يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يرسم صورة للأبعاد الهائلة التي تتخذها صناعة السياحة اليوم والقفزات الكبرى التي يتوقع أن تشهدها في المستقبل القريب، على مستوى العالم كله، وأبرز ملامح هذه الصورة ذلك التوازن الدقيق الذي يحاول المؤلف ليو هيكمان، الكاتب في صحيفة «الغارديان»، تصويره بين الحماس للسياحة وتنميتها كصناعة كبرى وبين الحرص على البيئة وتكاملها.
وهو يلفت نظرنا بالأرقام والإحصاءات إلى الملامح المذهلة التي تطل بها السياحة على عالمنا اليوم، ويدعونا إلى اكتشاف آفاق جديدة في عالم هذه الصناعة ربما لم تخطر لنا من قبل على بال من حيث قدرتها على الانطلاق قدما بآفاق التنمية، وفي الوقت نفسه من حيث الواجبات التي تشكل جزءا أساسيا من عملية التخطيط لها. يستوحي المؤلف النداء التقليدي في المطارات فيجعل عنوان كتابه «النداء الأخير» واضعا له عنوانا آخر فرعيا لتوضيح مضمونه هو «رحلة في البحث عن التكلفة الحقيقية للإجازات التي نقوم بها».
والكتاب يمثل محاولة لتتبع ما يمكن أن يعكسه السفر والسياحة بشكل عام على البيئة من تكلفة والمقصود هنا ليس التكلفة التي يدفعها المرء من أجل القيام بجولته أو نشاطه السياحي وإنما طبيعة العلاقة بين السياحة والبيئة. من واقعه الشخصي يبدأ ليو هيكمان تناوله لموضوعه فيشير إلى ما يسببه موقعه السكني له ولجيرانه. فهو يقيم في جنوب لندن بالقرب من مطار هيثرو، مشيرا إلى أن أصوات الطائرات التي تعبر أجواء المنطقة التي يقطنها تسبب إزعاجا بالأصوات الصادرة منها والتي تصل وفقا للقياس بالديسيبل - وحدة قياس الصوت - 84 ضعفا النسبة المسموح بها وفقا للقوانين.
وما تكاد تمر طائرة حتى تهبط أخرى وهكذا يوميا من الساعة السادسة صباحا وحتى الحادية عشرة مساء والثلث.. وخلال ساعات الليل المحدودة التي من المفترض انها تمثل فترة توقف واستثناء من الإزعاج يشير إلى أنه لا يهبط في مطار هيثرو سوى 16 رحلة فقط، أي أن الإزعاج يتواصل ولكن بشكل أخف، ليبدأ بعد ذلك المشوار اليومي مع أزيز الطائرات وصخبها. وقد رصدت منظمة خاصة تم تشكيلها من جانب سكان المنطقة أن نحو 500 طائرة تمر فوق رؤوسهم يوميا لتهبط في المطار، فيما أن الإحصاءات تشير إلى أن المطار يشهد يوميا حركة نحو 1300 طائرة.
إحصاءات وأرقام
من هذه البداية يتساءل المؤلف كم طنا من الوقود يتطلبها القيام بكل رحلة من رحلات هذه الطائرات التي تزن الواحدة منها نحو ستين طنا عبر الهواء لمسافات تقدر بآلاف الأميال؟ وما هو طبيعة التأثير على البيئة الذي يتركه التلوث الناجم عن استهلاك هذا الوقود؟ وهل يمكن تحمل أعباء الزيادات في أعداد المسافرين سنويا لقضاء إجازاتهم خارج بلدانهم ؟
إن الأمر حسبما يشير يقتضي متابعة التوقعات التي تشير إلى التزايد المستقبلي في السفر بالطيران عبر العالم. وفي محاولة للتأكيد على رؤيته يشير المؤلف إلى أن البريطانيين وحدهم قاموا بنحو 4. 66 مليون رحلة إلى الخارج في عام 200 وهو رقم غير مسبوق ويفوق بنحو ثلاثة أضعاف الرقم الذي تم تسجيله للمسافرين البريطانيين إلى الخارج عام 1984 وبلغت نسبة الرحلات الجوية من بين إجمالي هذه الرحلات نحو 81%.
وعلى الجانب المقابل فإنه تم تسجيل نحو 30 مليون رحلة لأجانب قدموا إلى بريطانيا في العام نفسه، وهو ما يفوق أي رقم تم تسجيله من قبل كذلك ويقدر بنحو ضعفي الرقم الذي تم تسجيله عام 1984. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلثي هذه الرحلات كانت لأفراد يقومون بإجازات بغرض التنزه والاستجمام فيما أن النسبة الباقية كانت من أجل إنجاز أعمال وزيارات لأقارب وأصدقاء.
وهنا يشير المؤلف إلى أن السلطات البريطانية في تقرير لها عام 2003 بشأن الخطط المستقبلية واحتياجات الطيران المدني أشارت إلى أن مطارات المملكة المتحدة خلال العقود الثلاثة المقبلة ستكون مطالبة باستيعاب ما يتراوح بين 350 و400 مليون مسافر بحلول عام 2020.
وهو الرقم الذي يقارب ثلاثة أضعاف طاقات استيعاب هذه المطارات خلال عام 2002، وعشرة أضعاف ما كان عليه الوضع عام 1970. ومن المثير للدهشة معرفة أن نحو خمس المسافرين على مستوى العالم هم من المغادرين أو المتوجهين إلى المملكة المتحدة.
وبلغة تعبر عن الدهشة يشير إلى أنه من خلال المتابعة الدقيقة للأرقام اكتشف أنه يقيم في واحدة من أهم تلك المناطق والوجهات السياحية العالمية، لندن، التي تجذب وحدها أكثر من 12 مليون سائح سنويا أكثر من نيويورك وسيدني ولاس فيجاس مجتمعة، مشيرا إلى أن السياحة بالنسبة للندن تعد من المصادر المهمة لدخلها وتقدر بنحو 8% من ناتجها السنوي ويعمل بها نحو 13% من قوتها العاملة.
على خلفية هذه الأرقام يتساءل المؤلف: أليس من المهم التساؤل بشأن هذه الزيادات التي يتركز معظمها على الإجازات من أجل قضاء وقت ممتع في أحضان الشمس أو التزلج على الجليد في ضوء تزايد الحديث بشأن ما يمثله تزايد رحلات الطيران على البيئة؟
هنا يشير المؤلف إلى وجوب تجاوز التعارض بين واقعين أولهما التأثيرات الجانبية للسياحة والثاني ذلك الذي يتمثل في أن السياحة، وفق تقرير المنظمة الدولية للسياحة التابعة للأمم المتحدة، تعد أحد المصادر الأساسية للدخل القومي في عدد من الدول وكذا دورها في تعزيز ثقافة السلام.
فالسياحة تعد - حسب التقرير - الصناعة رقم واحد في العديد من الدول وأهم مصدر لتعزيز الاقتصاد القومي وتوفير الوظائف. ووفقا للتقرير فإن السياحة توفر فرص الانتعاش لأعداد كبيرة من سكان مختلف المناطق التي تضم أماكن أو مزايا تجذب السائحين لقضاء أوقات اجازاتهم بها.
غير أن المؤلف يتساءل في مواجهة ذلك عما إذا كانت هذه الميزات تتطلب الاستمرار على هذا النهج الذي يتزايد معه السائحون إلى الخارج حتى أن نحو 15% من البريطانيين على ما يذكر يسافرون على الأقل ثلاث مرات إلى الخارج سنويا.
هذه التأثيرات المدهشة
هنا يشير المؤلف إلى أن تقرير المنظمة الدولية يعترف ببعض التأثيرات الجانبية للسياحة، فالتقرير يشير إلى أن السياحة قد يكون لها تأثيرات موضع تحفظ على المستوى الثقافي أو البيئي أو حتى الاجتماعي إذا لم يتم التخطيط الجيد لها.
وإذا كان ازدهار السياحة يعكس مصلحة من نظر القائمين على إدارة الأمور في الدول وكذا مصلحة شركات السياحة والفنادق الدولية وهي غربية بالأساس فإن المؤلف يتساءل: ماذا عن دورنا نحن كأفراد سائحين؟ هل نحن مجرد كيانات سلبية تنتقل عبر التسهيلات الدولية من أجل سعادتنا من دون أن نأبه بما يتجاوز ذلك؟ أم أنه يجب علينا أن نغير من طبيعة تأثير قيامنا بإجازاتنا على نحو أفضل؟
لقد كانت هذه الأسئلة تشغل بال مؤلفنا على نحو كبير، مشيراً إلى أنه في بدايات عام 2006 كانت الأسئلة تطرح نفسها بقوة ليلة بعد أخرى وهو يرقد في سريره يستمع إلى أصوات الطائرات التي تمر فوق رأسه.
وعلى ذلك قرر هيكمان حزم أمتعته في محاولة لكي يعثر على بعض الإجابات بشأن هذه الأسئلة من خلال زيارة عدد من المناطق الهامة على خريطة السياحة العالمية والتي تعكس إلى حد كبير وجهة النظر التي يؤكد عليها المؤلف سواء لجهة التغير المناخي أو التحولات السكانية.
وعلى ذلك فالكتاب رحلة إلى أكثر المناطق التي يتمنى الكثيرون زيارتها وقضاء أوقات ممتعة فيها فمن جبال الألب إلى الشعاب المرجانية في الكاريبي إلى شواطئ أسبانيا. فمن أجل الكشف عن الأضرار التي تلحق بها قام المؤلف بالسفر إلى العديد من الدول ليس بهدف المتعة .
وإنما الكشف عما يعتبره التكلفة الحقيقية للسفر أو السياحة كاشفا عن العديد من الحقائق التي قد تبدو مقلقة بشأن القضية التي يتناولها. وعلى مدى عدة فصول يقدم لنا المؤلف رؤيته لموضوعه من خلال مجموعة رحلات قام بها إلى بلدان مختلفة تحدث خلالها مع بعض الذين يقومون بإجازات ومسؤولين محليين في البلدان التي قام بزيارتها وغير ذلك من فئات وأفراد يقدم رأيهم إضاءات بشأن موضوعه.
فيما يتعلق بتأثيرات رحلات الطيران وهو من الموضوعات التي قد تبدو حساسة في تناولها هذه الأيام يشير المؤلف إلى تكلفتها العالية الأمر الذي فصل فيه المؤلف على نحو كبير خاصة لجهة معاناته باعتباره من سكان مدينة لندن.
ومن بين الأرقام المذهلة التي يذكرها أنه خلال عام 2005 استهلكت صناعة الطيران 83 مليون برميل من البترول يوميا فيما أن التوقعات تشير إلى أن الأمر يتجه نحو مزيد من الاستهلاك في المستقبل، خاصة في ضوء المؤشرات التي تكشف عن أن الصين والهند بدآ يعملان على تعزيز وزيادة ميزانيات الطيران لديهما. وهو في هذا الصدد يشير إلى ضرورة البحث عن حلول سريعة.
في جبال الألب
أما على صعيد جولاته الخارجية فمن فرنسا وبالتحديد منتجع شامونكس يبدأ المؤلف رحلته عبر جبال الألب والتي تعد أضخم سلسلة جبال في أوروبا وتمتد من قرب البحر الأبيض المتوسط في فرنسا شمالا لتكون حدودا بين فرنسا وإيطاليا.
وتستمر الجبال شرقاً عبر شمالي إيطاليا، وسويسرا ولختنشتاين وجنوب غربي ألمانيا، والنمسا، وشمالي يوغسلافيا السابقة. ويذهب الناس إلى جبال الألب من كل أنحاء العالم ليشاهدوا المناظر البديعة، وليشتركوا في رياضاتها مثل تسلّق الجبال والتزلّج على الجليد.
وفي رصد للتغيرات التي لحقت بهذه الجبال يشير المؤلف إلى أن هناك أدلة علمية على حدوث ذوبان جليدي ما يشير إلى تدهور وضع المنطقة وهو ما يعود في جانب منه إلى ارتفاع حرارة الأرض. ونقلا عن مسؤولة في منظمة بسويسرا ترصد التغيرات في المنطقة يذكر المؤلف قولها ان الانهيارات الجليدية في المنطقة أسفرت عن العديد من الأضرار منها تدمير عدد من المباني وإلحاق اضرار بالغابات.
غير أنه في معرض تناول المؤلف يذكر أن جانبا من هذه الانهيارات نجم عن عملية التزحلق على الجليد التي يقوم بها في الغالب سائحون وفدوا إلى المنطقة. وحسب المسؤولة التي ينقل عنها المؤلف فإنه يقع في سويسرا ما بين 10 إلى 40 حالة وفاة سنويا بسبب الانهيارات الجليدية.
ويذكر المؤلف أن شهر مارس عام 2006 شهد أحد أسوأ الانهيارات الجليدية تأثيرا حيث أنه في ذلك الشهر لقي نحو 80 شخصا كانوا يشاركون في رياضات شتوية عبر الألب حتفهم بسبب هذه الانهيارات. وتشعر السلطات الفرنسية بقلق بالغ بشأن تزايد الاتجاه نحو رياضة التزلج الحر والتي يقوم المتزحلقون خلالها بانتهاك مناطق جليدية لم يتم ارتيادها.
مشيرا إلى أن وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي - الرئيس الفرنسي الحالي - كان قد طالب بالتعامل بلا رحمة مع أمثال هؤلاء الذين يرفضون الانصياع للقانون ويلحقون الأضرار بالبيئة الجليدية في منطقة جبال الألب.
ويشير إلى أن بحثا علميا نشر في يناير 2007 أكد حقيقة أنه توجد أدلة على تراجع مستوى حياة الطيور في المناطق الجليدية مقارنة بما هو عليه الحال في المناطق الجبلية العشبية. وحسب التقرير فإن الرياضات الشتوية تمثل خطرا حقيقيا على الحياة البرية في منطقة جبال الألب.
في كيرلا
من هناك يصحبنا المؤلف إلى كيرلا في الهند حيث يشير في وصفها إلى أنها جنة الله في أرضه وأن مواطنيها يتمتعون بأفضل الأنظمة الصحية والتعليمية مقارنة بباقي أنحاء الهند وهو ما ينعكس في ارتفاع مستوى العمر هناك .
فضلا عن أن معدل وفيات الأطفال منخفض على شاكلة نظيره في أكثر بلاد العالم تقدما وهي الولايات المتحدة. إذن ما المشكلة؟ يقول المؤلف أنه رغم ذلك فإن كيرلا تعد أكثر الولايات الهندية فقرا إلى الحد الذي جعل أبناءها يهجرونها إلى الخارج بحثا عن فرص حياة.
ولكن ماذا عن كيرلا والسياحة؟ يشير المؤلف إلى أنه إزاء الطبيعة الخاصة التي أشار إليها بشأن كيرلا فقد أطلقت حكومة الولاية عام 1995 برنامجا لتشجيع السياحة وبدأ تدفق الآلاف إلى هناك وقد وصلت الطفرة التي شهدتها السياحة هناك إلى حد ذكر تقرير رسمي عام 2003 أن صناعة السياحة في كيرلا تنمو على نحو غير مسبوق مقارنة بأي مكان آخر في العالم .
وأن معدل النمو السياحي السنوي هناك سيصل إلى نحو 6. 11% بحلول عام 2012 وأن عدد المواطنين الذين يعملون بهذا القطاع سيتضاعف ثلاث مرات من نحو 693 ألف نسمة عام 2003 إلى نحو مليوني شخص عام 2012، وهو ما أدى إلى ما يمكن تسميته غيرة مناطق أخرى في الهند مثل راجستان وجوا وعملا على أن يحذوا حذو «نموذج كيرلا السياحي».
هنا يشير المؤلف إلى خطر هذا التوجه الذي يراه قام على أسس تفتقد إلى التخطيط السليم ويستعين في ذلك بتحذير لمنظمة السياحة التي دعمت توجه حكومة كيرلا وأشارت إلى أن البناء غير المخطط والذي يسفر عن مزيد من السكان والازدحام المبالغ فيه يمكن أن يقضي على الطبيعة الجميلة لشواطئ كيرلا.
ويضرب مثالا على ذلك بشاطئ كوفالام وهو من أشهر الشواطئ في الهند حيث الطبيعة الخلابة التي تجمع بين زرقة السماء والأشجار الخضراء والرمال الناعمة في لوحة فنية طبيعية رائعة تجتذب من شاهدها والذي أصبح من أكثر المنتجعات السياحية ازدحاما في كيرلا مما ألحق أضرارا بالبيئة الجميلة في المنطقة.
ويشير إلى أنه في كيرلا فإن الفنادق يتم تزويدها بالمياه من خلال اللوريات وفي بعض الأحيان يتم التزويد من خلال جداول مياه وفي بعض الأحيان يتم سرقته من ينابيع مياه في قرى مجاورة. ويتطرق المؤلف إلى مشكلة الصرف الصحي الناجمة عن تزايد الحركة السياحية في المنطقة والتي تمثل أحد التحديات التي تواجه صناعة السياحة العالمية وتطورها.
غير أن منطق المؤلف في هذا الصدد يبدو ضعيفا ويظهر للقارئ أن الحالة الخاصة التي يعيشها أسفل حركة الطائرات في لندن قد حولت الأمر لديه إلى هوس أو فوبيا الخوف من السياحة الأمر الذي ينبغي التحفظ على تعميمه في ضوء أن مشكلة كمشكلة الصرف الصحي إنما تعود في جانب منها إلى سوء تخطيط من قبل الجهة القائمة على إدارة شؤون كيرلا حال التسليم بما يذهب إليه وليس ناجما عن السياحة في حد ذاتها.
عالم الجولف الساحر
يشير المؤلف إلى أن معظم الأماكن التي زارها في حاجة كبيرة إلى المياه لتوفيرها من أجل حركة السياحة ومن ذلك في اسبانيا حيث تعتمد أنشطة السياحة على المياه خاصة ملاعب الجولف التي تستهلك كميات كبيرة من المياه. وعلى سبيل المثال فإن ملعب جولف من 18 فتحة يمكن أن يستهلك مياها توازي تلك التي يستهلكها مدينة يصل عدد سكانها إلى 12 ألف نسمة سنويا.
ويصل هيكمان إلى حد الإشارة إلى أن السياح في بعض الحالات يشبهون إلى حد كبير الجيوش والتي تأتي على الأخضر واليابس. ويقول «إن الرحالة يعتبرون المرشدين فيما أن أمتعتهم تعد أقدام الجنود. لم يبال أحد أو يقدم صورة أكثر تفصيلا بشأن ما حدث للأرض أو السكان عندما عاد الجيش - الرحالة- إلى أوطانهم.
ففي كيرلا على سبيل المثال حيث اعتاد عدد من الهيبيز استخدام القوارب عبر بعض ينابيع المياه فإن الكثير من الناس الآن يستقلون قوارب الرحلات على نحو أدى إلى تلوث المياه ما انتهى بالأسماك إلى استنشاق الكيروسين المستخدم في تسيير هذه القوارب، وهو ما يلقي بتأثيره على البشر بالتالي.
ويتوقف المؤلف عند الزيادة الكبيرة الحاصلة في حركة السياحة على مستوى العالم فيشير إلى أنه إذا كان عدد السياح كان قد وصل إلى نحو 170 مليون شخص عام 1970 فإن هذا العدد وفق التقديرات الرسمية الدولية قد ارتفع إلى نحو 840 مليون سائح عام 2006 ومن المتوقع أن يتجاوز سقف المليار عام 2010 للمرة الأولى فيما أنه من المتوقع أن يصل الرقم إلى 6. 1 مليار شخص عام 2020.
ويشير إلى أهمية التعامل مع هذه القضية خاصة في ضوء الحيوية التي يمثلها هذا القطاع للاقتصاد العالمي، فوفقا لما يذكره، فإن واحدا من بين كل 5. 11 شخصا على مستوى العالم يعملون في السياحة كما أنها تمثل من 10% من ناتج الاقتصاد العالمي.
يذكر هيكمان أن رحلاته كشفت له عن أنه لا توجد رؤية واضحة بشأن النتائج التي يمكن أن تنجم عن ازدياد حركة السياحة على النحو القائم حاليا في عدد من المناطق السياحية في العالم، وأنه ما زال هناك تمسك بالرؤية التي مفادها أن سفينة السياحة تجلب الخير لكل من هو مبحر على متنها.
يشير المؤلف إلى التكلفة العالية على مستوى البيئة المحلية لجهة الأضرار التي لحقت بها جراء العمل على تعزيز حركة السياحة. وهنا يشبه السياحة بعملية تجارية يحصل من خلالها المشتري - السائح - على الفائدة الكبرى من هذه العملية مقارنة بالبائع - المستقبل للسائح - في المناطق التي تستقطب السياح.
ويستعين في هذا بإشارة الرئيس السابق للخطوط الجوية البريطانية للسياحة بأنها إنما تمثل في النهاية عملية «تأجير بيئة» لآخرين سواء كان الشيء محل الإيجار شاطئا أو مدينة أو حتى سلسلة جبال.. حيث تقوم فلسفة المستأجر على أنه ليس لديه أية دوافع للاهتمام بالشيء موضع الإيجار ما يجعله أقل رغبة في الحفاظ عليه.
وفي ذلك يشير إلى ما طرحه سكرتير منظمة السياحة العالمية لدى الإعلان عن ازدهار حركة السياحة العالمية في مؤتمر عقد في فبراير 2007 في سان فرانسيسكو حيث أشار إلى أن السياحة تلقى عليها الاتهامات جزافا بشأن العديد من الجوانب السلبية مثل تغير المناخ.
غير انه أضاف: ورغم ذلك إلا أن الأمر يتطلب قدرا من الاعتدال ومزيدا من الإحساس بالمسؤولية. إن مسؤولية ثقيلة ملقاة الآن على عاتقنا وتتمثل هذه المسؤولية في أن نجعل المرحلة المقبلة من النمو السياحي أكثر اقتصادية في مجال استخدام الطاقة والمصادر الطبيعية وأكثر تمسكا بروح التضامن في الحفاظ على الطبيعة.
وفي النهاية يدعو المؤلف إلى أن نعتمد في السفر على القطارات أكثر من الطائرات هذا إذا كنا نريد حقيقة الحفاظ على جمال بيئتنا وطبيعتها الخلابة كما هي. ورغم نبل الدعوى التي سخر المؤلف لها نفسه إلا أنه يرد عليها قدرا من التحفظ، فهذه الطبيعة الجميلة إنما خلقت من أجل التمتع بها، وهو ما ينبغي تشجيعه، ولكن في إطار أوضاع تحقق هدف الحفاظ عليها.
وتبقى الحقيقة الأساسية التي تفرض نفسها، فالإنسان جبل على حب التجوال والترحال من مكان إلى آخر. ووسط إيقاع الحياة المعاصرة فقد ازداد هذا الأمر لديه وأصبح أكثر إلحاحا على النحو الذي يجب قبوله دون التخلي عن هدف الترشيد الذي يحقق الهدفين معا، متعة الإنسان والحفاظ على البيئة والطبيعة.
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق



