يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم للقارئ 34 دراسة معمقة تتناول جوانب شتى في الخلافات الأميركية ـ الأوروبية مع مقدمة على جانب كبير من الأهمية كتبها السياسي المخضرم جورج باباندريو الرئيس الحالي للدولية الاشتراكية ووزير الخارجية اليوناني الأسبق، وتتسم المعالجات للقضايا المختلفة التي تناقشها هذه الدراسات بالوضوح والجرأة ومحاولة تقديم حلول خلاقة للمشكلات المطروحة التي لا تفتقر إلى التعقيد. ويحظى الشرق الأوسط باهتمام كبير في هذا الإطار، حيث يتم إلقاء الضوء على دور لأوروبا وآخر لأميركا مع إسرائيل، وذلك لتجاوز النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره عامل انقسام في صفوف الغرب ذاته.

منذ 5 سنوات، وبالتحديد في مايو عام 2003، شهدت جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط اجتماعا مهما ضم وزراء خارجية 25 دولة أوروبية كانت تشكل وقتها أعضاء الاتحاد الأوروبي. وكانت القضية الوحيدة أو شبه الوحيدة المدرجة على جدول الأعمال تحمل العنوان أو السؤال التالي: ما هو مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة؟ولم يكن مثل هذا السؤال المحوري ليصدر عن مجرد اجتهاد في مجال الدراسة الأكاديمية بقدر ما أنه جاء نابعا من واقع الأحداث التي كانت تدور على المسرح العالمي في تلك الفترة، وبالتحديد جاء السؤال منبثقا من حقيقة مؤلمة وخطيرة في آن معا، وهي قرار أميركا بالحرب على العراق.

أوروبا تعارض أميركا... أطراف عديدة في الاتحاد الأوروبي كانت معارضة لقرار أميركا، الذي حرض عليه المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش من أجل غزو العراق. وزاد من وطأة هذه المعارضة ما اتضح بعدها من تهافت الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ هذا القرار بكل ما أفضى إليه من تداعيات غاية في السلبية والخطورة، سواء داخل بلاد الرافدين أو على مستوى الشرق الأوسط، بل على صعيد الخارطة العالمية ككل. وكانت أبلغ آيات هذا التهافت هي عدم ثبوت ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي ساقتها الإدارة الأميركية مبررا لاتخاذ قرار الزحف العسكري على بغداد. ويحسب للطرف الأوروبي أن تصميمه على مراجعة علاقاته بأميركا لم يأت عفو الخاطر ولا جاء تعبيرا عن موقف تكتيكي ـ مرحلي أو نزوة سياسية، بل آثر الاتحاد الأوروبي أن يخضع هذه المراجعة من جانبه للمحالفة مع أميركا ـ المحالفة عبر الأطلسية كما يسمونها ـ إلى دراسة بل دراسات علمية وإلى اجتهادات أكاديمية تتعمق في أبعاد تلك العلاقة وترصد آفاق تطورها.

من هنا جاء قرار وزراء الخارجية الأوروبيين الخمسة والعشرين وهو تكليف كوكبة من أبرز الأساتذة الباحثين بإجراء دراسات تحمل العنوان التالي: العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. أما الهدف فهو باختصار شديد محاولة رأب الصدع الذي أصاب المحالفة عبر الأطلسية. وهذا هو بالضبط عنوان الكتاب الذي نتناوله بالعرض والتحليل والتعليق منا، حيث يشير العنوان في شقه الرئيسي إلى موضوع العلاقات بين الطرفين الأوروبي والأميركي فيما يركز الشق الفرعي على محاولة إصلاح التصدع الذي أصاب بنية هذه العلاقات ولاسيما بسبب حرب أميركا في العراق وما أسفرت عنه من نتائج وتداعيات.

يقع الكتاب في 6 أبواب تضم فيما بينها 34 فضلا بقلم 34 أستاذا ومفكرا وباحثا من أوروبا وأميركا فيما يشبه معرضا فكريا لوجهات نظر متباينة على جانبي المحيط. وقد عني بتحرير فصول الكتاب أستاذان من اليونان أولهما نيكوس كوتزياس كبير الخبراء بالخارجية اليونانية والثاني هو بتروس ليكوراس أستاذ القانون الدولي في جامعة بيرايوس باليونان.

وتزيد من أهمية الكتاب ـ في رأينا ـ تلك المقدمة الضافية التي تصدرت مادته، وهي بقلم السياسي اليوناني المخضرم جورج باباندريو الذي كان وزيرا للخارجية في بلاده وهو الآن رئيس الدولية الاشتراكية.

هكذا تكلم باباندريو

التصدير الذي كتبه باباندريو يبدأ مع نهاية الحرب الباردة التي ترمز إليها حادثة سقوط جدار برلين بين الشرق والغرب في عام 1989. وهذه النهاية، يصفها التصدير بأنها جاءت لتشكل «نقطة تحول فاصلة في التاريخ الحديث».

لماذا؟ لأنها جاءت إيذانا بإنهاء ظاهرة ـ مرحلة الاستقطاب الشديد بين شرق (شيوعي) وغرب (رأسمالي) في العالم. وقد أفضى ذلك إلى أن جاشت، بل انتعشت، الآمال في أن تدخل الإنسانية طورا جديدا من حياتها. وفي هذا تقول مقدمة الكتاب:لقد جاشت في صدور الكثيرين الآمال بأن يصبح بمقدور الإنسانية أن تركز جلّ اهتمامها على معالجة المشاكل الحقيقية التي تواجه عالمنا ومنها مثلا الفقر، اللامساواة، الأمية، والتدهور البيئي.

من ناحية ثانية تشير مقدمة الكتاب إلى أنه كان هناك أطراف أخرى قالت إن ختام الحرب الباردة جاء ليشكل «نهاية التاريخ» (باباندريو يلمح هنا إلى المقولة التي ذهب إليها المفكر السياسي الأميركي فوكوياما مع بداية عقد التسعينات).بيد أن القول بنهاية التاريخ كان يحمل تصورا بنهاية الأيديولوجيات والصراعات الكبرى، وهو تصور جاء مغرقا في التفاؤل أو مجافيا لمعطيات الواقع الذي جسدته أحداث ما بعد عام 1989.

في هذا السياق أيضا تضيف مقدمة كتابنا ما يلي:لقد تجلت ظاهرة العولمة التي ما لبثت أن أصبحت ساحة للمعارك أو الصراعات ما بين انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك يوغوسلافيا إلى تدهور الدول الافريقية الفاشلة واتساع ظاهرة الغبن الاجتماعي (الظلم الاقتصادي) في الغرب. كل هذا جاء ليوضح أن التاريخ لم يصل إلى نهايته في واقع الأمر.

بل على العكس جاء ليؤكد أن المشاكل القديمة تحولت إلى حيث اكتسبت أبعادا أعمق وكثافة أفدح مع ظهور مشاكل أحدث عهدا طغت على سطح الأحداث، وما برحت ـ كما تبين مقدمة الكتاب ـ تجتاح كالوباء أنحاء كوكبنا لدرجة أن باتت هذه الأخطار المستجدة تهدد أمن وسلامة ورفاه كوكبنا وهو يدرج على أديم سنوات القرن الواحد والعشرين. تلك هي التحديات التي يلمح إليها التصدير الذي يقدّم لأبحاث هذا الكتاب وهي نفس التحديات التي تقتضي مواجهة جادة ومشتركة على نحو ما يؤكد باباندريو من جانب دول ثرية مثل أميركا.

ومن جانب منظمات قادرة ومتمكنة مثل الاتحاد الأوروبي، شريطة أن تعمل مثل هذه الأطراف على استخدام مقدراتها ومواردها بأسلوب مبتكر،وليس ـ كما هو حاصل الآن ـ بأسلوب يفضي بالضرورة إلى إيجاد تهديدات جديدة أمام كوكبنا.

وفي هذا أيضا تقول مقدمة الكتاب:علينا أن نتطلع إلى المستقبل بمزيج من التفاؤل والبصيرة، وأن نتعلم من دروس الماضي دون أن نظل أسرى في سجن التاريخ. ثم تؤكد المقدمة أن محاربة الإرهاب لا تتم بمجرد اللجوء إلى وسائل تقليدية ومنها الحرب أو استخدام العنف المسلح.. ولكن باتباع أسلوب التفكير الإبداعي المبتكر الذي يؤكد على ضرورة محاربة ظاهرة الإرهاب من أساسها.

اندلاع حرب العراق

بعدها يتطرق باباندريو إلى قرار أميركا شن الحرب على العراق، فيقول: جاءت هذه الحرب لتوضح بجلاء أن الشراكة الطويلة بين طرفي الأطلسي (الأوروبي ـ الأميركي) لا سبيل إلى أن تؤخذ باستمرار مأخذ التسليم،بل على هذين الطرفين أن يفكرا في كيفية إعادة تشكيل أو صياغة هذه الشراكة لكي تتكيف مع الواقع العالمي (العولمي إن شئت) الراهن.

في هذا المقام يوضح جورج باباندريو مدى اتساع شقة الخلاف بين أميركا وحلفائها الذين كانوا يستعدون لشن الحرب على العراق وبين اليونان وأطراف أوروبية عديدة أخرى كانت تعارض هذه الحرب وتبذل جهودا متواصلة في محاولة إقرار السلام.. يومها ـ عام 2003 - كانت اليونان تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي. وبهذه الصفة كان السياسي اليوناني قادرا على، ومكلفا كذلك، ببذل جهوده في إطار محاولات السلام.

يقول باباندريو: سافرت إلى عواصم كثيرة معنية بالأمر في مسعى للتوسط وصولا إلى تسوية سليمة.. وناقشت القضية مرارا وتكرارا مع زملائي في مجلس الأمن الدولي.

وتلقيت دعوة من جامعة الدول العربية لإلقاء خطاب على منبرها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتكلم فيها سياسي غير عربي أمام الجامعة العربية.. وزاد من رغبتي في تحقيق السلام أن كنت مصمما على ألا نسمح لخلافات الرأي (بين أوروبا وأميركا) أن تفضي إلى صراعات بين الطرفين عبر الأطلسي مما قد تترتب عليه مستقبلا آثار كارثية تلحق بالسلم والاستقرار في العالم.

مع هذا كله فقد وقعت الحرب على العراق. وكانت اختبارا لمدى التواؤم - الاتساق أو التجانس في مجال التوجه الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، كما أنها أصابت علاقات أوروبا وأميركا بتوتر حقيقي أدى إلى استمرار تدهورها مع مرور الأيام وتجلى هذا في أن كثيرا من مواطني الطرفين ما لبثوا أن فقدوا الثقة في بعضهم البعض.. لماذا؟ لأن إدارة الرئيس بوش في أميركا ظلت سادرة في إصرارها على اتباع سياسات انفرادية حيث تتخذ قراراتها من طرف واحد لدرجة أن تدعو حلفاءها الأوروبيين إلى مؤازرة هذه السياسات دون تساؤل أو نقاش، أما أوروبا فكانت من جانبها عاكفة على صياغة دور أكثر بروزا وتأثيرا على الساحة الدولية.

وفي إطار هذا الدور جاءت الدعوة إلى التفاهم ـ التراضي ـ التوافق ـ الحلول الوسط وهو ما كانت واشنطن تفسره من جانبها على أنه دليل على الاستضعاف أو العجز عن اتخاذ القرار.

واشنطن والقانون الدولي

باختصار يؤكد لنا السياسي اليوناني المخضرم :هناك اتجاه سياسي في واشنطن (التلميح هنا إلى فصيل المحافظين الجدد) يقول إنه عندما يتعلق الأمر بمصالح أميركا تصبح القوانين الدولية والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ذات أهمية ثانوية.

من هنا جاءت الشروخ والتصدعات التي أصابت هياكل علاقة واشنطن وحلفائها في الاتحاد الأوروبي، وما لبثت هذه التصدعات أن لحقت بالاتحاد الأوروبي نفسه مجسدة في الخلافات التي نشبت بين أعضائه بشأن اتباع ـ أو عدم اتباع - السياسات الانفرادية التي ظلت واشنطن مصرة على انتهاجها.

من محصلة هذا كله نشبت مشكلة أو حتى أزمة في علاقات شريكي المحيط الأطلسي. وهنا أيضا بدأنا نتابع تلك الأساليب «المتحضرة» كما نصفها من جانبنا العربي ـ التي اتبعوها في مقاربة وتناول وحل الخلافات التي نشبت بين الأطراف، وقد نبرر وصف «التحضر» الذي استخدمناه ـ وقد رصدناه في سطور هذا الكتاب من خلال نقاط محورية تطرحها بإيجاز وبوصفها درسا مستفادا أمام الفكر والعمل السياسي في وطننا العربي:

أولا: الاعتراف الصريح والأمين بوجود الخلافات دون تزويق الصورة أو التستر على أمر الخلاف أو الاختلاف.

ثانيا: عدم الإمعان في غرور الانفراد بالرأي أو احتكار الحقيقة أو الحق بل هو الانفتاح المستنير على آراء ورؤى الآخرين.

ثالثا: - وكما يشير كتابنا ـ عدم الانسياق المغرور وراء البيانات الرسمية التي يصوغها الموظفون الرسميون أو المسؤولون الحكوميون بل هو التماس الرأي والمشورة من أهلها: الخبراء ـ المفكرون الاختصاصيون ـ الباحثون، الأكاديميون الإعلاميون المحنكون ومن في حكمهم.

هي إذن فضيلة الحوار والإصغاء و فسح المجال لكل الآراء مهما تكون درجة الاختلاف بينها.وفي الحالة الغربية نرى أن الكتاب يستهدف غاية محورية من كل ما تم بذله في مجالات الحوار مع أهل الخبرة والاختصاص. وهذه الغاية هي باختصار شديد: التماس إستراتيجية لجبر الشروخ أو ردم وتجسير هوة الانقسام الفاصلة بين أوروبا وأميركا (وخاصة بسبب حرب العراق).

هذا الهدف، هذه الإستراتيجية يطرحان أمام الأطراف تحديا يمكن إيجازه ـ بعبارات باباندريو فيما يلي: الناس (في العالم) يتوقعون نمطا جديدا من أنماط الحكم الرشيد.. وسواء كنا نحاول معالجة الفقر أو عدم المساواة أو انتهاكات حقوق الإنسان أو تلوث البيئة أو أسلحة الدمار الشامل، فالحاصل أن هذا النمط للحكم الرشيد هو الكفيل بتحويل العالم من حالة افتقاد الأمن إلى حيث إتاحة فرص جديدة واعدة في المستقبل..

وعلينا أن نتأكد من أن المؤسسات التي تحكمنا وتنظم حياتنا تكتسب شرعيتها، لا من واقع القرارات التي تتخذها، ولكن أيضا من كونها تمثل تمثيلا صادقا وأصيلا نوعا من التوافق العالمي وذلك أمر لا يتحقق سوى بأساليب الحوار بين الثقافات أو الحضارات، وهو الأمر الكفيل، دون غيره، بمداواة الجراحات العميقة التي تشوب اختلاف النظرة بين هذه الحضارات والثقافات إزاء مشاكل عالمنا المتغير.

لا بديل عن الحوار

هكذا تؤكد المنطلقات التي تصدر عنها أطروحات هذا الكتاب، ذلك لأن البديل الآخر ينطوي على خطر جسيم، يتمثل هذا الخطر في أن تظل النظم الديمقراطية في عالمنا فريسة لقوى التطرف وعناصر الغلو ودعاة العنف التي تتغذّى باستمرار على ما يشعر به عدد كبير من مواطني هذا العالم من آلام النبذ ومشاعر التهميش والاستبعاد من إمكانية العيش الكريم والتمتع بالقدر المشروع من حقوق الإنسان.

وفي كل حال يجمع كل من ساهم في هذا الكتاب وهم ـ كما ألمحنا ـ من صفوة الاختصاصيين والخبراء في علوم السياسة والاقتصاد وميادين الإعلام، ومنهم الحاصل على جائزة نوبل (جوزيف ستغلتز أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا) أو الشهير بأطروحات مازال لها وقعها في دوائر الفكر والسياسة الدولية (جوزيف ناي، أستاذ علم السياسة في هار؟ارد ـ صاحب مقولة القوى الناعمة والقوى الخشنة للدول والأمم) ومنهم أيضا كتاب صحافيون بارزون (ويليام فاف الكاتب في نيويورك هيرالد تريبون) أو كمال درويش المفكر الاقتصادي التركي ونائب رئيس البنك الدولي) وغيرهم..

والمهم أن محررْي مادة الكتاب، وقد أشرفا بالطبع على تجميع مادته وفصوله الأربعة والثلاثين يؤكدان في مداخلتهما على أهمية البدء بتوصيف أبعاد مشكلة هذا الصدع الذي أصاب هيكل التحالف الذي جمع طرفي الأطلسي وهو الهيكل الذي ـ يمتد عمره ـ كما هو معروف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف الأربعينات فيما يقوم على شراكة في الثقافة والمصالح والتوجهات العامة بين أميركا وغربي أوروبا، ومن ثم أوروبا الموحدة بشكل عام. ومحررا الكتاب يشيران تلميحا أحيانا..

وتصريحا في أحيان أخرى إلى ما اشتجر من عوامل المنافسة إلى حد الصراع ومن عوامل الشراكة إلى حد التعاون بين هذين الطرفين في إطار المحالفة الغربية ـ الأطلسية وهما يرصدان من عوامل المنافسة التي قد تهدد بنية هذا التحالف ما أقدمت عليه واشنطن بوحي من أطروحات المحافظين الجدد من اتباع سياسات تقول بالانفراد بالقرار من جانب واحد، بمعنى وضع الأطراف المتحالفة (في أوروبا) أمام أمر واقع تفرضه ـ بل تمليه ـ قرارات واشنطن وسلوكياتها في مضمار السياسة والحرب والدبلوماسية على السواء.

الخلاف بعيد الجذور

من هذه الأطروحات الأميركية أيضا المبدأ الذي جسدته مقولات الرئيس بوش الشهيرة وهو: من ليس معنا، فهو ضدنا بل هو بالضرورة مع قوى الإرهاب. وهو ما يضع الحليف في موقع الطرف السلبي الخاضع ـ أساسا ـ لمقتضيات العرض أو الهيمنة أو سطوة الإملاء.

بل يشير المحرران من واقع استقرائهما لعدد وفير من مداخلات الاختصاصيين المشاركين في مادة فصوله إلى أن هذا الصدع الخطير في هيكل المحالفة عبر الأطلسية لا يقتصر على تاريخ حرب العراق الذي لا يعدو الآن 5 سنوات بل يرجع هذا الاختلاف العميق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين إلى مراحل أبعد وأطول بكثير.

ومن الباحثين من يقف مع هذا الخلاف بين الطرفين عند نظرة كل منهما إلى منظمة الأمم المتحدة.. هنا يفرض منهج الواقعية السياسية (ريال بوليتيك) تجنب الحديث الرومانسي عن الأمم المتحدة بوصفها برلمان الأمم أو حامية الشعوب أو القلعة الحصينة لحماية حقوق الإنسان.. إلى آخر المقولات النابعة من روح الشعر والمثل الأفلاطونية.

بل ان نهج الواقعية السياسية هو ما يذهب إليه ـ مثلا ـ البروفيسور سكوت باريت أستاذ الدراسات الدولية في جامعة جون هوبكنز الأميركية - من أن الأوروبيين ينظرون إلى الأمم المتحدة على أنها المنظمة التي تكفل الحد من سطوة أميركا أو تحجيم نفوذها وكبح ونزعتها نحو الهيمنة على مقاليد عالمها.. فيما ينظر الأميركيون إلى الأمم المتحدة بوصفها المؤسسة المرفوضة والبغيضة.. لماذا؟ لأن هناك من يستخدمها من أجل الحد من سطوة أميركا أو تحجيم نفوذها أو كبح هيمنتها في عالم اليوم.

إضاءة

يحسب للطرف الأوروبي أن تصميمه على مراجعة علاقاته بأميركا لم يأت عفو الخاطر ولا جاء تعبيرا عن موقف تكتيكي ـ مرحلي أو نزوة سياسية، بل آثر الاتحاد الأوروبي أن يخضع هذه المراجعة من جانبه للمحالفة مع أميركا ـ المحالفة عبر الأطلسية كما يسمونها ـ إلى دراسة بل دراسات علمية وإلى اجتهادات أكاديمية تتعمق في أبعاد تلك العلاقة وترصد آفاق تطورها. من هنا جاء قرار وزراء الخارجية الأوروبيين الخمسة والعشرين وهو تكليف كوكبة من أبرز الأساتذة الباحثين بإجراء دراسات علمية تتعمق في أبعاد تلك العلاقة وترصد افاق تطورها.

عرض ومناقشة: محمد الخولي