ماذا إذن عن المستقبل؟ هذا السؤال مطروح بداهة حول آفاق العلاقات الجوهرية التي تربط بين الاتحاد الأوروبي وبين أبناء العمومة القابعين غربي المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة الأميركية. إن الكتاب الذي نتعايش مع أفكاره وأطروحاته في هذه السطور يتحول بنا من مرحلة العرض والتوصيف أو التشخيص كما قد نسميها إلى مرحلة التصورات المتباينة لمستقبل العلاقات بين أوروبا وأميركا.

وعلينا أن نؤكد أن اهتمامنا ـ من منظورنا في الوطن العربي ـ بأمر هذه العلاقات من حيث توصيفها أو آفاق تطورها، هو اهتمام ينطلق من حقيقة تأثيرها على مصالحنا القومية وعلى مستقبل علاقاتنا مع هذين الطرفين الفاعلين بقوة في مسار العلاقات والمصالح الدولية التي يشكل العرب بالضرورة جزءاً منها. كتابنا يتحول بالقارئ إذن إلى محاولة التعرف على مستقبل علاقات الطرفين، الأوروبي والأميركي، ومن ثم فالأسلوب المتبع في تقصي هذا المسار المستقبلي هو رسم السيناريوهات على نحو ما اتسمت به دراسات علم المستقبل.

وهذا بالضبط ما حاوَلَتْ القيام به شخصية يونانية يجمع صاحبها بين البحوث الأكاديمية في الجامعة وبين الممارسة السياسية في أرض الواقع باليونان.. صاحِبْ هذه الاجتهادات في استشراف رؤى المستقبل هو البروفيسور جورجيوس باباستامكوس، أستاذ علم السياسة في جامعة أثينا وعضو البرلمان اليوناني وتحمل مداخلته - أو مساهمته في الكتاب العنوان المسهب التالي: مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة: إدارة التكافل والمسؤولية العالمية بين الطرفين.

يستهل الرجل أطروحاته بتأكيد حقيقة تقول بدورها (ص114):إن العلاقة القائمة عبر ضفتي المحيط الأطلسي جاءت محصلة ميراث من المصالح المتبادلة في الماضي والتحديات الكامنة على طريق المستقبل. نلاحظ في هذا السياق تركيز السياسي اليوناني على أهمية سياسة الأمن والدفاع في أوروبا. إنه يراها بمثابة القاعدة الأساس الذي تنهض عليه كل محاولات تطوير علاقات أوروبا بأميركا بل وتأهيل أوروبا والاضطلاع بدور محوري في مجال العلاقات الدولية. من هنا تحرص الدراسة التي نعرض لها على تقصي الاتجاه الذي يقدّر أن تسلكه هذه السياسة الأوروبية التي تجمع بين جانبي الأمن والدفاع.. مع رصد ردود الفعل المتوقعة من جانب (الشريك) الأميركي.

ثلاثة سيناريوهات

باختصار يحاول صاحب الدراسة - المداخلة أن يرسم 3 تصورات - سيناريوهات - لمستقبل علاقات أميركا وأوروبا على خلفية هذه المتطلبات الدفاعية والأمنية على السواء. وباختصار أيضا يمكن أن نعرض لهذه السيناريوهات الأساسية الثلاثة على النحو التالي:

* السيناريو الأول: ويصفه الباحث بأنه تصور أو توقع ستاتيكي بمعنى جامد ويقضي باستجابة إزاء التحديات الجديدة للعولمة على أساس شراكة الطرفين في النهوض بالمسؤولية. وعلى مسرح هذا السيناريو نجد هذين الطرفين وقد توصلا إلى تفاهم جديد بالنسبة لعدد من التحديات العالمية، بما في ذلك أساليب الأمن القومي.. ومن هذه التحديات يتعرض السيناريو لظاهرة الإرهاب والعلاقات التجارية والأهداف الإنمائية للألفية (اعتمدتها الأمم المتحدة في خريف عام 2000 وجاء في مقدمتها القضاء على آفة الفقر في العالم بحيث تتقلص إلى نسبة النصف مع حلول عام 2015).

وفق هذا السيناريو يؤكد الجانبان على أن تحقيق أهدافهما المشتركة إنما يتم من خلال إعادة التأكيد على القيم والأهداف والمبادئ المشتركة التي تجمع بينهما. من هنا سوف يقتضي هذا السيناريو التأكيد على دور منظمات دولية على رأسها الأمم المتحدة، ومنظمات إقليمية من أهمها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بوصفهما المحافل الرئيسية لوضع استراتيجية مشتركة عبر الأطلسي.

ومن شأن هذه الجهود تمكين الطرفين من الحفاظ على التوازن الاستراتيجي بغير اللجوء إلى إضفاء تغييرات جذرية على صيغة العلاقات القائمة بينهما.. هذا السيناريو أيضا يقتضي مبادرة أوروبا وأميركا إلى الحوار المتواصل، المتسم بأكبر قدر ممكن من الشفافية، كما تؤكد الدراسة التي نعرض لها مقترنا بما تصفه الدراسة أيضا بأنه «التشاور البنّاء». وهما العاملان الكفيلان بالحيلولة دون حدوث مزيد من الانقسام أو التباين في مواقف كل منهما.. ذلك الانقسام الذي يفضي إلى توسيع شقة الخلافات التي تهدد سلامة العلاقة بين الطرفين.

* السيناريو الثاني: هو التصور الديناميكي. وفحواه أن تعمد الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى التصرف بصورة مستقلة ذاتيا (عن الشريك الأميركي) وفي إطار هذا السيناريو لا تتورع الدول الأوروبية، وقد زاد عدد الأطراف المنضوية تحت لواء منظومتها الاتحادية، عن التصرف على نحو مستقل بعيدا عن القدرات الدفاعية المعتمدة من جانب حلف الناتو (هنا قد نلمح أصداء تتردد من ماضي أزمة علاقات أميركا وأوروبا وخاصة خلال مرحلة الزعيم الفرنسي شارل ديجول في عقد الستينات ودعوته إلى التوازن بين قطب أوروبي موحد وبين نزعة أميركية للهيمنة والوصاية على أوروبا).

المهم أن هذا السيناريو، الديناميكي كما وصفته الدراسة التي نحن بصددها، من شأنه أن يفضي (ص115) إما إلى تغييرات عميقة وملموسة في أسس العلاقة عبر الأطلسية بحيث تجعل طرفي تلك العلاقة يتصرفان بوصفهما شريكين متعاونين ولكن مستقلان، مما يؤدي بدوره إلى تقسيم جديد للمسؤوليات والقدرات على الصعيد الدولي.. بل قد يسفر في نهاية المطاف عن تشكيل نظامين مختلفين للتصرف والسلوك السياسي يتراوحان بين جانبين هما: جانب التعاون من ناحية وجانب التنافس بين أوروبا وأميركا من ناحية أخرى.

* السيناريو الثالث: وتصفه الدراسة بالتشتت أو التجزئة.. لأنه يتصور أن يحدث نوع من الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي ذاته: بين أطراف تتحفظ على التعاون مع أميركا وأطراف أخرى تبادر إلى تفعيل هذا التعاون وخاصة في مجال السياسة الخارجية. وتكاد الدراسة تحذر، في هذا الخصوص من الإفراط في هذا التشتت من جانب أطراف أوروبا، وعلى أساس أن قد تفضي هذه الحالة إلى استشراء نزعة الانفراد بالرأي، والتصرف من جانب واحد دون اعتبار للآخرين - من جانب الشريك الأميركي في كل حال.

ويدعو الأستاذ اليوناني إلى مواصلة إصلاح منظومة الأمم المتحدة من خلال جهود حثيثة ومشتركة يبذلها طرفا المحالفة الأطلسية، الأوروبي والأميركي وخاصة فيما يتعلق بهيكل وتشكيل مجلس الأمن.. أو بالمبادئ التي تتصل بالأزمات الدولية ومتطلبات الإغاثة الإنسانية، ومكافحة الإرهاب الدولي وردع الجرائم المرتكبة عبر الحدود والاتجار في الممنوعات وفي البشر والوقاية من انتشار الأمراض المعدية، فضلاً عن تفعيل السياسات المتعلقة بتخفيف عبء الديون عن كاهل الأقطار النامية وضرورات حماية البيئة ودعم التنمية المستدامة.

الدعوة لإجراءات سريعة

تلك هي أجندة القضايا والمشكلات أو الأزمات التي تطالب الدراسة من أجلها بأن يتم بناء جسور من التعاون والتفاهم عبر المحيط الأطلسي، وبعضها كما رأينا يتطلب المبادرة إلى إجراءات سريعة حتى لا تستفحل المشكلات وتصبح مستعصية على الحلول في عالم أصبحت أجزاؤه تعيش حالة من الاعتماد والتأثير المتبادل بحيث لا يتصوّر أي طرف فيه أنه بمنأى عن مغبة المشاكل التي قد يعاني منها الآخرون.

ماذا يقول رجل البيزنس؟ على خلاف هذه النظرة التي يسودها قدر لا يخفى من التفاؤل، تأتي مساهمة رجل الأعمال الأميركي الشهير جورج سوروس، الذي يرتبط اسمه بمؤسسات خيرية وبحثية كما أن كتبه حققت قدراً ملحوظاً من الانتشار وخاصة الكتاب الصادر بعنوان «فقّاعة التفوق الأميركي». تأتي هذه المساهمة لتبدأ في سطورها الأولى بنظرة واقعية يقول فيها سوروس ما يلي: إن الصدع الذي أصاب العلاقات بين أوروبا وأميركا حقيقة واقعة.

ومن مصلحة الطرفين العمل على رأبه ومعالجة ما تخلف عنه من ندوب وجراحات. وإذا كان من الصعب على بعض حكومات أوروبا أن تقبل بمبدأ الرئيس جورج بوش بشأن العمل الاستباقي (أو إجراءات الضربة الإجهاضية) فلابد من الاتفاق بصورة أو بأخرى على ضرورة اتخاذ إجراءات استباقية أو إجهاضية ولكن دون أن تتسم بالطابع العسكري.

لابد أيضا من التسليم - كما يؤكد جورج سوروس ـ بأن ليس في الإمكان تغيير النظم القمعية في العالم من خلال استخدام القوة.. بل ينبغي أن تظل القوة العسكرية هي الملجأ الأخير على أن تسبقها إجراءات - استباقية أخرى لكن ذات طابع إيجابي وبنّاء ومنها على سبيل المثال: السعي إلى حل المنازعات والصراعات بأساليب سلمية.. ومساعدة البلدان على التحرك قدما نحو الديمقراطية.. وتمكين النظم الديمقراطية من الاستمرار والازدهار.

مع هذا كله يدعو سوروس في مداخلته بالكتاب (ص159 وما بعدها) إلى أن يدرك المعنيون أن المصدر الأساسي للصراع في عالمنا إنما يتمثل في ظاهرة واحدة هي: الفقر والبؤس الناجمان عن سوء إدارة الحكم واتباع أساليب القمع والقهر ثم الفساد الضارب أطنابه وعجز الدول الفاشلة عن النهوض بمسؤولياتها تجاه مواطنيها.. ولما كان من الصعب ـ في رأيه ـ التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى بحكم أهمية مبدأ السيادة.. يتعين انتهاج أساليب أخرى من شأنها تحسين القواعد التي تنظم التجارة الدولية وتحكم نظم التمويل بما يكفل للبلدان هنا أو هناك حوافز تدفع إلى تحسين الأوضاع.

مطلوب عقوبات ومكافآت

في هذا الإطار يلاحظ رجل الأعمال الأميركي أن العالم لديه عقوبات «سلبية» شتى لمجازاة انحراف السلوك، وهي تتراوح بين الجزاءات التجارية وتصل كما هو معروف إلى التدخل العسكري. لكن العالم ليس لديه حوافز «ايجابية» تكافئ على حسن إدارة الأمور وتوخي الأسلوب الرشيد في حكم الشعوب.. من هنا يضيف سوروس قائلا:نحن بحاجة إلى توازن أفضل بين سبل الثواب وإجراءات العقاب. والبلدان النامية من حقها أن يتاح لها سبل الوصول الأيسر والأفضل إلى أسواق البلدان الصناعية وهناك أقطار بعينها - منها مثلا البرازيل ـ يجب أن يكفل لها، سبل الحصول على الائتمانات والاستثمارات الكافية على سبيل مكافأتها على إتباع نهج الحكم الرشيد.

من هنا يأتي تشديده على أهمية التعاون بين أوروبا وأميركا. وليبدأ الطرفان بالاتفاق على عدد من الغايات المشتركة ثم يعملان معا من أجل الوصول إلى تلك الغايات.. وهو يصف هذا النهج قائلاً: إن هذا من شأنه المساعدة على بناء وحدة الغرب وعلى تخفيف حدة التوترات القائمة بين الغرب وسائر الأطراف الأخرى وبخاصة الإسلام. وحتى لا تتبدد الجهود المبذولة في تلا فيف النظريات والتخمينات، يعمد رجل الأعمال إلى تحديد مجال بعينه يمكن أن يشكل، في رأيه، منطلقا للعمل ويطرح هذا المجال على النحو التالي: يمكن لجميع الأطراف أن تتعاون بمزيد من الشفافية والشعور بالمسؤولية في مجال العائدات المستقاة من الموارد الطبيعية في هذا الركن أو ذاك من العالم.

إن كثيرا من الأقطار النامية، غنية بهذه الموارد الطبيعية ولكن عائدات مواردها لا يجري استخدامها كما ينبغي لخير شعوبها. وهذا مصدر من مصادر زعزعة الاستقرار في بقاع شتى من عالمنا. لهذا تبنّت الحكومة البريطانية - يضيف جورج سوروس - إجراء يحمل الاسم التالي: مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية.

وفي مجال التطبيق فإن حكومات بلدان مثل أنجولا أو بوتسوانا (في افريقيا) فضلا عن أذربيجان (في وسط آسيا) أبدت استعدادها للمشاركة في تلك المبادرة. وإلى جانب هذا المجال الصناعي - الاقتصادي، ثمة مجالات أخرى يأتي على رأسها مجال الوقاية من أخطر الأمراض التي تفتك بصحة الملايين من بني الإنسان. لهذا رصدت الحكومة الأميركية اعتمادا ماليا تحت اسم (حساب تحديات الألفية) ويقصد إلى تحقيق أهداف عديدة منها بالذات مكافحة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية الذي يؤدي للإصابة بوباء الإيدز.

في مثل هذين المجالين الاقتصادي والصحي يمكن أن يتم التعاون بين شريكي الأطلسي، الأوروبي والأميركي.. وبالإمكان تصور ووضع المزيد من مقترحات ومشاريع التعاون التي تندرج ضمن هذا الإطار، والمهم في كل حال عدم الاقتصار على الشعارات بل الأهم هو المبادرة إلى تمهيد السبيل أمام مجالات من التعاون العملي.. الايجابي.. والملموس بوصفه السبيل.. العملي والبنّاء كذلك في تجسير الهوة الفاصلة بين ضفتي الأطلسي.

مداخلة من تركيا

بعد رجل الأعمال الأميركي جورج سوروس، يأتي دور الأكاديمي والمسؤول التركي كمال درويش. اختار البروفيسور درويش أن تبدأ سطوره مع البدايات التي ما برحنا نعيشها في هذا القرن الجديد.. حاول في مداخلته أن يستشرف آفاق ونوعية التحديات التي تنتظر كلا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع مطالع القرن الواحد والعشرين. كمال درويش، عضو في البرلمان التركي وقد تولى من قبل وزارة الاقتصاد في بلاده كما قام بالتدريس في جامعة برنستون الأميركية المرموقة.

يصدُر الرجل في مساهمته ضمن كتابنا عن أسلوب منهجي في عرض الأفكار، يستهل المساهمة بطرح عدة حقائق باتت في حكم المسلمّات، على الوجه التالي: لم تعد أوروبا مع سنوات القرن الجديد مقسومة من خلال الستار الحديدي الذي كان يقسم خارطتها بين شرق (شيوعي) وغرب (رأسمالي) ومن ثم لم تعد أوروبا- وهذا هو المهم - بحاجة إلى حماية أميركية على نحو ما كان عليه الحال حتى عقد التسعينات.

مع ذلك يرى البروفيسور درويش أن العالم ما برح مكانا محفوفا بالمخاطر. وهو ما جسدته بوضوح بالغ أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك. ثم جاءت ظاهرة العولمة وفي أعقابها تجلت مشاكل وتحديات مستجدة على سطح الكرة الأرضية منها: الإرهاب، الجريمة المنظمة (المافيات المحدثة)، الأمراض الوبيلة المعدية، التدهور البيئي، هشاشة الاقتصاد الدولي مع ما صاحب ذلك من اتساع الهوة الخطيرة الفاصلة بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، وكذلك بين التوقعات التي تساور النفوس وبين والانجازات التي تحققت فعلاً على أرض الواقع حتى في البلدان المتقدمة ذاتها.

كانت الولايات المتحدة وسوف تظل حائزة على قوة عسكرية عاتية وتفوّق بالغ في هذا الميدان، هذا في حين أن أوروبا الموحدة ينتظر أن تحقق قصب السبق على أميركا ذاتها إذ سيزيد الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي على نظيره في الولايات المتحدة. مع ذلك لابد من الاعتراف، كما ينبه المفكر التركي، بأن أميركا تنعم بالوحدة كدولة وكيان بينما أوروبا لا تزال في حال من الحوار وربما الخلاف والأخذ والرد بشأن درجة التجانس أو التواؤم أو الاتساق بين أطرافها وخاصة في مجالات الأمن والسياسة الخارجية.

رغم هذه القوة العاتية لأميركا.. إلا أن العالم أصبح أكثر تعقيدا لدرجة أن تعجز واشنطن - بجلالة قدرها - عن أن تدبّر وحدها بنجاح أمر العولمة.. ولكي تصبح أميركا قادرة على تولي زمام القيادة في هذا المجال، يتعين عليها أن تعوّل على التعاون النشط الفعّال مع اللاعبين الرئيسيين الآخرين فوق هذه الحلبة الدولية.

وبوصفه خبيرا متضلعا في البنك الدولي، يضيف الدكتور درويش موضحا أنه لا يمكن لموارد أميركا الاقتصادية أن تكفي وحدها لأداء ما تضطلع به من أدوار، ولا سبيل إلى التصرف الانفرادي أو الاستئثار بمقاليد عالمنا بمعزل عن التعاون مع أطراف عديدة أخرى. وفي كل حال فالأمر بحاجة إلى سيادة إحساس بالشرعية الأخلاقية والديمقراطية.. ولا سبيل إلى استخدام القوة (المفرطة) بصورة مطلقة أو بغير حواجز أو قيود.. ثمة عوامل وأوضاع تحدّ من استخدام القوة ومنها إعلام التليفزيون وشبكة الانترنت للمعلومات الكوكبية فضلا عن التقدم الذي تم إحرازه في مضمار قيم الديمقراطية والسياسة.

من أين يستمد النظام العالمي هذه الشرعية المبتغاة؟ يجيب البروفيسور كمال درويش قائلاً (ص140): يستمدها من مواصلة احترام وتفعيل منظومة الأمم المتحدة بكل ما تضمه من وكالات متخصصة ومؤسسات تعمل في قطاعات التنمية والاقتصاد والرعاية الاجتماعية والصحية والغوثية في طول العالم وعرضه، وعلى رأسها مؤسسات التمويل الدولي مثل البنك والصندوق الدولي وهي التي تعرف عالمياً باسم مؤسسات «بريتون وود مع هذا كله - يضيف عالم الاقتصاد التركي - فهذه المنظومة الدولية ومؤسساتها ما زالت بحاجة إلى إصلاح لكي تعكس الحقائق التي تجلت مع سنوات العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين.

مجلس أمن جديد

في هذا السياق بالذات يرتب الدكتور درويش واجبا على عاتق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتمثل في ضرورة الضغط لإصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن من حيث عضويته وتشكيله وآليات نشاطه وخاصة ما يتعلق بحقوق التصويت. يشدد أيضا على أهمية التعاون بين الأمم المتحدة كمنظومة دولية وبين حلف شمال الأطلسي (الناتو) كمنظمة إقليمية تضم كلاً من الاتحاد الأوروبي وأميركا، فضلا عن أهمية التعاون الذي يدعو إليه أيضا بين الناتو وسائر دول العالم «التي تريد المساهمة في بناء عالم أوفر سلما وأمنا».

ثم يوجه النظر بالذات - ربما بوصفه مسؤولاً وسياسياً من تركيا - إلى أهمية التعاون بين الناتو والأمم المتحدة من اجل إقرار السلم الدائم ولنجاح التنمية الشاملة في شرقي البحر المتوسط (تركيا - آسيا الصغرى وما يجاورها) ومنطقة البلقان.. لماذا؟ لأن هذه المناطق ما برحت مصدرا، في رأيه، لزعزعة الاستقرار والتعرض أمام المؤثرات السلبية على مستوى العالم ككل وعلى صعيد أوروبا بصورة خاصة. وثمة دعوة، مبتكرة كما نراها، يطرحها البروفيسور كمال درويش حين ينادي بما يلي: ضرورة إنشاء مجلس أمن اقتصادي واجتماعي داخل الأمم المتحدة.

تلك دعوة جديرة بأن تهتم بها إلى حد الدراسة وربما التشجيع بل والتبني أطراف شتى في عالمنا - وخاصة الدول النامية.. ذلك لأن مجلس الأمن القائم حاليا يقتصر دوره - حسب الميثاق - على الجوانب السياسية من الأمن والسلم الدوليين. ولكن ها هي التجارب التي عاشها العالم وقد أثبتت كيف أن السلام والأمن.. لا يمكن التوصل إليهما إلا بالعمل على استقرار العالم.. ومحاربة الفقر وسوء توزيع الثروات والموارد سواء داخل الدول أو على صعيد كوكبنا بشكل عام.

وعلى ضوء دعوة الاقتصادي الكبير من تركيا.. لابد وأن نؤكد أن لا سبيل لبلوغ الغايات الإنمائية للألفية، على نحو ما توخته الأمم المتحدة في إعلانها الشهير إلا بوجود مثل هذه المؤسسة المعنية بالقضايا والهموم الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها سكان عالمنا بشكل عام.

عرض ومناقشة: محمد الخولي