منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي، يُبلّغ ألوف من البشر عن أصوات بسيطة تصل إلى مسامعهم من دون أن يكون لها أي مصدر مرئي ظاهر أمام عيونهم، وهي الظاهرة التي أطلق عليها وصف (الطنين). هذه الأصوات غالبا ما تكون مشابهة لأصوات محرك الديزل، وبحسب بعض التفسيرات العلمية، فإن مصدرها قد يكون مرض الطنين الأذيني أو ذبذبات لاسلكية أو اهتزازات أنابيب الغاز أو ذبذبات الاتصالات اللاسلكية الصادرة عن الغواصات النووية الأميركية.
بالنسبة لبعض الناس، فإن هذه الذبذبات أو هذا الطنين لا يتوقف أبدا، حيث يأخذ شكل صوت منخفض التردد يخترق أي أجواء صامتة. تشير مجلة (فوكس) العلمية التي تفرد لهذا الموضوع تغطية متميزة في أحد أعدادها الأخيرة إلى أن ألوفا من الأشخاص في مختلف أنحاء بريطانيا قد أبلغوا عن سماعهم أصواتا منخفضة التردد يصفها معظمهم بكلمة (طنين). وعلى الرغم من أن معظم التقارير الخاصة بهذه الظاهرة تأتي مما يعرف بـ (نقاط الطنين ساخنة) حول العاصمة البريطانية لندن وبريستول و لارجس في اسكتلندا.
إلا أنه ثبت وجودها أيضا في بلدان أخرى كثيرة في مختلف أنحاء الأرض امتدادا من الدانمارك في أقصى الشمال إلى نيوزيلندا في أقصى الجنوب. وعلى الرغم من شيوع الظاهرة واتساع رقعتها إلا أن جميع المحاولات التي بُذلت لسبر غورها والتعرف على أسبابها قد باءت بالفشل.
لا يمتلك أحد أي دليل على تاريخ بدء ظاهرة الطنين هذه. البعض يقول إنها بدأت في أوائل عقد الأربعينات من القرن الماضي عندما اشتكى الناس في لندن وساوثهامبتون من وجود ضوضاء يستشعرها عدد كبير من الناس. غير أنها لم تكن بالقوة نفسها الموجودة بها هذه الظاهرة الآن. بيد أنه بحسب البروفيسور دافيد ديمينج من جامعة أوكلاهوما،وهي من الجهات الكبرى المعنية بالظاهرة، فإنه لم ترد تقارير موثوق منها حول الظاهرة إلا في حقبة السبعينات.
يقول البروفيسور في هذا الشأن: قالت مجلة (نيوساينتست) في عام 1973 إنها تلقت تقارير من 50 شخصا يقولون إنهم سمعوا أصواتا نابضة وضوضاء لم يسمعها أحد غيرهم. وقد أثبتت التحريات فيما بعد أن هؤلاء الذين سمعوا وأبلغوا عن سماعهم هذه الضوضاء ليسوا من هواة الظهور الإعلامي وأنهم بالفعل قد سمعوا أشياء لم يسمعها غيرهم.
بعض العلماء يرى أن سبب هذه الأصوات واضح ولا ينطوي على أي سر، حيث يفسرون الأمر باعتباره طنينا أذينيا ناتجا عن اختلال جسمي يتسبب في ذبذبات صوتية بسيطة داخل أذن الإنسان. ويقول هؤلاء العلماء إن نحو 4% من البشر يعانون من طنيني أذيني. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء المصابين يقولوا إنهم يستمعون إلى أصوات عالية القوة أحيانا،إلا أن هناك البعض ممن يخبر بسماع أصوات طفيفة، منخفضة التردد.
هذا الطنين الأذيني تعانيه فئة بسيطة من الناس، معظمهم ممن هم في منتصف العمر أو المتقدمون في السن، حيث ينتشر المرض بشكل أكبر بين الفئة الأخيرة. وقد ظهرت دراسة في عام 1983 أيدت تفسير هؤلاء العلماء حيث تبين أن 10 من 23 شخصا ممن ابلغوا عن هذا الطنين قد سمعوا أصواتا منخفضة الإيقاع ومتنوعة.
غير أن هناك عددا كبيرا من العلماء ممن يختلف حول هذا التفسير،حيث تبين أن هناك دراسات شاملة أفادت أن هناك نقاط طنين ساخنة كثيرة وواضحة كل الوضوح مثل فانكوفر في كندا وكوبنهاجن. يقول البروفيسور ديمينج: (لو كانت الظاهرة ترجع إلى الطنين الأذيني ،لكان الأمر موجودا بنسب ثابتة بين مختلف طوائف الناس بصرف النظر عن أماكن معيشتهم، في حين أن الأمر ليس كذلك، حيث يزداد عدد المصابين به في أماكن معينة أطلق عليها اسم البؤر الطنينية. كما يتضح أن هؤلاء الذين يتركون هذه الأماكن للعيش في أماكن أخرى يتوقفون عن سماع الصوت نفسه، مما يؤكد أن مصدر هذه الأصوات ليست له علاقة بأدمغتهم.
يقول الدكتور جيوف ليفنتهول،وهو استشاري سمعي إن للظاهرة أسبابا خارجية بالتأكيد ليست لها علاقة بجسم الإنسان، وأرجع هو وطاقم عمل معه الأمر إلى أنشطة صناعية تصيب هؤلاء الذين يعملون في صناعات مثل النفط والغاز أو الذين يعملون تحت الأرض. غير أنه حتى هذا التفسير لم يقدم أجوبة شافية لكل الحالات التي تم رصدها. فأحد التحديات الكبيرة التي تواجه العلماء والباحثين وكل من يحاول التطرق للمشكلة هو أن أكثر المعدات تعقيدا وتطورا تفشل فشلا ذريعا في رصد هذه الأصوات.
قليلة فقط هي المرات التي نجح فيها العلماء في رصد الظاهرة، حيث نجح العالم توم موار، وهو خبير في التعامل مع الإشارات الدقيقة من جامعة ماشي في نيوزيلندا ،في رصد مثل هذه الأصوات بعد أن وردت إليه تقارير تفيد أن هناك أصواتا غريبة تُسمع في أحد المنازل بمدينة أوكلاند وأن هذه الأصوات سمعها عدد كبير من الأشخاص. فما كان منه إلا أن انتقل إلى هذا المنزل وقام بتسجيل هذه الأصوات وكانت محاولته تلك دليلا دامغا على صحة هذه الظاهرة بعد أن حاول الكثيرون التشكيك فيها ووصفها بأنها مجرد سراب.
وحاول موار أن يتتبع مصدر هذه الأصوات عن طريق استخدام سلسلة من الميكروفونات، ولكن محاولته تلك المرة باءت بالفشل. ويقول الباحث في هذا الشأن: (مستوى الطنين والطول الموجي الخاص به يجعلان من المستحيل التعامل مع الظاهرة والوصول إلى نتيجة محددة مع مصدرها).
وحتى في حال نجاح العلماء في النهاية في الوصول إلى مصدر هذه الأصوات فإنه من السابق لأوانه التأكيد على حل لغز هذه الظاهرة، حيث يقول موار إن أغلب الاحتمالات تشير إلى أن هناك أسباب عديدة تقف وراء ظاهرة الطنين وأن أحد هذه الأسباب له علاقة بما يصفه نوار بأنه (بحر الموجات الكهرومغناطيسية الموجود حولنا).
الأمر الذي يزيد من صعوبة رصد الظاهرة وسببها على الرغم من التأكد من وجودها هو أن كل مصدر يعتقد العلماء انه هو الذي يقف وراءها له ما يؤكده وما ينفيه في الوقت نفسه. فالمصانع الذي يجري فيها تصنيع مختلف أشكال الآلات مثل المراوح وأجهزة الضغط وغيرها هي أحد أقوى تلك المصادر غير أن التجارب أثبتت وجود الظاهرة في أماكن لا توجد بها مثل هذه المصانع مثل المناطق النائية.
الأجهزة التي تصدر عنها أشعة المايكروويف قد تكون مصدرا للظاهرة حيث ثبت وجودها بالقرب من المناطق الساخنة المشار إليها آنفا إلا أن عددا كبيرا من هذا الأجهزة لا تصدر عنه الترددات الضعيفة المماثلة لأصوات هذا الطنين.
وتبين أيضا أن الرياح التي تكون موجودة بين خطوط الطاقة عند اهتزازها قد تكون مصدرا للظاهرة،غير أن هذه الخطوط غير موجودة بالقرب من النقاط الساخنة. اهتزازات أنابيب الغاز هي الأخرى ينظر إليها البعض على أنها أحد المصادر حيث تتسبب الاضطرابات الحاصلة في الأنابيب في هز الأرض وصدور هذه الأصوات، غير أنه لا دليل على صحة كونها مصدرا أم لا.
كما تتسبب الهزات الأرضية في موجات جيولوجية تحت صوتية قد تكون هي المصدر،ويعزز هذه الاحتمالية وجود بعض الهزات الأرضية بالقرب من المناطق الساخنة،غير أنها في الوقت نفسه أصوات ضعيفة التردد للغاية لا ترقى لمستوى أصوات الطنين الذي يسمعه الملاحظون للظاهرة. ومن هنا يتبين أن ظاهرة الطنين تظل لغزا يحير العلم والعلماء بانتظار ما ستتمخض عنه البحوث التي سيُقدم عليها المهتمون بها في الفترة المقبلة.
إعداد: حاتم حسين
