يعد النوم أحد أكبر الألغاز التي تقابل علماء البيولوجيا في العالم. والسؤال الذي ما يفرض نفسه في الدوائر العلمية دائما في هذا الشأن هو: لماذا نقضي نحن البشر وعدد كبير من الحيوانات من حولنا كل هذه الفترة الطويلة من حياتنا في النوم؟ إننا لا نأكل ولا نتزاوج أثناء الساعات التي نخلد فيها إلى النوم. فما هي الفائدة الحيوية التي تنطوي عليها هذه الظاهرة اللغز؟

للإجابة على مثل هذه الأسئلة وغيرها،تفرد مجلة (نيوسايتنست) العلمية تغطية متميزة في أحد أعدادها الأخيرة لظاهرة النوم ،حيث تبين أن العلم على الرغم مما أوصلتنا إليه تقنية العصر من إنجازات لم يستطع بعد فك أسرار حاجتنا الحيوية للنوم ولو لدقائق قليلة. من نافلة القول إن النوم له وظيفة بيولوجية،مثل تنشيط الدماغ والجسم ،وتمكين الإنسان من مواصلة عمله بشيء من النشاط.

وهذا هو الرأي الغالب بين جميع أوساط العلماء ، على الرغم من عدم وجود اتفاق كامل بينهم في هذا الشأن. غير أن المجلة تبين أن رأيا علميا حديثا ظهر ليفند الآراء التقليدية في هذا الصدد. لكن قبل أن نخوض في هذا الرأي دعونا نتطرق إلى تعريف العلم للنوم بشكل عام.

إن النوم يمكن تعريفه تقليديا بأنه حالة طبيعية من الاستراحة لدى الثدييات و الطيور والأسماك، حيث تقل أثناءه الحركات الإرادية والشعور بما يحدث في محيط الكائن الحي. ولا يمكن اعتبار النوم فقدانا للوعي، وإنما هو يعد تغيرا لحالة الوعي. ولا تزال الأبحاث جارية حول الوظيفة الرئيسية للنوم إلا أن هناك اعتقادا شائعا بأن النوم ظاهرة طبيعية لإعادة تنظيم نشاط الدماغ والفعاليات الحيوية الأخرى في الكائنات الحية.

وعلى الرغم أن الإنسان يقضي حوالي ثلث حياته نائماً، إلا أن الأكثرية لا يعرفون الكثير عن النوم. هناك اعتقاد سائد بأن النوم عبارة عن خمول في وظائف الجسم الجسدية والعقلية يحتاجه الإنسان لتجديد نشاطه. والواقع المثبت علمياً خلاف ذلك تماماً، حيث أنه يحدث خلال النوم العديد من الأنشطة المعقدة على مستوى المخ والجسم بصفة عامة وليس كما يعتقد البعض.

بل على العكس، فإن بعض الوظائف تكون أنشط خلال النوم كما أن بعض الأمراض تحدث خلال النوم فقط وتختفي مع استيقاظ المريض. وتعتبر هذه المعلومات والحقائق العلمية حديثة في عمر الزمن، حيث أن بعض المراجع الطبية لم تتطرق إليها بعد.

إن النوم ليس فقداناً للوعي أو غيبوبة وإنما حالة خاصة يمر بها الإنسان، وتتم خلالها أنشطة معينة. عندما يكون الإنسان مستيقظاً فإن المخ يكون لديه نشاط كهربائي معين، ومع حلول النوم يبدأ هذا النشاط بالتغير ودراسة النوم تساعدنا على تحديد ذلك تحديداً دقيقاً.

فالنائم يمر خلال نومه بعدة مراحل من النوم لكل منها دورها. فهناك المرحلة الأولى والثانية، ويكون النوم خلالهما خفيفاً ويبدآن مع بداية النوم. بعد ذلك تبدأ المرحلة الثالثة والرابعة، أو ما يعرف بالنوم العميق، وهاتان المرحلتان مهمتان لاستعادة الجسم نشاطه، ونقص هاتين المرحلتين من النوم ينتج عنه النوم الخفيف غير المريح والتعب والإجهاد خلال النهار.

وبعد حوالي التسعين دقيقة تبدأ مرحلة الأحلام أو ما يعرف بمرحلة حركة العينين السريعة، وتحدث الأحلام خلال هذه المرحلة، وهذه المرحلة مهمة لاستعادة الذهن نشاطه. والمرور بجميع مراحل النوم يعرف بدورة نوم كاملة. وخلال نوم الإنسان الطبيعي (6-8 ساعات) يمر الإنسان بحوالي 4-6 دورات نوم كاملات.

ويتفاوت عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان الطبيعي تفاوتاً كبيراً من شخص إلى آخر. ولكن المؤكد أن عدد الساعات التي يحتاجها الشخص الواحد تكون ثابتة دائماً. فعلى الرغم من أن الإنسان قد ينام في ليلة أكثر من ليلة أخرى إلا أن عدد الساعات التي ينامها الشخص خلال أسبوع أو شهر تكون عادة ثابتة.

يعتقد كثير من الناس أن عدد ساعات النوم اللازمة يومياً هو ثماني ساعات.غير أن الدلائل تشير إلى أن أغلب الأشخاص ينامون من 5 إلى 7 ساعات يومياً. وهذا الرقم هو متوسط عدد الساعات لدى أغلب الناس، ولكنه لا يعني بالضرورة أن كل إنسان يحتاج ذلك العدد من الساعات. فنوم الإنسان يتراوح بين أقل من ثلاث ساعات لدى البعض إلى أكثر من 10 ساعات لدى البعض الآخر.

وفي دراسة للمركز الوطني للإحصاءات الصحية بالولايات المتحدة، وُجد أن اثنين من كل عشرة أشخاص ينامون أقل من 6 ساعات في الليلة، وواحدا من كل عشرة ينام 9 ساعات أو أكثر في الليلة. ويُوصف الأشخاص الذين ينامون أقل من 6 ساعات بأصحاب النوم القصير، والذين ينامون أكثر من 9 ساعات بأصحاب النوم الطويل، ولكنهم طبيعيون.

فنابليون وأديسون كانا من أصحاب النوم القصير. في حين أن العالم آينشتين كان من أصحب النوم الطويل. بمعنى أن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان إذا كان طبيعياً ولا يعاني من أحد أمراض النوم لا تؤثر على إنتاجيته وإبداعه.

ومن ثم فان عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان تختلف من شخص إلى آخر، فالكثير يعتقدون أنهم يحتاجون إلى ثماني ساعات نوم يومياً. وأنه كلما زادوا من ساعات النوم كلما كان ذلك صحياً أكثر، وهذا اعتقاد خاطئ. فعلى سبيل المثال إذا كان الشخص ينام لمدة خمس ساعات فقط بالليل ويشعر بالنشاط في اليوم التالي فإنه في هذه الحالة لا يعاني من مشاكل ونقص النوم.

كل هذه الحقائق قد تكون معلومة لشريحة كبيرة من الناس المهتمين بأسرار النوم ووظائفه في جسم الإنسان. غير أن مجلة (نيوساينتست) تورد رأيا مختلفا لأحد كبار الباحثين قضى عقدين من الزمن في دراسة أنماط النوم لدى عدد من الحيوانات.

وبعد تجارب ودراسات عديدة في هذا الشأن توصل الباحث جيري سيجيل من جامعة كاليفورنيا إلى نتيجة ثورية تخالف كل ما جاء به الباحثون من قبل، وتفيد أن النوم ليست له أي وظائف بيولوجية على الإطلاق.و يقول سيجل في هذا الشأن: ( لقد اعتدت أن أؤمن بالكثير من النظريات التقليدية التي بحكم العادة والأعراف أجد نفسي مضطرا لقبولها.

وحتى فيما يتعلق بالنوم فإن المنطق يقول إنه يجب أن يكون موجودا لتأدية وظيفة حيوية ما، لاسيما وأنه يمنع الشخص من ممارسة أي شيء آخر أثناء خضوعه لسلوك النوم، مثل الأكل والتناسل، غير أنني اكتشفت أن الأمر ليس كذلك البتة في عالم الحيوانات).

ويضيف الباحث: (إن اللغز الكبير الذي ينطوي عليه النوم هو أنه لا يوجد أي لغز على الإطلاق. فسلوك النوم موجود كي نحافظ نحن على طاقتنا ولا نهدرها ومن ثم نجنب أنفسنا الوقوع في المشكلات).

وأورد سيجل عددا من الأمثلة تفيد أن سلالات كثيرة من الطيور والزواحف والقوارض ،مثل الفئران والأرانب، كلها يمكن أن تؤدي جميع وظائف وممارسات الحياة بشكل طبيعي حتى في حال عدم خلودها إلى النوم بشكل طبيعي. وحتى في الأمثلة التي قال إنه وجد فيها أن بعض الحيوانات مثل الفئران قد ماتت بسبب نقص النوم، تبين من خلال التجارب أن السبب في النفوق كان الشعور العميق بالاكتئاب وليس قلة النوم.

وليس سيجل وحده الذي لديه هذا الاعتقاد ويدافع عنه، حيث توافقه الرأي أيضا الباحثة إيزابيلا كابيليني من جامعة دورهام في بريطانيا، حيث تدحض الباحثة أي (مزاعم) على حد وصفها، تربط بين النوم وتقوية الذاكرة. وتقول في هذا الشأن: (أثر النوم على الذاكرة محدود للغاية. فليس هناك أي دليل على وجود اعتلال في الذاكرة بين الأشخاص الذين يتناولون حبوب مضادة للاكتئاب وعدم النوم ). وبين الآراء التقليدية ووجهات النظر الحديثة يظل النوم لغزا بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث.

إعداد: حاتم حسين