ينتقل المؤلف هنا لمهمة على جانب كبير من التعقيد، حيث يرسم لوحة شاملة لواقع عالم المافيات منذ مطلع التسعينات، حين أدرك قادتها ضرورة مد الجسور بين نشاط الجماعات القديمة وعمليات العصابات الجديدة في مختلف الميادين، وفي مقدمتها الاتجار بالبشر والمخدرات على نطاق لم يسبق له مثيل.

هكذا يتاح لنا أن نرصد جوانب من أنشطة المافيا الروسي والألبانية والتركية والمكسيكية، وقد اتسع نطاقها بحيث فرض ما يصفه المؤلف بعصر من الرعب والظلام. وقد جسدت مقولة فلاديمير بوتين التي تفيد أن المافيا كلمة إيطالية وليست روسية موقف الكثير من القادة الذين يميلون إلى التقليل من شأن المافيا والمضي في ذلك إلى حد التجاهل الكلي لأنشتطها. في نهاية شهر يوليو 2007 عانت منطقة فوجيا في إيطاليا من موجة جفاف شديدة. لكن هذا لم يمنع الآلاف من العمّال السريين القادمين بأغلبيتهم من بلدان أوروبا الشرقية أو من إفريقيا من التوجه إلى هذه المنطقة مثلما جرت العادة منذ عدة سنوات.

هؤلاء العمال يشتغلون بقطاف الخضار من طماطم وغيرها والمكرّسة للصناعات الغذائية. إنهم يطلقون على البندورة هناك تسمية «الذهب الأحمر». لكن هذه التسمية لها ما يبررها إذ أنها تدرّ مبالغ هائلة كل سنة. أغلبية الذين يعملون في هذه المنطقة يتعرّضون لأسوأ أنواع الاستغلال التي تنظمها عصابات بولندية بالاتفاق مع المافيا المحلية المدعوة ب«ساكرا كورونا اونيتا». قررت الحكومة الإيطالية للحد من هذه الظاهرة منح أي عامل سرّي رخصة عمل إذا وشى بأرباب العمل الذين يقومون بمثل تلك الممارسات التي لا تليق بأوروبا التي ترفع شعار حقوق الإنسان.

هذا الواقع الذي يعيشه الآلاف من العمّال السريين الأوروبيين الشرقيين والأفارقة لا يبيّن صعوبة القيام بمكافحة جديّة ضد المافيات فحسب، وإنما يبيّن أيضا التنوع الكبير في النشاطات المافيوزية، من دون الحديث عن تزايد أعداء أولئك الذين يدورون في فلك عالم الجريمة عامة. ثم إذا كانت أنظار الرأي العام قد اتجهت في صيف عام 2007 نحو سهول فوجيا فإنها سرعان ما تحوّلت عنها، فإلى أين سوف تتجه في صيف 2008؟ هل إلى ألبانيا أم الصين أم نيجيريا؟هكذا يتساءل المؤلف على خلفية القول إن العالم المعاصر قد غدا زاخرا بالمافيات الجديدة.

على خطى إيطاليا

يتم التأكيد في هذا السياق على أن انهيار جدار برلين والعولمة المالية فتحا منذ مطلع عقد التسعينات أمام المافيات التقليدية، أسواقا جديدة. هكذا قامت المافيات الإيطالية منذ الساعات الأولى لسقوط جدار برلين بالتوجه نحو المجر وتشيكيا ورومانيا وبلغاريا من أجل أن تقيم رؤوس جسور مثمرة بالنسبة لها. ويبدو أن مافيا منطقة كالابريا قد تفوقت على غيرها من الجماعات المنافسة لها، في هذا الميدان.

لكن بالمقابل لم تتأخر هذه الديمقراطيات الجديدة، حسب التحليلات المقدّمة، في التزود بمنظوماتها المافيوزية على الطريقة الإيطالية. وكانت منطقة البلقان الواقعة بين إيطاليا والشرق، والمناطق التي خرّبتها الحروب الأهلية والصراعات الاثنية والدينية مثل البوسنة وكوسوفو، والتي كانت قد شكّلت الطريق التاريخية للهيرويين، هي من أكثر المناطق ازدهارا بالنسبة للمنظومات المافيوزية. وينقل المؤلف عن مؤرخ يوناني كان قد قال في القرن التاسع عشر إن: «منطقة البلقان هي الطريق نحو جهنم المرصوفة بالنوايا الحسنة للقوى الكبرى». كان في مثل هذا القول صحيحا في زمن المؤرّخ اليوناني ولا يزال ساري المفعول حتى الآن.

الأمر الجديد ليس إذن وجود المافيات، وإنما هو بالأحرى واقع أن المنظمات المافيوزية قد «طوّرت» كثيرا من نشاطاتها ولم تعد تكتفي أبدا بفرض الأتاوات وتجارة السيارات المسروقة وتجارة الجسد وإنما انتقلت إلى ممارسة كل أنواع التجارة الممنوعة من المخدرات إلى بيع المنتوجات النووية ومرورا بتجارة الأسلحة العادية والأسلحة المتقدمة والصواريخ. هذا دون نسيان التجارة الأسهل المتمثلة في تجارة البشر والتي أصبحت تحتل المرتبة الثانية من مصادر دخل المافيات بعد المخدرات.

ويحدد المؤلف القول إنه بعد تحرير بلدان أوروبا الشرقية والوسطى هناك منظمتان مافيوزيتان لعبتا الدور المركزي في سوق تجارة البشر، وهما مافيا «ساكرا كورونا اونيتا» الإيطالية والمافيا الناطقة باللغة الألبانية. وتفصل الذراع البحرية التي يمثّلها البحر الأدرياتيكي بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية. وخلال عدة سنوات أصبحت الشواطئ، التي كانت معزولة تقريبا، مركز توزيع نشيط لأبشع التجارات القادمة من منطقة البلقان.

إن الموقع الإستراتيجي لهذه المنطقة جعل منها منذ مطلع سنوات التسعينات وحتى عام 2005، الموقع الرئيسي لممارسة تجارة العبيد في أوروبا. هكذا تقوم مافيا «ساكرا كورونا اونيتا» باستلام «البضاعة». وهذه المافيا هي آخر مولود في عالم المافيات الإيطالية وربما الأكثر هشاشة بينها.

كانت قد ظهرت في نهاية سنوات السبعينات وفي منطقة بويلس التي لم تكن قد عرفت ظاهرة المافيا إلى أن قررت الحكومة الإيطالية فرض الإقامة الجبرية على عدد من عرّابي المافيا من صقلية ونابولي وكالابريا فيها خلال تلك الفترة. قام هؤلاء العرّابون بالاتصال مع مجموعات الجريمة الصغيرة المحلية في بلدتي باري وبرينديزي خاصة هاتين البلدتين وهما من المرافئ «التاريخية» التي كانت تجري فيها عمليات تهريب منذ الحروب الصليبية. ومن خلال تلك الاتصالات قامت المافيا الجديدة «ساكرا كورونا اونيتا».

جمعت هذه المافيا أعدادا متواضعة من الأعضاء، وما يقارب ال1500 عضو، ومارست في البداية النشاطات التقليدية قبل أن تنتقل إلى تجارة الهيرويين المنقول عبر مقدونيا. كما استمرّت في تجارة السجائر التي لا تزال ذات مردودية كبيرة.

وتدل الإحصائيات المقدّمة أن جمهورية الجبل الأسود مثلا تحقق 60 بالمئة من أرباحها بفضل تجارة السجائر المهرّبة. وكانت محكمة باري قد وجّهت اتهامات ضد مسؤولين كبار في الجبل الأسود بتهمة «المشاركة في جمعية مافيوزية لتجارة السجائر المهرّبة. مع ذلك يبقى النشاط الأكبر مردودية الذي مارسته مافيا «ساكرا كورونا اونيتا» هو تجارة المهاجرين.

وفي سنوات التسعينات، أدّى تفجّر يوغسلافيا والإطاحة بالنظام الألباني ثم قيام حرب البوسنة وبعدها حرب كوسوفو، إلى خلق حالة من الفوضى والهشاشة لدى السكان ومما شجّع بنفس الوقت «تجارة الكائنات البشرية». هنا يشير المؤلف إلى تمييز منظمة الأمم المتحدة بين التجارة البشعة (الدعارة والعبودية) وبين مجرد التجارة بالمهاجرين.

ويتم التأكيد هنا أنه طيلة سنوات التسعينات المنصرمة وحتى عام 2005 كان هناك في كل ليلة المئات من الأشخاص المرشحين ل«الهجرة»، والذين «تتسلمهم» الشبكات الإجرامية على الشواطئ الإيطالية وعلى رأسها ساكرا كورونا اونيتا بالاتفاق مع متواطئين معها في بلدان البلقان.

الرجال والأطفال، الذين قد لا يبلغ عمر بعضهم 12 سنة بالكاد يتم توجيههم نحو بلدان أوروبا الغربية التي تستخدمهم كيد عاملة رخيصة الكلفة. أما النساء، وأغلبهن من مولدافيا وروسيا واوكرانيا وألبانيا، فإنه يتم توجيههن نحو «مراكز إعادة التأهيل» حيث يقوم المافيوزيون بإرغامهن على تعاطي المخدرات واغتصابهن ودفعهن نحو ممارسة الدعارة وإلا «قد تكون العقوبة هي الموت». بكل الحالات يتم اللجوء إلى العنف بدون أي تردد عمليا.

ثم إن اللواتي قد يهربن ويسلمن أنفسهن للسلطات الإيطالية فإن ذلك لا يشكل بالضرورة الوصول إلى بر الأمان فالمافيوزيون لهم تواجدهم في الأماكن الرسمية ويشرح المؤلف كيف أن العديد من النساء اضطررن للعودة إلى المكان الذي كنّ قد هربن منه. أما الممارسات «البربرية» فهي كثيرة.

قانون المافيات الألبانية

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن المافيا الألبانية، أكثر مما هي المافيا الإيطالية، قد كانت في المقدمة من حيث ممارسة تلك التجارة، اعتبارا من سنوات التسعينات المنصرمة. كان قد جرى لفترة طويلة إهمال تلك المافيا الألبانية إلى أن قرع بعض الخبراء الغربيين من أمثال كزافييه روفير ناقوس الخطر حول نشاطاتها وتواجد ارتباطات لها في أوروبا الغربية، خاصة في بلجيكا وألمانيا.

هنا يفتح المؤلف قوسين للقول إنه ربما من الأفضل الحديث عن مافيا ناطقة باللغة الألبانية إذ أنها تضم ألبانيين وكوسوفيين ومقدونيين ومن الجبل الأسود. تقول المافيا الألبانية إنها تنتمي إلى قانون قديم لمفهوم الشرف يحدده المؤرخون على أنه ليس واقعيا فهذه المافيا ليست قديمة بالقدر الذي تزعمه.

بل ويتم التأكيد أن الرئيس الشيوعي أنور خوجة قد أخضع البلاد لقوانين صارمة حتى وفاته عام 1985، لكن خليفته رامز عليا منح تسهيلات لمافيوزي «ساكرا كورونا اونيتا» في مجال تجارة السجائر المهرّبة والمخدرات. وكان المافيوزيون الألبان قد لعبوا لفترة طويلة دور ناقل بضاعة التجار الأتراك. ويشير المؤلف هنا إلى أن «الروابط التاريخية منذ زمن الأجداد قد استيقظت «بسبب واقع أن ألبانيا تقع على «طريق الافيون» المنطلق من أفغانستان ويعبر تركيا والبلقان كي يتم توزيعه في أوروبا بواسطة النمسا أو إيطاليا.

وتتم الإشارة أيضا إلى أن العرابين الصقليين حاولوا منذ سنوات السبعين المنصرمة إيجاد مواقع لهم في ألبانيا. لكن اعتبارا من الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 ازدهرت الشبكات المافيوزية لمنطقة «الهلال الذهبي». وقد أدخلت مافيا «ساكرا كورونا اونيتا» مبالغ كبيرة من العملات الصعبة إلى البلاد مما سمح للعديد من الألبان بجمع ثروات ضخمة.

وخلال عدة سنوات بعد انهيار جدار برلين أصبح«المهربون» بمثابة النخبة المسيطرة في البلاد. وقد جنّدوا العديد من ألبانيي الشتات البالغ عددهم حوالي 000 700 شخص في أوروبا والولايات المتحدة من أجل تصريف أعمالهم. ويؤكد مؤلف الكتاب أنه بعد سقوط الشيوعية عام 1991 انتظمت مجموعات الجريمة الألبانية في مافيا حقيقية. وضمّت العديد من أعضاء الشرطة السياسية السابقة.

وتبنّت هذه المافيا القانون الذي كان قد كتبه أحد الإقطاعيين الألبان في القرن الخامس عشر عندما دخلت الإمبراطورية العثمانية ألبانيا. هذا القانون يبرر باسم الحق التاريخي منظومة مغلقة تماما قائمة على مفهوم العشيرة حيث تسود ثقافة السر والثأر. أراد المافيوزيون باعتمادهم على هذا القانون إصباغ المشروعية على نشاطاتهم. ذلك أن أية مجموعة إجرامية تغدو إذا افتقدت المرجعيات مجرّد عصابة.

قامت المافيا الألبانية منذئذ على النموذج الإيطالي- الأميركي. وتشير المعلومات المتوفرة، وحسب تقارير للشرطة ورجال القضاء، أن المافيا الألبانية هي من الأكثر صعوبة في اختراقها على مستوى العالم كله، وتحديدا بسبب القانون الذي تعتمده كمرجعية.

وهناك على المستوى الخارجي تعاون كبير بين المافيا الألبانية ومافيا «ساكرا كورونا اونيتا» ذات الحضور الكبير في ألبانيا منذ عام 1992، حسب معلومات منقولة عن وزارة الداخلية الإيطالية. وتتم إعادة أحد أسباب ازدهار المافيا الألبانية إلى الأزمة الاقتصادية التي عرفتها البلاد.

ويتم الربط أيضا بين انفتاح البلاد وتحرير الجهاز الإنتاجي وازدهار الظاهرة المافيوزية عبر امتلاك الأراضي والمصانع التي تمّ نقل ملكيتها من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وكانت ألبانيا قد شهدت في عام 1997 سلسلة من عمليات الإفلاس وتركت الآلاف من البشر في الشارع. هكذا حاول العديد الهرب من البلاد. وفي مثل ذلك السياق لم تجد المافيات صعوبة كبيرة في تجنيد أعداد كبيرة للمساهمة في توسيع شبكاتها.

وكان عام 1997 قد شهد أيضا قصف الحلف الأطلسي لمواقع عديدة في كوسوفو. هاجرت أعداد كبيرة من ألبان كوسوفو عندها إلى ألبانيا حيث فرضت عليهم المافيا دفع ضريبة فورية. كان الهدف الحقيقي الرئيسي للحلف الأطلسي هو كبح طموحات صربيا الموالية لروسيا في تلك المنطقة البلقانية ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى.

بتعبير آخر قام الغرب، بغية كبح مشروع «صربيا الكبرى»، بتشجيع الأحلام الخاصة بقيام «ألبانيا الكبرى». لكن ترجمة ذلك على أرض الواقع كانت ازدهار كل أنواع الأسواق، وهذا ما وصفه المفوض السامي للأمم المتحدة ب«نظام الرعب» وسيادة العصابات المسلحة، أي نوع من «عصور وسطى جديدة» في أوروبا، وبصفة خاصة في العاصمة الألبانية تيرانا وعدد من دول شرق أوروبا.

ويؤكد المؤلف أن حرب كوسوفو لا تزال تطرح الكثير من التساؤلات على الرأي العام الغربي. وإذا كان البعض يؤيدونها من أجل إنقاذ ألبان كوسوفو من خطر الصرب، فإن آخرين اعتبروا تلك الحرب بمثابة «زواج عقلاني» مارسه الحلف الأطلسي مع المافيا الألبانية.

الباباس الأتراك

عرفت المافيا التركية فترة ازدهارها، حسب التحليلات المقدّمة، خلال سنوات الأربعينات والخمسينات بالعلاقة مع المافيا الصقليّة. وقبل تلك الفترة كانت هناك عصابات تقليدية في ظل الإمبراطورية العثمانية. وقد عُرف أعضاؤها ب«القبضايات». أمّا التحول الحقيقي فقد حدث عندما قررت المافيات الإيطالية في صقلية تعزيز روابطها مع بعض المتنفذين الأتراك الذين كان لهم «تاريخيا» دورهم في نقل المخدرات الواردة من أفغانستان باتجاه القارة الأوروبية. إن تركيا تقع على تلك الطريق تقليديا، وقد توطدت العلاقات بين المافيا الإيطالية والمافيا التركية عندما أصبحت تجارة الهيرويين ذات أهمية كبيرة في أوروبا.

وكانت المافيا التركية قد استفادت من حالة التوتر التي شهدتها سنوات السبعينات وحيث كانت الحكومة قد فقدت جزئيا السيطرة على الجامعات. ولذلك اعتمدت على بعض المجموعات القومية المتطرفة في مواجهة الحركات اليسارية القوية في تلك الجامعات، مثل تلك المجموعة المعروفة باسم «الذئاب الرمادية» والتي كان بعض قادتها قريبين من الأوساط المافيوزية.

واستفادت المافيا التركية أيضا من موجة خصخصة عرفتها تركيا للعديد من المؤسسات العامة. ويتم الكشف عن أن وزيرا مهما في الحكومة التركية عام 1998 كان قد حاول العمل على خصخصة بنك تركيا لصالح أحد رجال الأعمال. وكانت تلك القضية إلى جانب قضايا أخرى من نوعها، قد أثارت أزمة سياسية حقيقية. ويرى المؤلف أن أحد الأسباب الأساسية في وصول الأحزاب التركية ذات التوجهات الإسلامية إلى السلطة لم يكن بعيدا عن واقع «تعب الأتراك» من تعدد مظاهر فساد الدولة.

إن المافيا التركية ليست متجانسة التركيب، ولكن يجمع بين الكل مسألة أساسية هي تجارة المخدرات. ذلك أن حوالي 80 بالمئة من المخدرات القادمة من آسيا، أي من «المثلث الذهبي»، وخاصة من «الهلال الذهبي»، الذي يقدّم 90 بالمئة من الإنتاج العالمي للأفيون، يتم نقلها عبر تركيا، أي ما يعطي للمافيا التركية مردودا جغرافيا تتم ترجمته بموقع قوي وبثروات طائلة. وكانت الصراعات التي عرفتها منطقة البلقان في سنوات التسعينات قد عززت من ذلك الموقع الاستراتيجي.

هكذا تمر المخدرات انطلاقا من الحقول في أفغانستان وحتى المافيا الإيطالية، التي تقوم فيما بعد بتوزيعها في أوروبا وأميركا، عبر المافيا التركية والمافيا الألبانية. وتدل الإحصائيات على مصادرة كميات كبيرة من الهيرويين وغيره من المخدرات عندما كانت في طريقها إلى أوروبا، الأمر الذي يدل على الدور الكبير الذي تلعبه المافيات المعنية في هذه التجارة.

مافيات أخرى

إذا كان الهيرويين مصدره الأساسي آسيا فإن سوق الكوكايين تبقى في قبضة الكارتلات الكولومبية. ويتم استخدام تعبير «كارتل» بدلا من مافيا بناء على القاموس الذي استخدمه القضاء الأميركي خلال سنوات الثمانينات المنصرمة للدلالة على «التنظيم المحكم» للذين يمارسون تجارة المخدرات في كولومبيا. و«الكارتلات» تتأسس وتموت بسهولة. وهي تسيطر على مناطق تواجدها بشكل شبه عسكري من أجل حماية إنتاج المخدرات وتوزيعها.

ولا يتم الحديث عن كارتلات كولومبية فقط وإنما أيضا عن كارتلات مكسيكية. وقد دلّ التقرير السنوي الصادر عن الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات أن نشاط «الكارتلات» المكسيكية قد تفوق في عام 2006 على الكولومبية. وبالإضافة إلى الإنتاج التقليدي للماريجوانا، فإن المكسيك تنتج أيضا الافيون والقنّب والكوكا، كما أنها تخدم كنقطة توزيع لنقل الجزء الأكبر من المخدرات إلى الولايات المتحدة. وهناك نسبة 80 بالمئة من المخدرات المستهلكة في هذه البلاد تمر عبر المكسيك.

وفي نهاية القرن العشرين وخلال السنوات الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين احتكرت عائلة اريللانو تجارة المخدرات المكسيكية بواسطة كارتل تيخوانا الذي تملكه، الذي تمّ تفكيكه في صيف عام 2007 بفضل التعاون بين أجهزة الشرطة المكسيكية والأميركية. وتعرف المكسيك اليوم صراعا بين عدة «كارتلات» من أجل اقتسام السوق الذي يتراوح مردوده السنوي ما بين 10 إلى 20 مليار دولار.

وكل رئيس جديد للبلاد يقوم بقمع كارتل سابقه ولكنه يعتمد على منظمة أخرى. ولم يعد سرّا بالنسبة لأحد واقع مساهمة الشرطة في تجارة المخدرات بحيث يمكن التساؤل إذا لا تصح صفة «المافيا» على «الكارتلات» المكسيكية، لاسيما أنها تغلغلت إلى ميداني الشرطة والسياسة منذ ما يقارب الثلاثة عقود.

بكل الحالات وصلت «الكارتلات» المكسيكية إلى درجة من القوة جعلتها تفرض في سنوات التسعينات ضريبة مرور على المخدرات الكولومبية التي تعبر المكسيك باتجاه الولايات المتحدة. وهذا ما دعا تجّار كارتل كالي إلى شراء غواصة من المافيا الروسية من أجل نقل الكوكايين إلى كاليفورنيا مع تجنّب ضرائب المرور التي تفرضها الكارتلات المكسيكية.

هذه المافيا الروسية أصبحت موضوع أحاديث كثيرة في فرنسا منذ سنوات التسعينات، ذلك أن عرّابيها المدعوين ب«القادمين من البرد» يقيمون خاصة في منطقة الكوت دازور، حيث اشتروا ملكيات شاسعة بواسطة المليارات التي كسبوها من مختلف أنواع التجارة.

والمافيا الروسية تعمل بالأحرى، كما يتم وصفها، على غرار كارتلات أميركا الجنوبية أكثر مما هو على غرار المافيا الإيطالية. وينقل المؤلف عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليقه عندما ذكروا أمامه مسألة المافيا الروسية بالقول: «المافيا هي كلمة إيطالية وليست روسية».

ويعلق المؤلف على هذا بالقول إن «الرئيس الروسي لم يكن مخطئا تماما». ثم أضاف بأن عدم خطئه لا يقلل من عنف ومن قوة هذه المجموعات الإجرامية. يؤكد المؤلف على أن عالم الجريمة أدرك سريعا منذ مطلع عقد التسعينات أن هناك ظروفا عالمية مستجدة.

هكذا انعقدت عدة قمم من أجل نسج الروابط بين الواصلين الجدد إلى مسرح الجريمة المعولمة والمافيات التقليدية. وذلك ليس بمعنى تصور إيجاد عرّاب أعلى يدير كل هذه المافيات، وإنما بمعنى عولمة المبادلات غير المشروعة. بالنتيجة هناك روابط تُنسج في الكازينو العالمي الكبير.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف