اعتبار من اليوم، تبدأ «البيان» كل اثنين، وبتنسيق خاص مع الزميلة صحيفة «السفير» اللبنانية، نشر رؤى الزميل نهاد المشنوق، للعديد من تحديات وتداعيات الأحوال والأهوال في منطقتنا والعالم، على أمل إثراء حصيلة القارئ المعرفية والتحليلية بشأن ما وراء الأحداث والمستجدات المتسارعة في منطقتنا.

نهاد المشنوق

أتلقى، في كل مرة أكتب فيها عن المشروع الإيراني والقوى المتحالفة معه في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، ثلاثة نماذج من التعليقات سواء عبر الرسائل الالكترونية أو خطيا «مازال هناك من يكتب!» أو شفهيا. النموذج الأول يستحسن ما أكتب مؤيدا مضمونه باعتباره استنهاضا لعصبية مواجهة لانتشار المشروع وأهله. النموذج الثاني يجد في الأسطر موضوعية لا يتوقعها، ويناقش أصحابه متسائلين عن الهوية السياسية للكاتب التي تجعلهم في حيرة.

النموذج الثالث يعترض، ويصل في اتهامه إلى الحدود القصوى فيتحدث عن عمى البصيرة الذي يسببه الانحياز. لهذا النموذج أقل عدد من المعلقين.

حدث ذلك في نهاية العام 2005 حين كتبت عن إيران بين «بائع السجاد وصانعه» في حلقتين أشرت فيهما إلى نهاية الثورة وتحولها إلى مشروع يتقدم في مختلف الدول العربية، حاملا العلم الفلسطيني يشق الطريق أمامه، في مواجهة تراجع رسمي عربي عن تحقيق أي تعديل جدي للخريطة السياسية للمفاوض الإسرائيلي.

وتكرر الأمر تعليقا متنوعا في الاسبوع ما قبل الماضي حين تناولت المواجهة السياسية بين الشرعية العربية الرسمية وبين المشروع الإيراني.

ما بينهما - اي بين التاريخين - تناولت الغياب السعودي عن السمع السياسي الجديد على المنطقة العربية. لكن التعليقات بقيت على ولائها لما قررته منذ سنتين وأشهر قليلة، فلا المستحسن غير رأيه ولا المتردد حسم أمره، ولا المخاصم تراجع عن اتهامه.

هنا، محاولة متأخرة وليست أخيرة لتناول هذه المواجهة بين الشرعية والمشروع بما تستحقه من متابعة. اذ لا يمكن لمتابع موضوعي ان يتجاهل - ولو أراد - أن المشروع السياسي الإيراني حقق في السنوات الثلاث الاخيرة تقدما في انتشاره في مواقع النزاع العربي-الإسرائيلي ونقاط النزاع العربي - العربي. حصل المشروع على جائزته الكبرى بانضمام حركة «حماس» الفلسطينية إلى مشروعه، فصار العلم الفلسطيني عنوانا لهذه السياسة بصرف النظر عن الخلاف داخل الفلسطينيين حول السلطة المفاوضة والمقاومة المستمرة في رفضها للحوار ونتائجه غير المحققة. وسقط في الوقت نفسه جزء كبير من الاتهام بمذهبية الانتشار المنتمية إلى دولة الرعاية الشيعية الأولى من حيث العدد في العالم.

ولا يمكن للموضوعية ذاتها الا ان تلاحظ ان التجاهل الرسمي العربي لسنوات طويلة وتردد النظام العربي ولو لسنوات اقل، سرع في وضع الحقائق بأصعب صورها أمام النظام العربي الواحد، في وقت تعاني فيه من عجز واضح في القدرة الأميركية على تغيير جدي في السياسة الإسرائيلية. لم تثمر المبادرة العربية للسلام التي طرحها العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز حين كان وليا للعهد في قمة بيروت في العام 2002. ولا أضاف إلى المبادرة تأكيدها في قمة الرياض في العام 2007 أي جديد.

صحيح أن المبادرة ساهمت في مرحلة طرحها الأولى في تحسين الصورة العربية الراغبة في السلام امام الدول الغربية بعد ان وسمت أحداث سبتمبر في نيويورك صورة العربي بالارهاب، لكن هذه كانت المهمة الثانوية للمبادرة بينما الهدف الرئيسي منها لم يتحقق ولو جزئيا. الاهم ان هناك قوتين اسلاميتين تتنازعان العلم الفلسطيني، الأولى تملك الشرعية والغالبية العظمى من المنتمين إلى انظمتها والثانية تعمل على مشروعها وتنتشر بحلفائها تعمل بعكس التيار الأميركي العاجز والإسرائيلي المتجاهل والعربي المتردد. القوة الأولى التي تنتسب إلى الغالبية العظمى ترى في «المشروع» تهديدا لاستقرار مجتمعاتها الذي بدأ في بعض الدول يأخذ شكل الانقسام السياسي والاجتماعي وحتى الديني. الحقائق في الموضوع الفلسطيني تأتي لاحقا.

أما «المشروع» وانتشاره وأهله فانهم يرون انها الفرصة السانحة لهم للتقدم ما دام غيرهم لا يستطيع التقدم ولا يحقق ما يواجه به جمهوره من انجاز في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

اسابيع قليلة تفصلنا عن الذكرى الستين لاحتلال فلسطين. وما زال الحق الفلسطيني في أرضه الكاملة أو المجتزأة هو الاساس السياسي لأي نظام في المنطقة وهو المشروعية لأي حركة سياسية تريد ان تقدم نفسها مختلفة عن مشروع الدولة فيها والداعية للجمهور ان يأخذ برأيها بدلا من السياسة الرسمية. حاول الكثيرون غير ذلك فلم ينجحوا. مرت السنوات عليهم وهم يعللون ويبررون وينتظرون ويحددون مواعيد التغيير في الموقف الإسرائيلي. لم يحدث أي شيءٍ مما وعدوا به ولم يحاولوا ـ حتى مجرد محاولة - العمل على التغيير في موازين القوى العسكرية لعل وعسى. صار الأمن الداخلي للنظام هو قاعدة التحرك ومبرر التسليح وحجة التجنيد. ما عدا ذلك ليس على جدول أعمال النظام. كأنه غير قادر على النجاح أو أنه معادٍ له.

لا ينقص «المشروع» مساوئ الأنظمة في تصرفه السياسي الداخلي ولا في سوء إدارته لما بين يديه من مقدرات. المهم ان يبقى العلم الفلسطيني بين يديه ولو الزمه ذلك بتخوين الآخرين من منهم على خطأ ومن كان بريئا طبيعيا مقتنعا بما يفعل.

الاجتهاد في هذه المجال صعب ومعقد أكثر من ظاهره. من أين لك الشجاعة للدفاع عن سياسة رسمية لا تنفع ولا تجدي. الا ان عنوان الاستقرار فيها مغر ومقنع لمن يريد حياة طبيعية فيما تبقى من سنوات عمره ويعتقد انه يعمل لاستقرار ما بعده من اولاده. وكيف تأتي بالقدرة على مواجهة مشروع المعلن منه يحقق الانقسام في المجتمعات العربية، الا انه يحتمي بتجربة عسكرية لم يستطع الجيش الإسرائيلي الاقوى في المنطقة الغاءها أو التأثير على صمودها ومقدرتها القتالية في لبنان وفلسطين. الخيار هو بين اثنين: اما ان تمشي بسياسة المواجهة التي لا تبقي ولا تذر خاصة في بلد حساس مثل لبنان يصح اعتباره ميزان حرارة المنطقة. وتسعى إلى من يناصرك في سياستك الصدامية فتكون راهنت بما لك ولغيرك من الناس دون اختيارهم. واما ان تستنهض قوى سياسية عربية تجرها إلى ساحة المواجهة لتخلق ميزان قوى يساعد على تحقيق تسوية في ظرف ما خارجي أو داخلي.

ما كتبته وقلته حتى الآن يراد منه الخيار الثاني. فلا النخب العربية تحتمل الانسحاب العربي الرسمي امام مشروع لم تتحدد نتائجه بعد ولم تظهر أضراره كاملة. ولا الجمهور المؤمن الذي يزداد تاثيرا يحتمل انفراط مشروع يقاتل في سبيل فلسطين، فيرتد الايمان إلى الداخل ليفعل بنا وبالانظمة ما لا نتحمله.

ما يشهده لبنان اليوم هو الصراع بين هذين الخيارين. القيادة السياسية لحزب الله تتصرف على قاعدة انها تمثل ايديولوجية دينية سياسية لها نظام عسكري وأمني وتابعة لمرجعية دينية-سياسية تؤمن لها احتياجاتها التسليحية والمادية وتكلفها «شرعا» بما تقوم به من تحضيرات دائمة لقتال إسرائيل المعتدية في الغالب من المرات والمرشحة بعض احيان للوقوع في فخ قتال من جانب آخر. لم يحدث الامر الثاني في حرب يوليو 2006، فقد اعترف الأميركيون ان القرار اتخذه نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ونفذته إسرائيل دون نجاح على الاطلاق.

نقاط الضعف في «المشروع» هي نفسها عناصر القوة، «فللمشروع» هيبة معنوية كبرى اقليمية يحققها من خلال بقاء وضعه على ما هو عليه في الداخل الإيراني لا أكثر ولا أقل فتصبح له اليد العليا في قرار النفط العربي. بينما استمرار التحالف مع سوريا وحزب الله في لبنان يضع المشروع على خطوط التماس مع الأمن الإسرائيلي فيتناوب الحزب مع حركة حماس الفلسطينية على تحريك الملف الأمني الإسرائيلي بالتنسيق فيما بينهما، آخذا بعين الاعتبار صاحب الدور في الحركة العسكرية عناصر القرار الإيراني مرة والسوري مرات. هذان العنوانان هما الأهم في الشرق الاوسط، لذلك فإن التصدي لهذه الرغبات يكون وسيكون بقدر حجمها الاستراتيجي.

نقطة الضعف الاستراتيجية الاخرى ان الحليف السوري يتصرف باعتباره صاحب الحق والحرية في التصرف بما يناسب سياسته. ويكفي الآخرون ما يعطيهم اياه في مناطق الازمات. الأهم بالنسبة للقيادة السورية التأكيد دائما ان القرار في لبنان لدمشق بالتشاور مع الحلفاء، كما هو القرار في العراق لإيران بالتشاور مع الحلفاء. هذه القاعدة سارية المفعول. والا فما هو تفسير السكوت عن ما جاء على لسان رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض لسوريا ألون لايل من ان المحادثات الإسرائيلية-السورية المباشرة مستمرة منذ العام 2004 حتى نهاية العام 2007 عبر وساطات مختلفة بينها تركيا.

كيف يمكن لقيادة حزب الله أو حتى كيف للقيادة الإيرانية ان تعترض على «ترويقة» لبعض السياسيين اللبنانيين مع وزير الخارجية الأميركية في سفارة بلادها، فتتهم المدعوين بالخيانة بداية وتكمل على سمعة اهلهم. بينما تتغاضى عما نشر وأشيع ويشاع عن الحوار الإسرائيلي-السوري المباشر طمعا وتأمينا لخط امداد يستحيل استبداله. كيف تستطيع قيادة الحزب ان تنتظر بيئة صديقة وآمنة في حال حدوث اي عمل عسكري إسرائيلي وهي اتهمت رئيس الحكومة والقوى السياسية المتحالفة معه بما لا يشجع احدا من بيئة الرئيس السنيورة تسهيل مهامه لو أراد التصرف بمنطق قومية عربية يصر على انها عقيدته.

كل الاتهامات التي سبقت هذه منذ العام 2006 استندت إلى معلومات صحافية أجنبية لا يستطيع احد تأكيدها ولا نفيها طبعا. مع ان معظمها مخالف للمنطق البسيط. يتعرف وزير سابق يهوى العمل المخابراتي في منزل رجل أعمال من أصل سوري في جنوب فرنسا. يرتب له المواعيد في دمشق التي تحضر له الرواية «الموثقة» عن طريق الاجهزة ويلتقي في بيروت بمن التقاهم فينشر الموضوع باعتباره مضبطة اتهام وليس فخا سياسيا محضرا بدقة امنية.

لم تعد قيادة حزب الله مرتبكة بما نسجته من علاقات عربية أو دولية خارج تحالفاتها. بل أصبحت أكثر عدائية من اي وقت سابق. قيادي في حزب الله صرح بالأمس في نشرة «لبنان الآن» ان دولة عربية تعمل لقلب النظام السوري. دون ان يذكر من يحمي النظام. وهو كلام مكرر مأخوذ عن افتتاحية موقع الحزب. عندما تصل الأمور إلى هذا الحد من التهور بتجاهل الاعتراف العربي الأول من عبدالله بن عبدالعزيز ـ ولي العهد السعودي في ذلك الحين - بحزب الله من خلال لقاء رتبه لنواب الحزب معه الرئيس الشهيد رفيق الحريري. عندما تصل الأمور إلى هذا الحد تصبح المفردات انقلابية وليست سياسية، فلا يعود مفاجئا لأحد بعد الآن ان لا يقف أحد من الرسميين العرب إلى جانب سياسة حزب الله ولو بالمبدأ.

تصح سياسة المفردات الانقلابية هذه لو كانت إيران على الحدود اللبنانية وليست سوريا التي لها من المصالح ما يجعلها تذهب في كل الاتجاهات لتحقيقها.

بماذا تجيب رجل لبناني في الخمسين من عمره، أمضى ما يزيد على نصفه بقليل في هذه الجهة أو تلك وتطلب منه ان يستمر مع أولاده في الصراع، وحده دون حليف على حدوده يشاركه قتاله؟ النصيحة الوحيدة التي تستطيع توجيهها للوالد هي ان يسعى لسفر اولاده إلى الخارج لتكون سنوات عمرهم أحسن من سنوات عمر والدهم. هذا ليس صراعا مذهبيا ولا هو اشتباك سياسي. هذا عنوان يتعلق بقدرة الناس على استمرارهم في الحياة التي ارتضوها. هل يستطيع الحزب تسويق منطق الجبهة المفتوحة المنفردة سلما وحوارا، بين أهله، دون جمهور الآخرين؟

لقوى الرابع عشر من اذار مشروع أسهل. يريدون بناء دولة غربية الثقافة ولبنانية عدائية في انتمائها. تلتزم ما تتفق عليه الدول العربية وتنأى بنفسها عن الخلافات العربية. باختصار ترفض هذه القوى ان تكون دمشق هي الحدود السياسية للبنان. لا الخارجية منها ولا الداخلية. خاصة بعد الخروج العسكري والأمني السوري من لبنان. ورفضهم الاعتراف ببقاياه السياسة. هذا المشروع مخالف للتاريخ والجغرافيا. لكن سوريا الدولة القوية المتماسكة المركزية تتصرف في لبنان على انها مماثلة لأي طرف لبناني يقوده فرد مهما بلغ حجمه لا يتعدى اطار طائفته الجغرافي. فكيف يمكن لتسوية ان تتماشى مع هذا الأسلوب من التفكير؟ ساعدت السياسة السورية المغامرة في ان يظهر زعيم شاب في الرابع عشر من فبراير، الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الحريري. فقد استطاع سعد الحريري ومعه حلفاؤه طبعا ان يثبت ان جمهور والده على عهده ووعده بعد ثلاث سنوات فيها القليل من الانجازات العنيدة والكثير من الاخفاقات.

ليس غريبا ان تدعم الإدارة الأميركية هذه السياسة ولا ان تشارك دول مثل السعودية ومصر والأردن في إدارتها السياسية. مع العلم ان وليد جنبلاط يكرر دائما ان الإدارة الأميركية لم تقدم عمليا إلى حلفائها في الصراع اللبناني الا الدعم في مجلس الأمن لانشاء المحكمة الدولية المختصة باغتيال الرئيس الحريري. وان المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية سمعوا من سعد الحريري كلاما حول سياستهم في المنطقة جعلت المحيطين به وبجنبلاط يشعرون بالخطر عليه فينبهونه إلى عدم التمادي.

أما القيادة السعودية فتريد من انتشارها ثلاثة أمور: الأول عدم السيطرة الإيرانية على السياسة اللبنانية عبر الحلفاء، الثاني خلق توازن قوى في الداخل يسهل التسوية حين يأتي أوانها، الثالث هو ضبط الفتنة المذهبية بالتشاور والتنسيق مع الإيرانيين وهو ما حدث فعلا.

ماذا عن الأمرين الأول والثاني؟

هناك في دمشق من يعتبر ان المغامرة السياسة لقيادته في حدها الأدنى تصل إلى تعديل اتفاق الطائف. اذ ان الضوابط السياسية لهذا الاتفاق هي التي سهلت الخروج العسكري السوري من لبنان. ولولا هذه الضوابط لما كان في لبنان من يستطيع دعم مثل هذا القرار فكيف بأخذه استنادا إلى قرار مجلس الأمن 1559. أما في بيروت فهناك أفكار متداولة لدى قادة سياسيين من الطائفة الشيعية تقول ان اتفاق الطائف بتوازناته الحالية لا يستطيع حماية سلاح المقاومة. لذلك لا بد من تعديل في موازينه يحقق لهذه القوى المسلحة أمانا رسميا. في الجانب المسيحي هناك أيضا من يعتقد بدعم من العماد عون ان اتفاق الطائف أقر في الوقت الذي كان فيه الصدام المسيحي على أشده في حرب الإلغاء بين القوات اللبنانية والجيش اللبناني. لذلك حان الوقت لاستعادة بعض ما أخذ من صلاحيات رئيس الجمهورية. حتى لو كلف ذلك ظهور تحالفات مسيحية مخالفة، ان لم تكن معادية، للأنظمة العربية. كل هذه الوقائع تجعل من التسوية الداخلية مسألة مستحيلة التحقيق. من يستطيع تمتين السلم الأهلي يكون قد ساهم في حفظ الوطن المعلقة دولته حتى اشعار اقليمي. هل هناك من يسأل عن انتخابات رئاسة الجمهورية؟

(في الحلقة المقبلة: فلسطين دائما.. ماذا عن عروبة الثلثين زائد واحد؟)