يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع مجموعة مهمة من الدراسات التي تتعلق في المقام الأول بتوصيف الوضعية الراهنة للصورة الأوروبية كما تبدو ملامحها من منظور واشنطن، وطبيعة الأجندة السياسية الأميركية الحالية ، ثم مع أضواء مركزة على التعددية الأوروبية في مواجهة الهيمنة الأميركية، وأخيرا أربعة تصورات محددة تطرح في سياق البحث عن علاج للصدع المتفاقم عبر الأطلسي، وتصور لعلاقات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب.
ترى ما هي أبعاد صورة أوروبا على شاشات الرادار السياسي للولايات المتحدة الأميركية؟ هذه هي صيغة السؤال الذي طرحه على نفسه الكاتب وليام فاف، مستهلا بذلك المداخلة التي أسهم بها في الفصل الثاني من فصول الكتاب الذي نحلل مضمونه في هذه السطور. وفي معرض الإجابة يقول الصحافي الأميركي المرموق: من الملاحظ أن أميركا ينصّب تركيزها بالذات على أوروبا باعتبار أن القارة الأوروبية هي، وليست غيرها، القطب الوحيد الذي يتوازن قدراته مع القطب الأميركي، بل إنها يمكن أن تكون منافسا محتملا في يوم من الأيام، ثم إن إدارة الرئيس بوش تصدر عن شعور خاص بالقلق إزاء ما واجهته، على نحو ذائع وملموس، من معارضة شعبية أوروبية ضد قرار الحرب على العراق، فضلا عما أبدته حكومات فرنسا (شيراك) وألمانيا وبلجيكا من معارضة للسياسة الأميركية داخل العراق.
من هذا التصور يمضي وليام فاف إلى استنتاج يقول فيه: إن هذه الأنماط من المعارضة تكاد تشكل علامة على أن من شأن سياسة خارجية مشتركة يعتمدها الاتحاد الأوروبي أن تصبح في المستقبل عائقا خطيرا يعوق حرية العمل والتصرف أمام السياسة الأميركية. ولهذا فإن أميركا تبذل كل ما في وسعها من دون أن تتحقق مثل هذه السياسة التي تشكل خطرا لا شبهة فيه على توجهات واشنطن ومكانتها في العالم. على أن المسألة لا تقتصر على مجرد خلاف الرؤى أو تباين المصالح.. القضية في رأي فاف نشأت عن اختلاف في الفلسفات والاستراتيجيات، وهو يقول في هذا الشأن: إدارة بوش الحالية تقصد تأكيد الهيمنة العسكرية الشاملة لأميركا في طول الكرة الأرضية وعرضها، بل تريد استثناء أميركا من تبعات ـ التزامات ـ القانون الدولي في مجالات تختارها بمعرفتها حيث تقول واشنطن أيضا بتقييد دور المؤسسات الدولية (منظومة الأمم المتحدة) في الأمور والمجالات التي تقيّد حرية أميركا في التصرف.
لكن هذا السلوك الانفرادي ـ هل نقول الاحتكاري؟ ـ في التصرف يمثل في رأي وليام فاف خروجا عما درجت عليه السياسة الأميركية في عهد إدارات رئاسية شتى سبقت حقبة الرئيس بوش ـ الابن في البيت الأبيض. والمعنى أن واشنطن كانت تتبع من قبل سياسة من التوافق أو التفاهم، مباشرا أو غير مباشر، مع حليفاتها على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، ثم جاءت السنوات الثماني التي أمضاها الرئيس بوش في موقع الرئاسة لتضيف المزيد من التصدع في علاقات أميركا بحلفائها بل في علاقاتها الدولية بشكل عام.
أجندة السياسة الأميركية
ما هي إذن أجندة السياسة الأميركية الراهنة؟ يجيب عن هذا الفصل الثاني من كتابنا محددا البنود التالية التي يسردها على أساس ترتيب الأهمية: الهيمنة.. الدول المارقة.. أسلحة الدمار الشامل (في يد أقطار بعينها).. الإرهاب.. الأصولية الإسلامية.. الصراعات الإقليمية.. حقوق الإنسان.. التنمية الاقتصادية على أساس معايير العولمة.. التعليم.. البيئة.. الفقر.. اللامساواة.
وإذا أطللنا من منظور تحليلي مكثف على بنود هذه الأجندة من الاهتمامات الأميركية لوجدنا التالي: إن الأولوية العليا المعطاة لبسط الهيمنة كفيلة بأن تدمر أي محاولات للتفاهم أو الحوار أو التراضي أو التوافق مع الأطراف، أي أطراف أخرى سواء في الاتحاد الأوروبي أو خارج نطاقه.. ثم إن هذه الأولوية المعطاة لتلك السيطرة هي الكفيلة بتضخيم شعور «الأنا» السياسية كما قد نصفها ومن ثم الجنوح إلى الانفراد بالرأي والاستئثار بالقرار وتكريس مقولة من ليس معنا فهو مع الإرهاب.
ثم تأتي حكاية الدول المارقة، التي يتم تصنيفها في تلك الخانة، ومن ثم توصيفها تحت هذا العنوان، ولكن من منطلق هذه النزعة من احتكار الرأي والانفراد بالقرار دون حوار أو أخذ وردّ مع سائر الأطراف.. في حين أن أسلحة الدمار الشامل انكشفت مقولاتها أو بالأدق إدعاءاتها وزيفها في قضية عراق ـ ما قبل الغزو الأميركي. فضلا عن تهافت القول بخطورتها إذا ما وضعت في يد أقطار أو أطراف معينة، ونحن نرى في هذه المقولة نزعة انتقائية «حسب المزاج» كما قد يقال. وبمعنى أن سلاحا نوويا على سبيل المثال في يد طرف لا يروق لسياسة واشنطن أمر لا ينبغي السكوت عليه..
ولكن يسود الإغضاء والسكوت، حتى لا يقال والتشجيع إذا ما كان هذا السلاح في يد كيان عنصري امبريالي مثل إسرائيل.. نفس السلوك الانتقائي يصدق كذلك على النظرة إلى ما يصفه فكر المحافظين الجدد في أميركا بأنه الأصولية الإسلامية حيث يقوم التصنيف والتوصيف على أساس انتقاء، وأحيانا اقتناص نصوص أو أحداث منزوعة من سياقها ومنطقها في الفكر أو العقيدة أو حوليات تاريخ الإسلام والمسلمين للتدليل على ارتباط الأصولية الإسلامية بالعنف أو البغض أو حتى الإرهاب (تتجلى هذه النزعة مثلا في كتابات المستشرق المعروف برنارد لويس الذي ثبت أنه المستشار المقرب إلى دوائر المحافظين الجدد الحاكمة في واشنطن).
جهل الشارع والكونغرس
مشكلة المشكلات هي تصدع العلاقات بين أميركا وحلفائها في أوروبا تتمثل في أن جماهير الشعب الأميركي، بل أعضاء مجلسي الكونجرس أنفسهم يسودهم في رأي الكاتب وليام فاف (ص38) جهل واسع النطاق بحقائق الاتحاد الأوروبي نفسه وبمواقفه السياسية. ومن هنا يتوقع الكاتب الصحافي المذكور أن يواصل الاتحاد الأوروبي ردود أفعاله إذا ما واصلت واشنطن سياستها في بسط الهيمنة أو احتكار السلوك السياسي أو فرض القرارات المصيرية دون مشاورة حلفائها الأوروبيين.
وسوف يأتي على رأس ردود الأفعال هذه تمسك الاتحاد الأوروبي بالمزيد من استقلالية القرار والدفاع عن مبادئ التوازن في العلاقات الدولية ومبادئ تعددية الأطراف الفاعلة في إدارة الشأن العالمي أو الكوكبي.. وتلك سلوكيات من شأنها أن تنعكس بالإيجاب على شكل ومسارات النظام العالمي الراهن، بل أنها كفيلة ـ في رأي وليام فاف وهو الكاتب الأول في جريدة هيرالد تربيون الدولية ـ بأن تعزز المصالح الأساسية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على السواء.
على خلاف هذا القدر من التفاؤل ـ النسبي في كل حال ـ تأتي نظرة أكثر تشاؤما وربما أكثر واقعية. في الفصل الثالث من الكتاب يقول أستاذ العلوم السياسية الأميركي كريستوفر برترام إن هذا الصدع في علاقات أميركا والاتحاد الأوروبي سوف يستمر لفترة طويلة أو بتعبيره: «إن هذه الشقة من الخلاف عبر الأطلسي جاءت لتبقى».
من ناحيته يطالب وزير خارجية بولندا السابق، برونسلاو جيرميك بنبذ الاختلافات الأيديولوجية بين أميركا والاتحاد الأوروبي. ويؤكد على ضرورة ألا يتم التمييز بين الجانبين على أساس: «أطلسيون» ضد «أوروبيون» بمعنى دعاة التوافق الأطلسي في مقابل دعاة الاكتفاء بالطابع والمصلحة الأوروبية بعيدا عن أميركا.
يقول في هذا الصدد: علينا أن نتبع مقولة جوزيف ناي، الأستاذ في هارفارد ،الذي يقول إن الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، بحاجة إلى شركاء مثل دول الاتحاد الأوروبي، فيما نتجنب إتباع مقولة روبرت كيغان (وهو من غلاة المحافظين الجدد) التي تعلن انهيار أوروبا بدعوى أن أميركا تنتمي إلى «مارس» إله الحرب في أساطير اليونان في حين أن أوروبا تنتمي إلى «فينوس» رمز الحب والجمال.. و.. النزوات أيضا، بمعنى أن الولايات المتحدة في عرف هذا الفصيل من المحافظين صارت رمزا للخشونة والقوة والحزم في حين أنهم يصنفون أوروبا في خانة الليونة والرخاوة والاستضعاف!
في نفس السياق ينعي السياسي البولندي على واشنطن أنها، وللمرة الأولى، تتبع سياسة لا تراعي أي مصلحة أو اهتمام بالنسبة لشركائها الأطلسيين في الاتحاد الأوروبي، ولا تكاد تهتم بتوسع هذا الاتحاد شرقا بحيث يضم المزيد من أقطار أوروبا الشرقية والوسطى، بل أنها تكاد تعمل، في تصوره، من أجل المزيد من انقسام عناصر هذا الاتحاد.
تأكيد دور أوروبا
يسترعي النظر في هذا السياق بالذات دعوة هذا المسئول البولندي إلى إبقاء حلف الناتو بعيدا عن معترك الخلافات الناشبة حاليا بين أميركا والاتحاد الأوروبي.. بل ها هو المسؤول سالف الذكر يدعو الاتحاد الأوروبي إلى وعي الدروس المستفادة من هذا الصدع عبر الأطلسي بحيث تسعى أوروبا إلى التماس السبيل نحو إنشاء آليات فعالة تهيئ الظروف المواتية لتأكيد دور الاتحاد الأوروبي في مضمار السياسة الخارجية.
أما في الفصل السادس فنحن نصادف دعوة من أجل الاستمرار في تدعيم بناء الوحدة الأوروبية.. الدعوة يتبناها جيل أندرياني الخبير السابق بالخارجية الفرنسية. والأستاذ المشارك في جامعة باريس وهو يرى لهذه الدعوة الوحدوية سببين رئيسيين:
الأول: أن أوروبا المنقسمة في الآراء والسياسات سوف تظل ضعيفة وباهتة التأثير على السياسة الأميركية ومن ثم تظل جراحات الصدع بين أوروبا وأميركا بغير علاج.
الثاني: إن ضعف المحالفة الأطلسية مشكلة تؤرق أوروبا المنقسمة وتؤدي إلى إضعاف شوكتها في حين أنها قد لا تمثل مشكلة خطيرة بالنسبة للأميركيين أنفسهم. هل معنى هذا أن يقفز الفرقاء على حقيقة الاختلافات بين أوروبا وأميركا أو يتجاهلوا وجود تلك الخلافات؟ العكس هو الصحيح.
هكذا يجيب الخبير الفرنسي موضحا أن حرب العراق كشفت عن جذرية هذه الخلافات حيث كان مؤكدا لدى الأوروبيين ولدى قطاعات واسعة من الأميركيين أيضا أن العراق لم يكن يشكل خطرا عسكريا مباشرا يهدد أميركا (أو الغرب). وعلى العكس عمدت الإدارة الأميركية إلى الدق على وتر هذا الخطر أو التهديد وظلت تردد نغمة الدفاع عن النفس وكانت تلك نغمة متكررة في بيانات وتصريحات الرئيس الأميركي ونائبه على وجه الخصوص.
التعددية والهيمنة
في هذا السياق أيضا يفيدنا الاطلاع على التحليل الذي يستخدمه الخبير السياسي الفرنسي في فهم الفرق الجذري بين أوروبا وأميركا في مجال إدارة الشأن العام. إنه يوضح أن أقطار أوروبا بحكم تعددها وتباين أوضاعها تتبع مفهوما تعددياً في مجال العمل الدبلوماسي على الصعيد الدولي، بل إن التسيير اليومي لأمور الاتحاد الأوروبي جعل أطرافه أكثر تعوّدا على مقاربة المشكلات والتماس حلولها بأساليب التفاوض ومحاولة التأثير والتوصل إلى الحلول الوسط وصولاً إلى التراضي والتوافق بين الآراء كشرط مسبق لاتخاذ قرارات التنفيذ على الأقل في مضمار السياسة الخارجية.
والحق ـ يضيف البروفيسور «جيل أندرياني» ـ أن أميركا كانت باستمرار حذرة من اتباع هذا النهج التوافقي والمتعدد الأطراف. وكما أوضحت التحولات التي أعقت أحداث سبتمبر 2001 فقد أعلنوا أن التوافق أو التراضي أو الحلول الوسط لم تعد أمرا ضروريا أو لم تعد خيارا مطروحا بل كان من بينهم (المحافظون الجدد) من كان يراها عقبة كأداء تعوق الحركة وتقيّد الانطلاق.وباختصار لم يكن في وسع أوروبا أن تردد يوما مقولات أميركا:أما أن تكون معنا أو تكون معاديا لنا.
وزاد الأمر فداحة أن خرج من صفوف الأميركيين من نظر إلى هذا النهج التوافقي الأوروبي نظرة السخرية إلى حد الاستهانة. وهناك من قال إن علاقات التحالف عبر الأطلسي أصبحت من تراث ماض انقضى ولن يعود.
في ضوء هذا كله، يدعو الخبير الفرنسي إلى أن تكف أوروبا عن الاكتفاء بتقليد أميركا في مجال الدفاع، بمعنى أن يبادر الأوروبيون إلى زيادة الموارد التي يخصصونها للأغراض الدفاعية مع تطوير معارفهم وقدراتهم وثقافتهم في المجال العسكري على نحو مستقل يتناسب مع أساليبهم المتبعة في مجال الدبلوماسية ويتواءم مع المفهوم الذي يعتمدونه في ميدان الأمن. ثم يضيف من باب التحوط أو الاحتراس إن مثل هذه الجهود يمكن بدورها أن تكون مكمّلة للجهود التي تبذلها من جانب الولايات المتحدة ذاتها.
أخيرا يضيف الكاتب السياسي الفرنسي:سواء في مجال تحليل التهديدات المحدقة أو تطوير القدرات العسكرية، يتعين على أوروبا أن تدلل على مدى جديتها في تناول قضايا الأمن ولكن من دون أن تتخلى عن خصائصها أو شخصيتها السياسية (المستقلة).. وبعدها لا يملك أندرياني سوى أن يعترف في نهاية مداخلته في هذا الكتاب قائلا:بصراحة فهذا طريق ضيق والسير فيه يكاد يرادف السير على حبل متوتر ومشدود.
أسلوب تحسين العلاقات
في عام 2001 حصل البروفيسور جوزيف ستغلتز أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا الأميركية على جائزة نوبل.. وإلى جانب بحوثه في مجال الاقتصاد والعلاقات الدولية يسجَّل للمفكر الأميركي كونه المؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة علمية تحمل اسما له إيقاع خاص هو: مبادرة حوار السياسات. في الفصل السابع من كتابنا يدعو البروفيسور ستغلتز إلى ما يسميه «تحسين العلاقات عبر الأطلسي في أعقاب حرب العراق».
يطرح في الاستهلال رأيه بأن حرب العراق أدت إلى توترات أصابت نظام تعددية الأطراف وخاصة في زمن العولمة التي يراها تقتضي توثيق وليس توتر العلاقات بين الأطراف المعنية على صعيد العالم. يعترف أيضا بأن أميركا ـ حتى قبل حرب العراق ـ أبدت حالات من عدم الالتزام الجاد بنهج التعددية وقد تجلى ذلك من خلال أمثلة طرحها المفكر الأميركي البارز على النحو التالي: جدل أميركي بشأن الانصياع إلى أحكام القانون الدولي ومحاولات للخروج على الإجماع أو التوافق العالمي في مجالات من قبيل المحكمة الجنائية الدولية + ظاهرة الاجترار الكوكبي وما إلى ذلك.
تصورات للعلاج
في مجال معالجة الموقف يطرح هذا الفصل من الكتاب 4 تصورات أو 4 نهج أو سبل للعلاج وهي:
(1) تعزيز فعالية العلاقات غير الحكومية عبر جانبي الأطلسي وهو ما يقتضي العمل على صعيد المجتمع المدني ومنظمات الثقافة والتعليم وما إليها.
(2) التركيز على إقامة ودعم المؤسسات الفكرية والبحثية التي تتدارس المشاكل المشتركة بين جانبي الأطلسي مع التماس حلولها.
(3) اتباع نهج «المساومة الشاقة أو الجادة أو الدؤوبة» وتلك دعوة إلى أن تواصل أوروبا في إطار علاقاتها مع أميركا نهج الإصرار على أطروحاتها دون تقديم تنازلات، على أن ينطلق هذا الإصرار من واقع التزامات دول الاتحاد الأوروبي إزاء مواطنيها وتجاه نهجها الديمقراطي. (4) وضع المحالفة الأطلسية: الأوروبية ـ الأميركية ضمن الإطار العالمي ـ الكوكبي الأوسع. وهنا يقول البروفيسور الحاصل على جائزة نوبل: إن كثيرا من أسباب الاحتكاك بين أوروبا وأميركا لا تشكل في الواقع انقساما بين أوروبا والولايات المتحدة بقدر ما أنها انقسام بين واشنطن وبقية العالم..
ولما كانت بقية العالم هذه تنمو باطراد نحو التعددية فيما تتجه أميركا إلى الانفرادية، فإن وضع الحوار الأطلسي ضمن السياق العالمي الأوسع والأعمق كفيل بأن يطلع الأميركيين على حقيقة أنهم إذا ما كانوا يطمحون حقا إلى قيادة النظام العالمي، يتعين عليهم أن يشاركوا في حوار متعمق وبنّاء سواء مع أوروبا أو مع بقية العالم.
وعندنا أن هذا الحديث المتكرر عن بقية العالم أو عن تعددية الأطراف هو الذي حفز إلى مداخلة مهمة أخرى قدمها «ديمتري كونستاس» أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة اليونانية في أثينا، وقد اختار لها العنوان التالي:علاقات أميركا والاتحاد الأوروبي في ظل نظام متعدد الأقطاب.
وهذه المداخلة ـ الدراسة تتساءل في مستهل سطورها عما إذا كانت هذه النزعة الانفرادية ـ الاحتكارية ـ كما قد نسميها ـ من جانب أميركا، على نحو ما تبدّى في ملابسات حرب العراق ـ هل هي نزعة مرحلية عارضة أم أنها مرهونة بالاستمرار والتأصل في مستقبل الأيام؟
الأستاذ اليوناني حريص على توضيح أن نزعة الهيمنة والانفراد بالرأي واحتكار الحقيقة ظلت متأصلة في السلوك السياسي لواشنطن وإنها ترجع أولا إلى زوال الخصم السوفييتي ودخول العالم في مرحلة القطب الواحد، ثم زادت ثانيا بدخول المحافظين الجدد إلى مضمار السلطة في الرئاسة الأميركية بعد نجاح الرئيس بوش في ولايته الأولى إلى أن استشرت هذه النزعة إلى حد التفاقم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وأعلنت عن نفسها بوضوح سافر في قرار الحرب على العراق. إزاء هذه الظواهر السلبية في مجملها تقترح الدراسة اليونانية عدة خطوات لاستعادة ما قد نصفه بأنه تعددية الأقطاب في العالم.ومن هذه الخطوات الحيلولة دون مزيد من تقويض سلطة الأمم المتحدة بوصفها المؤسسة الدولية التي تجسد مبدأ التعددية ولو على صعيد الحد الأدنى الذي يكفله مبدأ «تساوي الدول في السيادة» وهو بند أصيل من بنود القانون الدولي. ومن هذه الخطوات أيضا ما يتمثل في دعوة الاتحاد الأوروبي إلى مزيد من الاهتمام بمشاكله الإقليمية الواقعة داخل رقعته ومنها مثلا مشكلة البلقان.
ومن القضايا التي تؤكد عليها مداخلة المفكر اليوناني (ص59) قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي التي يصفها بأنها اختبار حيوي أو هي تحد بالغ الأهمية أمام صانعي السياسة الأوروبية وأيضا أمام قطبي التعاون عبر الأطلسي. وهنا أيضا يشير الأكاديمي اليوناني إلى خارطة الطريق التي تمهد السبيل أمام قيام دولة للفلسطينيين. وهو ما كان مطروحا خلال ملابسات حرب العراق ولكنه لم يجد بعد طريقه إلى التنفيذ.. وها قد حان الوقت لمعاودة تقييم تلك الأطروحات وما وصلت إليه (أو بالأدق ما لم تحققه في أرض الواقع).
عرض ومناقشة: محمد الخولي


