تغنى اللبنانيون، شعراً ونثراً، وبكل اللغات، وبكل وسائل التعبير، بما اعتبروه «فرادة» وطنهم لبنان. وشاركهم التغني بلبنانهم شعراء وأدباء عرب وأجانب. والتمحور الأساسي من هذا الاهتمام بهذه الخصوصية اللبنانية حول الغنى الذي يعبّر عنه تعدد وتنوع مكونات الشعب اللبناني، في الدين وفي الثقافة، وفي امتلاك المعرفة بميادينها المختلفة، وفي الكفاءة الفردية التي جعلت عدداً من اللبنانيين في المغتربات يصلون إلى أهم المراكز السياسية والعلمية والتقنية والإدارية.
وتحوّل لبنان، بفعل هذه الخصوصية، إلى مركز لا بديل عنه للعديد من المؤسسات العالمية المالية والتجارية والسياحية والإعلامية، حتى في أكثر الفترات صعوبة في تاريخ هذا البلد، باستثناء الحرب الأهلية، والحروب الأخرى التي استدرج إليها لبنان. اختلف اللبنانيون فيما بينهم، وانقسموا، وتصارعوا بكل أنواع المشاريع والمشاريع المضادة. كما تصارعوا بالأفكار العلمانية، وبالعقائد الدينية.
ولم يترددوا في اختيار السلاح أداة من أدوات الصراع، عندما بلغ هذا الصراع ذروته. واستقوى كل منهم في مواجهة الفريق الآخر بالخارج الذي كان يراه، في لحظة من اللحظات، الأكثر تطابقاً مع أفكاره ومع مواقفه ومع مشاريعه الوهمية. لكنهم سرعان ما تحوّلوا، جميعهم، ومن دون استثناء، إلى أدوات لتلك القوى التي استقووا بها.
وإذا كان البعض منهم قد أدركوا، متأخرين، خطورة استقوائهم بالخارج الذي اختاروه، بفعل ما ترتب على ذلك الاستقواء من نتائج سلبية عليهم وعلى بلدهم، فحاولوا التحرر منه بالقدر الذي تسمح به شروط استمرار الصراع. فإن آخرين منهم استمروا في الطريق ذاته، بقرار واع، مقدمين للمنتمين إلى مشاريعهم وحركاتهم تفسيرات وتبريرات جوهرها أن في تلك العلاقة التي تربطهم ب«خارجهم» نوعاً من وحدة المصالح، أو تقاطعها، بين ما هو وطني في هذه المصالح، في تحديدهم لها، وبين ما هو سياسي وأيديولوجي منها، يتجاوز حدود الوطن.
الصراع يعقب الاستقلال
بدأ الصراع بين اللبنانيين يبرز في المراحل التي أعقبت حصول لبنان على استقلاله عام 1943. وتمحور هذا الصراع، منذ البدايات، حول الكيان اللبناني وحول صيغته الدستورية، وحول موقع وحصص القوى السياسية والطائفية في مؤسسات الدولة، وحول موقع لبنان في المنطقة، وحول الدور المطلوب منه الالتزام به إزاء القضايا العربية المشتركة. وظهرت، خلال الصراع، أفكار من منطلق قومي عربي أحياناً، ومن منطلق إسلامي، أحياناً أخرى، تشكك بلبنان ككيان مستقل.
وكان المنتمون إلى الفكر القومي ينادون بإلحاق لبنان بسوريا، في البدء، ثم بالجمهورية العربية المتحدة عندما تشكلت من اندماج دولتيّ مصر وسوريا. أما المنتمون إلى التيار الإسلامي الذين اعتبرو لبنان جزءاً من الأمة الإسلامية فقد وصلوا في ثمانينات القرن الماضي إلى طرح فكرة إقامة جمهورية إسلامية في لبنان. وقد رد على هذين المشروعين، من منطلق طائفي مسيحي، عدد من المفكرين، تارة بالتذكير بلبنان الفينيقي القديم، وطوراً بالإشارة إلى انتمائه المتوسطي، أي إلى الحضارة الأوروبية. لكن الرد الحقيقي على هذين المشروعين القومي والإسلامي، وعلى نقيضهما الفينيقي والمتوسطي، إنما جاء في موقف اليسار اللبناني الذي كان الحزب الشيوعي اللبناني الأكثر دقة في التعبير عنه.
وكانت نقطة الإنطلاق في هذا الموقف أن لبنان هو كيان حقيقي، أسوة بكل الكيانات العربية التي تشكلت مع لبنان في ذات الحقبة، حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى. لكن موقف اليسار هذا أضاف إلى ذلك التأكيد تأكيداً آخر يشير إلى أن لبنان إنما يمتلك خصوصية يختلف فيها عن أشقائه العرب، لا يعبّر عنها فقط تنوع مكونات شعبه الدينية والثقافية، بل كونه تأسّس، منذ فترة الانتداب، على نظام ديمقراطي تعددي، زادته رسوخاً مرحلة الاستقلال.
وكان ميثاق الاستقلال المكتوب والعرفي التعبير الدقيق عن هذه الخصوصية للبنان. وبهذه الخصوصية بالذات دخل لبنان، بعد نيله استقلاله، في الجامعة العربية لدى تأسيسها في عام 1945، كأحد البلدان الستة المؤسسة وهي مصر واليمن والسعودية والعراق وسوريا ولبنان، برغم اعتراض، ثم تحفظ، الوفد السوري على مشاركة لبنان في تأسيس الجامعة خلال توقيع بروتوكول الإسكندرية في عام 1944، الذي هيّأ لمؤتمر التأسيس في عام 1945. هذه المواقف المختلفة بين اللبنانيين حول تحديد صيغة وطنهم، وصيغة انتمائهم إليه، هي التي شكلت الأساس لدخول القوى الخارجية في الصراع على لبنان منذ الاستقلال حتى هذه اللحظة الحرجة من تاريخه.
التدخل الخارجي
لم يكن التدخل الخارجي في الصراع اللبناني واحداً في اتجاهاته وفي مصالحه وفي استهدافاته، وبالأخص في وسائطه وفي أشكال التدخل. فإذا كانت الدول الأجنبية الكبرى قد حاولت التدخل بالسياسة وبالاقتصاد، وبمشاريع الأحلاف التي حاولت فرضها على لبنان بالضغوط، فإن الدول العربية، سوريا خصوصاً، ودول المنطقة، إيران تحديداً، كانت الأكثر قدرة على التدخل في الصراعات اللبنانية، بكل الوسائل والوسائط، مستعينة بقوى لبنانية ذات جذور عميقة داخل مكونات الشعب اللبناني. يضاف إلى هذا الدور، الذي لعبته القوى العربية والأجنبية في الصراع بين اللبنانيين، ذلك الدور المستحدث الذي لعبته المنظمات الفلسطينية، بعد انتقالها من الأردن إلى لبنان في عقب مجازر سبتمبر الشهيرة في عام 1970.
وفي الواقع فقد نجح اللبنانيون، برغم الاختلافات التي قسمتهم على أسس طائفية ومذهبية وعلى أسس سياسية وفكرية كذلك، في منع إلحاق بلدهم لبنان، منذ البدايات، بأيّ من الأحلاف الأجنبية. لكنهم اختلفوا، بل ازدادوا اختلافاً، حول الموقف من التدخل السوري، والتدخل الفلسطيني، والتدخل الإيراني الحديث، المرتبط بقيام الجمهورية الإسلامية. لذلك فإن هذا التدخل، بأنواعه الثلاثة المشار إليها، كان، ولا يزال، هو الأكثر تأثيراً من كل أنواع التدخل الخارجي الذي شهده وعانى منه لبنان في تاريخه الحديث.
إذ تحوّل هذا التدخل، بعناصره الثلاثة، إلى ما يشبه العامل اللبناني الداخلي. وتعمقت وتجذرت، في ظل هذا التدخل، الصراعات الطائفية والمذهبية. وتجاوزت هذه الصراعات حدودها القديمة، لتتحوّل إلى قضية لبنانية معقدة تكاد تستعصي، في الزمن الحالي، على الحل.
والاستعصاء هنا يعني، عملياً، استعصاء في إعادة صياغة لبنان، كوطن واحد وراسخ لكل اللبنانيين، على قاعدة ما كان قد تميّز به وشكّل خصوصيته، منذ الاستقلال، أعني تنوع مكونات شعبه، ودور المسيحيين فيه تاريخياً، وكونه البلد العربي الوحيد الذي حافظ على نظامه الديمقراطي في كل الظروف، وكون الحرية فيه، بكل مكوناتها، شكلت جزءاً أساسياً من سماته التاريخية.
دولة داخل الدولة
لقد شكل انتقال منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها السياسية والمسلحة من الأردن إلى لبنان في عام 1970 مصدراً لتدخل فلسطيني مباشر في الصراعات اللبنانية التي كانت قائمة، لاسيما في المرحلة التي أعقبت توقيع «اتفاق القاهرة» في البرلمان اللبناني الذي أعطى الفلسطينيين الحق في النشاط السياسي والمقاوم. إذ تحوّل الوجود الفلسطيني هذا، ابتداء من أوائل سبعينات القرن الماضي، إلى دولة داخل الدولة اللبنانية.
وانقسم اللبنانيون، حول الوجود الفلسطيني وحول دوره ودور دولته وحول اندماجه في الصراعات اللبنانية من باب القضية الفلسطينية، التي أعطيت صفة القضية المركزية بالنسبة إلى العرب جميعاً، الأمر الذي يعطيها حق التدخل الطبيعي في الشؤون الداخلية لكل البلدان العربية. لكن ذلك لم يتحقق، ولم يسمح به، إلا في لبنان. وظل هذا الإنقسام، حول الوجود الفلسطيني، يكبر إلى أن صار أحد العوامل الرئيسية التي قادت إلى الحرب الأهلية.
أما التدخل السوري في الشأن اللبناني، وهو قديم، فقد جاء متسارعاً، مع بداية الحرب الأهلية، لاسيما بعد دخول القوات السورية إلى لبنان في ربيع عام 1976. وظل يتطور هذا التدخل أشكالاً ومبادرات إلى أن تحوّل في الحرب الأهلية إلى جزء عضوي من تلك الحرب، ثم إلى وصاية على لبنان بإرادة عربية وأميركية، وبموافقة لبنانية ممن اجتمعوا في مدينة الطائف السعودية وأسهموا في وضع بنود ذلك الاتفاق الذي حمل اسم هذه المدينة. وكانت وظيفة الوصاية السورية، من حيث المبدأ، المساعدة في تطبيق بنود «اتفاق الطائف»، الاتفاق الذي وضع حداً للحرب، بعد أن عجز الفرقاء اللبنانيون المتقاتلون عن وضع حدٍ لها بإرادتهم وبقرار منهم.
ساحة إقليمية للصراع
لكن التدخل الإيراني جاء، بعد انتصار الثورة الإسلامية، تسللاً في البدء، ثم صار أساسياً، من خلال حزب الله، وبالتحالف مع سوريا، ابتداء من مطلع تسعينات القرن الماضي. وتحوّل لبنان، من قبل هذا التحالف السوري ـ الإيراني، إلى ساحة صراع أساسية ضد خصوم الدولتين، الأميركيين والإسرائيليين، وضد بعض الدول العربية المنخرطة في محور آخر، هو الذي أطلق عليه محور دول الاعتدال. وكان لكل من سوريا وإيران، في استخدام لبنان ساحة صراع ضد خصومهما المشار إليهما، هدفه الخاص به، الذي يلتقيان حالياً حوله، والذي سيختلفان حوله في زمن لاحق، سواء من خلال حزب الله، حليفهما اللبناني، أم بوسائط أخرى.
أزمة لبنان الراهنة إذن تكمن في أن الصراع الدائر بين مكوناته السياسية والطائفية التي باتت تتحكم به الدول العربية، ومعها أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، قد خلق من القضية اللبنانية قضية ذات طابع إقليمي ودولي. وبات لبنان، بسبب تفاقم أزمته، وبسبب الدور السوري والإيراني في هذا التفاقم، يسابق في اهتمامات العالم قضية فلسطين وقضية العراق والقضية النووية في إيران، وقضية الإرهاب الذي يهدد أصحابه في الدخول طرفاً في الصراع على لبنان، كما دلّ على ذلك بوضوح دخول «فتح الإسلام» من بوابة مخيم نهر البارد في عام 2007، إضافة إلى الدور التدميري لهذا الإرهاب في المنطقة.
لكن العنوان الأبرز في الأزمة اللبنانية يظل يتمحور حول إصرار كل من سوريا وإيران على إبقاء لبنان ساحة الصراع الوحيدة ضد إسرائيل، ليس لأهمية هذا الصراع بالنسبة إلى قادة البلدين، بل لأن هذا الصراع هو العنوان الأفضل، بالنسبة إليهم، والأكثر إقناعاً لجمهور غير قليل من اللبنانيين ومن العرب ومن المثقفين المعادين لإسرائيل وأميركا في الغرب. هنا بالذات تبرز قضية المقاومة، ودور حزب الله فيها، والوظائف التي أضيفت إليها، إسهاماً من نوع خاص في هذا الصراع الدائر حول لبنان. وهذا هو موضوع مقالنا الثالث.



