يعد الفحم أرخص مصادر الوقود الأحفوري وأقلها تكلفة على سطح الأرض. وتشير التقارير إلى أن هناك بلدانا عديدة في العالم، مثل الولايات المتحدة الأميركية، لديها من احتياطات الفحم ما يكفي لتلبية احتياجات العالم أجمع من الطاقة لمئات الأعوام. المشكلة الرئيسية المرتبطة باستهلاك الفحم هي أن العالم حاليا يعاني أشد المعاناة من ظاهرة الاحتباس الحراري، وهي الظاهرة التي تتسبب في تفاقمها الانبعاثات الكربونية الناتجة عن حرق الفحم، والتي بدورها يمكن أن تتسبب في تحويل الكوكب إلى مكان لا يمكن العيش فيه.
فهل من سبيل للتغلب على الأضرار المرتبطة بالفحم؟ هذا هو التساؤل الذي تطرحه مجلة «نيو ساينتست» في أحد أعدادها الأخيرة، حيث تستعرض المجلة الجهود المبذولة لتحويل الفحم إلى مصدر رئيسي للطاقة النظيفة. الإجابة تأتي بالإيجاب على لسان خبراء صناعة الفحم والفنيين، الذين يؤكدون على إمكانية السيطرة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عند عمليتي الحرق والإنتاج ودفنها تحت الأرض. ومن ثم فإنه لا حاجة إلى إنفاق الأموال الطائلة على بحوث ودراسات الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية.
وعلى امتداد السنوات الماضية، و نتيجة تقلبات أسعار النفط والظروف الجيوسياسية الاستثنائية التي يمر بها العالم، فقد شكلت الإدارة الأميركية، من أجل ضمان عدم استمرار مساهمة الفحم في تفاقم المشكلات البيئية والمناخية، لجانا علمية للعمل على مجموعة من التكنولوجيات التي يمكن استخدامها لتقليص كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من عمليات توليد الطاقة الكهربائية.
وقد جاء في دراسة أصدرها معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، بعنوان «مستقبل الفحم: خيارات لعالم يكبح استخدام الكربون،» أن هناك خمسة خيارات متوفرة لتقليص كميات غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من إحراق الوقود الأحفوري. وهي:
* تحسين فعالية استخدام الطاقة، بما في ذلك النقل وتوليد الكهرباء.
* زيادة استخدام الطاقة المتجددة من مصادر كالهواء والشمس والكتلة الحيوية.
* زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة النووية.
* التحول إلى استخدام أنواع الوقود الأحفوري الأقل إنتاجاً لغاز الكربون.
* مواصلة حرق الوقود الأحفوري، وخاصة الفحم، مع عزل وتخزين ثاني أكسيد الكربون.
وقال القائمون على الدراسة: «لقد استنتجنا أن عزل وتخزين ثاني أكسيد الكربون هو التكنولوجيا الحاسمة لتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى حد يعطي نتيجة ملموسة ذات مغزى مع إفساح المجال للفحم، في الوقت نفسه، لتلبية احتياجات العالم الملحة للطاقة».
وتتيح تكنولوجيا عزل وتخزين الكربون جمع غاز ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة العاملة بالوقود الأحفوري أو مرافق الإنتاج المشغلة بالغاز الطبيعي وتخزينه على عمق كبير في باطن الأرض في التكوينات الجيولوجية كمستودعات المياه الأرضية المالحة ومستودعات مخزون البترول والغاز القديمة.
وأثناء ضخ ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، يضغط الغاز متحولاً إلى سائل يُعزل في مساحات صغيرة بين ذرا الصخر، وكلما طالت فترة بقاء ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، كانت عملية تخزينه محكمةً ومضمونة إلى حد كبير.
وتجري وزارة الطاقة الأميركية، في المختبر القومي لتكنولوجيا الطاقة التابع لها في ولاية بنسلفانيا، عمليات الأبحاث وتطوير الإنتاج وتضع التصميمات لدورة كاملة لهذه التكنولوجيا والمتمثلة في العزل والتخزين ودمج هاتين التقنيتين في محطة توليد طاقة لا تنبعث منها أي غازات تعرف باسم «فيوتشرجن» وهي المحطة التي من المتوقع أن تصبح جاهزة للتشغيل في العام 2012.
يقول مدير المختبر القومي لتكنولوجيا الطاقة، كارل باور، للجنة الطاقة والبيئة الفرعية التابعة لمجلس النواب الأميركي: إن أكبر صعوبتين تواجهان تطوير تقنية للإنتاج النظيف للطاقة عن طريق عزل وخزن ثاني أكسيد الكربون هما تقليص كلفة عزل غاز الكربون وإثبات أمان وفعالية مخزون ثاني أكسيد الكربون في التشكيلات الجيولوجية لأمد طويل.
وأضاف باور أن هدف عام 2012 الذي يسعى برنامج تكنولوجيا الفحم التابع للمختبر إلى تحقيقه هو: «إثبات أنه بمقدور العالم تطوير تكنولوجيا متقدمة لعزل وخزن 90% على الأقل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المحتملة من محطات توليد الطاقة الكهربائية العاملة على الفحم دون أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع ثمن الطاقة الكهربائية إلا بأقل من 10%».
ويتم حاليا تطوير وتجربة تخزين ثاني أكسيد الكربون في التشكيلات الجيولوجية، وهي عملية فنية بدأت صناعة النفط تستخدمها منذ أكثر من 30 عاما، في عدة مشاريع واسعة النطاق بينها مشروع سلايبنر لثاني أكسيد الكربون في بحر الشمال النرويجي، ومشروع ويبيرن لخزن ورصد ثاني أكسد الكربون في كندا، ومشروع حقل صلاح في الجزائر.
وهناك 25 تجربة أخرى أصغر تتم من خلال وزارة الطاقة والشركات التابعة لها في الولايات المتحدة وكندا، ويعمل هذا المشروع حالياً على معرفة وتجربة أكثر الفرص تبشيراً بالنجاح لعزل وتخزين ثاني أكسيد الكربون.
وتشكل جميع هذه المشاريع مع أكثر من 15 مشروعاً آخر جزءاً من مبادرة دولية خاصة بتغير المناخ تعرف باسم «المنتدى القيادي لعزل الكربون»، تتزعمها وكالة الطاقة الأميركية. ويشارك في هذه المبادرة كل من أستراليا والبرازيل وكندا والصين وكولومبيا والدانمرك والمفوضية الأوروبية وفرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا واليابان والمكسيك وهولندا والنرويج وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
وعلى الرغم من جميع الجهود المبذولة في هذا الشأن إلا إنه لم يتم حتى الآن تطبيق عزل وخزن الكربون في عمليات توليد كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية.غير أن هناك في الوقت نفسه عدداً من المشاريع التي تعمل حالياً على تحقيق ذلك، وبينها مشروع زيروجن الأسترالي، وهو مشروع تجريبي للدمج وتحقيق التكامل بين التحول إلى غاز الكربون الناجم عن الفحم وعزل وتخزين الكربون لإنتاج طاقة كهربائية في عملية لا ينبعث منها سوى كمية ضئيلة من الغازات.
ومشروع «فيوتشرجن» في الولايات المتحدة الذي يتخذ شكل مبادرة دولية تتزعمها وكالة الطاقة الأميركية لإنشاء أول محطة توليد كهرباء لأبحاث الدمج بين عزل الكربون وإنتاج الهيدروجين،. والهدف من هذا المشروع الذي تبلغ كلفته مليار دولار هو إنشاء أو محطة توليد كهرباء تعمل بالوقود الأحفوري ولا تنبعث منها أي غازات، وعندما يتم تشغيل هذه المحطة في العام 2012 سيكون هذا النموذج الأولي أكثر محطات توليد الطاقة الكهربائية العاملة بالوقود الأحفوري نظافة في العالم.
وترجح بعض الدراسات العلمية أن تكنولوجيا عزل وتخزين الفحم ستصبح متوفرة على الصعيد التجاري في الأسواق في حدود العام 2020، وأن الكلفة ستكون العنصر الحاسم المحدد للنجاح أو الفشل. ويوضح باور في هذا الصدد: «يتعين تطوير التكنولوجيا بالطريقة الصحيحة. ونحن نعمل بكد في سبيل ذلك. إلا أن علينا أن ندرك أنه إن لم يكن عزل وتخزين الكربون متوفراً بأقل زيادة ممكنة في السعر، فإنه لن يتم اعتماده في أي مكان بالعالم.
ومؤخرا اشتركت دوائر حكومية أميركية ومؤسسات من القطاع الخاص في مشروع يهدف إلى التوصل لطريقة يتم من خلالها حرق الفحم الحجري دون إطلاق غازات مسببة للاحتباس الحراري، خطوة إلى الأمام، مع الإعلان عن تحديد موقع لبناء منشأة اختبارية. وقالت مصادر على صلة بالمشروع إن محطة تجريبية لإنتاج الطاقة، تبلغ كلفتها 8,1 مليار دولار، ستشيّد على مساحة كبيرة من الأرض قرب بلدة مايتون في ولاية تكساس.
وأكدت المصادر أن المحطة، التي ستعرف بـ «المستقبل الأخضر» ستؤمن مئات الوظائف، وستساهم في إنعاش الاقتصاد المحلي للمنطقة. وكان المشروع قد واجه العديد من العراقيل مؤخراً بعدما اعترض عدد من أعضاء الكونغرس على كلفته الباهظة، التي تجاوزت الميزانية المقدرة مسبقاً بمقدار الضعف، وذلك إلى جانب التأخير الكبير الذي طرأ على عمليات البناء.
فهل ستشهد السنوات المقبلة بزوغ فجر جديد للطاقة؟
إعداد: حاتم حسين
