يتابع المؤلف هنا استعراضه لأنشطته في عدد من دول العالم التي مارس فيها دوره كمخرب اقتصادي محترف على نحو ساهم من خلاله في إفساد الأوضاع في العديد من هذه الدول، ويبادر إلى الإعراب عن ندمه على ما قام به في هذا الصدد، وهو ما يثير التساؤل بشأن هذا التحول.

وهو يفصل القول في تحليل الوضع في الشرق الأوسط بشكل عام وعدد من دوله بشكل خاص، على نحو ما بدا له من خلال مقاربته العملية لمجمل الملامح الاقتصادية في المنطقة من منظوره المهني.لقد اتسم نشاط المؤلف بالاتساع وبلغ من السرية والتأثير الحد الذي سعت معه الكثير من الجهات لإسكاته عن الكشف عنه. وفي ذلك الصدد يشير المؤلف إلى اتصالات معه خلال أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من قبل شركة (ستون ووبستر للهندسة) التي كانت تعد في ذلك الوقت واحدة من أكبر الشركات التي تحظى بالاحترام كشركة إنشاءات واستشارات.

ويذكر أنه تلقى مبلغ نصف مليون دولار في إطار تفاهم تم بمقتضاه التخلي عن الكتابة فيما يتعلق بحياته كمخرب اقتصادي محترف. غير أن الشركة فيما بعد أفلست وسرحت موظفيها ولعل ذلك هو ما يقف وراء نشر المؤلف مذكراته باعتبار أنه أصبح في حل من التزامه. نصيحة الدلاي لاما في تفسير بشأن التحول الذي انتاب حياته وجعله يعيد النظر في أسلوب عمله يشير المؤلف إلى لقاء له مع الدلاي لاما وفلسفته التي ألقت بتأثيرها عليه على نحو كبير، ويذكر أنه في ختام لقائه مع الدلاي لاما على هامش زيارة سياحية قال له : (لا تكن بوذيا، إن العالم ليس في حاجة إلى مزيد من البوذيين، ما عليك سوى أن تكون رحيما فالعالم في حاجة إلى مزيد من الرحماء).

على إثر ذلك قرر بيركنز أن يكرس بقية حياته من أجل تغيير الأشياء وأن يكتب وأن يتكلم بشأن أخطار عالم يقوم على الاستغلال والخوف والعنف، وقرر أن يبحث عن حلول حقيقية من أجل إلهام الناس المبادرة بأفعال حقيقية، معتبرا انه ليس كافيا أن يتم إحلال إمبراطورية محل أخرى، أو محاربة الخوف بمزيد من الخوف، وضرورة كسر هذه الحلقة المفرغة والتي يعززها النشاط الذي يقوم به ونعرض جانبا منه في السطور المقبلة.إزاء نجاح المؤلف في مهامه بإندونيسيا قرر رؤساؤه في العمل إرساله إلى الشرق الأوسط، ومن هناك كتب المؤلف عددا من التقارير لشركته، وإن كان يبدو أنها لا تتعلق بقضايا حيوية ذات تطبيق عملي على شاكلة تلك التي جرت في اندونيسيا على نحو جعل المؤلف لا يتعرض لها بالتفصيل.

على الرغم من ذلك أسدى المؤلف خدمة قوية للاقتصاد الأميركي من خلال علاقاته في هذا الصدد. وفي ذلك يشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة كانت قد جاهدت في بداية حقبة السبعينات من أجل إقناع العالم باستمرار قبول الدولار كعملة رئيسية، ويشير هنا إلى أنه ساعد على عملية خلال تلك الفترة تم بمقتضاها إقناع دولة نفطية شرق أوسطية بالالتزام ببيع النفط بالدولار فقط وهو ما استتبعه قيام بقية دول المنظمة المصدرة للنفط بنفس الخطوة، وعلى هذا فإنه في ظل احتفاظ النفط بمكانة محورية في الاقتصاد العالمي وكونه يمثل المصدر الرئيسي ضمن سيطرة الدولار والاحتفاظ بمكانته كعملة رئيسية في العالم.

ثم يعرض المؤلف نماذج مختلفة من العمليات ومن الأمثلة الدالة التي يقدمها والمتعلقة بما يراه تورط بعيد الأمد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط مستمدا من الخبرة التاريخية الخاصة بنفط المنطقة والعمليات القذرة التي قامت بها واشنطن من أجل ضمان تدفقه والسيطرة على مقدراته، على النحو الذي يكشف عن الأهمية التي يحتلها النفط في الإستراتيجية الأميركية منذ ظهورها كقوة عظمى خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

السيطرة على النفط

بعد أن يستعرض المؤلف أبعاد الأهمية التي أصبح يحتلها النفط مع حلول القرن العشرين يذكر أنه بعد إعلان السلام مع انتهاء الحرب العالمية الثانية أعد مسؤولو شركات النفط الأميركية خطة يمكن لها أن تغير مسار التاريخ. لقد أقروها من أجل تحقيق أكبر مصلحة لهم وبالتالي مصلحة الدولة وتتمثل في إقناع الرئيس والكونغرس بتوفير الاحتياطات الأميركية منه من أجل حروب مستقبلية وأية طوارئ أخرى على أساس عدم التفريط في حقول النفط الداخلية فيما أنه موجود في قارات أخرى يمكن استغلاله؟

وبالتعاون مع شركات أخرى في المملكة المتحدة وأوروبا أقنعوا الحكومات أن تمنحهم حوافز مختلفة ادعوا أنها مطلوبة من أجل تأمين السيطرة على إمدادات النفط العالمية .

ويشير إلى أن القرار الذي كان يحظى بدعم وتأييد كل رئيس وكونغرس قاد إلى سياسات رسمت حدود دول قومية وأنشأت ممالك وأسقطت حكومات، ومثل الذهب، فإن النفط تحول إلى رمز للسلطة وأساس تقدير العملات، غير أنه على خلاف الذهب كان أساسيا من أجل التقنية الحديثة والعديد من الصناعات.

في البداية بدا أن خطة رؤساء مجالس شركات النفط يمكن أن تجلب الثروة لدول العالم الثالث المنتجة للنفط ، ومع ذلك ومتتبعين خطوات الذهب، فإن النفط أصبح في بعض الحالات وبالا. لقد كان وضع الدول الغنية بالنفط مشابها لمتحيني الفرص في ظل الدفعة القوية التي شهدها الغرب في بدء نموه ، ومع الوصول إلى حقل نفطي، فإنها تصبح أهدافا للأوغاد والبارعين من اللصوص.

ومع ما يعتبره اختلاق عدو عام على غرار كل إمبراطورية فإنه تحدد في الاتحاد السوفييتي، ويضيف أنه على هذا الأساس لم يكن من الغريب أن تبدأ الحرب الباردة من هذه المنطقة.

وهنا يستعرض تفاصيل أزمة تأميم حقول النفط في إيران خلال الخمسينات على يد مصدق المنتخب ديمقراطيا من قبل الإيرانيين والذي اختارته مجلة تايم كرجل العام عام 1951. لقد هبت بريطانيا ضد قرار التأميم على نحو ما هو معروف وطلبت مساعدة حلفائها خلال الحرب الثانية وعلى رأسهم الولايات المتحدة ووسط خوف الدولتين من أن عملا عسكريا يمكن أن يؤدي إلى تدخل سوفييتي وقد يهدد بإشعال حرب نووية.

كان اللجوء إلى الاستخبارات حيث تم إرسال رجل (السي أي إيه) كير ميت روزفلت مع بضعة ملايين من الدولارات حيث نظم مظاهرات انتهت إلى الإطاحة بنظام مصدق وتم احلال نظامه الديمقراطي بآخر يحكمه شاه إيران السابق والأخير محمد رضا بهلوي.

إمبراطورية بأقل تكلفة

يضيف بيركنز بعد أن يشير إلى أنه استفاد شخصيا من نموذج كيرميت في عمليات لاحقة أن درس تجربة إيران يشير إلى أن الإمبراطورية يمكن أن تبنى دون المخاطرة بحرب وبأقل تكلفة، حيث أن تكتيكات السي أي ايه يمكن أن تطبق حيثما وجدت الموارد وحيثما تريد المؤسسة التدخل.

كانت هناك مشكلة واحدة فقط لقد كان كيرميت موظفا بالاستخبارات وعلى ذلك فإنه إذا ما تم الإيقاع به فإن النتائج يمكن ان تكون مريعة ومخيفة، وعلى ذلك كان القرار بأن يتم إحلال العملاء الذين ينتمون إلى الحكومة بآخرين من القطاع الخاص. ومن بين الشركات المدرجة في ذلك شركته وهي (مين).

يضيف أن الأمر لم يستغرق الكثير من الوقت من أجل أن تقوم الدول بتأميم نفطها لتعزيز الاستفادة من ثرواتها، غير أنه في المقابل وفي مواجهة لمثل هذا الإجراء تم تحويل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى ذات طبيعة دولية إلى أدوات استعمارية.

وفي ذلك يقول: لقد تفاوضنا على اتفاقات مثمرة ومربحة من أجل الشركات الأميركية وأسسنا اتفاقات للتجارة الحرة تخدم على نحو مكشوف خبراءنا على حساب اولئك في العالم الثالث وتحمل الدول الأخرى بأعباء وديون لا يمكن تحملها. وفي تأثير ذلك فقد أوجدنا حكومات بديلة ظهرت على أنها تمثل شعوبها ولكنها في الحقيقة كانت تخدم مصالحنا، وهناك أمثلة عديدة يقدمها المؤلف في هذا الخصوص.

وبالتوازي مع جهود المخربين الاقتصاديين المحترفين، من اجل السيطرة على السياسات العالمية، فإن ممثلي الشركات التي تسيطر على إدارة دفة الأمور من الخلف في الولايات المتحدة أطلقت حملات من أجل زيادة استهلاك النفط مع تشجيع الناس على شراء السلع التي تنتجها شركاتهم والتي تقوم في اغلب الأحوال على نفط العالم الثالث وتنتج في بعض دوله في مواقع عمل شاقة وتحت ظروف مريعة لصالحها.

خلال عقود ما بعد الانقلاب الإيراني فإن الاقتصاديين في الغالب كانوا يستشهدون بالنمو الاقتصادي على أنه دليل على تراجع الفقر، غير أن المؤلف يشير إلى اختلافه مع تلك التقديرات مشيرا إلى أن الأوضاع في آسيا مثلا تكشف عن أن هذه الإحصاءات خادعة.

بالإضافة إلى ذلك فإنها تتجاهل التراجع الاجتماعي والبيئي وعلى ذلك فإنها تعد فاشلة أو فشلت في الإشارة إلى مشاكل المدى الطويل، وإن كانت تلك النظرة من قبل المؤلف قد يتم التحفظ عليها باعتبار أن التعاون المالي الدولي وأيا كانت الأهداف الخفية التي تم على أساسها إلا أنه خدم في النهاية التطور العالمي الذي يتمتع بثمراته المواطنون في مختلف الدول، بمعنى أنه لا يمكن إنكار بعض الفوائد التي تعود على الشعوب رغم أن الهدف أصلا لا يصب في ذلك الاتجاه وإنما في اتجاه خدمة مصالح ضيقة سواء كانت تتعلق بشركات أو نخبة حاكمة أو ذلك.

وهنا فإنه، لا يمكن بأي حال من الأحوال على سبيل المثال اختزال الدور الذي لعبه البنك الدولي في أنه قام فقط على خدمة المصالح الاستعمارية إن صح التعبير وتغافل أثر الكثير من المشاريع التنموية في العديد من دول العالم.

إحلال الأنظمة

إن مثالا جيدا لما يريد المؤلف الإشارة إليه على النتائج غير المقصودة يتمثل في الأحداث التي نتجت عن مغامرة كيرميت روزفلت الإيرانية. فربما جاء الانقلاب بصديق نفطي ولكنه دكتاتور إلى السلطة غير أنه أيضا أسس للحركات المعادية للولايات المتحدة في المنطقة.

كما أن الإيرانيين لن يغفروا للولايات المتحدة الإطاحة بنظام ديمقراطي انتخبوه . فضلا عن ذلك فإن تطورات تلك الخطوة تستدعي تساؤل الكثير من العلماء والمؤرخين السياسيين الذين يبدون تعجبهم من أنه ماذا كان يمكن أن يحدث اذا شجعت واشنطن مصدق وشجعته على استغلال عائدات النفط من أجل انتشال إيران من الفقر؟ .

إن الكثيرين يخلصون إلى أن ذلك كان يمكن أن يشجع أقطارا أخرى على سلوك الطريق الديمقراطي وهو ما كان يمكن أن يقوض العنف الرهيب الذي يجتاح المنطقة منذ ذلك الحين، غير أنه بدلا من ذلك وتغليبا للمصالح فإن الولايات المتحدة سجلت نقطة مؤداها أنها الدولة التي لا يمكن الوثوق بها، ورغم تقديم نفسها على أنها المدافع عن الديمقراطية، فقد كان الهدف ليس مساعدة العالم الثالث وإنما ببساطة التحكم بموارده.

وفي إشارة إلى طبيعة الشعور السائد في المنطقة تجاه الولايات المتحدة على خلفية سياساتها يستعرض المؤلف بعضا من لقاءاته وجانبا من تصوراته الذاتية فيذكر أنه في زيارة لبندر عباس التي تعد واحدة من أهم نقاط المرور في العالم التقى أستاذ تاريخ تركي يعد كتابا عن تاريخ الطرق القديمة ودخل معه في نقاش بشأن الشاه وراح ينتقده وينتقد موقف الولايات المتحدة مشيرا إلى حرب أكتوبر مؤكدا على أن إسرائيل إنما تعد وكيلة الولايات المتحدة في المنطقة مشيرا إلى أن الأميركيين يتغنون بشأن الديمقراطية فيما أن هذا الموقف انكشف من خلال ما قامت به السي أي ايه هنا في إيران بالإطاحة بمصدق.

على خلفية هذه القضية يتطرق المؤلف إلى الغزو الأميركي للعراق مشيرا إلى أنه يعتبر ثاني عملية من نوعها ضد العراق خلال نحو العقد، مضيفا أنه جاء في إطار خطة واشنطن من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط الذي يحوي أكبر المصادر العالمية من النفط.

مواقف مزدوجة

يضيف المؤلف أنه على مدى الثمانينات ساندت واشنطن ساندت حرب صدام على إيران. لقد جاء ذلك في احد جوانبه، وفق تحليل بيركنز، من أجل الانتقام ممن خلعوا الشاه.. واجتاحوا سفارتنا، وأهانوا الرهائن الأميركيين، وطردوا شركاتنا النفطية واحتلوا أعلى قمة للاحتياطي العالمي النفطي.

ويشير إلى أن العديد من المخربين الاقتصاديين المحترفين لعبوا دورا كبيرا في العراق خلال فترة نظام صدام حسين، ومن ذلك بناء مفاعلات كيمائية بنتها شركة بكتل، يقول المؤلف عنها: كنا نعرف أنها يمكن أن تنتج غازات السارين والخردل لقتل الإيرانيين والأكراد والشيعة، وقد زودناه بمقاتلات ودبابات وصواريخ ودربنا قواته عليها، وقد ضغطنا على عدد من الدول من أجل إقراضه 50 مليار دولار.

ويقرر أن السنوات الثماني التي دارت خلالها الحرب العراقية - الإيرانية كانت واحدة من أطول الحروب وأكثرها دموية وتكلفة في التاريخ الحديث. وبمرور الوقت فإنها انتهت عام 1988 وقد لقي أكثر من مليون شخص حتفهم، ودمر اقتصاد الدولتين، فيما ربح المزودون بالسلاح وشركات الإنشاءات كثيرا من هذه العملية.

وعبر المجرمين الإقتصاديين المحترفين كانت محاولات إقناع صدام بالانصياع والانخراط في اتفاقات شبيهة بتلك التي ساعد المؤلف في التوصل إليها مع دول أخرى غير أنه رفض. يقول بيركنز: لقد كان من الممكن أن يتلقى حمايتنا وكذلك المزيد من الإمدادات الأميركية بالأسلحة الكيماوية وغيرها. وعندما أصبح واضحا أنه يسلك طريقه الخاص، فإن واشنطن أرسلت قتلة محترفين لاغتياله.

ويشير إلى أن اغتيال رجال مثل صدام عادة ما تكون بالتواطؤ مع الحراس الشخصيين، مضيفا أنه في حالات يعرفها شخصيا مثل رولدوز في الإكوادور، وتوريخوس من بنما فقد كان متأكدا من أن الحراس مدربون في الولايات المتحدة حيث تمت رشوتهم للقيام بعمل تخريبي عبر الطائرات، غير أنه يبدو أن صدام تعلم الدرس ففهم أبناء آوي وتقنياتهم .

فلقد تم إستئجاره من قبل السي أي ايه في الستينات لاغتيال عبد الكريم قاسم وتعلم من ذلك، وعلى ذلك كان يفتش رجاله على نحو بالغ، كما استأجر أيضا شبيهين له، على نحو لم يجعل حراسه على يقين من أنهم يحمونه أم يحمون الشبيه.

لقد فشل أبناء آوي، في النيل من صدام، وعلى ذلك فإنه خلال 1991 لم تجد واشنطن أمامها سوى الخيار الأخير حيث أرسل الرئيس بوش الأب القوات الأميركية وعند هذه النقطة فإن البيت الأبيض لم يكن يريد عزل صدام، لقد كان من نوع القادة الذين يريدونهم: رجل قوي يمكن أن يسيطر على شعبه وأن يؤدي مهمته كعامل ردع في مواجهة إيران..

وقد زعم الكونجرس أنه بتدمير جيشه يكون قد تم القضاء عليه، وهو ما هيأ الأجواء لذلك. فقد عاد المخربون اقتصاديا إليه في التسعينات غير أنه من الواضح انه رفض عروضهم، ومع فشل النيل منه باغتياله، فإن بوش الابن لجأ مرة ثانية إلى الآلة العسكرية حيث تم إقصاء صدام وإعدامه.

ذريعة خاطئة

في تقويم لموقف بلاده تجاه العراق يكرر بيركنز أشار إليه البعض في معرض تفسير الغزو الأميركي للعراق، واعتباره يعود بشكل أساسي إلى أسباب عملية تتعلق بالسيطرة على إمدادات النفط الأمر الذي يأتي بدوره في إطار خطة أكبر للسيطرة على المنطقة ككل، على النحو الذي يجعل أمورها رهنا بإرادتها.

وهنا يقول: (إن غزونا الثاني للعراق جاء على خلفية خاطئة فمن رتب للغزو يعرف أن مرتكبي أحداث 11 سبتمبر لم يكونوا مرتبطين بصدام أو العراق) مؤكدا أن الربط بين تلك الأحداث والغزو لم يكن سوى ذريعة سعت بها الإدارة الأميركية لتبرير موقفها.

وحسبه: لقد جاء الغزو على خلفية اصطفاف اليمين المسيحي القوي صاحب التأثير القوي على السياسات الأميركية لنفسه مع اللوبي الإسرائيلي وإخضاع الشرق الأوسط ، وفي الوقت ذاته السيطرة على إمدادات النفط وطرق النقل.

وقد كان رد الفعل العربي، كما يذكر، متوقعا فمنذ أيام ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا حتى بوش فإن العرب يريدون شيئين بالغي الوضوح. 1- يريدون من الأوروبيين ـ والآن الأميركيين ـ أن يبقوا بعيدا.

2- يريدون تطبيق نظم الحكم التي يرونها مناسبة والتي تنطلق من أساس إسلامي بدلا من مفاهيم غربية عنهم. وعلى خلفية هذه التطورات يقرر أن الشرق أوسطيين لن يصفحوا لأوروبا فرض حدود عشوائية على أراضيهم ومكافأة أصدقاء للنظم التي لا يرضون عنها، مضيفا أن السخط في الشرق الأوسط على أوروبا بدأ في العصر الوسيط، وتواصل عبر القرون.

شكوك عربية

يؤكد المؤلف أن الكثيرين من العرب يعتقدون أن إمبراطورية ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تقودها الولايات المتحدة لديها مخططات مشابهة لتلك التي كانت لدى الصليبيين. إن الإدراك القائم على نحو كبير كما هو لدى استاذ تركي التقاه المؤلف في إيران هو الاشتباه من البداية في أن إنشاء دولة إسرائيل يتجاوز كونها مجرد مأوى لشعب يعاني.

وهو ما يفسر الموقف العربي الشامل الرافض لقيام هذه الدولة، وتصور أنها رأس حربة للاستعمار، ولذلك فإنه عندما أعلن ديفيد بن غور يون ميلاد إسرائيل في 1948 بادرت الدول العربية مجتمعة إلى شن حرب ضدها. وخلال الأعوام التالية فإن عدم ثقة المسلمين في الولايات المتحدة بدت مبررة نظرا للمساندة غير المتوازنة لتلك الدولة العبرية التي تمكنت عبر العديد من الحروب الناجحة ـ على مستوى إسرائيل - من انتزع الكثير من الأراضي منهم.

ويختم المؤلف تناوله لهذا الجانب بالإشارة إلى أن حرب العراق عام 1991 والوجود العسكري الأميركي الواضح في المنطقة الذي تبع الغزو يعزز النظرية التي تذهب إلى ان الغرب يواصل تقليدا انتج من قبل مقاتلي القرون الوسطى.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق