يصل المؤلف في هذا المنعطف الأخير من كتابه إلى مجموعة مهمة من الخلاصات والاستنتاجات، في مقدمتها التأكيد على أن المجتمعات الإسلامية مطالبة في المقام الأول بأن تدافع عن عقيدتها وكيانها وكرامتها ضد العدوان الخارجي، وأن على صانعي القرار الأميركي التصدي للأسئلة المتعلقة بطبيعة دور أميركا في عالم يزداد كل يوم تعقيدا وان دور القيادة الأخلاقية والسياسية لهذا الكوكب مرتبط بالسير قدما بسائر الحضارات والثقافات من أجل التصدي للمشكلات المشتركة التي يواجهها سكان الأرض.
يحار المرء في ترجمة عنوان الفصل السادس والختامي من هذا الكتاب. لقد انتهت «الأوديسة» التي ترحّل فيها المؤلف المسلم مع رفيقيه الأميركيين وهما من تلاميذه في سلك الدراسات الجامعية العليا.. عاد البروفيسور أكبر أحمد إلى حصنه الأكاديمي بالجامعة الأميركية في واشنطن.. وبعد أن سجل وقائع رحلته الروحية ـ الميدانية التي تابعناها.. آثر أن يختار للفصل الأخير من كتابه عنوانا يقول بالحرف: رفع الحجاب.. أو كشف الستار.مع ذلك فنحن نرى من واقع تحليلنا لمضمون هذا الفصل أن العنوان ربما يشير إلى دلالة أخرى قد نختار لها الصيغة التالية: إزالة الغشاوة..
أو حتى شرح الصدور كي ينفتح العقل ويصفو الفكر وينشرح الوجدان وصولا إلى أرضية مشتركة من التفاهم ـ الفهم والتعاطف المتبادل بين سائر الفرقاء من أهل الحضارات وأصحاب المصالح والثقافات من سكان هذا الكوكب الأرضي.. لعل الجميع يؤوبون في نهاية المطاف إلى ضفاف من الأمن والخير والسلام.يفتتح المؤلف هذا الفصل الأخير بإعرابه عن السعادة لأن أحدث كتبه الصادرة بالانجليزية كان على وشك الصدور في ترجمته الأردية. لقد اختار الأستاذ أكبر أحمد لكتابه الأصلي عنوانا بديهي الدلالة.. بعد أن صاغه من واقع مشاهداته ومعايشته لما يحدث في أوروبا وفي أميركا والعنوان هو:
الإسلام تحت الحصار
وفي الكتاب يؤكد الكاتب على أهمية تفنيد المقولات التي ذهب إليها زميله الأكاديمي صمويل هنتنغتون في «صدام الحضارات» حيث كان الأخير يشدد على ارتقاب، إن لم يكن اندلاع، صراع بين الغرب والآخرين وإن جاء تشديده أيضا على أن «الإسلام» ـ الحضارة.. التراث.. والبشر هم في مقدمة هؤلاء «الآخرين».
الغرب والآخرون
راجت هذه المقولات «الصراعية ـ التصادمية» كما قد نسميها منذ النصف الأول من عقد التسعينات تحت الشعار الذي صاغه هنتنغتون بلا تحديد وهو «الغرب ضد الآخرين» (ذي وسْت فيرسس ذي رِست).
ورغم ما وُجّه إلى الشعار من انتقادات وتفنيدات من جانب مفكرين وساسة كثيرين سواء في الميدان الأكاديمي في أوروبا أو أميركا أو سواء في العالم الإسلامي (ردود السياسي المثقف مهاتير محمد المنشورة وقتها في مجلة ( فورين أفيرز) ـ إلا أن مراقبي ومحللي الشأن العام ـ ونحن من بينهم ـ لم يتوقفوا مليا عند مقولات الأستاذ الأميركي إلا بوصفها اجتهادات نظرية من جانب باحث مشتغل بتدريس العلوم السياسية أو الكتابة عنها.. صحيح أنها كانت منذرة بقدر من خطورة الاستقطاب إلى حد الصراع بين ثقافات أو حضارات العالم المتباينة، لكنها ظلت مجرد اجتهادات فكرية وأطروحات نظرية في التحليل الأخير..
وما كان يدور بخلدنا، ولا بخلد غيرنا، أن هذه الأطروحات يمكن يوما أن تجد ترجمة خطيرة لها في فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ناهيك بأن هؤلاء «الجدد» سوف يتسلمون أزمّة القيادة في ذلك البلد الكبير، ثم ينتشرون ـ أو ينشرون ممثليهم وأعوانهم وأنصارهم في مواقع مؤثرة شتى من إدارة الرئيس بوش ـ الابن.
ولا كان يدور في بال أحد أيضا أن تقع نازلة الحادي عشر من سبتمبر 2001 فإذا بها تفضي، لا إلى ترجمة أخرى لمقولات صراع الحضارات بل إلى تأجيج هذه المقولات،خاصة تحت وهج حالة التوتر النفسي بل هي الصدمة العصبية التي سادت أميركا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2001.
عن ملابسات تلك الفترة يقول مؤلف كتابنا (ص258): لقد استجاب الرئيس بوش إزاء هذه المأساة بشعور من الغضب بدلا من شعور الفهم والتعاطف أو الإحسان. وعبّر الرئيس الأميركي عن هذا الشعور قائلا في تلك الفترة: لقد تحوّل حزننا إلى غضب، ومن ثم تَحوّل هذا الغضب إلى حزم وتصميم.
يضيف المؤلف قائلا: ذكر السيد بوش هذه العبارات في اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشيوخ تحت قبة الكونجرس وقوبلت أقواله هذه بعاصفة من التصفيق.. وبهذا وجدنا أن الرئيس بوش خالف تعاليم كثيرة لعل أقربها ما حذر منه بوذا قائلا: إياك والاستسلام للغضب.. إنه السّم الزعاف.. وخالف أيضا اثنين من مبادئ المسيحية ومنها ما جاء مصدقا لتعاليم موسى عليهما السلام وأولها يحظر القتل وثانيها يحض على أن يحب الناس بعضهم بعضا.
إذا كان للمرء أن يتصور للوهلة الأولى أن كانت تلك استجابة عفوية مهما كانت درجتها من العصبية إزاء فاجعة سبتمبر، إلا أن المشكلة ـ يوضح مؤلفنا في نفس السياق ـ أن أصبحت عبارات بوش هي الأساس الذي قامت عليه بعد ذلك السياسة الخارجية للولايات المتحدة.. وزادت الخطورة بفعل ما اتضح من أن سورات الغضب التي أعرب عنها السيد بوش أصبحت موجهة إلى أي فرد يريدون أن يلصقوا به صفة «إرهابي».. وبلغ الأمر أن لخصوا هذا الاتجاه الخطير في الشعار الذي صاغوه أيامها ليقول: إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهابيين.
ثم زاد الأمر خطورة أن توسعوا بهذا الشعار المشحون بألف نذير ونذير إلى حافة القول بأنهم يخوضون ـ كما قالوا ـ «حربا عادلة» بل وصفوا هذه الحرب في مناسبة ما بأنها «كروسيد» حرب جهادية ذات صفة صليبية وهو أمر يرفضه حتى بعض المسيحيين أنفسهم على نحو ما يذكر مؤلفنا في هذا الفصل الأخير.
حروب بلا منطق
يواصل المؤلف الحديث ليقول: وهكذا انطلق بوش ليشنّ واحدة من أشد الحروب اضطرابا ولا منطقية في التاريخ باستخدام تكنولوجيا سوبر ـ متقدمة لم يعرفها الناس من قبل، وضد دولتين صغيرتين تعانيان من انقسامات حادة ومستويات معيشية تعيسة من دول العالم الإسلامي هما أفغانستان والعراق، رغم أن أهل هذين البلدين..
وقد وقعوا في براثن النزاعات السياسية.. وضاقت بهم الأحوال المعيشية إلى مهاوي المسغبة. كانوا يتطلعون إلى الولايات المتحدة من أجل العون والصداقة.. وما كان أشد صدمتهم حين روّعتهم نُذر العدوان على أراضيهم مما أدى إلى آلاف من الضحايا الذين لقوا مصرعهم في غمار تلك الأحداث.
دور الإعلام
زادت المأساة تفاقما ـ كما يبين مؤلف كتابنا - عندما عمدت أجهزة الإعلام الأميركي إلى ترديد وتضخيم حرب الترويع التي زرعها المحافظون الجدد في نفوس أبناء الشعب الأميركي.. يقول المؤلف في هذا الصدد (ص259):
على مدار سنوات عدة أعقبت أحداث سبتمبر، ظل أهل الرأي في أميركا، بمن فيهم مقدمو البرامج التليفزيونية.. يرتدون عباءات العالمين ببواطن الأمور فإذا بهم ينساقون عن وعي أو غير وعي.. إلى ترديد ما عمدت الإدارة إلى إذاعته عن مخاوف تساورها بأن ثمة خطرا داهما يهدد بتكرار 11 سبتمبر من جديد على الأراضي الأميركية.. وهكذا تزايدت المخاوف (الوساوس) لدى الأميركان بأن ثمة خطرا محدقا يتربص بهم واستبد بهم طائف من الغضب إزاء عمق ما اعترى حياتهم من متغيرات.
دور الكوميديين
هنا بالذات يرصد المؤلف ملمحا ذكيا وطريفا في آن معا حين يضيف قائلا: ومن عجب أن بات الأمر متروكا لمقدمي البرامج الكوميدية الخفيفة.. هم الذين تولوا طرح قدر من التوازن في النظر إلى الأمور من خلال ما حاولوا إبرازه (في تعليقاتهم وانتقاداتهم) من خلط الرأي وعبثية النتائج وافتراء السلوك على نحو ما جسدته التطورات التي ارتبطت بشن الحرب على العراق.
دروس من شبه القارة
المطلوب إذن في رأي مؤلف كتابنا أن يعود الساسة إلى قدر من الرشد وتوازن الأحكام والتدّبر الصائب في عواقب الأمور. وليس ذلك بالأمر المستحيل ولا العسير: كم من سياسي ـ كما يوضح الأستاذ أكبر أحمد - ارتفع إلى ذرى الفهم الإنساني والشعور العميق بالمسؤولية في مراحل فاصلة وصعبة من التاريخ.. حلّق بعضهم إلى آفاق من الشعور الأخلاقي بالغا ذروة السمو حين أكدوا على جانبي العدل والإحسان في مواجهة شرور القتل والدمار: ألم يأتك مثلا نماذج من سلوك زعماء الهند التاريخيين الكبار.. مسلمين وغير مسلمين.. من أمثال غاندي.. ونهرو ومحمد علي جناح؟
في صيف عام 1947 اندلعت الصراعات الدموية، إلى حد المذابح بين الهندوس والمسلمين والسيخ في الهند وأصقاع جنوبي شرقي آسيا وربما أسفر الصراع وقتها عن مقتل نحو مليوني إنسان(!) وتشريد نحو 15 مليون نسمة من ديارهم بحثا عن مأوى في أي أرض جديدة.. مع ذلك وجدنا كلا من هؤلاء الرجال ـ الزعماء الثلاثة وقد وقف بصلابة مشهودة ضد هذا العنف الطائفي حتى ولو وضعه ذلك الموقف في مواجهة الطائفة التي ينتمي إليها ويتولى مقاليد زعامتها.
هكذا أعلن غاندي صياما حتى الموت إلى أن يوقف الهندوس صراعهم ضد مسلمي الهند، وأعلن نهرو أن بلاده قد أصابها «مسّ من الجنون» وطلب من حكومته بأكملها أن تجعل مكافحة العنف وإنهاءه أسبق الأولويات التي تتبعها.. وعلى الجانب الآخر من الحدود، أعلن محمد علي جناح مؤسس باكستان رفضه لأعمال العنف أيا كان مصدرها وأسبابها:
- في كراتشي شاهد يوما جمعا من المسلمين محدقا للبطش بجماعة من الهندوس ـ لم يتورع الزعيم المسلم من أن يلقي بنفسه شخصيا وسط هذا الحشد الهائج ليوقف تيار العنف ويعلن قائلا: «سوف أنصّب نفسي حاميا عموميا للأقلية الهندوسية في باكستان».
ترجمة إلى الأردية
هنا يكاد القارئ يشعر أن المؤلف يتمنى لو جاء يوم قريب يتمثل فيه قادة العالم وساسته هذه النماذج من القدوة المضيئة، أو فلنقل القيادة الواعية والزعامة التاريخية المسؤولة التي شهدتها الهند. وقد نلاحظ على هامش هذه النقطة أن الترجمة الأردية لكتابه بعنوان «الإسلام تحت الحصار» سوف تصدر بمعرفة المؤسسة التي تتولى أمرها السيدة سونيا غاندي، أرملة رئيس الوزراء الراحل راجيف حفيد نهرو ونجل أنديرا غاندي.
نلاحظ أيضا أن المؤلف يكاد يتوجه بالخطاب أساسا إلى الساسة والقادة في الولايات المتحدة.. لماذا؟ لأن أميركا بالذات ـ كما يؤكد ـ مازالت دولة فتيّة نسبيا فضلا عن كونها دولة قوية ومنيعة، ومن ثم فإن عليها أن نؤسس «نهجا فلسفيا جديدا في التعامل مع الحضارات الأخرى». ولأنها تتعامل مع دول إسلامية ذات طابع اجتماعي وسياسي مختلف، فالولايات المتحدة بحاجة لأن تُسارع إلى تفهّم واستيعاب واقع واتجاهات تلك المجتمعات بدقة وتفصيل وإمعان.
ثم يواصل المؤلف تحليله ليقول (ص161): إن المسلمين يجأرون بالشكوى من الافتقار إلى العدل، ومن تفشي الفساد، ومن انهيار أسباب القانون والنظام في مجتمعاتهم.. وكثيرا ما تعمد الولايات المتحدة إلى مساندة عمليات التدخل بقوة السلاح في هذه البقعة أو تلك غير مدركة بأن مثل هذه المساندة إنما تشجع على الاضطراب، ولا بأن هذا السلوك يؤدي إلى مشاعر سلبية ضد أميركا داخل هذا البلد أو ذاك.
الأهداف العاجلة
ربما يرجع السبب في ذلك ـ في رأي مؤلف هذا الكتاب ـ إلى أن صانعي السياسة في واشنطن ينزعون إلى التركيز على الأهداف القصيرة الأجل، ويتم ذلك على حساب الأهداف والغايات الأطول أجلا.. وقد يفضي بهم الحال إلى الاهتمام بالأحوال الطارئة، الوقتية والظروف المرحلية..ويرجع ذلك إلى أسباب شتى يأتي على رأسها الرغبة في تحقيق مكاسب انتخابية لكسب الرئاسة في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى (أو 8 سنوات إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا).
هذا النهج في التفكير والسلوك السياسي جعل صناع السياسة في أميركا عزوفين عن الدخول في حوار، حتى مع قادة وزعماء منتخبين ديمقراطيا من جانب شعوبهم.. بدعوى الاختلاف جذريا مع توجهات هؤلاء القادة والزعماء.. وقد يكون ذلك صحيحا.. لكن النتيجة سلبية في كل حال: إنها تعني أولا أن أميركا تتجاهل الخيارات الديمقراطية للشعوب وتؤدي ثانيا إلى زيادة شعبية هؤلاء القادة والزعماء وارتفاع مكانتهم ربما بأكثر مما يستحقون.
من هنا يؤكد المؤلف في الصفحات الختامية من الكتاب على أهمية الحوار بين أميركا والغرب من ناحية وبين الشعوب الإسلامية.. وبالطبع مفكريها وساستها وقادتها ومثقفيها من ناحية أخرى.. تريد أميركا في رأيه (ص262) أن تروّج لنشر قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.. عظيم.. لكن هذه المعايير لا يمكن فرضها، لا بالقوة الجبرية ولا من خلال العمل العسكري، ناهيك عن الغزو المسلح.. السبيل الوحيد إلى غرسها يتمثل في كلمة واحدة وفي معنى وحيد وهو: الحوار
ثم يوضح المؤلف مقاصده في هذا الصدد.. عندما يضيف قائلا: يستطيع الأكاديميون والمثقفون.. وأهل الفكر الأميركيون أن يحدثوا فرقا إيجابيا ويخلّفوا تأثيرا عميقا عندما يشاركون في هذا الحوار.. عندما يزورون المساجد والمدارس والمعاهد وعندما يبذلون من جانبهم محاولات جادة (ونزيهة) من أجل تبادل الرأي مع أقرانهم في عالم الإسلام والمسلمين.
ثم يستدرك الأستاذ أكبر أحمد في نظرة عملية ـ برغماتية، كما قد نصفها إلى واقع الأحوال فيقول أيضا: إن الحوار لن يعوق العمل ضد المتهمين بارتكاب أعمال العنف.. ولكن مع التمييز الواجب والدقيق بين الذين يرتكبون العنف بالفعل وبين من يتصادف أن يكونوا من شركائهم في المجتمع الواحد.. والأمر هنا يقتضي بداهة مزيدا من التروّي وتعمقا في مضمار البحث والاستقصاء وتحريّ الحقيقة قبل المبادرة أو المسارعة إلى توجيه الاتهامات وإصدار النعوت بحق ما يوصف بأنه «النظم الإرهابية الحاكمة» أو الإعلان عن اكتشاف (أو مواجهة) «مؤامرات معادية»..
في هذه الحالة يشدد المؤلف على أنه لا غنى عن احترام أصول الإجراءات المتبعة في عملية التقاضي العادلة والنزيهة التي لابد وأن تتسم بطابع العدالة الناجزة غير البطيئة والشفافة وبحث يعرف العالم ـ كما ينبه المؤلف ـ بأن العدالة الأميركية قيمة تعلو على الافتراء أو الحيف أو الانسياق وراء الشبهات.
في السطور الختامية
في السطور الختامية أيضا يخلص المؤلف إلى ما يلي: إذا كان هناك من يقول بأن الحق والعدل يشكلان قيما سامية عند الأميركيين.. فإن علينا أن نسجل بصراحة أن التليفزيون لا يمكن أن يكون بديلا عن الواقع، ولا يمكن أيضا أن يضع الأميركيون أنفسهم في موقف يعزلهم أو يتباعد بهم عما يدور في أرض الواقع العالمي من مظالم.. عليهم أن يطرحوا على أنفسهم أسئلة من قبيل:
ـ ماذا يعني أن يكون بلدنا أقوى دولة على ظهر الأرض؟ هل يعني هذا (مجرد) امتلاك واستخدام الأسلحة التي من شأنها تدمير حياة أعداد غفيرة من البشر الذين يسكنون القرى في مواقع نائية من هذه الأرض؟ أو أنه يعني المبادرة إلى إنشاء وتطوير المؤسسات الاجتماعية والسياسية الكفيلة بأن تضفي على حياة البشر مزيدا من خير ومزيدا من نفع وقبسا آخر من التنوير؟
وإذا كانت أميركا تريد لنفسها دور القيادة الأخلاقية والسياسية لهذا الكوكب فإن على أهلها (وقادتها) أن يسعوا جاهدين إلى المضي قدما بسائر الحضارات والثقافات من أجل التصدي للمشاكل المشتركة التي باتت تواجه بحق وتحدٍ سكان الكوكب الذي تعيش فيه، حيث لا توجد قوة أخرى مؤهلة لأداء هذا الدور والاضطلاع بمسؤولياته.
من عالم الإسلام
على الضفة الأخرى من القضية يعترف المؤلف ـ بوصفه مسلما حادبا على عقيدته وعلى إخوانه في العقيدة السمحة ـ بأن من دول العالم الإسلامي ما خيّب آمال المسلمين أنفسهم موضحا أن الدولة الإسلامية الحديثة ما برحت أبعد ما تكون عن تلبية طموحات رعاياها ما بين عجزها عن تحقيق الأمن أو الرفاه أو تقصيرها في كفالة السلام الاجتماعي والوئام الداخلي لمواطنيها أو حتى حماية الحدود التي تم رسمها بعد جلاء قوات المستعمر الأجنبي (الأوروبي القديم) وحصول تلك الشعوب والدول الإسلامية على الحرية والاستقلال.. وهنا يؤكد مؤلفنا أيضا أنه عندما يشعر الشعب بأن حكومته لم تعد تمثله أو تتواصل مع أمانيه وقضاياه وطموحاته..
تتباعد الجماهير عنها، وتكاد تشعر أن مثل هذه الحكومات.. العاجزة أو الخائبة أو المفروضة، مجرد كيانات تفتقر إلى الشرعية من جهة ولا تعدو أن تمثل انعكاسا لرغبات الغرب (ومصالحه) من جهة أخرى.
وربما كان سكوت أميركا والغرب على مثل هذه النظم فاقدة المشروعية أمرا مفهوما خلال سنوات الحرب الباردة والصراع مع الخصم السوفييتي ـ الشيوعي الذي كان.. لكن ها هي أميركا تعاود ـ في رأي مؤلفنا ـ ارتكاب الخطأ، فإذا بها (ص263) تخوض حربها ضد الإرهاب بإحياء استراتيجية سبق إتباعها خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي.
إن المؤلف يرى في هذا النهج عجزا عن رؤية وإدراك مدى التعقيد الذي باتت تتسم به المجتمعات الإسلامية.. لا يخالجه شك أيضا في أن جميع المسلمين - أيا كان النموذج الذي قد يحتذونه يدركون التزامهم إزاء الدفاع عن عقيدتهم، ومن ثم الدفاع عن ديارهم وكرامتهم، وبطرق مختلفة، ضد ما يرونه هجوما يتهدد هذه العقيدة وهذا الكيان وتلك الكرامة من خارج الحدود.


