يجد القارئ نفسه هنا أمام لوحة بانورامية هائلة تشمل الملامح الأكثر بروزا للقوى الأساسية في عالم المافيا على نحو ما بدا للعيان بالأمس البعيد، وهو العالم الذي يرى المؤلف أنه لابد من التعرف عليه وتحليل مكوناته وفهم دقائقه من أجل فهم المواقع التي وصلت إليها المافيات اليوم واستشراف آفاق ما يمكن أن تصبح عليه في عالم الغد، خاصة مع طموحها إلى التحول إلى إمبراطوريات اقتصادية فاعلة تحت سقف تناقضات العولمة.
في ربيع عام 2007، اكتشف العالم كله عبر شاشات التلفزة جبالا من القمامة تتكدس في شوارع مدينة نابولي ومنطقتها. تساءل الكثيرون عن الأسباب التي جعلت أكبر مجمع سكاني في أوروبا لا يستطيع أن يقوم بمعالجة نفاياته بطريقة طبيعية. سادت في نابولي آنذاك أجواء من القلق على الصحة العامة، وجرى الحديث طويلا عن سوء العمل التقليدي في الإدارات الإيطالية. مع ذلك برز السؤال: لماذا لا تملك نابولي ما يكفي من المواقع العامة لمعالجة القمامة؟ سُمعت في نابولي آنذاك الأقوال حول «اقتصاد المافيا». لقد قيل ان المافيا المحلّية تمنع بناء مواقع جديدة لتجميع القمامة. لكن لماذا؟ وكانت الإجابة مخيفة، حسب تعبير المؤلف الذي يشرح ذلك بالقول ان عملية «تدوير النفايات» أصبحت تشكّل سوقا مهمة تبلغ قيمتها 6,2 مليار يورو سنويا. وكانت المافيا المحلية هناك المعروفة باسم «الكامورا» قد دخلت إلى هذا القطاع منذ حوالي 20 سنة ولا تريد أية مزاحمة فيه. ولمنع أية مزاحمة فعلت كل شيء من أجل منع بناء أية مراكز عامة لمعالجة القمامة. ذلك أن الطريقة التي تنتهجها هي ذات مردود أكبر، ذلك أنها تخبئ في الأرض النفايات الآتية من عموم أوروبا، محوّلة بذلك هذه المنطقة إلى «سلة مهملات» إيطاليا. النتيجة هي أن بعض المناطق القريبة من أمكنة تجمع القمامة عرفت معدّل إصابات بمرض السرطان القاتل يزيد بنسبة 400 بالمئة بالقياس إلى متوسط المعدّل العام في البلاد.
الكامورا وأختها... تتم الإشارة هنا إلى أن المافيا المحلية «الكامورا» في نابولي، والتي قد تكون أقدم من «الأخت» الأكثر شهرة في صقلية، فرضت منذ القرن التاسع عشر نظام فرض الأتاوات في سوق بيع السمك وغيرها. كذلك تتم الإشارة هنا إلى أن «الكامورا» لعبت دورا مشهودا في إعادة توحيد إيطاليا عام 1860 أثناء الانتقال من الإدارة القديمة في ظل سلالة البوربون إلى إدارة الدولة الجديدة الموحّدة. ويشير المؤلف إلى تقرير رسمي إيطالي يعود إلى مطلع القرن العشرين ويحمل اسم «تقرير ساريدو» كان قد رسم صورة للمجموعات المافيوزية لا تزال مقبولة حتى الآن. وجرى وصف أعضائها بأنهم «أناس نجحوا في تأمين عيشهم من التجارة والعقود العامة ومن المظاهرات والنوادي والصحافة. وترافق تطور الكامورا مع تنظيم انتخابي جديد قائم على أساس تقديم خدمات مقابل شراء أصوات الناخبين، وحيث أخذت الظاهرة أشكال الحماية والمساعدة والاستشارة والتوصية».
ومع وصول الدولة الليبرالية استطاع العديد من المافيوزيين التغلغل حتى أعلى المناصب الحكومية والاجتماعية. واستطاعت المافيا أن تسيطر على الشارع. وإذا كانت السلطات العامة لم تول أهمية كبيرة لتلك الظاهرة فإن السبب كان يكمن في ضعفها وإهمالها. ويشرح المؤلف أنه إذا كانت المافيات قد استفادت دائما من حالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي فإنها ضعفت وتدنّت سلطتها مع ظهور أشكال جديدة للتضامن مثل العمل النقابي. هذا ما يفسر النزاع المستمر بين المافيات والمنظمات النقابية في إيطاليا، خاصة طيلة فترة الحرب الباردة. وإذا كانت الكامورا في نابولي هي ذات أصول مدينية فإن المافيات الصقلية الكوزا نوسترا هي بالأحرى ذات أصول ريفية. لكن في جميع الحالات كان التركيز على الولاء للمنظمة بمثابة القاعدة. وقد أعطيت أحيانا تسمية العائلات لمختلف المجموعات التي تتكون منها. ذلك أنه كان يراد توظيف الأعضاء من العائلة نفسها، على أساس أن رابطة الدم تشكل عاملا إضافيا في التلاحم والإخلاص، إذ يصبح من الصعب أكثر خيانة أخ أو عم. لكن إذا حصل وخان أحد أفراد العائلة، فستكون مهمة الأخ أو العم هي التخلّص منه. وينقل المؤلف عن أحد المافيوزيين قوله لهيئة المحكمة ان رؤساء المنظّمة استدعوه ذات مساء إلى مكان سري وكشفوا له أن ابن أخيه خائن. وبالتالي كان أمام هذا «الأخ» المافيوزي ، حسب التسمية المتداولة في أوساط المافيات ، الاختيار بين قتل ابن أخيه أو أن يتم قتلهما معا. هكذا استقدم ابن أخيه إلى أحد الأمكنة المهجورة حيث قتله ثم وجدوه هو نفسه مشنوقا في زنزانته بعد فترة من الزمن.
إنها حادثة بين عشرات الحوادث التي يرويها المؤلف للتدليل على أنماط مختلفة من سلوكيات المافيات وحيث نالت المافيا في جزيرة صقلية شهرة قوامها أنها كانت في تاريخها هي الأكثر عنفا حيث أن مسيرتها حافلة بالجثث وبالدسائس السياسية، كما أظهرت المحاكمات الكثيرة التي يذكرها المؤلف. ويربط المؤلف بين ازدهار المافيات الأميركية وظاهرة تزايد موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية خلال العقود الأولى من القرن العشرين. لقد ازدهرت «إيطاليا الصغيرة» في نيويورك، ففي هذه المدينة «كان الوافدون الجدد من أصول إيطالية يتكدّسون في بنايات قرميدية بغرفة أو غرفتين. وكانوا يعيشون بعزلة كاملة بسبب اللغة، ولكن أيضا بسبب الحذر من السلطات، وهكذا اهتم بهم مباشرة مواطنوهم الذين كانوا قد سبقوهم حيث قاموا بحمايتهم من المجموعات المنافسة الأخرى، الإيرلندية واليهودية خاصة. ضمن تلك الأجواء المدينية والشعبية انزرعت المافيات في الولايات المتحدة»، كما يكتب المؤلف مشيرا إلى أن السنوات الواقعة بين مطلع القرن العشرين ونشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 شهدت هجرة مليون شخص من جزيرة صقلية، أي ربع السكان، إلى الولايات المتحدة الأميركية.
عندما وطئت أقدام هؤلاء المهاجرين الجدد، الحالمين بالحرية والثروة، أرض أميركا اكتشفوا بسرعة الواقع الحزين. لقد تقاسمت منظمات سريّة مجهولة مناطق النفوذ، وفرضت على أولئك الفقراء «ضرائب حماية». وكانت أولى المنظمات المافيوزية التي ظهرت في الولايات المتحدة قد اتخذت تسمية «اليد السوداء». هكذا تعوّد التجار في نيويورك وعدد من المدن الأميركية الكبرى الأخرى أن يتلقوا رسائل تهديد ممهورة بـ «خاتم اليد السوداء» لمجرّد أنهم كانوا من أصول إيطالية. وكان مضمون تلك الرسائل واحدا تقريبا ومفاده: «نتمنّى عليك إرسال 2000 دولار، إذا كنت على الأقل تعطي بعض الأهمية لحياتك».
من نيويورك إلى باليرمو
خدم النظام الرأسمالي بالصيغة التي اتخذها في الولايات المتحدة الأميركية تحت تسمية «الرأسمالية التاريخية» من أجل التمايز عن نظريات «الرأسمالية الليبرالية»، في ازدهار النشاطات المافيوزية، لاسيما من حيث مفهوم الاحتكار. ومن هذه الزاوية قدّمت المافيا الإيطالية، من خلالها تجربتها الاحترافية» الطويلة خدمات للرأسمالية لم يكن بمقدور المنظمات المنافسة أن تقدمها لها.
هكذا قامت في نيويورك وفي العديد من المدن الأميركية الكبرى «منظومة مثلّثة» من أجهزة الشرطة والطبقة السياسية والمافيا، أي على الطريقة الإيطالية. وبعد مقتل ضابط شرطة من أصل ايرلندي «رفض اللعبة» أصدرت المحكمة حكمها بتبرئة المتهمين من المافيوزيين بسبب عدم وجود الأدلّة.
لكن الجماهير التي كانت أغلبيتها من الإيرلنديين سحلت 11 متهما من أصل 15 متهما كانوا جميعهم من المهاجرين الصقليين والذين جرت تبرئتهم. وهذا ما يطلق عليه المؤلف صفة الرأسمالية العشوائية التي أنتجت جرائم عشوائية والتي كانت المافيات أحد محركاتها الأساسية.
مع تنامي ظاهرة المافيات في الولايات المتحدة الأميركية أدركت السلطات العامة أهمية وجود جهاز شرطة أكثر فعالية من أجل مكافحة الجريمة المنظّمة. هكذا جرى «تنظيم» الجهاز السابق الذي كان أغلب عناصره من الإيرلنديين واليهود بعناصر ذات أصول إيطالية من أجل التغلغل داخل عالم المافيات. وفي مثل تلك الأجواء عرفت العقود الأولى من القرن العشرين «حربا» بين العصابات الإيرلندية والعصابات الإيطالية في مدينة نيويورك وعدد آخر من المدن الأميركية الكبرى مثل لوس انجلوس وشيكاغو.
وفي تلك الأجواء أيضا برزت أسطورة آل كابوني، أو ما يسميه المؤلف ب«السنوات المجنونة للجريمة» في شيكاغو. ومن أهم سمات تلك الحقبة وجود الكثير من العلاقات المشوشة بين رجال الشرطة ورجال آل كابوني.
وكذلك تميّزت بعمليات قتل واغتيال كثيرة امتدت من الولايات المتحدة إلى أوروبا ومن سنوات العشرينات إلى سنوات التسعينات المنصرمة مع اغتيال روبرتو كالفي، المشهور بـ «مصرفي المافيات» في لندن عام 1982 ثم اغتيال رئيس وزراء إيطاليا الأسبق الدو مورو، حيث تشير التحليلات المقدّمة الى أن يد المافيا لم تكن بعيدة عن ذلك الاغتيال.
على الطريقة الصينية
تتم الإشارة في ذلك «الإطار الأميركي» إلى الدور الذي لعبته المافيا ذات الأصل الصيني. وكانت أعداد كبيرة من الصينيين قد هاجرت إلى الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر، لكنها لاقت معاملة سيئة جدا. بل أصدر الكونغرس الأميركي عام 1892 «قانون استثناء الصينيين» الذي نصّ على أنه لا يحق لأي شخص تعود أصوله إلى الصين الحصول على الجنسية الأميركية.
كان الصينيون أدنى مرتبة من السود أو الهنود. ورغم أن السياسة الأميركية قد دعمت خلال سنوات الثلاثينات حكومة الصين الوطنية بقيادة شيانغ كاي تشيك ضد المرامي الإمبريالية اليابانية وضد القوى الشيوعية بزعامة ماوتسي تونغ، فإن «قانون استثناء الصينيين» لم يتم إلغاؤه سوى في عام 1943 من قبل الرئيس الأميركي روزفلت.
ومثلما كان الحال بالنسبة للإيطاليين من المهاجرين الجدد الذين «استقبلهم» القدامى، قام الصينيون القدامى في الولايات المتحدة ب«استقبال» مواطنيهم وتأمين الغذاء والسكن والعمل لهم. لقد نظرت السلطات العامة إلى ذلك كنوع من «الإحسان» لكنها لم تكن تدرك أنه كان لتلك الخدمات «ثمنها».
لكن شيئا فشيئا تكشّف أن هناك تنظيما سريا له العديد من النقاط المشتركة مع المافيا الصقليّة. وكان للتنظيم الصيني علاقاته مع زارعي الأفيون الصينيين، بل وأصبح له «آل كابوني صيني» اسمه دو الذي «تزعّم شبكات للدعارة ولتجارة المخدرات وأصبح يتجول في المدن وبرفقته عدد من الحراس الشخصيين، بل وامتلك بنكا، وترأس «رابطة مكافحة الأفيون» في شنغهاي التي كان يدير نشاطاته منها وينتقل بينها وبين أميركا.
ويشير المؤلف في هذا إلى التداخل الذي قام آنذاك بين دو وقائد الشرطة الفرنسي في «المستعمرة الفرنسية» بالصين، المدعو اتيين فيوري الذي تعود أصوله إلى جزيرة كورسيكا والمولود في الجزائر.
فيوري هذا كان أيضا أحد الأعضاء السريين في «الاتحاد الكورسيكي»، أي التسمية التي اتخذتها مجموعة إجرامية انشئت خصيصا من أجل تنظيم تجارتي الدعارة والمخدرات بين شنغهاي ومدينة مرسيليا في جنوب فرنسا. وكانت تلك المجموعة هي الأولى التي قامت بتجارة الأفيون في فرنسا، قبل إنشاء المجموعة الأشهر المعروفة باسم «فرينش كونيكشن».
ويبيّن مؤلف هذا الكتاب على مدى العديد من الصفحات عمق التداخل الذي قام بين السلطات الرسمية الصينية آنذاك، في ظل حكومة شيانغ كاي شيك، رئيس وزراء الصين الوطنية، وبين رجال المافيات. ووصل الأمر إلى حد تعيين «السيد دو» الذي كان قد اشتهر بلقب «ملك الأفيون»، برتبة جنرال في الجيش الوطني الصيني.
كما التزم رئيس الوزراء بغضّ النظر عن نشاطاته التجارية. وذلك كله مقابل مساهمة رجاله في سحق الشيوعيين. وكان ذلك ما حصل بالفعل، حيث ينقل المؤلف عن الأخصائي الشهير بشؤون المافيات الصينية قوله: «ربما للمرة الأولى في التاريخ، تصل أوساط الجريمة المنظّمة في الصين إلى الاعتراف الرسمي بها في السياسة الوطنية للبلاد».
ويؤكد المؤلف في هذا السياق أيضا على الدور الذي لعبه مثقفون فرنسيون وجدوا آنذاك في المستعمرة الفرنسية بالصين بكشف الروابط المشبوهة القائمة بين أوساط المافيات الصينية ورجال العصابات الكورسيكيين، ما دعا الحكومة الفرنسية إلى القيام بعملية «تنظيف» شملت عزل رئيس الشرطة اتيين فيوري والقنصل العام أيضا.
وفي مثل ذلك السياق، وخاصة بعد هزيمة اليابان الساحقة في الحرب العالمية الثانية، زادت حدة الصراع بين قوات شيانغ كاي شيك الوطنية والقوات التي كان يتزعمها ماوتسي تونغ. وعلى الرغم من دعم الولايات المتحدة الأميركية انهزم المعسكر الوطني وانتصر الشيوعيون الذين حظوا بدعم أغلبية الصينيين.
وكان انتصارهم أيضا بمثابة هزيمة للمافيات التي لوحقت وأُعدم بعض قادتها بينما هرب «دو» إلى هونغ كونغ حيث توفي عام 1951 بسبب الإفراط في تعاطي المخدرات.
لقد انكفأت سلطة المجموعات المافيوزية الصينية، لكنها لم تمت ووجدت ملاجئ لها في تايوان وهونغ كونغ. وبنفس الوقت تغرّق أعضاؤها في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأميركية.
وشيئا فشيئا استعادوا من أماكن تواجدهم الجديدة نشاطاتهم كي يستعيدوا «مكانتهم» كإحدى المجموعات المافيوزية الأقوى على الأرض الأميركية. لكنهم يواجهون هناك منافسة قوية من قبل ألمانيا الإيطالية ـ الأميركية الأكثر تأقلما والأكثر تنظيما والتي تحوّلت من تسمية «اليد السوداء» إلى «الكوزا نوسترا»، أي ما يمثل «الفرع الأميركي» من مافيا «كوزا نوسترا» في جزيرة صقلية.
حروب داخلية
عرفت المافيات ذات الأصول الإيطالية سلسلة من «الحروب الداخلية» فيما بينها ومن «ثورات القصر» من أجل السيطرة على عالم المافيا ومختلف نشاطاته. وكان من أشهر «الحروب الداخلية» المافيوزية تلك التي دارت بين العرّاب وسالفاتوري مارانزانو الذي كان مركزه في نيويورك وآل كابوني في شيكاغو.
كان مارانزانو قد قرر «توحيد» جميع «العائلات» المافيوزية في الولايات المتحدة كلها تحت سلطته. وكل «البؤر ذات النزعة الاستقلالية» تقررت إبادتها حسب تعليماته. وهكذا نصّب نفسه قيصرا ينبغي على جميع «القادة» الآخرين تقديم الطاعة والمساهمة المالية له.
لكن مارانزانو مات مقتولا في مكتبه من قبل رجال أحد قادة المافيا النيويوركية المدعو لوكي لوسيانو الذي لم يكن من النوع الذي يقبل تكريس امبراطور جديد. وكان قد قتله قبل ساعة فقط من موعد كان مارانزانو قد خطط لقتله عند قدومه.
بعد التخلص من مارانزانو جمع لوسيانو في أحد الفنادق الكبرى العائلات المافيوزية الخمس في نيويورك. وقدّم لهم خطة لإعادة تنظيم ال«كوزا نوسترا». وهي الصيغة التي استطاعت أن تقاوم «تقلبات» الزمن لاحقا.
من خلال المنظمة الجديدة ذات البنية المحكمة كرّس «لوكي لوسيانو» موقعه كرئيس مافيا «كوزا نوسترا» في نيويورك، ولكن أيضا في أغلبية مدن الولايات المتحدة.
وينقلها المؤلف عن تقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي ما يلي: «كان لمنظمة لوكي لوسيانو الآلاف من الشركاء عبر البلاد كلها ممن أقام معهم علاقات تجارية مثل الإيرلنديين في بوسطن والمكسيكيين ـ الأميركيين في لوس انجلوس وتكساس واليهود في فلوريدا بزعامة مائير لانسكي والمنضوين في إطار جمعية تحت اسم كوشر نوسترا، والسوريين في فيلادلفيا والبولنديين في كليفلاند وشيكاغو والألمان في سان لويس».
وتتم هنا ملاحظة أن آل كابوني، ورغم كل ما أُحيط به من دعايات ومقالات صحافية، لم يكن شخصية مركزية في ال«كوزا نوسترا» التي كانت تعيب عليه تحديدا ميوله الجامحة وذوقه «المضحك» حيال الدعاية. أما لوسيانو فقد كان، مثل جميع عرّابي المافيا الصقليين الحقيقيين، رجلا شديد التحفظ والكتمان يهرب من الصحافيين والمصوّرين، مع رفضه القاطع إرفاق اسمه بصفة رئيس الكوزا نوسترا.
وفي ظل زعامة لوكي لوسيانو، شهدت المافيا الأميركية اللحظة التي كان باستطاعتها أن تنفصل فيها عن «المقر الأم» في جزيرة صقلية الإيطالية. وإذا كانت العلاقات قد استمرّت بين نيويورك وباليرمو فإنها كانت لم تعد باتجاه واحد. هذا لاسيما وأن وصول موسولينيني إلى السلطة في إيطاليا قد أضعف كثيرا من سلطة المافيات.
ولم يتردد الدكتاتور الفاشي الإيطالي في مجابهة كل تلك الجماعات السريّة. ذلك أن «أية سلطة استبدادية لا تتحمل أن يقاومها أحد»، كما يقول المؤلف. هكذا جعل موسوليني في مقدمة أولوياته القضاء على «الأخطبوط المافيوزي».
وفي الوقت الذي تعرّض فيه عرّابو المافيات في إيطاليا للاعتقال والتعذيب والنفي، كانت على أوج قوتها في الولايات المتحدة، حيث استطاع «لوكي لوسيانو» أن يقيم «إمبراطورية للجريمة» ذات تنظيم جيد. هذا التنظيم الجيد سمح له أن يتحوّل إلى «رأسمالي حقيقي» ويأمر بإغلاق جميع أمكنة اللعب غير المشروع والسرقة وفرض الغرامات والأتاوات.
وذلك ليس بدافع «أخلاقي» وإنما لأن ذلك كان أكثر مردودية في ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة. كان طموحه هو ببساطة «السيطرة على نشاطات اقتصادية شريفة» ولكن عبر استخدام «صناعة الخوف»، والحصول بذلك على العقود والمناقصات.
لقد اكتسبت مافيا «كوزا نوسترا» في الولايات المتحدة الأميركية بعض «السمعة الطيبة». وقد حاولت الاستفادة من ذلك كي تتغلغل شيئا فشيئا في الوسط السياسي وتعزز بذلك من نقاط ارتكازها في المنظومة الديمقراطية. وكانت المافيات، كما يشير المؤلف، قد راهنت دائما على الديمقراطية. ذلك على أساس أنها النظام «الأنسب» بالنسبة لها والأكثر قابلية للاختراق.
نهاية تراجيدية
استخدم لوكي لوسيانو قائدا شابا في الحزب الديمقراطي الأميركي، هو البرت مارينيللي، كي يصل إلى أعلى الدوائر السياسية. وقد دعمت «كوزا نوسترا» مارينيللي ضد خصمه الجمهوري هاري بيرّي، الذي جرى إبعاده عن السباق الانتخابي عبر نشر صورة له مع عشيقته خلافا لصورة «رب الأسرة» الملتزم التي قدّم نفسه بها للناخبين. باختصار أصبح مارينيللي رجل سياسة ذا نفوذ كبير في مدينة نيويورك بالاعتماد على أموال المافيات ودعمها.
لكن المنظمات المافيوزية، وبمقدار ما هي محكمة البناء، قد تتهاوى أحيانا مثل «قصور من الورق». هكذا سقط لوكي لوسيانو بيد العدالة الأميركية بتهمة «الدعارة». صدر الحكم بسجنه لمدة 50 سنة. وقد قال له القاضي أثناء إعلان الحكم: «أنت أسوأ مجرم مرّ أمام هذه المحكمة طيلة تاريخها». لكنه استطاع أن يتابع «إدارة» المافيا من سجنه حيث أصبحوا ينادونه سريعا ب«المعلّم».
حاول فيتو جينوفيز، مساعد «لوسيانو» بعد سجنه أن يفرض سلطته ويأخذ مكان «العرّاب» الأكبر آنذاك، لم ينجح في ذلك، بل ارتكب العديد من الحماقات التي اضطرته للهرب إلى إيطاليا حيث ظهر بعد فترة في بطانة المقربين من موسوليني «عدو المافيا».
عالم المافيات في الأمس الذي لا بد من التعرّف عليه، كما يرى المؤلّف، من أجل فهم المواقع التي وصلت إليها المافيات في عالم اليوم وترقب ما يمكن أن تصبح عليه في الغد.
إضاءة
خدم النظام الرأسمالي بالصيغة التي اتخذها في الولايات المتحدة الأميركية تحت تسمية «الرأسمالية التاريخية» من أجل التمايز عن نظريات «الرأسمالية الليبرالية»، في ازدهار النشاطات المافيوزية، لاسيما من حيث مفهوم الاحتكار.
ومن هذه الزاوية قدّمت المافيا الإيطالية، من خلالها تجربتها الاحترافية» الطويلة خدمات للرأسمالية لم يكن بمقدور المنظمات المنافسة أن تقدمها لها. هكذا قامت في نيويورك وفي العديد من المدن الأميركية الكبرى «منظومة مثلّثة» من أجهزة الشرطة والطبقة السياسية والمافيا، أي على الطريقة الإيطالية.
وبعد مقتل ضابط شرطة من أصل إيرلندي «رفض اللعبة» أصدرت المحكمة حكمها بتبرئة المتهمين من المافيوزيين بسبب عدم وجود الأدلّة. لكن الجماهير التي كانت أغلبيتها من الإيرلنديين سحلت 11 متهما من أصل 15 متهما كانوا جميعهم من المهاجرين الصقليين والذين جرت تبرئتهم. وهذا ما يطلق عليه المؤلف صفة الرأسمالية العشوائية التي أنتجت جرائم عشوائية والتي كانت المافيات أحد محركاتها الأساسية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



