ينتقل بنا المؤلف هنا إلى تجربته وتجارب نظرائه في العمل على تخريب الاقتصاد المصري، حيث يوضح أن الكثير من الخبراء الاقتصاديين الأميركيين يعتقدون أن مصر هي المدخل المواتي للسيطرة على الشرق الأوسط وأفريقيا، ومن هنا جاء التركيز الشديد عليها في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة، وهو يشير إلى مقاومة جانب من التكنوقراط المصريين للجهود الأميركية في هذا الصدد، وهى الجهود التي يكشف عن أن الرئيس المصري السابق أنور السادات لعب دورا لا يستهان به في تسهيلها.

على نحو يتسم بالصراحة، وفيما يمثل تبرئة لأي طرف من توريطه في مهامه التي يصفها بالقذرة، وأنه كان ملما بطبيعة المهمة التي سيقوم بها، يذكر بيركنز انه عندما استقر على العمل كمخرب اقتصادي مأجور، كان ذلك في ضوء رؤيته أنها وظيفة واعدة حيث تتيح له المال الوفير والسلطة، وكذلك مزايا السفر على درجات الأولى على الطيران ويشير إلى أنه كان قد تم إخباره بأنه قد يتم الطلب منه القيام بعمل غير قانوني.

وعلى ذلك فإنه في إطار استعراض جانب من النشاطات التي قام بها يشير إلى انه كان لديه الإستعداد للقيام بأي عمليات وهو ما جعل منه مثاليا بالنسبة للشركة التي كان ينتمي إليها وهى مين للاستشارات الدولية والتي تنفذ الأعمال التي يكلفها بها أصحاب الشركات الكبرى التي تتحكم بصنع القرار السياسي. ينقلنا المؤلف إلى استعراض أنشطته إلى مصر. وفي تأكيد على الدور المحوري الذي تمثله ينقل لنا عن رئيس مجلس إدارة الشركة التي يعمل بها إشارته إلى أن «أهرامات مصر تمثل رمزا للدور الذي يمكن أن تلعبه تلك الدولة إذا كان مقدر لنا أن نكسب قلوب وعقول العرب». وحسب تعبير رئيس مجلس الإدارة على غذاء عمل مع الرؤساء التنفيذيين للشركة في أعلى مبنى في بوسطن: إن مصر سوف تمثل الأساس ثم حينئذ سوف نجتذبهم دولة بعد الأخرى.

ويشير المؤلف، فيما يبدو تأكيدا لوجهة النظر تلك،إلى الرؤية التي قدمها مسؤول مصري خلال لقاء جمعه مع عدد من الأميركيين المشاركين في إعداد خطط مشروعات للصرف الصحي والمياه ومشروعات بنية أساسية أخرى من «إن التاريخ يثبت أن مصر هي رأس الكلب الذي جسمه أفريقيا».. قالها بابتسامة عريضة على وجهه، مضيفا«عليكم أن تجعلوا من السهل على رئيسنا المحترم أنور السادات أن يتبع أميركا، وأفريقيا سوف تتبعه».

الانطلاق من مصر

يذكر المؤلف في معرض التعقيب على ذلك أنه جاء في إطار مجموعة من اجتماعات العمل في الإسكندرية كانت قناعتهم خلالها أن عملهم انطلاقا من مصر سوف يوفر أجواء جديدة للعمل عبر أفريقيا وأنه مع بداية الألفية الثالثة فإن معظم مشاكل القارة ستكون من الماضي، وفقا لرؤى أصحاب الشركات التي يعملون من أجلها بالطبع.

كان ذلك عام 1974 حيث كانت مصر تعيش فترة حيوية من تاريخها وكان عملاء شركة مين وممثلي الشركات متعددة الجنسيات قرروا انتهاز تلك الفرصة والتي يقومون خلالها بمجموعة دراسات تخص مصر وإقامة مشروعات مختلفة بها.

يقدم لنا المؤلف جانبا من تاريخ الأوضاع في مصر على نحو ينتهي منه إلى اقتناع الإدارة الأميركية والشركات الكبرى فيها بأن إحكام السيطرة على الأوضاع فيها يعني إحكام السيطرة على مقدرات الوضع في الشرق الأوسط وأفريقيا. وخلال اجتماع عمل راح ممثل للوكالة الدولية الأميركية للتنمية الدولية يعرض خبرته بشأن مصر عارضا لتاريخها الحديث مؤكدا أن قرونا من الهيمنة الأجنبية وضعت الأساس لأحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية هناك، لجهة الثورة على حكم فاروق الذي كان يعد في النهاية من أصل غير مصري، أي حكم أجنبي.

ويستعرض هنا تفاصيل مراحل تطور الأوضاع في مصر خلال الخمسينات لجهة تحالف الإخوان المسلمين مع الضباط الأحرار والثورة على فاروق، ومغامرة ناصر الطائشة ـ حسب وصف ممثل الوكالة الدولية للتنمية ـ بالإنفصال عن الغرب والإنضمام إلى المعسكر السوفييتي، ورد الغرب على ذلك بسحب تمويل السد العالي وما تبع ذلك من غزو ثلاثي بترتيب من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

ويصل بيركنز إلى اللحظة التي وقفت فيها الولايات المتحدة في مواجهة الغزو في محاولة، وفق ما يذكر الكتاب استنادا إلى أحاديث جرت في تلك الفترة، أن نظهر للعرب أننا نقف خلفهم في مصر، وأن الولايات المتحدة أصبحت القوة المهيمنة التي لا ينازعها احد في المنطقة، وذلك بعد نحو أقل من عام من ترتيب الأوضاع في إيران على النحو الذي كانت تريده الإدارة الأميركية من خلال خلع مصدق وتنصيب شاه إيران الذي يعتبر صديقا للغرب محله.

بين التميز والذنب

يشير المؤلف إلى أن استعراض الأوضاع على النحو الذي عرضه ممثل وكالة التنمية الدولية أصابه بحالة مزدوجة من السخرية على هذا التفكير الذي يسعى إلى تكييف الأوضاع وفق مصالحه، وكذا الرغبة في التمتع أو جني ثمرة ما هو متوقع حدوثه لتلك القوة المهيمنة.

لقد انتابت المؤلف الحيرة بشأن مهارة هؤلاء الناس وشعر بالتميز والذنب في الوقت ذاته أن يكون جزءا من هذا المشروع من أجل بناء ما أصبح يدرك أنه ليس شيئا أقل من بناء أول إمبراطورية سرية في العالم. ويضيف أن هؤلاء المدراء التنفيذيين للشركات الذين تصادف أن سيطروا على صناعة الدفاع وكذا بقية مجالات الإقتصاد الأميركي أجبروا أيزنهاور على التنازل لمطالبهم. والآن فإنهم بعد أقل من عقدين فإن وكالة حكومية تستعيد رؤيتها للتاريخ في المحادثات الرسمية.

في تلك اللحظة استدعى إلى ذهنه خطبة أيزنهاور بشأن المركب الصناعي - العسكري، مشيرا إلى أنه من المثير للسخرية أن يكون ضابط محترف وقائد أعلى لقوات التحالف خلال الحرب العالمية الثانية أول شخص يكشف علنا عن وجود ظاهرة ما أصبح يعرف بسيطرة وهيمنة الشركات.

ويذكر أن أيزنهاور رأى أولئك التنفيذيين يحصدون النفوذ والتأثير على السياسة الخارجية الأميركية خلال فترة الحرب الكورية وقد رأى كيف أن احتكار الصحافة والكونجرس انعكس في استخدام نغمة التهديد الشيوعي كمبرر لتقويض الحريات المدنية.

لقد وقف إلى صفهم عندما كانوا يبيعون التكنولوجيا إلى الجيش من اجل التوصل إلى تطوير الصواريخ الموجهة للرؤوس النووية إلى مسافات بعيدة، ولكنه في مصر خلال أزمة السويس بدأ يشعر بالخوف الحقيقي من الإتفاق بين الحكومة والجيش وهذه الشركات. وقد تنازل نعم، ولكنه في العمق كان يغلي إلى أن حانت اللحظة المناسبة واقتربت فترته كرئيس على الإنتهاء ثم أسقط قنبلته.. عن المركب الصناعي العسكري.

المجمع الصناعي ـ العسكري

لقد وصف أيزنهاور الولايات المتحدة بأنها دولة يقوم اقتصادها على أساس الصناعات السلمية «.. حتى آخر نزاعاتنا العالمية فإننا لم يكن لدينا صناعات عسكرية..» وعلى ذلك راح يصدر تحذيره من خضوع أداء الحكومة لتأثير ما وصفه بالمركب الصناعي العسكري.

ويعود المؤلف إلى رحلته مع مصر حيث يشير إلى أن ممثل وكالة التنمية وصف ناصر خلال اللقاء المذكور بأنه شخص متهور وأنه تصور أنه يمكن أن يضحك على الأميركيين أو يفوق ذكاءهم وعلى ذلك فإنه بغباء استمر في الصف السوفييتي، وقد استدعاهم لبناء خزان أسوان.

ويشير إلى أن الستينيات كانت فترة مضطربة في مصر وهو ما ألقى بتأثيره على هذه الشركات.. فقد أمم ناصر الإقتصاد وأجرى إصلاحات تم بمقتضاها سيطرة الحكومة على نسبة 51% من معظم المشروعات الإقتصادية، يا لها من كارثة، لقد مكنه ذلك من أن يواجه المخططات الأميركية، وقد بقيت قوات الأمم المتحدة حتى 1970، وتواصل إغلاق القناة مع ماله من تأثيرات ضارة بالإقتصاد الأميركي.

غير أن وفاة ناصر كانت بمثابة تحول جوهري في موقف مصر، وهنا يذكر بيركنز أنه مع هذا الحدث بدأ العمل على جذب السادات إلى المدار الأميركي. وحسب رواية أحد الفاعلين فـ «لقد مانع في البداية، ووقع اتفاقية مع السوفييت امتداد لما قام به ناصر. على ما يبدو أنه كان يتمتع بمراوغة الأميركيين ولكننا تحملنا الإهانة...

وقد جاء ذلك بنتيجة، حيث بدأ السادات يغير سياسته على نحو مفاجئ باستبعاد السوفييت من مصر عام 1972، وهو يغازلنا بشكل محموم كنوع من التعويض، من خلال الدخول في اتفاقات فك الإرتباط مع إسرائيل وتشجيع الإستثمارات الأجنبية وطلب مساعدة البنك الدولي والولايات المتحدة، إن نافذة الفرصة أصبحت مفتوحة الآن».

يشير المؤلف إلى أنه بعد غداء العمل بشأن استراتيجية العمل مع مصر طلب منه رئيس الشركة رجل الأعمال الغني والأسطورة جورج ريتش والذي يحوز استثمارات هائلة في أفريقيا والشرق الأوسط الإجتماع معه. كان ريتش الذي تجاوز آنذاك الرابعة والثمانين من العمر، حسبما يذكر بيركينز، من بين أوائل المغامرين الذين اتجهوا إلى المناطق البعيدة وشاركوا في تطوير العديد من المشروعات خاصة في مجال الطاقة الكهربائية في المناطق الريفية، ويحظى بالتقدير من قبل المهندسين في مختلف أنحاء المعمورة.

حديث عن مصر

اصطحبه إلى غرفة خاصة وبها خريطة للعالم وقد راح يشير إلى القارة الأفريقية قائلا: «مصر» أعرف أنك سمعت ما ذكره ولكني الآن أريدك أن تتأكد من أنك تعرف الصورة الحقيقية لما نفعله. إنك سوف تذهب إلى مصر حالا ثم إلى الكويت والعراق» أنت بالطبع، وهذا هو عملنا، أكبر بكثير مما يبدو، وأكبر مما تشير إليه العقود، وأشار إلى الخريطة مضيفا: لقد تم إخبارك بشأن الإخوان المسلمين. وراح يحذره منهم قائلا أنهم بالغو الخطر، ويجب التغلب عليهم، مشيرا إلى صعوبة التوصل إلى حلول وسط معهم، وأن تجربة السادات أثبتت ذلك.. إن ذلك الأمر مثل إطلاق أو سكب المزيد من الكيروسين على النار.

هنا يورد المؤلف حديثا طويلا يستغرق أكثر من أربع صفحات من الكتاب بالغ الدقة جرى بينه وبين ريتش بشأن الأهمية التي تمثلها مصر خاصة لجهة كونها مدخلا إلى أفريقيا يخلص ريتش من خلاله إلى التأكيد على أن مصر بنيت أو أقيمت على تربة أفريقية ليس لمجرد أنها تقع في قارة أفريقيا ولكن أيضا بسبب أنها تقوم على أصول تربة أفريقية انحدرت من خلال طمي الفيضانات إلى نهر النيل.

ومواصلا حديثه راح يقول: إن مصر والسودان والصومال وأثيوبيا وكينيا كلها أراض قديمة تم تقطيع أوصالها عبر التاريخ. ثم نظر إلى الخريطة مرة أخرى وراح يؤكد له أنه يوجد ثروة نفطية هائلة في تلك المنطقة أيضا، مضيفا: إنني متأكد من ذلك. لقد عشت طويلا أدرس جيولوجيا المنطقة واستطيع أن أؤكد لك أنه خلال حياتك فإن أفريقيا سوف تصبح مجالا لمعارك بشأن النفط.

ولذلك إذهب إلى مصر واستخدم ذلك كمرحلة للبدء لإخضاع الشرق الأوسط. مضيفا: إنها مرحلة الإنطلاق لأفريقيا كذلك. إننا نريد الشرق الأوسط، نعم ولكن يجب أن تكون أفريقيا لنا كذلك. وخرج بيركنز من اللقاء مبتهجا وراح يردد إن ريتش على حق: نحن يجب أن نسيطر على الدول ذات المصادر التي تريدها شركاتنا، لمصلحة الأجيال المقبلة، وخلال أسابيع كان في الطائرة متوجها إلى مصر.

خلال وجوده في القاهرة والإسكندرية استثاره نقص التعاون من قبل المسؤولين الرسميين. لقد تم تكليفه من قبل الوكالة الدولية للتنمية بتطوير دراسات بشأن مشروعات يمكن من خلالها أن تحصل الحكومة المصرية على تمويل من البنك الدولي، ولكي يقوم بعمله على نحو أمثل فقد كان يحتاج تفاصيل تتعلق بالإحصائيات السكانية.

لغز الإحصاءات

يعرض لنا المؤلف جانبا من الصعوبات التي واجهها في مصر من اجل القيام بهذا العمل. لقد كانت المشكلة أن الجميع يرفض أن يقدم له بيانات رسمية تتعلق بالإحصاءات السكانية باعتبار أنها غير متاحة للعامة وعندما كان يؤكد أنه ليس من العامة كان طلبه يواجه بالرفض. يستعيد بيركينز هنا جانبا من خبراته مشيرا إلى انه صادف مشكلة من هذا النوع في عمله في آسيا وأميركا اللاتينية غير ان المشكلة كانت تجد طريقها إلى الحل عندما يذكر لهؤلاء المسؤولين أنه يعمل من أجل صالحهم والحصول على تمويل من البنك الدولي، غير أن الموقف في مصر بدا مختلفا.

لم يجد المؤلف طريقا سوى أن يتجاوز نظراءه من المشاركين معه في المهمة من الجانب المصري ومحاولة الوصول إلى مسؤول يمكن أن يسهل له مهمته رغم ما كان في ذلك من صعوبات إزاء ما كان يمكن أن يؤدي إليه ذلك من مشاكل مع هؤلاء المشاركين. لقد رتب لقاء مع مسؤول في قمة السلطة شخص خدم في العديد من الوزارات وكان يعمل في ذلك الوقت، لدى سعى المؤلف للقائه، مستشارا شخصيا للرئيس السادات، غير أن المؤلف، وفي محاولة لعدم الكشف عن مصادره يعزف عن ذكر إسمه الحقيقي مشيرا إلى تلقيبه له بالدكتور قاسم.

ومن الجدير بالإشارة هنا أن ذلك الأسلوب من المؤلف كان موضع انتقاد لدى صدور كتابه الأول والذي قدم فيه اعترافاته في ضوء تجهيل عدد من مصادره على النحو الذي كان يتيح الفرصة للتشكيك في صحة المعلومات وروايته للأحداث أصلا، وإن كان المؤلف يبرر ذلك بأن ذكر بعض الشخصيات قد يلحق الضرر بها خاصة وأن بعضها مازال على قيد الحياة. فضلا عن أن أحدا لم يكذب أي رواية قدمها المؤلف بشأن الدول المختلفة التي زارها وكان له نشاط بها.

لا يتركنا المؤلف في حيرة كاملة من أمرنا وأنما يدعنا نخمن من هو المسؤول المصري ذاك مشيرا إلى أنه خريج كلية هارفارد للأعمال والتي اعتاد خريجوها على التعاطي مع منظمات مثل البنك الدولي والمنظمة الأميركية للتنمية الدولية.

رشوة لم تتحقق

بعد استعراض طويل لمهمته يبدو لنا أن مصر كانت تمثل استثناء من تاريخ عمل المؤلف على نحو لم يفصل هو نفسه فيه بشكل يثير التساؤلات. فقد كانت الرشوة جزءا من خصائص عمل بيركنز لتسهيل أعماله، وعلى ذلك فقد أعد نفسه لكي يرشو المسؤول المصري بسخاء غير ان البوادر لم تكن مشجعة. ففي المكتب وجد نفسه ينتظر لأكثر من ساعتين، لم يقدم له خلالهما كوبا من الشاي ما رجح معه أن في ذلك ما يكون عقابا على تجاوزه القنوات الرسمية للقاء. وعلى ذلك أعد نفسه لتقديم رشوة كبيرة لإنجاز مهمته.

وأخيرا التقاه المسؤول المصري وراح يدعوه إلى مكتبه عبر ممر خشبي يشير إلى أنه أشبه بمقبرة توت غنخ آمون وليس على الطراز الحديث كذلك الذي يعبر عنه المبنى الذي يقع فيه المكتب. حتى خلال وجوده في المكتب تعامل المسؤول المصري معه كأنه غير موجود على نحو استثار غضب المؤلف وكاد ينفجر قائلا في ذهنه: هل نسي أنني أمثل مؤسسة استشارية محترمة مكلف من قبلها من أجل مساعدة بلده؟

وبعد عبارة شكر من قبل بيركنز بالموافقة على استقباله، ودون أن يبدي المسؤول المصري أي ترحيب بذلك سأله «الدكتور قاسم» مباشرة عما يريد من لقائه معه؟ لقد شعر بالإهانة البالغة وكان من الأهون عليه أن يتجه إلى المكتب ويغادره ردا على ذلك، غير أن المؤلف استعاد اللقاء الذي جمعه مع ريتش وبدا له أن انتقامه من هذا المسؤول وهو أنه يعمل كمجرم اقتصادي محترف وأنه معين من أجل استغلاله واستغلال بلده. وخلال اللقاء راح يشير إلى أنه في حاجة إلى إحصاءات سكانية، وأنه بدون تعاون المصريين معه فإن الدولة لن تحصل على الأموال التي طلبها الرئيس.

يبدو أن ذلك الطلب وعلى ذلك النحو ولخبرة المسؤول المصري بالأميركيين ومعاشرته لهم راح يوبخه على نحو غير مسبوق مؤكدا له انه لايهتم بأمر الملايين التي يتحدث عنها المؤلف، عائدا إلى مكتبه بما يعني أن المقابلة انتهت. استعاد باركنز أنشطته في أندونيسيا والمهمة المكلفة بها وقرر أنه لا بد أن يهزمه في هذه اللعبة. فما كان من المسؤول المصري إلا أن أمره بالخروج. ولكنه راح يؤكد له: تذكر دائما أنك كلب كافر. قال ذلك بشكل لا يطاق مضيفا: لن تحصل على الإحصاءات السكانية إلا إذا أراد السادات أو الله.

من الغريب والمثير للدهشة ما يذكره المؤلف من انه بعد أيام تسلم المعلومات بشكل غير رسمي كلها في ملف تم تسليمه له من شخص كان يركب على دراجة بخارية. لم تكن بها أي ملحوظات مرفقة معها، كل ما يحتاجه وصله دون أن يدفع أي شئ. إرادة من أن تصله هذه المعلومات؟ لم يحدد لنا المؤلف ولم يشأ أن يخوض في التفصيل وإن كان من الواضح من سياق الكتاب أن الرئيس السادات أمره بذلك.

أسباب غير مقنعة

أثار ذلك تعجب المؤلف هل كان هناك سبب لمنع هذه الإحصاءات؟ لقد كانت الإجابة التي وردت في ذهن المؤلف أن مصر تخشى من غارة إسرائيلية جوية. ولكنه يعبر عن عدم رؤيته كيف يمكن لمثل هذه الإحصاءات أن تساعد إسرائيل، كما ان هذه الأخيرة لديها بالفعل، حسبما يعرب المؤلف عن اعتقاده، كل المعلومات التي تحتاجها من اجل توجيه طائراتها وصواريخها. كما أن القنابل لن تهتم بسواء ما اذا كانت منطقة سكنية معينة ستزيد بنحو 100 ألف أو 110 آلاف خلال السنوات العشرين المقبلة.

وحينذاك تذكر كلمات دكتور قاسم.. أنت كلب كافر.. إن المصريين يعرفون إلى حد كبير ما يجهله البعض في بلاده - الولايات المتحدة - بخصوص استخدام هذه المعلومات مثل الإحصاءات السكانية، التي زوده بها دكتور قاسم، من اجل بناء الإمبراطورية، مضيفا إن تقارير المجرمين المحترفين اقتصاديا ربما تكون أسلحة أفضل مما مثلته السيوف الصليبية، وأن القنابل الإسرائيلية تخدم أهداف هذه التقارير حيث إنها تنشر الخراب والخوف وتفرض على الرسميين أن يستسلموا.

وفي إشارة إلى الدور الذي يمثله يقول: ولكن أناسا مثلي يمثلون الخطر الحقيقي. إننا نستفيد من الخراب المتحقق بفعل القنابل على نحو يمكننا معه التيقن من أن أولئك الذين استسلموا قد تعلموا الدرس بما فيه الكفاية من أجل تجنب القصف مستقبلا، وعلى نحو يفرض في النهاية أن نحظى بالتدليل في ضوء أننا نحتل القمة وأن رجالا مثل الدكتور قاسم ليس لديهم في النهاية سوى الإستسلام أو فقدان وظائفهم، وأن ذلك قد يكون السبب الحقيقي وراء غضبه والمعاملة الجافة التي لقيها منه.

ويبدو أن هذه الكلمات من قبل دكتور قاسم كان لها تأثيرها على المؤلف على نحو كبير حيث يشير إلى أنها كانت تراوده في مهماته التي كان يجريها حول العالم. وفي صراحة بالغة يقول لقد توصلت إلى إدراك أنه رجل يتمتع بالإباء، ينحدر من ثقافة يجب احترامها، وتقوم على كراهية، على شاكلة كليوباترا، وجوب الإنحناء أمام قيصر. وقد وصل موقفه إلى حد التأكيد على أنه - المؤلف - لو كان في موقعه لكان أكثر وقاحة.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق