السياسية إمكانية تضميد جراحات الحرب واستعادة قدر ملحوظ من الوفاق أو التصالح إلى حد الوئام بين أطراف ذلك الصراع. وكان الدرس الأهم المستفاد هو:حشد الإمكانات الاقتصادية واستخدامها لتحقيق أهداف سياسية.
بعد هذا العرض العام، تتحول المساهمة الفكرية التي نعرض لها (ص160 وما بعدها) إلى حيث يطرح صاحباها بعض الاقتراحات والتصورات ذات الطابع العملي بصورة أو بأخرى وهو ما نوجزه على النحو التالي: إن العلاقة عبر الأطلسية اتسمت منذ بدايتها في عقد الخمسينات المنقضي طابعا عمليا ـ برغماتيا أو نفعيا ـ مصلحيا، بكلمات الأستاذين الباحثين كان هذا الطابع يقوم على أساس المساومة أو المقايضة: أوروبا تضفي المشروعية على سياسة أميركا الخارجية وأنشطتها عبر البحار (حتى ولو قامت على أساس الانفراد بالقرار والحركة) وفي المقابل تقدم أميركا دعمها ومؤازرتها للترتيبات والأوضاع التي تضمن لأوروبا الحليفة الأمن والرخاء على مستواها الإقليمي.
لكن لم يعد هذا المبدأ النفعي أو التساومي مقبولا مع نهاية الحرب الباردة في عقد التسعينات.. وبدأـ عرى هذه المحالفة أو المقايضة تعاني من قدر ملحوظ من التوتر والإجهاد السياسي (بعد أن اختفى الخطر الشيوعي ـ السوفييتي) وكل ما أدت إليه أزمة العراق هو أن أكدت أهمية إضفاء التغييرات التي باتت الأوضاع بحاجة إليها.
لم تعد أوروبا هي محور الاستراتيجية الجيوسياسية (الجيو بوليتيكية) لأميركا: لقد تغيرت أولويات واشنطن وأصبحت مركزَّة على القضايا العسكرية ـ أي على قضايا السياسة «الخشنة» المرتبطة بحرب الإرهاب والتصدي لنوعيات من الدول تراوحت مسمياتها حسب متغيرات المصطلح الأميركي المطروح قيد الترويج: ما بين الدول المارقة إلى الدول الراعية للإرهاب إلى دول محور الشر وأخيرا إلى الدول الفاشلة.. وأدت هذه التحولات في بوصلة الاتجاه ومحاور التركيز أن بدأت عناصر مؤثرة وفاعلة ضمن إدارة الرئيس بوش (بين أركان الجمهوريين وفصائل المحافظين الجدد) ترى أن الحلف مع أوروبا يمكن أن يمثل عاملا يحول دون تركيز الاهتمامات والجهود على الهدف، بل يمكن أن يشكل عقبة على طريق بلوغ ما ينشدونه في واشنطن من غايات.
على الشاطئ المقابل من الأطلسي كان الحليف الأوروبي يفكر على نحو مختلف: كان الاتحاد الأوروبي يركز على الاقتصاد السياسي وعلى القضايا الأمنية.. «الناعمة» (كما يسميها الباحثان).. ذلك لأن الأوروبيين هم أول من يدرك أن الاضطراب والاستضعاف الاقتصادي هو الوقود الأساسي الذي يمكن أن يذكي لهيب الاضطراب السياسي. وقد جاءت حقيقة توسيع العضوية في الاتحاد الأوروبي تجسيدا لهذا الاتجاه بالذات.
حيث يستهدف هذا التوسّع العمل على تخطي الانقسامات التاريخية التي طالما استبدت بأنحاء القارة الأوروبية، وأفضت في مراحل عديدة من العصر الحديث إلى إلحاق الخطر بكيانات أوروبا وإلى تعطيل مسيرتها وإهدار مقدراتها.. والمعنى ببساطة تجسده حقيقة جوهرية هي: أن أوروبا «الجديدة» هي في واقع الحال إعادة تشكيل لأوروبا «القديمة» وليست صيغة بديلة عنها.. بمعنى أن يضع أعضاء الاتحاد الأوروبي أيديهم على قلوبهم يحدوهم الأمل في أن تجتاز أوروبا الجديدة هذه اختبار التجربة كي تحقق ما يصبو إليه أعضاؤها من غايات.
في ضوء تلك التصورات لم تعد الصفقة القديمة ولا عادت صيغة المقايضة التي كانت قائمة عبر مياه الأطلسي ـ صفقة رابحة ولا صيغة ناجحة أو صالحة للاستمرار مع سنوات القرن الحادي والعشرين.
أوروبا و حالة الاطمئنان
بصراحة أكثر فإن أوروبا لم تشعر بالتهديد العسكري أو الخطر السياسي أو الأيديولوجي الذي كان محدقا بها طوال حقبة الحرب الباردة التي امتدت ـ كما هو معروف ـ من أواخر الأربعينات إلى أوائل التسعينات.. لقد زالت تلك الأخطار مع انهيار سور برلين، وبعد أن تصدع، ومن ثم انقشع الاتحاد السوفييتي واختفى حلف وارسو العسكري والمعسكر الشيوعي السياسي من خارطة العالم. وإذن فلم تعد ثمة حاجة من جانب أوروبا لحماية من جانب أميركا.. أو فلنقل لم يعد الاتحاد الأوروبي يواجه خطرا داهما أو محدقا أو متربصا عند أول زاوية من زوايا التاريخ.
جاء اعتماد وطرح اليورو كعملة نقدية للاتحاد الأوروبي ليزود الأوروبيين بشعور جديد من الثقة في النفس ومن الضمان الاقتصادي بل ومن الاستقلالية في السلوك العام.. فما بالك وقد أثبت اليورو، وخاصة في هذه المرحلة الأخيرة من إدارة الرئيس جورج بوش.. أنه عُملة أكثر رسوخا وأقل تعرضا للذبذبة والتقلبات من الدولار الأميركي وبعد أن ظل يستمتع بمهابة المكانة الراسخة عبر عقود انقضت من السنين.
هكذا وصلت الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى مرحلة حرجة إلى حد ليس بالقليل.. وزاد من هذا الطابع الحرج ما اتضح لدى العناصر المؤثرة على كلا الشاطئين من الأطلسي من دخول هذه الشراكة في طور جديد من التوتر المنذر بالمزيد من التفكك. وفي كل حال يؤكد الأستاذان والاس وأندروز على أهمية الحفاظ على صحة العلاقات الاقتصادية التي ما برحت متينة بين الطرفين،مع التحذير من أن تصاب هذه الوشائج الاقتصادية الوطيدة بآفات العدوى من الأمراض التي أُصيبت بها العلاقات السياسية، التي كانت تربط بين الطرفين.
وفي هذا السياق بالذات يبديان التعليق التالي: إن السماح لهذه الجراثيم السياسية بأن تنفذ إلى جسم العلاقات الاقتصادية أمر منذر بكارثة فادحة يمكن أن تصيب شعوب أوروبا وحكوماتها وإمكانيات تكاملها.. ومن ثم فلابد أن يكون الحيلولة دون وقوع هذا الاحتمال هدفا رئيسيا من أهداف العمل السياسي.
بين اليورو والدولار
هنالك يتساءل القارئ قائلا:إلى هذا الحد تشكل العلاقات الاقتصادية قضية جوهرية بين أميركا والاتحاد الأوروبي. وتجيب الدراسة التي نعرض لها قائلة: إن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لأميركا والعكس صحيح أيضا. ورغم أن التجارة لا تشكل سوى نسبة 20 في المئة من التجارة الأطلسية بشكل عام.. لكن الأهم هو أن قدرا كبيرا بل ضخما من النشاط الاقتصادي لكل من الطرفين مع أطراف أجنبية يتم على ضفتي الأطلسي.
من ناحية أخرى فإن الحفاظ على العلاقات الاقتصادية يمثل في التحليل الأخير رصيدا يمكن استثماره في مرحلة أو أخرى لإعادة العافية إلى ما يكون قد تضرر في مجال العلاقات السياسية ـ الأوروبية ـ الأميركية. وحتى مع كامل الاحترام لليورو الأوروبي، بوصفه عملة قوية بالغة الفعالية، إلا أن الدراسة التي نحن بصددها تحض أوروبا على استخدام اليورو بوصفه أداة قوية لتفعيل السياسة التجارية.
ولكن في إطار من التعاون مع ابن العم الأميركي عبر الأطلسي وليس من منطلق العداء معه أو مخاصمته أو معارضته.. ومرة أخرى يقول الباحثان:إن موارد نظام المصارف المركزية الأوروبية لابد من استخدامها، لا بوصفها عصا رادعة بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي، ولكن باعتبارها جزرة للحضّ، من باب الحث والإغراء والتشجيع على استخدام تلك الموارد لمواجهة المشاكل المشتركة التي تؤثر في الأساس على رفاه مواطني أوروبا وأميركا على السواء. في نفس المجال الاقتصادي يمضي الباحثان في تصور أن المشكلة المرجّح إثارتها في غضون الفترة الراهنة والوشيكة أيضا إنما تتمثل فيما يصفانه بالعبارة التالية: تصحيح قيمة الدولار الأميركي.
وفي معرض التفسير يضيف كتابنا (ص172) ما يلي: علينا أن نلاحظ أن العجز الراهن في الميزان الحسابي الأميركي عجز كبير وهو في حال من التفاقم المطرد بما يهدد بانخفاض مطرد بدوره في قيمة الدولار.. وفيما يظل التخفيض البطيء أو المتدرج في هذه القيمة أمرا مفيدا لمعالجة هذا العجز بطريقة منهجية، فإن إصابة العملة الأميركية بانخفاض مفاجئ أو سقوط سريع مباغت أمر يهدد بكارثة سواء لأميركا ذاتها أو لشريكها الاتحاد الأوروبي.. وهذه الأخطار المشتركة جديرة مطلوب» نيو كارتا» على ضفتي الأطلسي بأن، تخلف مصلحة مشتركة أيضا.
- إننا ندعو إلى وضع ترتيبات للتعاون على اتخاذ إجراءات للتدخّل في أسواق أسعار الصرف سواء من جانب سلطات الولايات المتحدة أو على مستوى نظام المصارف المركزية الأوروبية.. شريطة أن يكون الساسة في واشنطون والاتحاد الأوروبي على استعداد لتقديم مؤازرتهم بذكاء وحصافة وعلى نحو غير مباشر لدعم هذه الترتيبات المنشودة.. وفي كل حال أيضا يتعين على الساسة في أوروبا أن يقاوموا الإغراء الذي يدفعهم إلى الكلام علانية عن مثل هذه الإجراءات، حفاظا على مشاعر وكيان ومصالح الشريك الأميركي بكل ما يحيط به من وسائل الإعلام وربما الكشف والتشهير.
في كل حال، يظل من المهم الاعتراف بوجود مشاكل تشوب العلاقة القائمة عبر الأطلسي.. ومن الأهم الاعتراف بأن استمرار هذه المشاكل من شأنه أن يلحق أفدح الأضرار بكلا الجانبين المطلين على ضفاف المحيط، بكل ما ينطوي عليه ذلك من توترات واحتكاكات، وبما يفضي بدوره إلى إجهاض الجهود الرامية إلى تحسين بيئة الاستقرار العالمي.
والأكثر أهمية، على نحو ما يخلص إليه هذا الكتاب، هو الانطلاق من مستوى جديد في علاقة الطرفين تتحول فيه أوروبا من موقف التابع إلى موقف النظير، ومن الموقع الثانوي إلى موقع الشريك القوي، دون أن يكون هذا الشريك منافسا بالضرورة لنظيره القابع في الولايات المتحدة. هذا هو عنوان التوصيات التي خلصت إليها الدراسة المهمة التي قامت بها ضمن فصول كتابنا مؤسسة للبحوث العلمية السياسية تحمل العنوان التالي: مركز بوتسدام للشؤون الأمنية والعسكرية عبر الأطلسي
ذكريات ودراسات
بالمناسبة فإن موقع المركز في بوتسدام يثير ذكريات وأشجانا ترتبط في مجموعها بالتحولات التي شهدها العالم في مضمار الحرب والسلام. بوتسدام من أعمال العاصمة الألمانية برلين.. وقد شهدت انعقاد آخر قمة خلال الحرب العالمية الثانية ضمت كلا من الزعيم البريطاني تشرشل والزعيم الروسي ستالين والرئيس الأميركي ترومان، واستغرق انعقادها الفترة بين 17 يوليو و2 أغسطس عام 1945..
وربما تكون هذه القمة قد شهدت نوعا من الاعتراف الضمني من جانب أهل المحالفة الغربية (أوروبا وأميركا) بالهيمنة التي مارسها الاتحاد السوفييتي بعد ذلك على مقاليد دول وشعوب شرق أوروبا.. وفيما طالبت قمة بوتسدام اليابان باستسلام غير مشروط لوضع نهاية للحرب فقد كان إعلانها الصادر في 26/7/1945 بمثابة إيذان بانقسام العالم إلى معسكري الشرق والغرب، ومن ثم إلى بدء حقبة جديدة من الصراع الدولي حملت اسم «الحرب الباردة».
وقد تم إعداد هذه الدراسة في إطار مركز بوتسدام السالف الذكر وتحت إشراف أستاذة مقتدرة في مجال العلاقات الدولية هي البروفيسور ماغريتا ماشيوبولوس التي تخصصت بالذات في الدراسات الأميركية فضلا عن كونها من مؤسسي المركز الألماني المذكور.
تهتم دراسة بوتسدام بتحليل الظروف التي تطورت في سياقها علاقات أميركا والاتحاد الأوروبي، وبالذات من المرحلة التي واكبت الحرب الباردة عند منتصف القرن الماضي إلى المستجدات الراهنة، إضافة إلى استشراف آفاق تطور هذه العلاقات في مستقبل الأيام.. وتحرص الدراسة على التشديد على تحاشي خطر نكوص تلك العلاقات إلى الوراء.. وبالتحديد إلى حيث تعود إلى إتباع منطق «توازن القوى» على نحو ما كان سائدا على خارطة العالم خلال سنوات القرن التاسع عشر.
ومرة أخرى نلاحظ أن هذه الدراسة تُوافق على ما سبقت إليه سائر الأطروحات والمساهمات والمداخلات التي احتواها كتابنا من إثبات حقيقة صارت في حكم الأمر البديهي، وتقول ببساطة ما يلي: إن قرار إدارة الرئيس بوش بشن الحرب على العراق ـ أيا كانت الدعاوى أو الذرائع ـ جاء ليشكل أزمة خطيرة ولا يستهان بها بالنسبة للعلاقات بين أميركا والاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق تحرص هذه الدراسة الأكاديمية (الألمانية كما تكرر) على تذكير قارئيها، وهم من كبار الساسة في أوروبا فضلا عن القارئ العادي لمثل هذا الكتاب ـ بالعبارة التي ذاعت في أعقاب القرار الأميركي السالف الذكر، وجاء ذيوعها مرتبطا بمواقف التحفظ والرفض والانتقاد التي سادت معظم ربوع القارة الأوروبية. أما العبارة فهي منسوبة إلى السيدة كوندوليزا رايس، إذ كانت وقت قرار الحرب تتولى منصب مستشار الرئيس بوش للأمن القومي ومن ثم كانت من أقرب مساعديه في البيت الرئاسي الأبيض والعبارة تقول بالحرف (ص177):عاقبوا الفرنسيين.. تجاهلوا الألمان.. وسامحوا الروس.
إن الدراسة التي يحتويها كتابنا تصف هذه العبارة بالفصاحة، ثم تضيف إن مثل هذه العبارات لا تصلح وحدها لمداواة أو تضميد الجراح التي ألحقها الأوروبيون والأميركيون ببعضهم البعض في غمار تلك الأحداث.. من الناحية الأوروبية: لابد من تناول أمرين أساسيين أولهما يتمثل في ضرورة أن توائم أوروبا بين معاييرها الاستراتيجية وبين حقائق البيئة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.. والثاني أن توطد أوروبا عرى الوحدة بين أجزائها بحيث يتسنى للاتحاد الأوروبي أن يتكلم بصوت واحد على المسرح الدولي.. على أن يستند هذا الصوت إلى قدرات راسخة وإلى إمكانات تتمتع بالمصداقية عند الآخرين.
«نيوكارتا» أطلسية
من هنا تستطيع أوروبا أن تؤدي دور اللاعب على رقعة المسرح العالمي والشريك المتكافئ مع الولايات المتحدة الأميركية. على أن هذا التكافؤ ليس مجرد ترف تنعم به أوروبا أو مجرد أبهة قد تستعرض خيلاءها أمام شريكها الأميركي. إن الشريك المتكافئ أمر تحتاجه واشنطن ذاتها،وبرغم كل ما تتمتع به أميركا من قوة عسكرية جبارة، على أن يكون شريكا ديمقراطيا بقدر ما تؤكد الدراسة التي نحن بصددها.
ساعتها سوف تدرك الإدارة الأميركية ضرورة التوصل إلى «عقد جديد» مع الاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يفضي بدوره إلى ما تصفه الدراسة على النحو التالي: نيو ترانس أتلانتك كارتا وترجمتها: عهد أو ميثاق جديد عبر الأطلسي
ويلاحظ طبعا أن الدراسة تستخدم الألمانية في صيغتها الانجليزية نفس المصطلح المتواتر في أدبيات التاريخ السياسي الديمقراطي للانجليز ويرتبط المصطلح باسم وثيقة «الماجناكارتا» أو العهد الأعظم التي تعد اللبنة الديمقراطية الأولى في صرح الدستور الانجليزي ويرجع تاريخها إلى 15/6/1215.
أما الكارتا ـ العهد أو الميثاق الأطلسي الجديد فيقضي - كما تطالب الدراسة ـ بأن يجدد الأميركيون التزامهم بأن يظلوا قوة متاحة لصالح أوروبا، فيما يتعهد الأوروبيون من جانبهم بالنهوض بمسؤولياتهم في صون الفضاء الأوروبي ـ الأميركي عبر المحيط الأطلسي ليظل ساحة ومساحة للاستقرار والديمقراطية والتقدم.. ويتم هذا كله تحت الشعار الأثير والبسيط الذي تصوغه الدراسة قائلة:أيها السادة، نحو بحاجة إلى بعضنا البعض.
صحيح أن هناك أزمة في علاقات الطرفين اعترفت بها دراسة بوتسدام، لكن الصحيح أيضا أن أي أزمة، كما توضح نفس الدراسة، إنما تفتح الآفاق لفرص جديدة.. خاصة وأن القيم عبر الأطلسية مازالت مطروحة.. ناهيك عن أن ثمة آفاقا أوسع وآمادا أفسح.. ما برحت بدورها تتفتح مع زيادة الاتحاد الأوروبي عددا وعمقا وإمكانات. فقط ـ المطلوب أن يصغي الفرقاء على كلا جانبي المحيط الأطلسي لما يدلي به الخبراء من أفكار وما يخلصون إليه مع نهاية كتابنا من أطروحات وتوصيات.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



