ينتقل القارئ هنا إلى ثلاث دراسات أساسية حول الصدع في العلاقات عبر الأطلسي ، يجمعها فيما بينها اتسامها بالواقعية في طرح المشكلات وتناولها ومن ثم اقتراح الحلول لها، التي تنطلق إلى تأكيد أن أوروبا القوية الموحدة تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وأن مفتاح الكثير من المشكلات يكمن في المزيد من وحدة أوروبا ، التي يجب أن تقف ضد النزعات المعادية لأميركا في صفوف المواطنين والمثقفين والمبدعين الأوروبيين ، لأن من شأنها أن تدفع واشنطن بعيدا عن إطار التعددية.

من جامعة أكسفورد تأتي مساهمة البروفيسور تيموثي غارتون آش، مدير مركز الدراسات الأوروبية في كلية سان أنطوني. تبدأ هذه المساهمة ـ أو المداخلة ـ بتأكيد ما يراه الباحث المرموق في حكم الحقيقة الواقعة، حيث يقول: ليس هناك (صدام حضارات) بين أوروبا وأميركا. وبديهي أن الإشارة هنا إلى مقولة الأميركي صمويل هنتنغتون عن تصادم الثقافات أو صراع الحضارات. وفي النقطة نفسها يسهب غارتون آش في تأطير هذا الجانب الإيجابي بين جانبي المحيط الأطلسي فيقول: نحن ننتمي إلى نفس الحضارة التاريخية (يقصد الميراث الحضاري الإغريقي ـ اللاتيني) ونحن نتقاسم معظم القيم.

خلافات أوروبا وأميركا : يستدرك الباحث مشيرا إلى أن ثمة اختلافات بين أميركا وأوروبا فيما يتعلق بنموذج الرأسمالية الديمقراطية المعتمد لدى كل من الطرفين ومن ذلك مثلا الدور الذي تضطلع به الدولة الحاكمة بالنسبة لرعاية ورفاه الشعب المحكوم. ولكن هذه الفروق أو الخلافات هي أقرب ما تكون إلى خلافات العائلة الواحدة. أما مقولة الأميركي روبرت كيغان، معبرا بذلك عن المحافظين الجدد في إدارة بوش الحالية، ومنددا بأوروبا أو غامزا من قناتها ـ كما يقول التعبير العربي ـ بأنها أقرب إلى رخاوة فينوس، رمز الجمال أو اللذة أو الدعة أو الاستضعاف الأنثوي في ميثولوجيا اليونان الأقدمين.

فيما يذهب (كيغان) أيضا إلى أن أميركا بالمقابل تجسد معاني القوة والانضباط وقدرات السيطرة وربما الرجولة أو الفحولة وامتشاق السلاح عند الضرورة. وكلها معان يرمز إليها مارس، إله الحرب في تراث اليونان ـ كل هذا يرفضه تيموثي غارتون آش، محذرا أوروبا من التسليم بأن المحافظين الجدد معبرون بالضرورة عن أميركا، ومضيفا القول إن مطالبة أميركا بالتراجع عن نهج الانفراد بالرأي والقرار ونبذ نزعة الهيمنة والسلوك من جانب واحد، ومؤكدا أن تراجع أميركا عن هذا كله إنما يشكل بالأساس عودتها إلى أفضل ما في تراث الولايات المتحدة من تقاليد وأعراف.

قوائم الطعام السياسية

بعدها تمضي هذه المساهمة في كتابنا لتؤكد كذلك أن (أوروبا المتحدة.. القوية) كيان يصب في مصلحة الولايات المتحدة ذاتها. وهو أمر يتصور الرجل أن أميركا كانت تفهمه حق الفهم خلال حقبة الحرب الباردة.. وهو ينعي على إدارة بوش أنها تخلت عن هذا المفهوم الإيجابي واستعاضت عنه بتحالفات مرحلية ومؤقتة.. تحالفات (آلا كارت) كما يسميها وكأنها أصناف منتقاة من قائمة الطعام بوحي الساعة ودون سابق تحليل أو إمعان في التفكير، حيث القائمة تضم أسماء الدول التي اختارت واشنطن التحالف معها وخاصة خلال حرب العراق وهذه الدول ـ أو الأصناف أو فلنقل الأطباق هي بالتحديد: بريطانيا + إيطاليا + اسبانيا ثم بولندا..

والمشكلة أن جاء الاختيار من القائمة منطلقا من المبدأ الامبريالي القديم الذي يلخصه الشعار اللاتيني (ديفيدي آتْ أمبيرا) بمعنى فرّق.. تسد، وذلك أمر يؤكد البروفيسور غارتون آش أنه في غير مصلحة الأطراف كافة بل هو يدعو إلى مقاومته بكل وسيلة وأنجع وسائل هذه المقاومة يتمثل في رأيه في مزيد من وحدة أوروبا ـ بمعنى المزيد من توثيق وتوطيد عرى الاتحاد الأوروبي. وأول ما يجب أن يتم في هذا المضمار هو إيجاد حل توافقي بين موقف كل من بريطانيا وفرنسا وإجراء حوار صريح بين مسؤولي الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية في كل من لندن وباريس.

ولقد نضيف على هذا المتن حاشية نعلق بها على ما استجد من تطورات عقب هذا التحليل أو تلك الدعوة موضحين أن التغيير الذي حدث في حكم فرنسا ودخول رئيس جديد هو نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه في باريس جاء نقيضا لنزعة الاستقلالية الديغولية ـ الجذور التي كان يعتمدها رئيس فرنسا السابق جاك شيراك. ومن ثم جاءت ولاية ساركوزي لتصب في مصلحة واشنطن ومحافظيها الجدد بل وتزيد من أسهم إسرائيل والحركة الصهيونية في فرنسا.

ومن ظواهر المفارقة ـ حتى لا نقول التناقض ـ أن دخل إلى المبنى 10 داوننغ ستريت برئاسة الوزراء في لندن رئيس حكومة انجليزي جديد يصدر عن نزعة استقلالية ولو نسبية إزاء سياسات المحافظين الجدد في أميركا ،ويتوقى من ثم الانسياق على طول الخط وراء تلك السياسات التي سبق وأفقدت بريطانيا بلير كثيرا من رصيدها في أنحاء شتى من العالم.

ماذا عن الشرق الأوسط؟

نأتي إلى المحور الأساسي في مداخلة مدير مركز الدراسات الأوروبية بجامعة أكسفورد. هذا المحور يتعلق بداهة بمنطقة الفوران والخطر والاحتمالات ربما على مستوى العالم كله: الشرق الأوسط. تلك هي النقطة الجوهرية والأخيرة ضمن النقاط الأساسية الخمس التي عرضت لها المداخلة الفكرية التي نحن بصددها في سياق عرضنا التحليلي لهذا الكتاب. تقول المداخلة (ص73): (الشرق السوفييتي) ظل مصدر تهديد ومن ثم كان يشكل عامل توحيد للغرب (الأوروبي ـ الأميركي). لكن الشرق الأوسط هو الآن عامل الانقسام بين صفوف الغرب ذاته في الوقت الحالي.

نحن ندرك تماما أن الأمر يتطلب التوصل إلى تسوية سلمية تنطوي أولا على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار، بقدر ما تشمل أيضا مزيدا من أمن إسرائيل، وباعتبار أن هذه التسوية أمر من ألزم ما يكون. بيد أن هذا الموقف الأوروبي الثابت لابد وأن يستند بالأساس إلى حوار يتناول طائفة شاملة من القضايا التي تتصل بالعالمين العربي والإسلامي بأسرهما، لأن الاستقرار والتحديث ومن ثم التحول الديمقراطي على مستوى العالم العربي والعالم الإسلامي أمور تصب في مصلحة أوروبا بأكثر مما تصب في مصالح الولايات المتحدة.

ويرتبط بهذه الأمور أيضا قضايا الهجرة، التجارة، مكافحة الإرهاب، المعونات، الدبلوماسية الثقافية، فضلا عن توثيق العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي وإدارة دفة السياسة مع منطقة المغرب العربي وإيران ثم مع عراق ما بعد الصراع، بطبيعة الحال. هكذا عرض البروفيسور غارتون آش رؤيته لمستقبل علاقات أوروبا والولايات المتحدة. وها هو يختم هذا العرض بتعليق يقول فيه بالحرف: إذا نظر المرء إلى هذه الطائفة المتكاملة من أدوات السياسة وأنماط العلاقات، لوجد أن دور أوروبا يختلف، من دون أن يقل أهمية، عن دور أميركا.

إصلاح الصدع

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي يطرح البروفيسور جوزيف ناي رؤيته أو فلنقل آماله في مداخلة حملت العنوان التالي: إصلاح الصدع القائم عبر الأطلسي. ويلاحظ أن هذه العبارة هي التي اختارها المحرران عنوانا لهذا الكتاب.

ويلاحظ أيضا أن البروفيسور (ناي) وهو عميد كلية أصل الحكم في جامعة هارفارد، اختار أن يبدأ مساهمته الفكرية بالتوقف عند ملابسات حرب العراق التي يعّدها سببا جوهريا في ذلك الانشقاق أو الصدع أو الاختلاف الذي أصاب المحالفة الأوروبية ـ الأميركية عبر الأطلسي، وهو الذي أفضى إلى طرح مقولات أساءت إلى الدول الواقعة شرقي المحيط ـ مقولات من قبيل أوروبا العجوز.. أو أوروبا العتيقة، أو أوروبا التي تشبه فينوس.

ومن ثم فإن أستاذ العلوم السياسية الأميركية يبدأ مقولاته بالتنبيه إلى ضرورة الإقلاع عن التعاطي مع تلك (الخرافات والأوهام).. وهو يعمد في هذا السياق إلى التذكير بأن أوروبا وأميركا توحدت كلمتهما ومواقفهما حين قاتل الطرفان معا في كوسوفو بالبلقان وتم ذلك في غيبة قرار صادر في هذا الشأن عن مجلس الأمن الدولي (وبفضل تلك الجهود المشتركة التي بلغ عمرها الآن نحوا من 10 سنوات تهيأت كوسوفو للحصول مؤخرا على الاستقلال).

يقول جوزيف ناي وهو ـ كما أسلفنا ـ صاحب مقولة القوى الناعمة والقوى الخشنة في قدرات وإمكانات الدول: إن أوروبا القديمة، كما وصفوها، أصبحت الآن أكثر حداثة، بمعنى أنها أصبحت أوروبا (السوبر جديدة) كيف لا وقد نجحت دولها في ربط قواربها السيادية مع بعضها البعض لدرجة أن باتت تشكل جزيرة من الاستقرار أو هي واحة فريدة وشديدة الجاذبية لكل من يحيط بها.. ولنتأمل ـ يضيف الأستاذ الأميركي ـ ما بذلته وما تبذله دول شرق أوروبا وتركيا من أجل الانضمام إلى اتحادها والانخراط في سلكها.

رقعة الشطرنج الجديدة

يدعو البروفيسور ناي إلى عدم التركيز في هذا الخصوص على الأبعاد العسكرية فقط في علاقات أميركا والاتحاد الأوروبي. ويقول إن القوة الحقيقية أصبحت في القرن 21 موزعة بشكل مختلف عن مراحل الزمن الذي انقضى، فالأساليب اختلفت والقضايا موضع الاهتمام اختلفت بدورها.

باختصار شديد، نحن الآن أمام رقعة مستجدة تماما في لعبة شطرنج العالمية. على مهاد هذه الرقعة تقف أميركا قطبا واحدا. نعم، لكن من حيث الإنفاق العسكري الذي يفوق ويتجاوز مجموع ما ترصده الدول الاثنتا عشرة التي تلي أميركا في ترتيب هذا الإنفاق على الأغراض الحربية.

لكن إذا نظرت إلى الأغراض الأخرى، غير العسكرية فلن تجد قطبا أميركيا وحيدا بحال من الأحوال: سوف تجد لعبة الشطرنج الدولية وقد كشفت رقعتها عن تعددية الأقطاب.. أميركا مثلا لا تستطيع تحقيق أي اتفاق تجاري دولي يُعتد به بغير موافقة من الاتحاد الأوروبي بل ومن أطراف عالمية أخرى.. وما عليك سوى أن تتأمل مدى فعالية القوانين الأوروبية في مكافحة الاحتكار.. (أنتي ترست) كما يسمونها ومدى ما واجهته مؤسسات أمريكية عملاقة من عقبات وعقوبات في هذا الخصوص، مؤسسات من قبيل جنرال إلكتريك أو مايكروسوفت..

حيث لم تكن دعاوى الانفراد الأميركي أو هيمنة القطب الأميركي الوحيد لتنطلي على أحد.. وبرغم شعبية أميركا التي صورتها أفكار دونا لد رمسفيلد، وزير الدفاع السابق في واشنطن سواء بشأن (أوروبا العجوز) أو أميركا التي تمثل (أوروبا الجديدة الفتية) ـ فالحاصل ـ كما يوضح أستاذ جامعة هارفارد ـ أن أميركا أصبحت اقل نفوذا وأدنى تأثيرا (ص80) في مجالات الاستثمار والأنشطة التجارية (البيزنس) وخاصة على صعيد الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث باتت الدول أعضاء ذلك الاتحاد تستأثر بثلاثة أرباع تجارة أميركا وحيث حوافظ الاستثمار الأجنبي المباشر تؤدي إلى ربط أميركا بصلات أعمق وأوثق مع أوروبا قبل آسيا.

هناك أيضا القضايا الخطيرة التي تشكل أجندة اهتمامات المجتمع الدولي الراهن: إنها قضايا عابرة للحدود وتتجاوز أطر السيادة الوطنية. قضايا عبر قومية كما قد نسميها ومنها مثلا: الهجرات غير المشروعة، المخدرات، الجريمة المنظّمة، تفشي الأمراض المعدية، تغير المناخ الكوكبي. وبالطبع شبكات الإرهاب الدولي.. الخ.. هنا تتوزع مصادر القوة. هنا أيضا لا سبيل ولا محل لحديث، أي حديث، عن الانفراد بالرأي، أو التصرف من جانب واحد أو هيمنة قطب عالمي أوحد، ناهيك عن حديث حول.. (الإمبراطورية الأميركية).

أوروبا والعصا والجزرة

تلك القضايا ينجم عنها نتائج تؤثر على حياة الملايين من أفراد الشعب الأميركي ومن ثم لا يمكن التصدي لها أو التماس حلولها، لا بالأسلوب العسكري ولا بانفراد أميركا وحدها بهذه الحلول.. ومن هنا يظل من اللازم المبادرة إلى التعاون مع البلدان الأخرى، وبخاصة مع الأطراف الأوروبية القادرة على إدارة دفة هذا التعاون الذي لا غنى عنه لأميركا لكي تحل هذه المشاكل من جهة ولكي تحمي مواطنيها من جهة أخرى.

صحيح ـ يعترف البروفيسور جوزيف ناي ـ أن أوروبا لن تصل في المستقبل العاجل أو القريب إلى حيث تصبح ندّا لأميركا من الناحية العسكرية، لكن لدى أوروبا ما يكفي من عصا الترهيب وجزرة الترغيب ما يجعلها تمتلك قدرا يُحسب حسابه من القوى الخشنة بحيث تحمل الآخرين على أن يسلكوا الطريق الذي تريد إلى جانب هذه (القوى الخشنة) ـ بمعنى الإمكانات الاقتصادية والمالية أو حتى العسكرية.

فإن أوروبا تتمتع بقدر محمود بدوره من (القوة الناعمة). وبرغم انقساماتها الداخلية، أو حتى التاريخية، فالقارة الواقعة شرقي الأطلسي تتمتع بقدر كبير من القيم والتراث والحياة الثقافية والنجاحات، وكلها تشكل هذه القوى الناعمة بمعنى القدرة على أن تجتذب الآخرين إلى صّفك دون أن تجبرهم على ذلك بأسلوب القمع أو الفرض أو الإجبار.

هنا تدعو مداخلة البروفيسور ناي إلى صرف النظر عن ملابسات الماضي بكل ما حفل به من أخطاء على جانبي المحيط الأطلسي. وتدعو من ثم للتطلع إلى مستقبل السنوات المقبلة من هذا القرن الحادي والعشرين. ثم تحدد أو تكاد تحدد البداية أو المنطلق في ميثاق الأمم المتحدة الذي يجسّد القدر الأدنى من الإجماع الدولي وإن كان هناك من الفرقاء من لا يزال يختلف حتى على مبادئ هذا الإجماع وخاصة بعد استشراء ما أصبح يعرف بظاهرة الإرهاب الدولي.

الاختلافات إذن أمر طبيعي وارد في علاقات الأطراف الدولية حتى ولو كانت تجمعها أواصر ثقافية أو وشائج تاريخية أو روابط من مصالح اقتصادية أو استراتيجية. وعلى الأطراف الدولية، بقدر ما يتعين على الأفراد من البشر في مجتمع ما، أن يتعايشوا مع هذه الخلافات أو الاختلافات.

تعايش مع الخلاف

تلك هي الدعوة التي تذهب إليه مساهمة البروفيسور كاليبسو نيكوليدس.. الأستاذة في جامعتي أكسفورد في بريطانيا وهارفارد في أميركا. هذه المداخلة، وهي الأكثر طولا وإسهابا في الجزء ـ الباب الثالث من هذا الكتاب تبدأ بدعوة الطرفين عبر الأطلسي إلى تجنب الوقوع في شَرَك الازدواجية بين القول بالمنافسة والقول بالهيمنة خاصة وقد جاءت حرب العراق منذ 5 سنوات لتقسم أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى استقلاليين يستدعون المقولات التي سبق إليها زعيم فرنسا شارل ديجول بشأن موازنة نفوذ أميركا من خلال توحيد أوروبا الغربية وبين من ساير أميركا ذاتها وأعطاها التأييد في قضية العراق تحت شعارات الحفاظ على حسن العلاقات بين أميركا والاتحاد الأوروبي.

وفي تصورنا أن هذه المداخلة ترى في الواقعية السياسية نهجا سليما، برغماتيا أي نفعيا وعمليا في تناول قضية العلاقة عبر الأطلسية بين أميركا والاتحاد الأوروبي. هذا النهج الواقعي جعل المساهمة الفكرية تدعو إلى تجاوز فكرة توازن القوى بين الطرفين وهي دعوة تنطوي على استبعاد الثنائية كمنهج للتفكير إذ لا محل في رأي الأستاذة نيكوليدس للحديث عن وحدانية القطب مقابل تعددية الأقطاب ولا عن أصدقاء في مواجهة خصوم أو أعداء.

وإذا كان هناك احتكاك أو صِدام بين إدارة بوش الحالية في أميركا وبعض حكومات أوروبا فهو صِدام داخل الحضارة (الواحدة) وليس صداما بين الحضارات وهو ما تجسده بالفعل حقيقة أننا ـ تضيف الدراسة ـ شركاء في دعوات حقوق الإنسان وسيادة القانون وتقرير المصير والأخذ بالديمقراطية ولكننا نختلف في أساليب وضع هذه الدعوات موضع التفعيل أو التنفيذ. وإذا كانت أوروبا تبحث عن طرف تسميه الآخر فإن أميركا لا تصلح أن تكون هذا (الآخر) بل على أوروبا أن تفتش في تاريخها ذاته وسوف تعثر على أمثلة شتى ونماذج عديدة في هذا الخصوص.

الواقعية و الرومانسية

هذا المذهب الواقعي في الفكر السياسي يرفض الانسياق وراء أحلام الرومانسية الوردية ويؤكد ـ بدم بارد كما قد نقول ـ إن التعاون يمكن أن يتم بين أطراف غير متكافئة أو حتى غير متساوية وأن تحالفات الدول وشراكات الأمم والنظم تستهدف على اختلافها إدارة العلاقات السلمية بين الأطراف ولو في ظل تباين القوى والقدرات التي يتمتع بها هذا الطرف أو ذاك.

النهج الواقعي نفسه ـ النفعي حتى لا ننسى - تدعو فيه هذه المداخلة إلى أن تعترف أوروبا بفضل أميركا عليها خلال سنوات الحرب الباردة، لدرجة أن استطاعت أوروبا أن تجني ما تصفه المداخلة بأنه (أرباح السلام) فيما عمدت أميركا إلى إنفاق المزيد من الأموال في مجال البناء العسكري.

وليكن الأمر مرتبطا في المستقبل بما اصطلح عليه الاقتصاديون بأنه (تقسيم العمل) بين أميركا والاتحاد الأوروبي حيث يستفيد كل طرف من (الميزة النسبية) التي يتمتع بها، في منطقة الشرق الأوسط مثلا، من أجل التصدي لحلول المشاكل المطروحة، ولكن بشرط أن تتكامل أدوار كل منهما في نهاية المطاف في هذا الخصوص تؤكد المداخلة الفكرية على أهمية التنسيق الواعي والمتواصل بين الطرفين الأوروبي والأميركي.

حيث يتم إسناد دور للاتحاد الأوروبي من اجل التعامل مع الفلسطينيين فيما يسند إلى الطرف الأميركي دور التعامل مع إسرائيل بما يكفل في التحليل الأخير التوصل إلى التسوية السلمية المنشودة بين الطرفين باعتبار هذه التسوية هي حجر الزاوية في أي استقرار، منشود بدوره في منطقة الشرق الأوسط.

مرة أخرى، نلاحظ أيضا ما تضيفه هذه المداخلة بالنسبة لدور الاتحاد الأوروبي حين تقول (ص101):لابد من بذل جهود الاتحاد الأوروبي ضمن إطار استراتيجية أشمل وأوسع نطاقا. ومن عناصر هذه الاستراتيجية ما يقصِد إلى أن تظل السلطة الفلسطينية فاعلة (التعبير بالحرف هو طافية على السطح).. فيما تشمل هذه الجهود أيضا ما تستطيع أطراف أوروبية أن تبذله على هوامش العملية من ممارسة نفوذها لدى الدول العربية المختلفة، وعلى مستوى الأسر الحاكمة والعناصر والمؤسسات غير الحكومية والقوى الفرعية الحيوية أو دون الإقليمية (في العالم العربي).

يرتبط بهذا كله ما تدعو إليه هذه الدراسة من إحياء دور للأمم المتحدة ومعاودة تفعيل أحكام ميثاقها وخاصة فيما يتعلق بالربط بين إنفاذ القواعد والمعايير الأساسية لحقوق الإنسان وعدم انتشار الأسلحة النووية وعدم استخدام القوة وعدم اللجوء إلى دبلوماسية القسر أو الجبر أو الإكراه في العلاقات الدولية، فلا يجوز ـ في رأي هذه الدراسة ـ أن ترتبط أوروبا بتكريس الأمر الواقع فيما تركز أميركا على الدفاع عن الحرية أو الاضطلاع بدور النصير الصلب المدافع بغير هوادة عن حقوق الإنسان.

رغم هذا كله، تدعو الدراسة قادة أوروبا وزعماءها إلى الوقوف بوجه تلك النزعات المعادية للولايات المتحدة وقد باتت تسود قطاعات وشرائح واسعة بين مواطني أوروبا ومثقفيها ومبدعيها، ولا سبيل تراه هذه المداخلة، المطولة كما وصفناها، إلا بالحوار المستمر والمفتوح والصريح عبر مياه الأطلسي ـ بل عليهم أيضا أن يعلنوا رفضهم للنزعة الضد ـ أميركية في أنحاء أخرى من العالم خشية أن تندفع واشنطن تحت وطأة هذا العداء إلى حيث تنسلخ باستمرار عن إطار التعددية وقد تستمرئ نزعة الانفراد بالرأي أو الاستعلاء على الآخرين وهو ما أذكته بل وعززته فصائل المحافظين الجدد في واشنطن.

عرض ومناقشة: محمد الخولي