يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع قراءة يقوم بها المؤلف في الاستبيان الذي أجراه مع فريق الباحثين الذي صاحبه في زيارته لعدد من الدول الإسلامية، حيث يلفت نظرنا إلى حقائق مدهشة في اختيارات قطاعات عريضة من أبناء هذه الدول للشخصيات التي تشكل القدوة أو المثل الأعلى بالنسبة لهم. وعلى الجانب المقابل يلفت نظرنا إلى تطورات بالغة الغرابة في المجتمعات الغربية، في مقدمتها تراجع قيمة العمل أمام ما يعرف ب«الصورة المطلوبة» والترويج لأطروحات المليونير دونا لد ترامب باعتبارها تجسيدا للحكمة كما يراها البعض في أميركا اليوم.
في أواخر الفصل الرابع يعود مؤلف الكتاب كي يستعرض بقدر لا يخفى من التدبر والتأمل نتائج الاستبيان الذي طرحه خلال رحلته في عالم الإسلام بشأن الشخصية أو الشخصيات التي ما برح المسلمون يضعونها في مكانة القدوة أو النموذج أو المثل الأعلى. هنالك تنوعت الردود وتباينت الاستجابات وخاصة مع اختلاف الأقطار وتنوع الثقافات. وتحت عنوان فرعي هو «النتائج المحصلة في الميدان» يوضح المؤلف (ص159 وما بعدها) هذه الحالة من تباين التصورات بالنسبة لنماذج المثل الأعلى. في قطر مثلا تردد كثيرا اسم الداعية يوسف القرضاوي حيث يعزو كاتبنا هذه «الشعبية» إلى برنامج تلفزيوني يداوم فيه صاحب الشخصية على الظهور والتواصل مع جموع المشاهدين. على سبيل المقارنة ـ كما يقول مؤلفنا ـ نجد أن الشخصية ـ النموذج ـ المثل الأعلى لدى السكان المسلمين في جنوب شرق آسيا هي شخصية الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. ومرة أخرى يحاول المؤلف أن يعزو هذه الشعبية إلى أن الجنوب الآسيوي يضم عددا من أتباع المذهب الشيعي بأكثر من العالم العربي. ومع ذلك فثمة ردود كثيرة بدورها توقفت عند شخصية الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في مجال تمثل النموذج، القدوة، المثل الأعلى.
في جنوب آسيا... في جنوب آسيا أيضا ثمة شخصية معاصرة جاء ترتيبها في مضمار النموذج والقدوة بعد النبي عليه السلام والخلفاء الراشدين وهذه الشخصية هي: محمد علي جناح الزعيم المسلم، تلميذ المهاتما غاندي، ومؤسس دولة باكستان. وقد كان طبيعيا - في هذا المقام - أن تكون باكستان بالذات هي الموقع الذي اختار هذه الشخصية بكثافة شديدة وتركيز ملحوظ. شخصيات أخرى ترددت أسماؤها محاطة بشعبية ملحوظة في ردود الاستبيان، سواء بين مسلمي العالم العربي أو مسلمي عالم جنوب آسيا وشرقها: أسماء لقادة ودعاة ظهروا وعملوا واشتهروا في مراحل مختلفة من تاريخ المسلمين الحديث، ما بين محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية إلى حسن البنا في مصر هذا فضلا عن المصلح الفقيه الإسلامي ابن تيمية (1263 ـ 1328 ميلادية) الذي اختاره أئمة مدرسة ديابوند الإسلامية قرب العاصمة الهندية نيودلهي رمزا لهم وقدوة للتعاليم التي يتواصلون بها مع تلاميذهم.
وهنا أيضا يلاحظ المؤلف خيطا متواصلا يربط بين شخصيات ابن عبدالوهاب وحسن البنا والإمام ابن تيمية الذي يصفه البروفيسور أحمد بأنه كان ملهما للأول والثاني بصورة أو بأخرى. بعد ذلك تردد اسم الشاعر الفيلسوف محمد إقبال واسم أحمد خان وقد كان من أعلام مسلمي الهند خلال مرحلة الاستعمار البريطاني وكان يؤمن بأهمية التربية والتعليم كسلاح ماضٍ وفعال في تحقيق استقلال بلاده وتطوير حياة أبنائها. ويرجع الفضل - كما هو معروف - إلى أحمد خان في إنشاء جامعة عليكرة الشهيرة لتصبح واحدا من مراكز الإشعاع الإسلامية في شبه القارة الهندية وفيما يتجاوزها من أصقاع جنوب الشرق الآسيوي في ماليزيا وإندونيسيا. الحاصل أن تأكد المؤلف وبعثته العلمية المرافقة من أن استجابات المسلمين إزاء الشخصية - النموذج السامي التي يرنون إليها ويستلهمون أبعادها هي أولا شخصية نبي الإسلام صلوات الله عليه وخلفاؤه الراشدون الأربعة.. لكن أضيف إلى هذه الشخصيات الجليلة في تاريخ الإسلام والمسلمين اتجاهات استرعت بحق اهتمام مؤلف الكتاب: فكيف تأتّى لمسلمي تلك الأصقاع الآسيوية البعيدة أن يروا المثل الأعلى في شخصية من طراز عبدالرحمن بن خلدون، مفكرا ومؤرخا ورائدا لعلم الاجتماع الحديث؟ وكيف تاقت أفئدتهم إلى رؤية المثل الأعلى في شخصية سامقة في قامة الشيخ الفيلسوف ابن سينا، أو شخصية باهرة مثل الرازي أستاذ الطب والعلاج، أو حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي أو الإمام الشافعي صاحب المذهب السُنّي الجليل؟
عن ثقافة ماليزيا
ألا تعد هذه الاستجابات - في تصورنا - آية بليغة ودلالة على مدى ارتباط مسلمي آسيا بذلك التراث المضيء الذي أبدعه وتركه لنا علماء الإسلام ومفكروه.. حكماؤه ومؤرخوه.. على اختلاف مراحل الزمان من ناحية، وعلى تباين مواقع المكان من ناحية أخرى؟
نلاحظ أيضا أن المؤلف يتوقف بملاحظة خاصة عند «حالة» ماليزيا حين يقول (ص160): لم يكن من عجب أن اكتشفنا أعرافا ثقافية متعمقة في ماليزيا، لأن أهلها من المسلمين يعوّلون أكثر من أي شيء على النصوص والأدبيات المطروحة بوصفها المصدر الأساسي لمعارفهم وعقيدتهم أكثر مما نراه في أي بلد آخر.
عبدالناصر في القلب
ماذا إذن عن مصر بوصفها أكبر أقطار العالم العربي المسلم؟
إن المؤلف ورفاقه لم يزوروا مصر خلال الرحلة التي تضمها صفحات هذا الكتاب. ومع ذلك فقد حرصت بعثة البروفيسور «أكبر أحمد» على أن تستمع إلى آراء وردود، وأن ترصد استجابات موثقة من مسلمي مصر العربية..
وهو يذكر لنا أن هذه المعلومات ساعد في جمعها «كريستال كول» وكان من تلاميذ البروفيسور أحمد في الجامعة الأميركية. تردد في مصر اسم ياسر عرفات ضمن نماذج القدوة في سياق ردود الاستبيان لكن تصدَّر هذه الردود اسم بارز آخر هو: جمال عبدا لناصر.
يقول مؤلف الكتاب (ص161):لم يكن غريبا أن نرى اسم جمال عبدالناصر على قائمة الردود المستقاة من مصر. لقد استأثرت كاريزما عبدالناصر باهتمام ولبّ العالم العربي خلال عقدي الخمسينات والستينات، ومازالت ذكراه تجيش في الصدور مفعمة بشعور من الشوق والحنين. وثمة اسم آخر كان يستثير إحساسا (في مصر) بالكبرياء والفخر الوطني هو المطربة الشهيرة أم كلثوم. بيد أن اسم نبي الإسلام (ص) ما برح يجسد أكبر نماذج القدوة والمثل الأعلى من شخصيات الماضي.
المسلمون يشكون الإعلام
في كل حال - يضيف المؤلف - فقد كان ثمة موضوع مشترك بين جميع الردود والاستجابات إزاء هذا الاستبيان في ذلك القطاع الواسع من العالم الإسلامي الذي غطته زيارة البعثة القادمة من بلاد الأميركان.
في هذا الشعور المشترك أجمعت قطاعات شتى من المسلمين على أن أجهزة الإعلام تسيء طرح صورة الإسلام وتشوه صورة المسلمين.
بل إن بعضهم ذهب في هذا المضمار إلى أن ثمة «مؤامرة» تحاك ضدهم في هذا السياق. كيف لا وهم يشاهدون كيف تتجاهل أجهزة الإعلام الغربي مئات.. آلاف الصور التي تجسد حياة المسلمين وإبداعهم في مجالات العلم والفن والفكر وفي مضمار الصناعة والحضارة فإذا بها تصرف النظر عن هذا كله..
ولا يعجبها سوى أن «تنتقي» لجمهورها تصوير المسلمين قوما ذوي لحى طويلة شعثاء لا همّ لهم سوى ارتكاب العنف وسفك الدماء.. والمشكلة.. أن أهل الغرب ما لبثوا أن تقبّلوا على نحو كامل هذا العرض المشوه لتعاليم الإسلام وحياة المسلمين.
الانترنت وشعور العائلة
هكذا يؤكد المؤلف في هذا السياق كيف أن الأجهزة الإعلامية باتت بدورها تلعب أدوارا غاية في الأهمية في حياة المجتمعات الإسلامية.. يحكي في الكتاب عن غابات الأطباق (الدش) المستخدمة لاستقبال الإذاعات الدولية والبث الفضائي من كل أنحاء العالم حتى فوق بيوت الفقراء.
ثم هناك شبكة الانترنت التي يلاحظ المؤلف أيضا أنها باتت واسعة الانتشار بين جموع المسلمين وخاصة في جنوب شرق آسيا.. ولدرجة يقول معها: إن هذه الشبكة الالكترونية للمعلومات الدولية أصبح لها فضل تعميق الوشائج بين مسلمي تلك الأرجاء البعيدة لدرجة أن كادت تصنع من جموعهم ما يمكن وصفه بأنه «العائلة الواحدة».
لكن مشكلتهم هي وسائل الإعلام الدولية التي تصيبهم لدى متابعتها بقدر مخيف من الغضب والإحباط حين يرون أنفسهم وقد صوَّرتهم تلك الوسائل في صورة «المتطرفين» و«الإرهابيين»..
ويزيد من وطأة هذا الإحباط ما تنقله هذه الميديا ذاتها من تزايد أعداد القتلى والضحايا بين مسلمي العراق أو أفغانستان دون أن يطرف لهذا العالم - الغربي بالذات - رمش، وهو ما يشعر المسلمون في الوقت نفسه، بأن هذا العالم لم يعد يلقى إلى آلامهم بالا، ولا عاد يشعر إزاء هذه المعاناة بتعاطف لا من قريب ولا من بعيد.
في غمار هذه الأحوال، بات الفصيل الذي يحمل اسم «المعتدلين» من المسلمين - وهم ليسوا بداهة متطرفين ولا متشددين ولا طبعا إرهابيين، أقرب إلى فقد الثقة في الغرب بشكل عام وفي الولايات المتحدة على نحو خاص.
حتى أوبرا وينفري التي سبق وأبدى بعض المسلمين إعجابهم بها في فصول متقدمة من هذا الكتاب - حتى هذه المذيعة المنتمية إلى فئة الأفروـ أميركيين الملوّنين في الولايات المتحدة.. قدمت مؤخرا برامجا عن أفضل ما في ثقافات العالم..
لكنها تجاهلت أن تقدم شيئا مذكورا عن ثقافة الشرق الأوسط هكذا شكت فتاة عربية من الجامعة الأردنية لدى لقائها مع مؤلف كتابنا ورفاق رحلته.. وقصارى ما قدمه برنامج أوبرا وينفري في هذا الصدد هو مقابلة مع امرأة من ضحايا العنف الأسري في المنطقة العربية(!)
حديث دبلوماسي عراقي
بمناسبة حديث الشابة العربية الأردنية، ينقل المؤلف عن دبلوماسي عراقي سابق التقاه في عشاء أقيم بعاصمة الأردن عبارات بعثت الرعدة في أوصال الأستاذ أكبر أحمد لدى سماعها.. كان العشاء في مطعم شهير بالوجبات اللبنانية وكان الجو السائد كما يوضح المؤلف طيبا وراقيا..
وكان الدبلوماسي العراقي السابق أنيقا وبليغا.. وكان يرأس مركز للبحوث والدراسات.. ومع ذلك فقد أسرّ للمؤلف بعبارات قال فيها:إن حالة المسلمين بلغت مبلغ اليأس. ومن جانبي فأنا على استعداد بأن أضحي بحياتي عن طيب خاطر من أجل قضية الإسلام والمسلمين.
وفي معرض التفسير مضى الدبلوماسي العراقي السابق قائلا وفي صوته نبرات من الحزن العميق:
لم يعد لديّ أي شيء أعيش من أجله.. لقد فقدت ثقافتي.. وفقدت مواطنتي.. بل ضاعت مني ديانتي.
مضيف العشاء هو سفير باكستان في عمان.. وكان صديقا لمؤلف الكتاب..
وبرغم هدوء الجو السائد مضافا إليه وجود تلك الصفوة من المثقفين، فإن المؤلف يسجل بأنه واجه وابلا من التساؤلات عن أميركا وإسرائيل.. معترفا بأمانة (ص193) بسماع أسئلة يمكن أن نتوقعها من أفراد أو جماهير أقل من شهود هذا العشاء الأنيق ثقافة وتهذيبا ومن ثم أشد تطاولا..
من هؤلاء مثلا شاب يستخدم نظارة سميكة ويرتدي حلّة سوداء سدّد سؤاله كالسهم إلى المؤلف المسلم قائلا: لماذا أبديتم كل هذا التعاطف إزاء مصرع صبي إسرائيلي متجاهلين في ذلك موت الآلاف من شباب المسلمين؟
هذه السطور التي وصفت وقائع ذلك العشاء الذي شهدته عمّان الأردنية هي مفتتح الفصل الخامس من الكتاب الذي اختار المؤلف له عنوانا أصبح الآن على كل لسان وهو: صدام الحضارات.
في هذا السياق يعترف مؤلفنا أن ثمة قناعة يمكن أن يصل إليها أي مراقب لما يجري في عالم الإسلام وما يعتمل في نفوس أبنائه من غضب وحنق شديدين ضد الغرب وهذه القناعة تسلم إلى سؤال حائر ومخيف في رأينا أيضا وهو: هل وصلنا أخيرا إلى الوقوع في قبضة الصدام بين الحضارات.
وفي معرض التعامل مع مثل هذا السؤال يمضي المؤلف قائلا:إن الجروح التي أصيب بها الطرفان جروح عميقة. ومن ثم يستغرق الأمر فترات طويلة وجهودا حثيثة وتعاطفا متعمقا من أجل الجمع بين هذين الطرفين في نهاية المطاف.
وها نحن نشهد في العراق وفي أفغانستان وكأن الحضارتين (الثقافتين) الإسلامية والغربية قد تم حصرهما داخل مستنقع خطر من الدم والرعب.. ومع كل قصة مرعبة تقع أو تُحكى.. تؤرق الناس أخطر الكوابيس وقد أصبحت حقيقة واقعة.
وبصراحة - يضيف مؤلف هذا الكتاب - فعندما سمعْت عن أخبار العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو من عام 2006.. تذكرت على الفور جاري على عشاء عمّان - السفير العراقي السابق، تساءلت قائلا: كيف يا ترى سيتعامل الرجل مع هذه الأخبار..
ولم يكن صعبا عليّ أن أتصور مدى ما قد يصيبه من حنق وغضب إزاء الولايات المتحدة التي تدعي أنها تحارب من أجل العدل والسلام. ثم إذا بها تصّر بغير هوادة على استخدام حق النقض (الفيتو) لتحول دون التوصل في الأمم المتحدة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار من أجل وقف تدمير لبنان.
بين الأمركة والعولمة
نحن إذن أمام جانبين من جوانب هذا الصراع يقف المؤلف عند الجانب الأول الذي يسميه جانب «الأمركة» ويحيل إلى التفسير القائل بأن هذه «الأمركة» إنما هي الوجه الآخر من العملة المرادفة لما قد نسميه بظاهرة «العولمة»..
وذلك هو الرأي الذي دأب على ترويجه الكاتب الأميركي توماس فريدمان. ثم يوضح المؤلف كيف أن حكاية العولمة ظلت تراود قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي على مدة سنوات وذلك بفضل ما سبق وأحرزته أميركا من تقدم تكنولوجي وما استطاع بعض أفرادها أن يحققوه من نجاحات وانجازات مرموقة بكل مقياس.
لكن في غمار هذه التطورات تغيرت الأحوال واختلت المعايير في أميركا والغرب.. أدت النجاحات السريعة.. والمنجزات السهلة أحيانا - إلى أن العمل الجاد المتواصل والجهد الدؤوب المثابر لم يعد هو معيار النجاح ولا شرط تحقيقه رغم ما سبق واشتُهر به الأميركان بالذات من تقدير عميق لقيمة العمل.. في هذا الخصوص يقول المؤلف (ص196):
ـ ذهبت قيم التشديد على تطوير التجارب الصحيحة أو تنمية المهارات السليمة.. وحلت محلها فكرة تكوين وترويج «الصورة المطلوبة». هكذا سادت بل تسيّدت قيمة أن تقدم مؤهلاتك ومكانتك على أساس «موهبة مصنوعة» وليس على أساس الخصائص الحقيقية المكتسبة بفضل الخبرة والمران ومن خلال المعاناة والممارسة والتعليم والتثقيف.
ومن ثم ألفينا السياسيين من كلا الحزبين في أميركا وهم يتابعون خطى مؤسسات العلاقات العامة ولا يصغون سوى إلى صوت مستشاريها وخبرائها. لم يعد أحد يصغي إلى حكمة لنكولن أو تعاليم جيفرسون أو خطابات جورج واشنطن (محرر أميركا) بل أصبحوا يأخذون الحكمة من فم «كارل روف» بعد أن اعترفوا له بالعبقرية إذ كفل الاستمرار لفترتين في البيت الأبيض لصالح جورج آخر هو الرئيس بوش - الابن.
ثم يواصل المؤلف تحليله في هذه النقطة.. يقول:هنا يتجلى دور صناعة الترفيه - الإعلامي التي تولت زمام القيادة في إعلاء «قيمة الصورة» مع تكريس ثقافة الشهرة والمشاهير. ومن هنا رأينا نجاح رموز ثقافة البوب - الشعبية (السوقيّة) من أمثال بريتني سيبرز وباريس هيلتون. وهو نجاح يرجع أساسا إلى المظاهر الجسدية وإلى الترويج الشعبي وإلى لعبة العلاقات العامة بحيث يمكن القول بأن هذه النوعية هي نتاج شاشة التلفاز ثنائية الأبعاد وليس عالم الحقيقة الواقعة.
ومع ذلك فلا تزال معظم مشكلة الأميركيين تتمثل في عجزهم عن التفرقة والفرز والتمييز بين عالم الحقيقة وبين عالم الوهم. ومن ذلك فهم يستخلصون نماذج القدوة أو المثل الأعلى الواجب احتذاؤه من هذه الطبقة المسطحة بقدر تسطيح شاشة التليفزيون.
حدث في غرفة الفندق
يحكي المؤلف أيضا واقعة شخصية تدعم ما يذهب إليه في هذا الخصوص. يقول:دعيت لإلقاء محاضرة أمام جمع من صفوة المستمعين، واستضافوني في واحد من أفخم فنادق الولايات المتحدة.
وفي غرفتي وجدت زهورا وأنواعا من الشيكولاتة وقد أرفقوا بها بطاقات تحتوي على «جوامع الكلم» و«لآلئ الحكمة» ليست من أقوال الكتاب المقدسة ولا حتى من ويليام شكسبير.. بل من عبارات قالها (مقاول البناء) في نيويورك دونا لد ترامب.. كان ذلك في شهر أكتوبر 2006.. ويومها راعني أن يقدم الفندق العالمي الفخم في لوس أنجلوس روائع الكلمات.. «الترمّبيه» التي تقول:
ـ كلما راودتك الأفكار، اجعل أفكارك كبيرة كبيرة دائما.
تلك هي تجربة المؤلف مع حكمة دونالد ترمب الذي يصورونه في أميركا على أنه رمز للنجاح لأنه استطاع أن يبني ناطحات سحاب شاهقة..
ويجمع ثروات طائلة ويتزوج أجمل الجميلات.. ومن ثم فهم يقدمونه - كما يوضح كاتبنا - على أنه يعكس «صورة» النجاح الذي يرنو إليه المجتمع الأميركي.. وهي صورة يتعمدون أن تكون رديفا - أو فلنقل بديلا ـ للنجاح الحقيقي الذي لا يعبأ كثيرا بما يفعله أثرياء الأميركان الذين يشيدون داران بملايين الدولارات وينفقون طائل الأموال لاقتناء الثياب الفاخرة والسيارات الفارهة والحلي الثمينة من أجل الحصول على الاعتراف بمكانة اجتماعية متميزة..
وهكذا - يضيف المؤلف - نجد أن السرف والإغراق في الترف يتم تمجيدها من خلال الميديا العالمية وخاصة في برامج شتى منها ما يحمل اسم «أساليب حياة الأغنياء والمشاهير»..
مما جعل الرغبة في الثروة والإسراف في الاستهلاك الترفي الكمالي بمثابة الخبز اليومي الذي يتعيش عليه ذلك النمط من الإعلام في الغرب - أميركا بالذات، وهو بالفعل إعلام العولمة التي تتطلب بالضرورة توسيع الأسواق من أجل استيعاب ذلك الكّم الهائل وغير الضروري من المنتجات الغالية الثمن والتافهة المنفعة التي تصدر عن مؤسساتها.
ثقافة الأنا
يواصل مؤلفنا الحديث في هذه النقطة ليوضح أن هذه الثقافة المستحدثة أفرزت ما يصفه من جانبه بأنه ثقافة «الأنا» التي أفضت بدورها إلى ما يطلق عليه البروفيسور «أكبر أحمد» وصف «الملوثات».. لماذا؟
لأن هذه النزعة من الاستهلاك الترفي التي لا تحترم قيمة ولا تفكر سوى في إرضاء الذات وإشباع نوازعها..
جاءت بدورها كي تدمّر القدرة على التعاطف مع الآخرين، فالأغنياء والمقتدرون في المجتمعات السوّية - الأصيلة عادة ما يشعرون بالتزام اجتماعي يدفعهم للمساعدة على رعاية الأفقر والأقل حظوظا..
أما أغنياء العولمة - يضيف المؤلف - فهم لا يأبهون بغيرهم ولا تعنيهم فداحة الهوة الرهيبة التي تزداد اتساعا مع الأيام.
لا بين الأفراد في المجتمع الواحد بل بين أقطار العالم التي أصبحت أكثر تقاربا بل تلاصقا في زمن هذه العولمة التي ضاقت فيها الخطوط والحدود الفاصلة وتقلصت المسافات إلى حد التلاشي في بعض الأحيان. من هنا تصحو دنيا هذه العولمة فإذا بالبلايين من البشر يعيشون في ربقة الفقر ويشارفون حافة المسغبة والجوع.
فيما يجدون أن ثلاثة أفراد من أغنى أغنياء العالم يملكون فيما بينهم نحو نصف ما يحوزه نصف سكان كوكب الأرض.. ألا يؤدي هذا إلى سيادة مشاعر من الإحباط وأجواء من السخط والشعور الممّض بالظلم وعدم الإنصاف؟ أليست هذه هي البيئة الحاضنة للعنف الذي يمكن أن يضرب أطنابه في أركان شتى من كوكبنا؟
إضاءة
يتجلى دور صناعة الترفيه - الإعلامي التي تولت زمام القيادة في إعلاء «قيمة الصورة» مع تكريس ثقافة الشهرة والمشاهير. ومن هنا رأينا نجاح رموز ثقافة البوب - الشعبية (السوقيّة) من أمثال بريتني سيبرز وباريس هيلتون.
وهو نجاح يرجع أساسا إلى المظاهر الجسدية وإلى الترويج الشعبي وإلى لعبة العلاقات العامة بحيث يمكن القول بأن هذه النوعية هي نتاج شاشة التلفاز ثنائية الأبعاد وليس عالم الحقيقة الواقعة. ومع ذلك فلا تزال معظم مشكلة الأميركيين تتمثل في عجزهم عن التفرقة والفرز والتمييز بين عالم الحقيقة وبين عالم الوهم. ومن ذلك فهم يستخلصون نماذج القدوة أو المثل الأعلى الواجب احتذاؤه من هذه الطبقة المسطحة بقدر تسطيح شاشة التليفزيون.
عرض ومناقشة : محمد الخولي



