يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يأتي استمرارا للكتاب الأول الذي أصدره مؤلفه بعنوان «اعترافات مخرب اقتصادي مأجور» الذي حظي بشهرة مدوية،حيث تعلن للمرة الأولى هنا أسرار إضافية حول ما يجري وراء كواليس الشركات العملاقة التي أوجدت الإمبراطورية الأميركية كأمر واقع استنادا إلى أرضية اقتصادية مذهلة.

ويكشف النقاب عن آليات ابتزاز قادة العالم الثالث وتوظيف المؤسسات الاقتصادية الدولية للتلاعب بقراراتهم، ويضرب المؤلف أمثلة بارزة من الواقع في العراق والكونغو والتبت وغيرها كثير من بقاع العالم. وإلى جوار الشهرة المدوية التي حققها المؤلف بكتابيه فقد ألقى محاضرات في جامعة هارفارد الشهيرة وبرنستون ووارثون وهو رئيس مؤسستي «دريم تشينج» و«باتشاما آلاينس» اللتين تستهدفان العمل من أجل مستقبل أكثر استقرارا وسلاما للعالم.

بغض النظر عن التفاصيل التي يقدمها لنا المؤلف جون بيركنز في كتابه الذي نعرض له «التاريخ السري للإمبراطورية الأميركية»، وهى عديدة، فإن مجمل الرؤية التي يمكن أن يخرج بها القارئ تتمثل في إدراك الأساس الذي قامت عليه السياسات الخارجية الأميركية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهى الفترة التي بزغت فيها الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة على الأوضاع الدولية إلى جانب الإتحاد السوفييتي، على نحو انتهى بتفردها في النهاية بحلول تسعينات القرن الماضي بمقدرات النظام الدولي.

وعلى عكس ما قد يتبادر إلى ذهن القارئ فإن أفق الكتاب ليس استخباريا صرفا، وإن كان يتضمن الإشارة إلى بعض العمليات الاستخباراتية، وإنما هو جولة من خلال زاوية خاصة، هى الزاوية الإقتصادية، بحكم خبرة مؤلفه، يطلعنا من خلالها على الأساليب الأميركية الملتوية، والتي تتسم بالوحشية في بعض مراحلها، من أجل السيطرة على الأوضاع في العالم.

وتنبع أهمية الشهادة التي يقدمها المؤلف بيركنز من طبيعة الوظيفة التي كان يقوم بها وهى العمل مخربا اقتصاديا، ورغم أن هذا التوصيف المهني قد لا يبدو معروفا أو متعارفا عليه في عالمنا العربي، رغم وجود أمثاله على الصعيد الفعلي، إلا أنها وظيفة معروفة وبارزة في المجتمع الغربي عامة والأميركي بشكل خاص.

وتتلخص الوظيفة في الانتماء إلى شركة أو مؤسسة استشارات وأبحاث تقوم على توفير الدراسات التي تعزز اتخاذ القرار في اتجاه محدد على الصعيد الاقتصادي. وحسبما يلخص بيركنز نفسه طبيعة المهمة فإن المخربين الاقتصاديين المأجورين يلعبون هم ووسائل الإعلام دورا كبيرا في تيسير مهمة أصحاب الشركات الكبرى الذين يسيطرون على عملية صنع القرار من الأبواب الخلفية وتحويل أحلامهم في السيطرة إلى واقع.

الدفع نحو الاقتراض

كانت مهمة بيركنز، كما يذكر في سياق كتابه العمل، لإقناع قادة دول العالم الثالث ومسؤوليها بأهمية وجدوى مشروعات معينة على النحو الذي يخدم مصالح الشركات الأميركية متعددة الجنسية، والتي تقوم بمشروعات في مختلف أنحاء العالم. ومن بين الأساليب المتبعة في هذا الخصوص، والتي قام المؤلف بتكرارها أكثر من مرة، دفع عدد قادة الدول النامية إلى الاقتراض لصالح مشروعات معينة من المؤسسات الدولية على النحو الذي يخدم الشركات التي تقوم على تنفيذ هذه المشروعات. وينتهي الأمر في غالب الأحيان بعدم قدرة الدولة المقترضة على سداد الدين الواجب عليها وهو ما قد يستتبعه الاستغلال من قبل الولايات المتحدة في مجالات أخرى تتمثل في تطويع الإرادة السياسية لهذه الدولة.

ورغم الأهمية التي يمثلها الكتاب على صعيد موضوعه، إلا أنه ترد عليه عدة مآخذ، يأتي على رأسها تلك المتعلقة بجوهر الموضوع الذي أشار المؤلف إلى اعتزامه تقديمه في الكتاب، والأسلوب الذي قدمه به. وحسبما أوضحنا فإن الكتاب يتطرق إلى العالم السري لإخضاع إرادة العالم الثالث من أجل مصلحة الشركات الأميركية والتي يرى المؤلف أنها تحكم صنع القرار في الولايات المتحدة على نحو يصفه بيركنز بأنه «حكم الشركات» أو على نحو ما يعرف المؤلف القائمين بأنهم مجموعة الأفراد الذين يتحكمون في النشاط الاقتصادي الأميركي وقرارات الحكومات ووسائل الإعلام.

غير أن القراءة المتأنية للكتاب تمكننا من إصدار حكم عليه بأنه إصدار ثان لعمل ناجح، على شاكلة الأفلام الأميركية الناجحة التي يبادر مخرجوها إلى إنتاج أجزاء ثانية وثالثة بمجرد نجاح الفيلم الأصلي، وهى أجزاء غالبا ما تأتي دون مستوى العمل أو الجزء الأول، ومن ذلك على سبيل المثال أفلام «الفك المفترس» و«حديقة الديناصورات» و«المهمة المستحيلة». وغيرها الكثير.

اعترافات مدوية

لمزيد من الإيضاح نشير إلى أن المؤلف بيركنز يواصل من خلال كتابه تقديم تفصيلات ورؤى أخرى لما سبق أن قدمه في كتاب له صدر عام 2004 بعنوان «اعترافات مخرب اقتصادي محترف»، وقد أحدث الكتاب وقتها دويا هائلا في الأوساط الأميركية في ضوء كشفه عن الكثير من الجوانب الخفية في عالم الأعمال الأميركي على نحو أثار الكثير من الشركات إزاء كشفه عن الكثير من أساليبها في الرشى والتهديد والإبتزاز وكذا كشفه الكثير من الإدارات الأميركية على صعيد تبعيتها لهذه الشركات. وإذا كان من الصحيح أن الكتاب يقدم لنا الكثير من الحقائق الجديدة إلا أن الجرعة الأساسية من شهادة المؤلف كان قد قدمها في كتابه السابق.

ومن السطور الأولى للكتاب يشير المؤلف إلى ما يعزز هذه الرؤية فيذكر أنه يصحبنا في مادة «التاريخ السري للإمبراطورية الأميركية» من حيث انتهى كتابه السابق. فعندما انتهى بيركنز من تقديم كتابه الأول عام 2004 لم تكن لديه أي فكرة، حسب قوله، عما إذا كان لدى أي شخص الرغبة في أن يقرأ عن قصة حياته كرجل مفسد في مجال الاقتصاد. وقد اختار أن يعرض الأحداث التي أراد أن يعترف بها.

وإزاء ما أثاره الكتاب من متابعات سافر المؤلف عبر أنحاء الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى لإلقاء محاضرات حول الكتاب وأجاب على أسئلة وتحدث مع رجال ونساء كانوا يظهرون قدرا من القلق بشأن تطورات المستقبل في ظل الصورة التي قدمها المؤلف. ولقد عززت هذه الجولات لدى بيركنز حقيقة أن الناس في كل مكان لديهم الرغبة في أن يعرفوا حقيقة ما يجري في العالم اليوم، وأن يكون في استطاعتهم قراءة ما بين سطور الأخبار التي يسمعونها ومعرفة الحقيقة بشأن ما يقوم به المسيطرون على مقدرات الاقتصاد والحكم.

وفضلا عن اعتماده على تجاربه وخبراته الشخصية في تقديم مادة كتابه إلا أن المؤلف يشير إلى أنه استفاد في ذلك من اختلاطه بمخربين اقتصاديين محترفين وغيرهم من قتلة احترفوا هذه المهنة وغيرهم ممن ترعاهم السي اي ايه وعملائها ممن انخرطوا في عملياتها سواء لجهة التأثير أو الرشوة وأحيانا الاغتيال، وطلب منهم أن يقدموا له بعضا من شهاداتهم.

كشف المستور

إذا كانت مهمة المؤلف في هذا الجانب صادفت عقبات في كتابه الأول، فإن ذلك انتفى في كتابه الثاني، بعد أن تم كشف قدر كبير من المستور. وهنا من الجوانب الملفتة للنظر التي يشير اليها بيركنز وتكشف بحق عن أهمية المادة التي يقدمها أنه إثر تسرب خبر إعداد كتابه الأول الذي تضمن اعترافاته أصبح عرضة للرشوة من قبل من يهمهم إبقاء الأمور طي الكتمان، كما تعرض للتهديد في الوقت ذاته.

ويذكر المؤلف في موضع آخر أنه كان قد عقد ما يمكن اعتباره اتفاقا مع إحدى الشركات تلقى منها بمقتضاه نصف مليون دولار مقابل صمته وعدم حديثه عن نشاطها، غير أن ما جعل المؤلف في حل من هذا الاتفاق، وإن لم يشر إلى ذلك صراحة، أن هذه الشركة تعرضت للإفلاس فيما بعد.

لقد أدت سياسات الترغيب والتهديد التي تعرض لها الكاتب بشأن مؤلفه الأول إلى توقفه عن إعداده غير أن الأمر بالنسبة له اختلف بعد أحداث 11 سبتمبر حيث آل على نفسه أن يواصل مهمته وقرر في ذلك الوقت عدم إخبار أحد حتى يجد الكتاب طريقه إلى النشر، فعند هذه النقطة سيكون الأمر في أمان حيث أن القتلة المأجورين سيدركون جسامة المهمة التي قد يقدمون عليها بتصفيته في ضوء أنه لو جرى له مكروه فإن مبيعات الكتاب سوف ترتفع على نحو يزيد من فرص الكشف عنهم.

غير أن بيركنز يشير إلى الصعوبة التي واجهها في كتابة كتابه الأولى في ضوء عدم اعتماده على مساعدة أحد من نفس الخبرة وإن كان ذلك في الوقت نفسه هو الطريق الأكثر أمنا الذي كفل خروجه إلى النور. غير أن الحال تغير تماما وابتسمت الدنيا أمامه مع نشر كتابه الذي تضمن اعترافاته حيث شجع ذلك الكثير من الخائفين من المطلعين على خبايا شبيهة سواء من أمثاله من المجرمين الاقتصاديين المحترفين أو الصحفيين أو متطوعي الهيئات التي تقوم على أنشطة مجتمعية وبعض المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وممثلي الحكومات الذين جاءوا إليه من أجل تقديم اعترافاتهم.

ما وراء الأحداث

في عبارة موجزة يصف المؤلف هذه الاعترافات قائلا إنها تقدم الحقيقة التي تقف خلف الأحداث التي تشكل العالم الذين سيرثه أطفالنا، وتوصلنا في الوقت ذاته إلى نتيجة محتومة وهى أننا يجب أن نتصرف وأننا يجب أن نغير واقعنا. وخشية أن يتسرب الإحساس بالكآبة إلى قارئه يطمئننا المؤلف قائلا أننا من المؤكد لن نجد أجواء كآبة في الكتابة في ضوء تفاؤله، وفي ضوء حقيقة أن المشاكل التي نواجهها هي في النهاية من صنع الإنسان، وليست من صنع شيء أتى من الفضاء الخارج، فضلا عن ذلك فإن الشمس ما زالت تشرق وهو ما يعني في النهاية إمكانية التغلب عليها.

وحسب بيركنز فإنه:» من خلال ارتياد الجانب المظلم من خبايا ماضينا يمكن لنا أن نسلط عليه الضوء لفحصه وتغييره لصالح المستقبل». وعلى ذلك يبشر المؤلف القارئ بأنه عندما ينتهي من قراءة الكتاب سيشعر بالثقة المطلقة على ما يعتقد بأننا يمكن أن نفعل الشيء الصحيح وأن نستخدم الموارد المتاحة من أجل إقامة مجتمع إنساني يعكس مثلنا العليا.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى خمسة أجزاء خصص الأربعة الأولى منه للمناطق التي خاض فيها نشاطه. وعلى ذلك يتابع القارئ مع المؤلف في الجزء الأول مسيرة النشاط الذي قام به في آسيا ممثلا للشركة التي ينتمي إليها، وقد تمحورت بشكل أساسي في أندونيسيا والتي مثلت النبتة الأولى التي استمد منها باركينز خبرته، ثم يتابع في الجزء الثاني جانبا من أنشطته في أميركا اللاتينية ومن خلالها يكشف الكثير من الجوانب المذهلة بشأن تعاطي الإدارات الأميركية مع قضايا هذه القارة.

ثم ينقلنا المؤلف إلى عالمنا الخاص بنا.. الشرق الأوسط.. ومن خلال تناوله يعرض لنا تفصيلا يتعلق بالمواقف الأميركية من قضايانا وإن كانت خبرة المؤلف في هذا الصدد لا يمكن التعويل عليها باستثناءات محدودة. ومن هناك يقودنا إلى أفريقيا التي تعلق عليها الشركات الأميركية آمالا عراض في ضوء الثروة الهائلة من الموارد التي تتمتع بها القارة السمراء.

نحو عالم أفضل

فيما خصص المؤلف الجزء الخامس والأخير لتقديم رؤاه التي يرى أنه من خلالها تحقيق هدف تغيير العالم إلى نحو أفضل. ولعل الملحوظة الأساسية التي ترد على هذا الجزء هي المسحة المثالية التي تسيطر على المؤلف على نحو يناقض تماما الطبيعة التي اتسم بها خلال أدائه مهام عمله على مدى يتجاوز الثلاثة عقود، على النحو الذي تشعر معه - حسب ما ينتقل إليك من أحاسيسه التي يقدمها ضمن الكتاب - أنه كان ضالا واهتدى، أو كافرا وعاد إلى الإيمان، الأمر الذي سنفصل في أسبابه في حلقة مقبلة في سياق تناولنا للكتاب.

في لمحة سريعة توضح لنا بعض ما كان يجري من خبايا يلعب البنك الدولي دورا مشبوها فيها يشير إلى أن البنك الذي نشأ في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير التي ينحدر منها المؤلف في عام 1944 كان مسؤولا عن إعادة بناء الدول التي دمرتها الحرب العالمية الثانية. وقد تطورت مهمته في ضوء سيطرة الغرب إلى الحد الذي تحولت معه مهمته إلى العمل على التأكيد على أن النظام الرأسمالي يفوق النظام الشيوعي الذي يمثله الإتحاد السوفييتي. ومن أجل تعزيز دوره فإن موظفيه عملوا على مراكمة علاقاتهم الدافئة مع المؤيدين لهذا الاتجاه والشركات الدولية ما فتح الباب للمؤلف وأمثاله من المخربين الاقتصاديين المحترفين من أجل القيام بعمليات غش تقدر بتريليونات الدولارات.

يقول المؤلف: لقد مررنا أموالا عبر البنك ونظائره من المنظمات الدولية الأخرى مثل المؤسسة الأميركية الدولية للتنمية في مشاريع يبدو أنها تخدم الناس الفقراء في العالم فيما أنها تخدم مجموعة محدودة من الأثرياء. وتحت هذا الإطار كنا نحدد القطر النامي الذي يمتلك موارد تشتهيها شركاتنا مثل النفط ونرتب قرضا ضخما لمثل هذا البلد، ثم حينئذ نقوم بتوفير المال على نحو يستفيد منه معظم الشركات الأميركية وعدد من المتعاونين في الدولة النامية.

مشروعات مغرضة

كانت المشروعات التي تضمنتها هذه الأنشطة بشكل أساسي تتمثل في مشروعات البنية الأساسية مثل محطات توليد الكهرباء، والمطارات والمناطق الصناعية. ويقرر المؤلف أن أغلب مثل هذه المشروعات، على خلاف ما قد يبدو، كانت نادرا ما تخدم الفقراء، وأنها كانت تأتي في سياق هدفه الأساسي وهو تشغيل شركات أميركية على نحو يعزز من أرباحها. ومع دخول الدولة المقصودة في مرحلة القرض وتعثرها لسبب أو لآخر فإن المجرمين المحترفين اقتصاديا كانوا يعودون إلى هذه الدولة ويطالبونها بسداد ديونها من لحم الحي: نفط رخيص، أو نمط معين من التصويت على قضايا حيوية في الأمم المتحدة، أو إرسال قوات للمساندة في مناطق مختلفة من العالم مثل العراق.

على هذه الخلفية يشير باركينز إلى تبعية البنك الدولي للولايات المتحدة على نحو ينتهي معه إلى توصيفه بأنه بنك أميركي فيقول: إن البنك الدولي مثلا لا يمكن أن نعتبره كذلك بل يمكن القول أنه بنك أميركي ونفس الأمر ينسحب على صندوق النقد الدولي. فمن بين أربعة وعشرين مديرا في مجلس الإدارة فإن ثمانية يمثلون أقطار الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والصين وروسيا.

فيما أن البقية من 184 دولة تشارك من خلال الأعضاء الباقين الستة عشر. كما ان الولايات المتحدة تتحكم تقريبا في نحو 17% من التصويت في صندوق النقد الدولي، و16% في البنك الدولي. وتأتي اليابان في المرتبة الثانية بنسبة 6% في صندوق النقد الدولي، و8% في البنك الدولي، يتبعها ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا بنسبة 5% لكل منهما. كما أن الولايات المتحدة لها حق الفيتو على القرارات الرئيسية ولرئيسها حق تعيين رئيس البنك الدولي.

وفي معرض تفسير توصيفه الولايات المتحدة بالإمبراطورية وبعد أن يعرض المؤشرات التي يمكن على أساسها توصيف دولة ما بهذا التوصيف من عدمه وانطباق على بلاده يشير إلى أن البعض قد يتحفظ على هذا التوصيف باعتبار ان الإمبراطورية يجب أن يحكمها إمبراطور أو ملك، فيما أن بلاده يحكمها رئيس منتخب، وأنها على هذا الأساس لا ينطبق عليها التوصيف ولكنه ينفي ذلك مقدما رؤية خاصة مؤداها أن هذه الإمبراطورية - الأميركية - تحكمها مجموعة من الأفراد يتصرفون جماعيا على نحو ما يتصرف به الملك.

فهم يديرون شركاتنا وعبر ذلك يديرون الحكومة، وعبر الأبواب الخلفية يتصرفون على نحو يؤكد أنهم هم الذين يمسكون بزمام الأمور بالفعل.. حيث يمولون الحملات الانتخابية ووسائل الإعلام على نحو يمكنهم من السيطرة على المصادر التي تغذي المسؤولين بالمعلومات، التي تنعكس في القرارات التي يتم اتخاذها. هؤلاء الرجال والنساء - بغض النظر عما إذا كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين - يسيطرون على البيت الأبيض والكونغرس، رغم حقيقة أنهم ليسوا موضع إرادة الناخبين ووضعهم ليس محدود بالقانون.

إمبراطورية ولكن..

هذه الإمبراطورية الحديثة تم بناؤها خلسة، فمعظم مواطنيها ليسوا على دراية بوجودها، ومع ذلك يعاني الكثير من الذين يجري استغلالهم من قبلها من الفقر الشديد، ففي المتوسط يموت نحو 24 ألف شخص جوعا وبسبب أمراض تتعلق بالجوع كل يوم، كما أن أكثر من نصف سكان الكوكب يعيشون على أقل من دولارين يوميا، المبلغ الذي يعتبر غير كاف في أغلب الأحوال لكي يزودهم بالاحتياجات الأساسية.

إن ذلك الوضع ينعكس، حسب باركينز، في أنه لكي يعيش الأميركيون، حياة مريحة، فإن الملايين يدفعون ثمنا غاليا. فضلا عن ذلك فإن من بين التأثيرات السلبية الناجمة عن هذه التطورات تلك المتعلقة بالبيئة حيث أنه رغم الأضرار التي لحقت بها جراء نمط الحياة الاستهلاكي، فإن الكثيرين أو الأغلبية إما غافلة أو منكرة للتكلفة العالية بشأن المعاناة الإنسانية، مضيفا أن أطفالنا مع ذلك، لن يكون أمامهم خيار سوى تحمل المسؤولية عن انعدام التوازن الذي تسببنا فيه.

وفيما يشير إلى نقمة المؤلف على ما جرى من سياسات على الصعيد الأميركي كان لها من وجهة نظره تأثيرات بالغة الضرر يقول، إنه في إطار عملية بناء الإمبراطورية تخلت الولايات المتحدة عن معظم قيمها الأساسية التي كانت تميزها، والتي كانت في الماضي تمثل نكهة خاصة بماذا تعني أن تكون أميركيا، ومن ذلك إنكار العديد من الحقوق للشعوب الخاضعة للاستغلال تمثل جوهر ما تضمنه إعلان الاستقلال.. ما يعني أن الأميركيين افتقدوا تطبيق المبادئ الخاصة بالمساواة العالمية والعدالة والرخاء.

وفي محاولة لتقديم النصح والحد من الاندفاع الأميركي يؤكد المؤلف على ما يراه حقيقة تتمثل في أن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تستمر، إنها تنهار، أو يتم الإطاحة بها وبشكل خاص من خلال الحروب، ما يؤدي إلى إحلال أخرى محل القائمة، فالماضي، حسبه، يقدم لنا ـ للأميركيين ـ رسالة ذات معنى مؤداها في النهاية: إننا يجب أن نتغير ولا يمكن لنا تحمل السماح للتاريخ بتكرار نفسه.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق