يستمد هذا الكتاب أهميته من الصورة البانورامية الهائلة التي يرسمها المؤلف للحروب على نحو ما تبدو لنا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث تكاد تكون ظاهرة جنوبية، بمعنى أنها تحتدم على امتداد جنوبي العالم، ويدفع أبناء الجنوب ثمنها غاليا، على حين يعيش الشمال تحت مظلة ممتدة من السلام الممتد بلا انتهاء، وهو يلفت نظرنا إلى أن تحليل الواقع المعقد لمجتمعات الجنوب قد يكون المدخل الصحيح لفهم الحروب الحديثة، ويشدد على أهمية الابتعاد عن نظرية المؤامرة التي لا تأخذ بعين الاعتبار دور القوى المحلية في نشوب الحروب.

مؤلف هذا العمل هو كاتب سياسي وأخصائي في النزاعات المسلحة؛ وهو باحث في معهد البحوث من اجل التنمية في باريس له العديد من المساهمات في ميادين الدراسات الخاصة بالعنف والأمن والهجرات القسرية. من بين كتبه: «الشتات والإرهاب» و«المدن وأشكال العنف في إفريقيا جنوب الصحراء» و«هل المساعدة الإنسانية هي مساعدة من اجل الحرب؟». في هذا الكتاب الجديد «حروب اليوم، الحقائق المزعجة» يحاول المؤلف أن يشرح كيف أن الحروب بعد الحرب الباردة تقوم على خلفية سياسية واجتماعية بنفس الوقت. ويشير منذ البداية إلى أن المواجهات العنيفة قد غدت أقل قتلا وأقل عددا من قبل، هذا على الرغم مما تعرفه بعض المناطق من نزاعات شرسة تعرف كل أشكال العنف والقتل والاغتصاب والاغتيال مثل أفغانستان والعراق ودارفور وساحل العاج وكولومبيا وغيرها.

الفكرة الأولى التي يتم التأكيد عليها منذ البداية أيضا هي أن الحروب تقع في بلدان الجنوب وليس في بلدان الشمال الغنية حيث يعم السلام. بل تبدو إحدى السمات البارزة اليوم هي أن شبح الحرب يبتعد إلى غير رجعة عن البلدان المتقدمة بعد أن كانت قد ذاقت ويلات الحروب وأخذت الدرس من ذلك. الحرب هي إذن، كما يقول المؤلف، مسألة تخص الآخرين. البلدان المتقدمة تراها على شاشة التلفزيون عندما تدور على الأرض الأفغانية أو عندما ينقلها المسلحون إلى ناطحات السحاب في نيويورك. بهذا المعنى غدت الحروب تمثل في أذهان الكثيرين تعبيرا عن «انحرافات» تخص العالم الثالث. وهي بالتالي لم تعد تخضع لأي تفسير عقلاني.

وباسم احترام حقوق الإنسان لم تعد الحرب هي متابعة السياسة بوسائل أخرى وليست هي مواجهة تقليدية بين دول، كما كان قد قال منظّر الحرب الأول في الغرب كارل فون كلاوزفيتز بل ويتم تحميل مسؤولية الحروب، خاصة الأهلية منها، على عاتق تخلف بلدان الجنوب، ويذهب آخرون إلى حد القول بوجود استعداد «طبيعي» و«ثقافي» لدى شعوب هذه البلدان للاقتتال فيما بينها.

لا للتفسيرات السهلة

مؤلف هذا الكتاب يرفض التفسيرات القائمة على أفكار مسبقة أو ما يسميها التفسيرات السهلة لعنف يتم اعتباره على انه نتيجة للبؤس ولصراع الطبقات وللمنافسات القبلية أو ربما لعداوات تعود إلى زمن الأجداد. ويؤكد أن البلدان الفقيرة ليست بالضرورة هي الأكثر ميلا للعنف وللحرب. كما أن الأغنياء لهم الكثير من المطامع التي يجعلون منها رهانات عسكرية. لكن ليس الفقر بحد ذاته هو الذي يثير العنف وإنما أشكال اللامساواة الاجتماعية التي تغذيها الأحاسيس بالتمييز العنصري هي التي تثير الحرمان والتوترات.

ومن الواضح أيضا أن مؤلف هذا الكتاب لا يريد كتابة دراسة جديدة عن الحرب ونظرياتها. لكنه يريد بالأحرى أن يبين الأبعاد السياسية للحروب التي تشهدها بلدان العالم الثالث. وإبراز رهاناتها الحقيقية. والتحليلات المقدمة تذهب في الاتجاه المعاكس للأطروحات الاختزالية التي قال بها المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون عندما قسم العالم إلى مجاميع ثقافية كبرى ستتجابه فيما اسماه «صدام الحضارات». خطورة هذه الأطروحة يجدها المؤلف في كونها تخفي واقع التنوع الاستثنائي للعالم المعاصر، وخاصة المنطقة الإسلامية أكثر من غيرها.

إن المؤلف يؤكد بالمقابل أهمية العوامل المحلية وعلى تحالفاتها التي تقام في عين المكان. إذ كيف يمكن برأيه تصور أن الشيشانيين والسودانيين والكولومبيين وغيرهم يقاتلون من اجل واشنطن؟. وهو يؤكد أيضا أن الشباب الذين يواجهون المخاطر في مقديشو أو يقومون بتفجير أنفسهم في فلسطين ليسوا مجرد بيادق على استعداد للموت من اجل الدفاع عن أصحاب الأسهم في شركة بلندن. وبعد التأكيد على موازين القوى الاقتصادية التي تميل بوضوح إلى كفة الغرب، يرى أن تصميم «الضعفاء» يمكن أن يخلط الكثير من الأوراق فيما يقال عن تسيير أمور العالم الذي نعيش فيه.

الفصول الثلاثة الأولى من الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب تبحث في التحليلات التي تبالغ في دور الغرب. وتتعرض الفصول الثلاثة الأخرى لتحليل النزاعات على ضوء مفاهيم «التدخل الإنساني» مع محاولة الإجابة عن سؤال: نهاية التاريخ أم تاريخ بلا نهاية؟.

وفيما يخص دور الغرب وتحت عنوان «المؤامرة الغربية الكبرى» يعود المؤلف إلى عام 1992 عندما نزل جنود المار ينز الأميركيون على شواطئ الصومال من اجل إعادة الاستقرار إلى بلاد مزقتها الحرب. وكان الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قد أطلق، بموافقة الأمم المتحدة، عملية «إعادة الأمل».

لكن وصول 28000 جندي أميركي لم يلق طويلا حماس الصوماليين. وسرعان ما اصطدمت العملية بالمقاومة السلبية ثم النشيطة للسكان الذين لم ينخدعوا بالدافع «الإنساني» لواشنطن وثارت شكوكهم حيال «البنتاغون» انه يريد الاستيلاء على الثروات «الموجودة» في جوف الأرض القاحلة.

بعد عامين فقط لقي الجنود الأميركيون معاملة شبيهة في هاييتي عندما ذهبوا إليها للإطاحة بالدكتاتور الذي كان يحكمها. هنا أيضا جرى اتهام الأميركيين بأنهم يريدون الاستيلاء على المعادن الثمينة في البلاد ووضع يدهم على تراثها الوطني. ويشير المؤلف هنا إلى أكثر الإشاعات غرابة وتطرفا بما في ذلك خطف الأطفال من اجل سد العجز السكاني في البلدان المصنّعة.

رهانات هائلة

ويشير المؤلف إلى أن الإرث الاستعماري جعل الزمن الذي كان فيه الغربيون يبدون كمنقذين، أرسلتهم السماء، بعيدا عندما يقفزون بمظلاتهم في هذه البلاد أو تلك. لقد أصبحوا موضوع شكوك بمجرّد انخراطهم في مواجهات حربية لا يتم النظر لها غالبا إلا كقضية أموال طائلة وأطماع لدى القوى الكبرى. وينقل عن رئيس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان قوله: «خلف هذه النزاعات هناك دائما رهانات مالية هائلة.

وحيثما تندلع حروب توجد رائحة بترول ولآلئ وأخشاب وغيرها من المواد الثمينة. هذه الثروات هي التي تشحذ شهيات الشركات متعددة الجنسيات والتي تجلب البؤس للشعوب». وفي نفس السياق ينقل عن جان زجلر، المقرر العام للأمم المتحدة لحق التغذية حديثه عن«سادة العالم الجدد» ومقارنته مصرفيي البنك الدولي بالمرتزقة. في المحصّلة يؤدي الماضي الاستعماري وأشكال تخلف التنمية إلى إثارة مشاعر الكره حيال الغرب وقوّته الجبارة.

ويستعرض المؤلف في هذا الإطار العلاقات بين الشمال والجنوب على المدى الطويل ليؤكد أن الجنوب لم يكن دائما هو الفقير والشمال هو الغني. على مدى فترة زمنية طويلة كانت الصين أكثر غنى من القارة الأوروبية القديمة وربما حتى نهايات القرن الثامن عشر.

وكان العالم العربي في القرن الثالث عشر أفضل تأهيلا على الصعيد التكنولوجي. مثل تلك التكنولوجيا دفعت البعض إلى القول إن النهوض الاقتصادي لأوروبا في القرن التاسع عشر يعود بدرجة اقل إلى الاكتشافات العلمية للثورة الصناعية مما هو إلى الاستغلال الاستعماري للعالم الثالث.

ويفتح المؤلف هنا قوسين ليؤكد أن فشل إفريقيا في التنمية لا يمكن اختزاله إلى مجرّد تحميل المسؤولية للاستعمار. بل إن قسما كبيرا من ذلك الفشل يعود إلى الاقتصادات الريعية التي كانت قائمة قبل وصول الأوروبيين وبدايات التجارة عبر الاطسي. لكن هذا لا ينفي واقع الاستغلال الاستعماري للقارة لاحقا مع وجود تواطؤات محلية.

ويبحث المؤلف على مدى العديد من الصفحات فكرة «اليد الخفيّة» التي قيل إنها كانت دائما وراء اندلاع الحروب هكذا جرى الحديث طويلا عن المؤامرات اليهودية والماسونية باعتبارهما تمثلان قوى «غير مرئية» تتحكم بمصير العالم. وعلى نفس المنوال أشار أعداء الشيوعية بأصابع الاتهام طيلة فترة الحرب الباردة إلى موسكو على أنها وراء كل النزاعات في العالم. مؤلف هذا الكتاب يرى في اللجوء إلى فكرة اليد الخفيّة نوعا من البحث عن تغطية الفشل.

ويشير أيضا إلى أن المسألة تتعلق في اغلب الأحيان ب«استغلال جماهير جاهلة من قبل نخب مكيافيلية». وذلك عبر التركيز على عدة عناصر، في مقدمتها العنصر الديني الذي يقدم أجوبة عن أسئلة لا تفسير لها؛ ثم العنصر المتعلق بجهل الآخر مما يزيد مشاعر الكره حياله ؛ وأخيرا البنى الكتيمة للسلطات السياسية التي تغذّي ثقافة السر.

ومن المظاهر الأساسية التي يتم التأكيد عليها في الحروب «الجديدة» هناك المجموعة الدولية والتي يؤكد المؤلف على محدودة دورها. ذلك أن العلاقات الدولية لا يمكن اختزالها إلى مجرّد لعبة بين الدول. ثم أن تسارع تدفق السلع في إطار العولمة عزز من دور قوى فاعلة غير حكومية وخفف من سطوة مفهوم سيادة الأمم. وهكذا أدت «خصخصة الدبلوماسية» إلى الحد نسبيا من دور الحكومات.

قوة الضعفاء

وفي فصل يحمل عنوان «قوة الضعفاء، عندما يحرّك الصغار الكبار» يؤكد المؤلف انه عند حساب العوامل الداخلية والخارجية في النزاعات التي تشكل بلدان الجنوب مسرحا لها لا ينبغي التقليل من قدرة الأذى لدى الشركات والمؤسسات المالية والحكومات الغربية. الأمثلة التي يسوقها عديدة وكلها تشير إلى أهمية السياق المحلي عندما يتم الاهتمام ب«البارود» وإلى أهمية السياق الخارجي عندما يتم الاهتمام بـ «الشرارة».

لكن كل الحالات، باستثناء الاحتلال الاستعماري مثل الذي قام به السوفييت في أفغانستان أو الأميركيون في فيتنام والعراق، ينتشر العنف أولا عندما تكون التربة الاجتماعية مؤهلة لانفجار الاضطرابات. عندها تلعب القوى الخارجية دورها في تسريع ذلك الانفجار.

هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى إن المتحاربين قد يقيمون تحالفات ظرفية لخدمة مصالحهم الخاصة مع قوى خارجية أو مع بعض المجموعات الدولية. لكنه يؤكد أن المجموعات متعددة الجنسيات خاصة، وعلى عكس المافيا والمستفيدين من الحرب، لا تحب من جهتها الفوضى وليس من مصلحتها إثارة الاضطرابات. لا شك أنها تأخذ موقفا عندما ينشب نزاع وتحاول أن تضع بنادقها حيثما تجد مصالحها.

كذلك يتم التأكيد في نفس السياق على أهمية العوامل الداخلية في النزاعات الحدودية والتي قامت في أحيان كثيرة بين دول حليفة لنفس المعسكر الخارجي. هكذا مثلا لم تتردد الباكستان، الحليفة المقرّبة من واشنطن، في عدم الانصياع لإرادة الولايات المتحدة وشنّت حربا ضد الهند بخصوص كشمير عام 1965.

كان الأميركيون آنذاك يأملون التقارب مع الهند غير المنحازة التي كانت قد تعرّضت لهجوم صيني في منطقة الهملايا من قبل الصين الماوية. بالتوازي لم تستطع موسكو قي عام 1977 أن تمنع قيام حرب بين حليفين لها في منطقة القرن الإفريقي هما الصومال وإثيوبيا.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تغيرت نظرة الغربيين حيال تورطهم في نزاعات العالم الثالث. ففي ظل الحرب الباردة كانت القوى الكبرى تبحث عن الانتصار. أما الآن فهي تبحث بالأحرى عن السلام في العالم ؛ وباسم هذا السلام رفعوا شعار «الحرب الوقائية» الذي لاقى القبول لدى المجموعة الدولية. واعتبر الغربيون أيضا أن مجلس الأمن الدولي قد أصبح بإمكانه أن يمارس صلاحياته المعطّلة بسبب حق النقض ـ الفيتوـ الذي كانت تلجأ له القوتان العظميان عندما كانت القرارات ضد حلفائهما.

إحصاءات دالة

الإحصائيات المقدّمة في هذا السياق لها دلالتها، بنظر البعض. ففي إطار الأمم المتحدة تضاعف أربع مرّات عدد عمليات السلام بين 1987 و1999 بينما تضاعف ست مرّات عدد محاولات القيام بمهمات دبلوماسية وقائية بين 1990 و2002.

لكن هذه الاتجاهات لا تثبت شيئا بحد ذاتها، كما يشير المؤلف. ذلك أن الدور الحاسم في منع حدوث الحروب أو إيجاد حل سلمي لها يرتبط في عالم اليوم المتداخل بتقليص الفوارق الاجتماعية واتساع رقعة الديمقراطية ونهاية الإمبراطوريات الاستعمارية.

إن الغربيين يواجهون بشكل مستمر في عصر الاتصالات والمعلوماتية الصور الرهيبة للحروب في العالم الثالث. وهذا ما جعل الرأي العام أكثر حساسية حيال ذلك. وإذا كان انهيار جدار برلين قد سمح ببروز أمل تهدئة التوترات، بل وبعالم دون حروب، فإن استمرار النزاعات المسماة«محيطية» قد كشف عن مدى تجذر المعطيات المحلية. هكذا تبيّن أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يؤد إلى «نهاية التاريخ» وإنما فتح بالأحرى الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى.

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يتم القول إن مفاهيم الحرب «الجديدة» فقدت العمق التاريخي من وجهة نظر البلدان الغنية التي تعتبر أنها قادرة على السيطرة أكثر على العنف، لا سيما عندما يكون في مواجهة «البرابرة المتخلفين».

هكذا مثلا قامت حرب الخليج الأولى عام 1991 أساسا من الجو، وبدت العمليات العسكرية وكأنها لعبة الكترونية عبر رادار ولم تكن هناك مجابهات فعلية تقريبا بين الأميركيين والعراقيين. وبهذا المنظور أيضا أصبح الجندي الذي يمتلك التكنولوجيات المتقدمة «عاقل ورشيد» في استخدامه للعنف على شاكلة الجنود الأميركيين في العراق اليوم!

وفي المحصلة النهائية يصل المؤلف إلى القول إن تحليل الواقع المعقّد لمجتمعات الجنوب ـ مسرح المواجهات اليوم ـ يساعد على فهم أفضل للحروب المعاصرة. وذلك عبر الابتعاد عن نظرية المؤامرة التي لا تأخذ باعتبارها دور القوى المحليّة؛ وعدم النظر إلى نضالات العالم الثالث على أنها مجرّد تعبير عن فوضى بدائية فالانتفاضة التي قام بها الفلسطينيون بالحجارة لا يمكن وصفها بالفوضى؛ وأخيرا إعادة النظر بمفهوم «الحرب الجديدة» بسبب افتقاده للبعد الإنساني. والتاريخ لا نهاية له.

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف