تمثل الحروب الافتراضية حاليا علما قائما بذاته تخصص له أكبر الميزانيات وتشيد له أضخم المعامل وأكثرها تعقيدا. وكانت أول حرب إلكترونية قد وقعت في أبريل 2001 بين الولايات المتحدة الأميركية والصين عندما اصطدمت طائرة تابعة للبحرية الأميركية بطائرة نفاثة صينية،وهو الحادث الذي أودى بحياة الطيار الصيني وقتها، في حين اضطرت الطائرة الأميركية إلى القيام بعملية هبوط اضطراري في جزيرة هينان الصينية وتعرض طاقمها للاعتقال لمدة 11 يوما وذلك قبل أن يعاد الطاقم بكامل أفراده مرة أخرى إلى وطنه آمنا. غير أن الاتهامات بين الدولتين استمرت لفترة ليست بالقصيرة تخللتها هجمات على شبكات الكمبيوتر الخاصة بمؤسسات الدولتين العظميين.
ومنذ ذلك الحين تعج المواقع الإلكترونية بالتعليمات والإرشادات التي تتيح استهداف المواقع الإلكترونية لعدد من حكومات العالم، وعلى رأسها المواقع الإلكترونية الأميركية، بحسب ما أوردته مجلة «نيو ساينتست» العلمية التي أوردت تحقيقا في أحد أعدادها الأخيرة حول الحرب الافتراضية.
ووصل الأمر أن ادّعى المسئولون الأميركيون أن مثل هذه الهجمات قد أصابت الشبكة الكهربائية لولاية كاليفورنيا بالعطل الكامل، غير أن أيا من الحكومتين الصينية والأميركية لم تعترف بشن هجمات ضد الطرف الآخر.
ويعتمد خبراء الجيش الأميركي في الوقت الحالي على أحدث التقنيات التي قام بتطويرها معهد الإبداع التقني بالتعاون مع الخبراء العسكريين وعلماء الحاسوب بجامعة ساوث كارولينا وكتاب السيناريو بهوليود لتدريب جنوده على التصرف بحكمة في أصعب المواقف القتالية، وأشدها تعقيدا، ولاسيما فيما يتعلق بحربي العراق وأفغانستان.
وتعتمد هذه التقنيات على أحدث المستجدات في مجال الحقيقة الافتراضية، وهي أن يولد جهاز الكمبيوتر عالما خياليا، ثلاثي الأبعاد. وهناك برامج خاصة تسمح بالدخول في هذا العالم الخيالي والتفاعل مع العوالم الموجودة فيه، وبه عدة مستويات، تبدأ من الانغمار الجزئي إلى الكلي.
أما عن مجال الانغمار الكلي المُستخدم، ففيه ينغمر المشاهد كلية مع المشاهد التي يحيا بينها، ويتفاعل معها في عالم خيالي ثلاثي الأبعاد. ويتم ذلك عن طريق وضع منظار كبير الحجم، وقفازات خاصة موصلة بأسلاك إلى الكمبيوتر. وعند تحريك الرأس واليدين، يحدد الكمبيوتر الاتجاه، ويقود المستخدم خلال هذا العالم الخيالي. ويستخدم هذا النوع من الحقائق الافتراضية في الطب، وفي الترفيه و في المحاكاة العسكرية.
وتمخضت الأبحاث الجديدة عن ولادة أول مسرح حرب للواقع الافتراضي، ويتكون هذا المسرح الحديث من 3 مسلطات ضوئية (بروجيكتور)، وشاشة بانورامية دائرية ذات درجة تقوس تصل إلى 180 درجة، ومزود بنظام سمعي مطور، فائق القدرة بقوة 3 آلاف وات، وتزيد قدراته عن قدرات أحدث الأجهزة المستخدمة في أي قاعة عرض سينمائية نموذجية.
وعُرض أول برنامج تدريبي يعتمد على هذه التقنية قبل حدوث هجمات سبتمبر علي نيويورك وواشنطن بعدة أشهر، وفيه تتعرض سيارة عسكرية أميركية لاصطدام بسيارة مدنية في كوسوفو، ويُجرح فيه أحد الأطفال، ويتجمع العديد من المارة لمتابعة عواقب هذا الحادث. وتظهر أم الطفل في أقصى حالات الخوف والهلع والقلق على صغيرها المصاب
ويضع هذا الاختبار التدريبي المتدرب متخذ القرار، وهو عادة ملازم أول صغير السن، في موقع المسؤولية، ويختبر قدراته العملية على التصرف بحكمة في هذا الموقف. كما يختبر هذا البرنامج، الذي تم تجهيزه باستخدام أعلى تقنية متاحة في عالم الواقع الافتراضي، طريقة اتخاذ المتدرب للقرار، وخطوات تنفيذه العملية لحل هذه المشكلة. ويوفر البرنامج واقعا ملموسا يكاد يطابق موقع الأحداث الحقيقي، كما يُمكِّن المتدرب من التصرف بكل حرية، ومن الأخذ بيد الأم المنهارة ليخفف من أثار الصدمة القاسية عليها، إن أراد ذلك.
كل ما في هذا السيناريو السابق تم إعداده عن طريق كمبيوتر متقدم يقوم برسم الشخصيات بأبعاد ثلاثية، ويقوم بتحريكها بحركات طبيعية، تماثل الأشخاص الطبيعيين. ويقوم الكمبيوتر بتوليد الأصوات المختلفة ويضيف المؤثرات الصوتية اللازمة للمشاعر، كالحزن والفرح والهلع، لتماثل المواقف الطبيعية. كما تم الاستعانة بفريق كبير من كتاب السيناريو والمخرجين وخبراء المؤثرات الصوتية والبصرية العاملين بهوليود لإضفاء لمسة شديدة الواقعية علي المشاهد التدريبية.
ولتحويل حرب المعلومات هذه إلى ممارسة فعلية، تعمل الصين حاليا على تطوير وتحسين قدراتها القتالية الالكترونية. فوفق تقرير للبنتاجون حول القدرات العسكرية للصين صدر عام 2006، فان الجيش الصيني يحاول ضمان توافر المعدات والخبرات المدنية في الكمبيوتر لتساعده في تدريباته وعملياته، كما يستعين الجيش الصيني بالأكاديميين ومعاهد وشركات تكنولوجيا المعلومات لدمجهم في وحدات دعم للجيش في العمليات العسكرية.
جميع هذه الاستعدادات موجهة بالدرجة الأولى إلى الجيش الأميركي كما تقول الورقة البحثية. وحسب البنتاغون، فان الصين عملت على تنظيم وحدات متخصصة في الكمبيوتر قادرة على إصابة الأجهزة بفيروسات تصيب ملفاتها ومحتوياتها وشبكاتها. أحد هذه الفيروسات هو فيروس «ح؟نيِ» المناسب تماما لحرب المعلومات لقدرته على سرقة أنواع مختلفة من الملفات مثل ملفات بي دي اف وملفات الوورد والرسومات وقواعد البيانات.
ولهذا فان أي شبكة الكترونية تصاب بهذا الفيروس فإنها ستفقد وثائقها وخططها واتصالاتها وقاعدة بياناتها كما ستكون هذه المعلومات معرضة للسرقة. وخلال الأعوام الأخيرة، أجرى بعض القراصنة الصينيين تجارب لاختبار الأنظمة الالكترونية الدفاعية الأميركية على دائرة أصغر من دون اللجوء إلى هجوم قوي.
هذه التجارب كانت أيضا بهدف التعرف على نقاط الضعف في الأنظمة الأميركية حتى يسهل اختراقها فيما بعد.
وهناك العديد من الأمثلة على الهجمات الالكترونية الصينية على الولايات المتحدة:
- في أواخر عام 2006، أغلقت بنوك الكمبيوتر بجامعة الدفاع القومي الأميركي في هجوم الكتروني واسع النطاق لم يتم الإعلان عنه.
- في أواخر عام 2006، أغلقت الشبكة الالكترونية لكلية الحرب البحرية تماما بفعل هجوم صيني. أحد التقارير حدد هدف الهجوم في مجموعة الدراسات الإستراتيجية التي كانت وقتها تطور مفاهيم الحرب الالكترونية.
- في صيف عام 2006، أصيبت أجهزة الكمبيوتر الخاصة بمكتب الصناعة والعلوم بوزارة التجارة بأعطال جعلتها لا تتصل بشبكة الانترنت لمدة شهر كامل. هذا المكتب هو المسئول عن الصادرات التكنولوجية المتقدمة.
- في يونيو 2007، تعطلت أنظمة الاتصال (البريد الالكتروني) بمكتب وزير الدفاع من دون أن يسمي البنتاغون مصدر الهجوم، وان كانت تقارير إعلامية وجهت أصابع الاتهام إلى الصين.
وهكذا قدمت الدراسة التي أصدرها مركز سياسة الأمن توصيات عديدة للإدارة الأميركية ومنظمات المجتمع المدني لتطوير أنظمة لحماية المعلومات، أولها الحصول على شهادة أيزو 17799 التي تطبق إجراءات أمنية معينة وحماية الأبحاث والدراسات وبرامج التنمية والتطوير الحساسة التي لها بعد قومي واستحداث نظام جديد يقضي بضرورة الكشف الشخصي وعزل الموظفين الفيدراليين أثناء اتصالهم بالانترنت عن الشبكة المشتركة في المؤسسة وخفض عددهم فضلا عن زيادة أعداد المهندسين والعلماء الأميركيين.
وقد أصدر مركز سياسة الأمن الأميركي في أكتوبر 2007 ورقة بحثية عن الحروب الالكترونية بعنوان «حرب المعلومات.. الأداة الناشئة والمفضلة لدي جمهورية الصين الشعبية» للدكتور ويليام بيري أستاذ أنظمة المعلومات الالكترونية بجامعة ويست كارولينا استعرضت واقع ومستقبل الحرب الالكترونية التي يشهرها جنود من نوع خاص ليسوا مدججين بالسلاح بل بالعقول.
الورقة قدمت في البداية خلفية عن جذور فكرة الحرب الالكترونية التي ترجع إلى عام 1991 حين شل سلاح الجو الأميركي - في حرب الخليج الثانية- قدرات الأنظمة الدفاعية العراقية ودمر بنيتها الاتصالية التحتية مما أثار قلقا واسعا لدى بكين دفعها للبحث عن طرق مبتكرة لمقاومة الهيمنة الأميركية على آسيا.
ووجدت الصين ضالتها في اعتماد الولايات المتحدة على تكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية فإذا تم تدمير أنظمتها الاليكترونية فسوف تتمكن من الفوز بالحرب التكنولوجية.
وتشرح الدراسة مفهوم الحرب هنا بأنها حرب معلومات تخوضها بكين تهدف لتشتيت وإثارة الاضطرابات في عملية صناعة القرارات عبر الدخول إلى أنظمة الطرف الآخر واستخدام ونقل معلوماته. هذا التعريف باختصار هو الإستراتيجية الأميركية نفسها في حرب الخليج الثانية.
أما إذا اضطرت الصين لاستخدام حرب المعلومات للتأثير في مرحلة تتعدى مرحلة صنع واتخاذ القرارات أثناء وقوع الحرب العسكرية فان استخدامها سيكون بهدف زيادة فرصها للانتصار في الحرب.
جانب آخر لهذه الحرب غير سياسي وغير عسكري يتعلق بالبنية التحتية من أسواق مالية ومعلومات عن الطيران وغيرها. هذه الدوافع المختلفة للحروب الالكترونية أدت إلى تزايد الهجمات الالكترونية المعلن عنها عام 2007 لتعترف بخطرها وزارة الدفاع الأميركية رسميا، والتي قال متحدث باسمها :(لقد شهدنا محاولات من جانب دول ومنظمات خارجة عن حكم دولها للوصول إلى أنظمة معلومات وزارة الدفاع).
لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة هي وحدها المستهدفة من الصين فوفق ما ذكرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية فإن الصين مارست عمليات القرصنة الالكترونية على أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالإضافة إلى أنظمة ثلاثة وزراء آخرين هم وزراء الخارجية والاقتصاد والأبحاث. لكن السفارة الصينية في برلين نفت الاتهامات ووصفتها بأنها «افتراض غير مسئول دون وجود دليل».
ونظرا لاشتراك حوالي 120 دولة في العمليات الهجومية الالكترونية فان الخبراء يتوقعون أنه في غضون عشرة إلى عشرين عاما ستتسابق دول العالم على زعامة الحرب الالكترونية.
إعداد: حاتم حسين
