للمقاومة في لبنان تاريخ طويل وعريق. وكان الشيوعيون هم أول من مارس هذه المقاومة منذ فترة الانتداب على لبنان، في عشرينات القرن الماضي دعماً للثورة السورية، وفي الثلاثينات ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتضامناً مع الثورة الفلسطينية. وكان دعم الثورة السورية من قبل الشيوعيين يتخذ أشكالاً سياسية، وأشكال تحريض للجنود والضباط الفرنسيين للامتناع عن مقاتلة الثوار. وقد أدى نشاطهم ذاك إلى اعتقال عدد من قادتهم. وواجهوا في معتقلهم خطر الحكم عليهم بالإعدام.

أما في الثلاثينات فقد شكّل الشيوعي عساف الصباغ مجموعات مسلحة لمكافحة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتضامناً مع الثورة الفلسطينية عام 1936. وظل يمارس نشاطه إلى أن تمكنت منه قوات الانتداب الفرنسي عام 1941، ووضعت حداً لحياته. وكان الشيوعيون اللبنانيون، مع رفاق لهم من الوطنيين اللبنانيين، من أوائل الذين مارسوا العمل المقاوم تحت اسم وراية المقاومة الفلسطينية، في حركة فتح أساساً، عندما تأسست المقاومة الفلسطينية في صيغتها الحديثة بعد حرب يونيو عام 1967. وكان الشهيد إبراهيم جابر أول شهيد شيوعي، وثاني شهيد لبناني بعد خليل الجمل، يسقط في أواخر عام 1968 على أرض فلسطين مع رفاق له من المقاومين الفلسطينيين. وحين تشكلت «قوات الأنصار» من الأحزاب الشيوعية للمشاركة في المقاومة، كان الحزب الشيوعي اللبناني صاحب الدور الأساسي فيها. إلا أن الحزب بادر، عندما عجزت هذه المنظمة عن الاستمرار بسبب التباين داخل الأحزاب الشيوعية حول دورها، إلى إنشاء «الحرس الشعبي» في أواخر عام 1969، كتنظيم شعبي للمقاومة.

جبهة مقاومة من بيت جنبلاط... وقد سقط العديد من الشهداء وهم يقاومون العدوان الإسرائيلي على لبنان باسم ذلك التنظيم، ابتداء من أول سبعينات القرن الماضي.وعندما تأسست الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية بمبادرة من أحزاب الحركة الوطنية اللبنانيةعام 1972 تحوّل التحالف الوطني اللبناني ـ الفلسطيني إلى الصيغة الجديدة للمقاومة التي أملتها ظروف تلك المرحلة في لبنان وفي المنطقة. إلا أن الإنجاز الأهم في تاريخ المقاومة اللبنانية كان تأسيس جبهة المقاومة الوطنية عام 1982 لمواجهة الغزو الإسرائيلي للبنان الذي وصل إلى قلب العاصمة بيروت.

وهي الجبهة التي تأسست بمبادرة من الشيوعيين، وبمشاركة من أحزاب الحركة الوطنية. ووقع بيان إطلاقها من منزل كمال جنبلاط في السادس عشر من شهر سبتمبر من ذلك العام كل من جورج حاوي، أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم، أمين عام منظمة العمل الشيوعي. ولم تمض أيام معدودة حتى بدأت قوات الغزو الإسرائيلي التي انتهكت أول عاصمة عربية، بيروت، تغادر تلك العاصمة بعد أن واجهتها المقاومة بعمليات نوعية. وظلت جبهة المقاومة تطارد قوات الاحتلال بعملياتها النوعية، وبوسائلها وأدواتها التي تتطابق مع حرب الأنصار، إلى أن فرضت عليها التراجع في عام 1985 إلى الشريط الحدودي. ثم تابع أبطال الجبهة عملياتهم، بالوسائل والأدوات ذاتها، ضد القوات الإسرائيلية، داخل مناطق الاحتلال حتى مطالع العقد الأخير من القرن.

مقاومة تعطل الدولة

في هذه اللمحة السريعة التي نذكّر فيها بنشوء المقاومة، وبروادها الأوائل، نريد تعريف من لا يعرف، وتذكير من ينسى، أو يتناسى، أن للمقاومة تاريخاً قديماً وعريقاً، وأن مقاومة «حزب الله»، على أهميتها وأهمية دورها الحديث، إنما ولدت في تاريخ لاحق، وأنها تحوّلت، بسرعة فائقة، وبدور سوري وإيراني مالي وعسكري وتقني، إلى جيش نظامي، أي إلى صيغة تختلف في دورها وفي وظيفتها وفي أدوات مقاومتها عما هو معروف في تاريخ حركات المقاومة في العالم.

بل ان مقاومة «حزب الله» هذه قد تحولت، بالقسر وبالإكراه، وبدعم سوري وإيراني، وبوسائل شتى بما في ذلك بالاغتيالات، إلى المقاومة الوحيدة، المسموح لها بالعمل على الأرض اللبنانية، ابتداء من مطلع تسعينات القرن الماضي، حتى تحرير الأرض عام 2000، وإلى هذه اللحظة من الزمن.

وجدير بالذكر أن مقاومة «حزب الله»، بعد انفرادها حصراً بالمقاومة، في الفترة التي أعقبت توقيع «اتفاق الطائف»، وتحوّل سوريا إلى دولة وصاية على لبنان، هي التي تحملت عبء الكفاح من أجل التحرير، بكل موجباته، مدعومة من كل القوى السياسية اللبنانية، بمن فيهم الشيوعيون وأهل اليسار، برغم الخلاف والاختلاف في السياسة وفي أمور أخرى، وبمن فيهم كذلك أهل اليمين، حتى الذين كانوا خلال الحرب الأهلية على علاقة ملتبسة مع إسرائيل.

لكن «حزب الله» استمر محتفظاً بالمقاومة وبسلاحها بعد التحرير، مدعوماً بكل الوسائل من سوريا وإيران، وذلك لأهداف مشتركة بين البلدين، ولأهداف مختلفة خاصة بكل منهما. وما زال الوضع على هذا النحو، منذ عام 2000، عنوة ومن دون مبرر وطني لبناني حقيقي. الأمر الذي أدى إلى تعطيل دور الدولة ومؤسساتها، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

ولم تكن حرب 2006، التي استدرج فيها «حزب الله» إسرائيل من خلال خطف جنودها، مبرراً مقبولاً من قبل كثرة من اللبنانيين لاستمرار مقاومة «حزب الله» في صيغة جيش بديل عن جيش الدولة للدفاع عن الأرض ضد عدوان إسرائيلي محتمل.

وبهذا الإصرار من قبل «حزب الله»، ومن قبل حلفائه في الداخل وحلفائه السوريين والإيرانيين، إصراره وإصرارهم على تجاوز دور الدولة وتجاوز وظيفة مؤسستها العسكرية التي يحددها الدستور ويحصر بها لوحدها من دون سواها حمل السلاح واستخدامه في أية مهمة، بهذا الإصرار، كموقف سياسي في الدرجة الأولى، يكون «حزب الله» قد انزاح عن الوظيفة الوطنية التي من أجلها أنشئت المقاومة قبل أن يتأسس هو كحزب وكمقاومة في أواسط ثمانينات القرن الماضي.

وتحولت المقاومة، استناداً إلى هذا التغيير في وظيفتها الوطنية من قبل «حزب الله» بعد أن أدت مقاومته دورها بكفاءة عالية، بما في ذلك في حرب عام 2006، تحولت إلى وظيفة خارجية، ذات صلة مباشرة بأهداف كل من سوريا خصوصاً، وإيران.

ساحة صراع عربية وحيدة

يبقى أن نشير، في هذا السياق، إلى الوظيفة الداخلية لمقاومة «حزب الله»، الوظيفة التي تتجاوز دورها الأصلي في مقاومة الاحتلال، والتي يعبّر عنها موقف الحزب وموقف حلفائه، اليوم، في عدم الاعتراف بشرعية الحكومة، وبإقفال مجلس النواب تعسفاً وتعطيل دوره التشريعي، وبالامتناع عن انتخاب رئيس للجمهورية، ووضع شروط مخالفة للدستور اللبناني ولاتفاق الطائف لانتخاب الرئيس، ومواصلة الاعتصام منذ أكثر من عام في وسط العاصمة، هذا الاعتصام الذي يقوم على أملاك الغير والذي أدى استمراره إلى تدمير مؤسسات اقتصادية عديدة وإلى تشريد الألوف من العمال والمستخدمين.

إن مجمل هذه المواقف المعلنة والممارسة من قبل «حزب الله» ومعه حلفاؤه اللبنانيون، ومن قبل السوريين والإيرانيين، تقود، في الواقع، إلى إبقاء لبنان ساحة صراع مستمرة ووحيدة في العالم العربي ضد إسرائيل في الشكل، وساحة صراع حقيقي حول صيغة لبنان كوطن وكدولة وكمجتمع، وحول دوره في المنطقة. وهذا هو جوهر الأزمة القائمة في لبنان التي أعقبت خروج القوات السورية منه، على وجه التحديد.

تعميق الانقسام

هذا التحول المتواصل في وظيفة المقاومة عن جوهرها الأصلي المتصل بتحرير الأرض من الاحتلال، في فترة كانت الدولة فيها منقسمة على ذاتها، وكان اللبنانيون يعيشون انقساماتهم وصراعاتهم في الحرب الأهلية، هذا التحول في وظيفة المقاومة هو الذي يسهم اليوم في تعميق الانقسام الطائفي والمذهبي في لبنان. وقد وصل هذا الانقسام اليوم إلى حدود لم يشهد لبنان مثيلاً لها في أي فترة من تاريخه.

وقد أدى هذا الانقسام الطائفي والمذهبي إلى تحويل أقسام واسعة من اللبنانيين من مواطنين إلى رعايا، إلى كتل شعبية تنقاد انقياداً أعمى وراء زعاماتها من دون أن تدرك أنها تمارس بذلك تهديداً مباشراً لمصالحها هي بالذات، وتهديداً مباشراً لمصالح الوطن في شكل عام. وكانت الوصاية السورية على لبنان خلال الأعوام الخمسة عشر من وجودها قد أسهمت، بوعي كامل، في مفاقمة هذا الانقسام. وكانت تهدف من وراء ذلك إلى إثبات أن اللبنانيين عاجزون عن حكم أنفسهم، إلا بوصاية عليهم، التي لا يمكن، لأسباب تاريخية وجغرافية، إلا أن تكون وصاية الشقيق الجار الأكبر، سوريا.

لقد قدمت لنا تجارب الشعوب، التي واجهت مثلما واجه لبنان احتلالاً أجنبياً لأراضيها، دروساً في كيفية التعامل مع المقاومة، بعد إنجاز تحرير أرضها. إذ قررت إهداء انتصاراتها في المقاومة إلى الدولة. وهذا ما حصل في فرنسا وإيطاليا، وفي بلدان أوروبية أخرى، في نهاية الحرب العالمية الثانية.

فلماذا لبنان هو الاستثناء في تاريخ تجارب حركات المقاومة؟

في الجواب عن هذا السؤال تبرز على الفور مفارقة سورية عجيبة. جوهر هذه المفارقة يتمثل في أن القيادة السورية، إذ تمتنع عن المقاومة لاستعادة الجولان المحتل منذ أربعين عاماً (1400 كيلومتر مربع)، وتحترم موجبات الهدنة مع إسرائيل، فإنها تعتبر مطالبة اللبنانيين باحترام الهدنة مع إسرائيل بعد تحرير أرضهم من الاحتلال بمثابة خيانة.

وتدعم، في الوقت ذاته، حلفاءها في لبنان كي يستمروا في المقاومة بالنيابة عن الأمتين العربية والإسلامية حتى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، أو إلى أن تتمكن هي، أي سوريا، في مفاوضاتها السرية مع أميركا وإسرائيل إلى اتفاق ما، وإلى أن تتمكن إيران من الوصول إلى اتفاق مع أميركا وأوروبا حول الملف النووي.

لكن هذه المفارقة في الموقف السوري تستكمل بإطلاق القيادة السورية على مواقفها صفة «الممانعة»، بمعنى أنها الدولة الوحيدة في المنطقة، ومعها إيران، التي تشكل الحاجز الذي يمنع المخططات الأميركية في المنطقة من تحقيق أهدافها.

يؤيدها في ذلك عدد من المثقفين العرب والأجانب الذين يمارسون، بالشعارات، عداءهم لأميركا وإسرائيل، ويعتبرون، جزافاً وتعسفاً، أن لبنان هو وحده ميدان صراعهم ضد هذين العدوين وضد مخططاتهما الإقليمية والدولية.

في مثل هذه الوظيفة للمقاومة، في شقيها الخارجي (سوريا وإيران) والداخلي، من أجل تغيير النظام، تكون قد انزاحت عن وظيفتها الأصلية، واختارت وظيفة سياسية تتجاوز تلك الوظيفة وتتعارض معها.

فما هو الحل لهذه المعضلة التي تبقي لبنان أسير صراعات لا تنتهي، وتمنعه من أن يستقر، وتمنع شعبه من أن يحقق حريته وسلامه، وتعطل نضاله من أجل مستقبل أفضل.

لقد حان الوقت لكي يستعيد الشعب اللبناني حريته ويستعيد وطنه لبنان سلامه واستقراره، ويستكمل تطوره الديمقراطي في الشروط الجديدة التي تعيش فيها المنطقة ويعيش فيها العالم المعاصر، ويستعيد دوره كبلد طبيعي في المنطقة، من دون تدخل خارجي في شؤونه، من أية جهة أتى هذا التدخل. وهذا ما سنحاول معالجته في المقال الرابع والأخير.