هل يساهم إقليم سينغيانغ الذي يقع في أقصى الحدود الشمالية الغربية الصينية ويتقاطع مع دول وسط آسيا السوفييتية السابقة وأفغانستان وكشمير في صعود الصين خلال القرن الحادي والعشرين، أم ينجح المعارضون الذين يتشبثون بهويتهم الإسلامية في الدفع بالأمور في وجهة مختلفة على نحو قد يجعل من الإقليم بؤرة توتر عالمية؟ .
هذا هو ما يحاول المساهمون في هذا الكتاب استشراف آفاقه من خلال جهد علمي رصين، لا يخلو من ملاحظات نقدية لا تقلل بأي حال من قيمته وإسهامه في مجاله، باعتباره نتيجة برنامج بحثي تم إطلاقه من قبل مركز الدراسات الشرقية في واشنطن، وهو يقدم جهدا متميزا في تناول موضوعه من خلال مجموعة من الدراسات المتميزة عن موضوعه، على النحو الذي يجعله مرجعا أساسيا لا غنى عنه لأي مهتم بمتابعة الوضع في الإقليم عن كثب.
وقد شارك في إعداد مادة الكتاب أكثر من 16 باحثا متخصصا في موضوعه، معظمهم من الباحثين الغربيين المتميزين ومن بينهم بعض الحاصلين على درجات علمية حديثة ولم يكن من بينهم سوى باحث واحد من أبناء اليوغور موضع الدراسة. أما المحرر الرئيسي للكتاب فهو فردريك ستار، وهو رئيس معهد أبحاث ودراسات آسيا الوسطى والقوقاز خبير متخصص في قضايا أفغانستان وآسيا الوسطى والاتحاد السوفييتي السابق، وقدم دراسات عديدة تتعلق بالإسلام والسياسات النفطية.
ويؤكد ستار في الفصل التمهيدي أن سينغيانغ تعكس إلى حد كبير خصائص سكانها الأصليين من المسلمين التركمان، مشيرا إلى أن الكتاب يستهدف بشكل أساسي مناقشة القيود والمشكلات التي تواجه السكان في الإقليم جراء محاولة إلحاقه بجمهورية الصين. وتبلغ مساحة إقليم سينغيانغ حوالي مليون و600 كيلو متر مربع، ما يمثل أكثر من ثلاثة أمثال مساحة فرنسا.
ويقدر الكتاب عدد سكان المسلمين اليوغور في الإقليم بنحو عشرة ملايين نسمة، يمثلون نسبة 20% من إجمالي السكان وإن كانت الإحصاءات التي تقدم في هذا الصدد غير مؤكدة في ضوء التعتيم الصيني الرسمي على الحقائق هناك. وبالنسبة للاسم «سينغيانغ» والذي يطلق على الإقليم من قبل الصين والغرب، فهو مرفوض من قبل السكان، في ضوء أنه لا يعكس هويتهم مع تأكيدهم على اسم «تركستان الشرقية».
على جسر التاريخ
يقدم الجزء الأول إطارا بالغ الدقة بشأن تاريخ المنطقة حيث يتم استعراض الأحداث الرئيسية التي قادت إلى تشكيل الوضع العرقي والثقافي في الإقليم، كما يتم تسليط الضوء على عمليات التشويه التي تعرضت لها عملية كتابة تاريخ الإقليم من قبل الصين.
وفي هذا الصدد فإن السلطات الرسمية في بكين تحرص على تكريس رواية رسمية واحدة في سينغيانغ اليوم والتي تخضع لهيمنتها من أجل تكريس يدها هناك. هذا في الوقت الذي يقدم فيه اليوغور، السكان الذين يمثلون أغلبية الإقليم رواية أخرى مختلفة تؤكد على فكرة أن تركستان الشرقية حسبما يفضلون تسمية الإقليم، تعكس واقعا آخر غير مرتبط على أي وجه من الوجوه بالعالم الصيني.
وفي الفصل الثاني يتناول الباحثان جيمس ميلوارد ونبيجان تورسن الفترة من 1884 حتى 1978 والتي بدأ معها إلحاق سينغيانغ ببقية الصين. وقد ظهرت خلال تلك الفترة الاتجاهات اليوغورية المناهضة للسيطرة الصينية على نحو اتبعت معه خطوات التحديث الغربية، وفي الوقت ذاته انتهاج مجموعة من المواقف التي تعمل على تقويض مساعي بكين إحكام سيطرتها على الإقليم.
ويرسم الكتاب صورة بالغة الدقة بشأن التحولات التي انتابت الإقليم مع خضوعه للهيمنة الصينية والعوامل المتداخلة التي فرضت الصراع على خلفية هذه التحولات وانعكست في تيارات عدة مثلتها السلطات الرسمية هناك والتي تتبع الحكومة المركزية في بكين، والاتحاد السوفييتي، واليوغور من الوطنيين التركستانيين ، وتلك الفئة من اليوغور التي والت السوفييت. كما يعرض الكتاب لسياسات القمع التي تعرض لها سكان الإقليم من أجل التسريع بعملية التكامل التي رسمتها السلطات الصينية لضمان إحكام السيطرة على التوجهات الانفصالية هناك.
اتسمت الفترة التالية، أي ما بعد 1978 بتأكيد الصين سلطتها على الإقليم بتسريع عملية إدماجه وبشكل خاص عبر سياسات تقوم على تغيير طبيعته السكانية من خلال نقل الألوف من الأسر الصينية وتعزيز القبضة السياسية الصينية على الأوضاع هناك.
وعلى ذلك يتم من خلال فصل كامل استعراض استراتيجيات الهيمنة التي طبقتها بكين من العاصمة حيث يتم تحليل المظاهر المختلفة لهذه الهيمنة التي تم وضعها من قبل النظام الشيوعي والقيود التي تم فرضها، وهنا يشير الكتاب إلى الدقة والمنهجية التي اتسمت بها هذه العملية.
وفي سياق استعراض الأدوار المختلفة لأدوات السيطرة يتم التطرق إلى الدور الذي لعبه الجيش الصيني في سينغيانغ منذ عام 1949 ويقدم الكتاب تفاصيل متعددة بشأن الأحداث التي انخرط فيها الجيش من أجل أحكام قبضته بالتعاون مع الحكومة الإقليمية.
ورغم ذلك يشير الباحث درو جلاندي الذي قام على إعداد هذا الفصل إلى الضعف النسبي للجيش في الإقليم وذلك رغم الظروف التي كانت تساعد على تعزيز دوره في السياق السياسي الصيني نظرا للتوترات التي كانت تمر بها العلاقات الصينية الروسية والنزاعات بين الصين والهند، ورغم دوره الأساسي في عمليات القمع للتمردات المناطقية هناك.
كما يقدم الباحث معلومات غير معروفة نسبيا عن العمليات الأميركية السرية في الإقليم، وكذا مساندة الصين للمجاهدين الأفغان. غير أن الباحث هنا يقع في خطأ تشويه صورة موقف الأوضاع في سينغيانغ حيث أنه يعتمد على مصادر ثانوية أغلبها صينية وأخرى استخبارية تميل إلى تشويه صورة المعارضة اليوغورية وإلحاقها بالحركات المتشددة دينيا في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، الأمر الذي تسعى الصين إلى تعزيزه من اجل تبرير سياساتها، بل وكسب التأييد الدولي لسياساتها هناك.
كما يتعرض الكتاب للدور غير العادي الذي لعبه الفلاحون في إستراتيجية السيطرة حيث مثلوا محور عملية التغيير السكاني للإقليم بدعوى الحكومة المركزية أن سينغيانغ يحتوي أراضا زراعية هائلة لا تجد من يقوم على زراعتها وهنا تم نقل المزارعين الصينيين بأعداد كبيرة إلى هناك في مزارع خاصة أدت إلى خلخلة الوضع السكاني إلى حد كبير في الاتجاه الذي يعمل النظام الصيني على تحقيقه.
وفي الجزء الثالث والذي يتناول القضايا الداخلية فإن الباحثة كالا ويمر تعرض للمظاهر الرئيسية للاقتصاد المحلي مع عرض لتاريخ مختلف الأنشطة القطاعية والمساهمة المتواضعة للتجارة الخارجية. ويشير تحليلها إلى الدور الكبير الذي يلعبه القطاع الاقتصادي العام الذي يعكس تنامي دور الدولة الصينية وكذا عدم المساواة في توزيع الدخل، والذي يقوم على أسس عرقية.
في سياق الأوضاع الداخلية كذلك تقوم الباحثة ليندا بينسون بتحليل التغييرات الحاصلة في نظام التعليم وأهميتها المحورية في عملية إدماج الإقليم في إطار بقية الصين. وهنا تشير ليندا إلى أن الصين حققت تقدما على هذا الصعيد لجهة الإسراع بعملية الاستيعاب مشيرة إلى أن التعليم لا يعكس الطبيعة المتنوعة للأقليات الموجودة في الإقليم، فضلا عن إشارتها إلى الصعوبات التي يواجهها الخريجون اليوغور في الحصول على عمل. كما تشير إلى التهديد القائم من خلال العملية التعليمية والذي يبدو أنه يتجه إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من عملية الاستيعاب لأبناء الإقليم في إطار الهوية الصينية.
ومن بين الجوانب التي يتم تناولها في الكتاب تأثيرات العالم الخارجي وأبناء الإقليم في الخارج على الأوضاع في الداخل، وهنا فإن من الجوانب الملحوظة ما يؤكد عليه الباحث شين روبرت تأثير العالم الخارجي على توجهات السكان الداخليين مشيرا بشكل خاص إلى التأثير الذي يمارسه مسلمو باكستان والوطنيون اليوغور في الشتات، وإن كان الباحث في هذا الخصوص لا يتطرق إلى الجوانب المتعلقة بتفاصيل تلك الجماعات والاختلافات فيما بينها وبشأن خططها وأهدافها.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى وجود اختلافات كبيرة بين هذه المجموعات بشأن طبيعة انتماء سينغيانغ سواء إلى العالم الإسلامي أو إلى الأمة التركية. كما يجري استعراض الإستراتيجيات المطبقة من قبل الصين من أجل احتواء هذه التأثيرات.
ويقدم الباحث ستانلي ثورب بعد ذلك دراسة في إطار الكتاب عن سياسات السيطرة من قبل الحكومة المركزية مستعرضا من خلالها الطبيعة السكانية للإقليم مستخدما الإحصاءات التي تقدمها الدولة باعتبار أنها الوحيدة المتاحة، وهو ما يؤخذ عليه في ضوء حقيقة مصلحة النظام في تقديم هذه الإحصاءات على النحو الذي يحقق هدفه لجهة التأكيد على التقليل من حجم السكان اليوغور الأصليين فضلا عن الأقليات الأخرى لصالح التأكيد على أن الإقليم إنما يقيم به سكان صينيو الأصل.
عقاب جماعي
ويعرض الباحث عبر سلسلة من الخرائط القيمة التوزيع العرقي لسكان الإقليم وحركات الهجرة والآليات الاقتصادية التي تقوم عليها حياتهم، الأمر الذي يمكن من خلاله الربط بين الضغوط التي تمارسها الحكومة المركزية والأوضاع التي يعيشها السكان هناك، حيث تتمتع بعض المناطق، وهى تلك التي تضم سكانا صينيين بالازدهار، فيما تعيش المناطق التي تقطنها أغلبية يوغورية حالة متدهورة اقتصاديا ما يشير إلى معاقبة أبناء اليوغور على موقفهم المناهض لعمليات الدمج والاستيعاب.
ومن بين الجوانب التي يشير إليها الكتاب على صعيد القضايا الداخلية محدودية الموارد المائية، فضلا عن تزايد القلق بشأن انتشار الهيروين وكذلك وباء الايدز. وفي الجزء الأخير والذي يناقش ردود فعل السكان المحليين فإن الباحثين جوستن رودلسون ووليام جانكوياك يرسمان خريطة لسياسات التكامل الثقافي والهيمنة والتي تتراوح بين السياسات المتشددة والناعمة. ويشير الباحثان إلى رد فعل اليوغور في مواجهة هذا الأمر، وكذا إلى العوامل التي تساهم في ضعف عملية اندماجهم ضمن مساعي الدولة الصينية.
الهوية الإسلامية
أما جراهام فوللر وجوناثان ليبمان فيشيران إلى المدى الذي شكل به الإسلام قوة موجهة للشعور بالهوية المختلفة وهو ما يقوض من مساعي الصين لضم الإقليم بسهولة. غير أنهما يشيران إلى أنه في المقابل فإن الهوية المسلمة للسكان المحليين يتم الحد منها ويتم السيطرة عليها وتوجيهها من قبل الدولة الصينية الحريصة على إغلاق القنوات التي يمكن من خلالها لأي معارضة أن يكون لها صوت مسموع أو تأثير على السكان.
وهذه الدراسة التي تتضمن الكثير من المراجع الصينية واليوغورية تعد أحد أكثر الأجزاء حيوية في الكتاب كله. وفي الفصل الأخير فإن درو جلاندي يقدم دراسة بشأن وسائل التعبير المستخدمة من قبل المعارضة اليوغورية وهو يؤكد على تطورها طبقا حسب السياق السياسي الاجتماعي في الداخل وحسب التطورات الدولية، وبشكل خاص يشير إلى أنه كيف أن استخدام الإنترنيت أدى إلى بروز ظهور مجتمع افتراضي متشدد.
وبشكل عام فإن الكتاب يقدم مادة متميزة بشأن موضوعه، على نحو يجعل منه مرجعا لا غنى عنه لأي مهتم بدراسة الأوضاع في إقليم سينغيانغ وإن كانت ترد عليه بعض المآخذ منها مثلا أنه يلتزم رؤية غربية إلى حد ما وأميركية بالأساس خاصة في ضوء أن مؤلفيه كلهم من الغربيين باستثناء واحد فقط من اليوغوريين، هو نبيجان تورسون.
ويعزز من ذلك الانتقاد أنه رغم اتساع نطاق مجموعة الباحثين التي قامت على إعداد مادة الكتاب، إلا أنه يعيبها عدم وجود باحث صيني وهو ما برره المحرر الرئيسي للكتاب بأنه جاء حرصا على مثل هؤلاء الباحثين من عواقب وخيمة، وهو ما يفترض أن كل الباحثين الصينيين سيتبنون وجهات نظر معارضة لحكومتهم وهو أمر غير صحيح على الإطلاق، فضلا عن أنه حجة مردود عليها بأنه كان يمكن الاستعانة بباحثين آسيويين آخرين أو حتى أتراك.
تناقضات داخلية
فضلا عن ذلك فقد شاب بعض أجزائه قدر من التناقض، وهو ما يمكن أن يتم إرجاعه إلى تعدد القائمين عليه، ومن ذلك مثلا القضية المتعلقة بحجم وعمق النخبة اليوغورية التي ترتبط مع بكين، ففيما ذهب البعض إلى أن هذه النسبة تبدو صغيرة ومحدودة، فإن آخرين في الكتاب أشاروا إلى العكس وأن هناك مجموعة عوامل تعزز التكامل حتى في مواجهة «تابو» رفض الزواج المختلط مع الصينيين الذي يحفظ لليوغوريين هويتهم.
وفي موضع آخر فإن بعض المساهمين يقلل من مستوى العنف وعدم الاستقرار الحاصل في الإقليم وكذلك مستوى المسؤولية الملقاة على من يسعون إلى الانفصال من قبل الوطنيين التركستانيين، فيما أنه في أماكن أخرى يحذر باحثون آخرون في الكتاب من العنف المتزايد والمنتشر وبشكل خاص فيما يتعلق بقضية طبيعة الحركات الإسلامية التركستانية التي تم توصيفها على أنها حركة إرهابية دولية من قبل الخارجية الأميركية، على نحو جعلها تعالج بقدر من الاشتباه في بعض المواضع.
وهنا فإن الكتاب لم يعالج القضية بالوضوح الكافي في ضوء حرص الصين على استغلال أحداث سبتمبر من أجل توصيف حركات المعارضة لضم الإقليم بأنها إرهابية وهو الأمر الذي يبدو أنه يمثل مجالا للمساومة مع واشنطن على خلفية قضايا دولية أخرى.
فضلا عن ذلك فرغم إشارة الكتاب إلى الأبعاد الاقتصادية المتعلقة بطبيعة الإقليم إلا أنه لم يشر إلى أن ذلك يعد أحد الأسباب الأساسية لسعي الصين للسيطرة عليه في ضوء حقيقة تزايد احتياطي النفط في أراضي سينغيانغ. وفي ذلك تشير التقديرات إلى أنها تقدر بأكثر من 8 مليارات برميل من النفط ينتج منها حاليا خمسة ملايين في العام.
وإن كان ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من قيمة الكتاب خاصة في ضوء أنه قدم لنا ثروة من المعلومات والتحليلات القيمة رغم الرقابة الصارمة المفروضة من قبل الصين على كل ما يتعلق بالإقليم من معلومات، ما يجعلنا نلتمس العذر للباحثين المشاركين فيه لما شاب جهدهم من أوجه قصور.
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق



