يتابع المؤلف هنا محطات المسيرة التي انطلق فيها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لينتقلوا من أفكار متعصبة ضد الإسلام تستند في المقام الأول إلى أطروحات المستشرق برنارد لويس، ليصلوا إلى سياسات تنفذ على الأرض تشكل الهجمات الأكثر خطورة التي يتعرض لها المسلمون في العقود القليلة الماضية. وهو يلفت نظرنا إلى أن ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي راح يقتطف عبارات بكاملها من أقوال لويس على الهواء في حديث متلفز عشية شن الحرب على العراق.
«العولمة ورجال الظلام» تحت هذا العنوان الغريب يواصل مؤلف الكتاب طرح مقولاته التي يبسطها عبر سطور الفصل الرابع، وهو أكبر فصول الكتاب (72 صفحة) محاولا التوصل إلى إجابة للسؤال الذي ظل يؤرقه عبر الصفحات وهو: من الذي يتولى تعريف الإسلام؟ أو فلنقل في محاولة للتفسير: عقيدة الإسلام.. بين مضمونها الحقيقي وبين ممارسات أهلها وبين فهم «الآخر» لها. في هذا الإطار يستعيد المؤلف التحذير الذي سبق إليه الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور في آخر خطاب ألقاه مع انتهاء ولايته عند فاتح الستينات وقال فيه: إن أخطر ما يتهدد أميركا هو تلك السطوة التي يمثلها ويمارسها المجمع (بمعنى التحالف) بين المؤسسة العسكرية والدوائر الصناعية والمشتغلين بالسياسة.
وإذن - يوضح مؤلف كتابنا (ص130) - فالأميركيون ما برحوا يخشون من مغبة هذه التحالفات: عسكريون وصناعيون وسياسيون فما بالك عندما تضاف إليهم في عصرنا فئتان مستجدتان، هما: الإعلاميون والمفكرون. الفئة الأولى هي الميديا. والفئة الثانية تمثلها مراكز البحوث التي تتولى هندسة وصنع وتكييف القرارات المصيرية السوبر ـ خطيرة، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام وهي قضايا تمس بداهة حياة الأمم ومصائر الشعوب.
تعزيز التحالف المخيف
المعنى أن هذا التحالف العسكري - السياسي - الصناعي الذي حذر منه أيزنهاور مع مطلع الستينات ازداد بروزا ووضوحا عندما أضيفت إليه الميديا الإعلامية - القنوات المتلفزة التي تبث رسالتها طيلة الساعات الأربع والعشرين بعد أن تطورت فنونها وتعمقت قدراتها واتسع نفوذها. وربما بدأت هذه السطوة الإعلامية منذ أن تابع التلفزيون بقدراته الملحمية الهائلة نزول أول إنسان على سطح القمر في عام 1969.
والمعنى أيضا أنه أضيفت فئة أهل الفكر وخبراء التنظير إلى هذا التحالف الخطير في أميركا. وربما بدأت هذه الإضافة مثلا مع تولي هنري كيسنجر، وهو في الأصل أستاذ في العلوم السياسية، منصب وزير خارجية الرئيس نيكسون في عام 1973.. وبعدها دارت العجلة فإذا بمراكز البحوث أو كما يسمونها مستودعات الفكر (ثِنك تانك) يتجلى دورها في صياغة القرارات وتشكيل السياسات والاستراتيجيات (مؤسستا راند بروكنغز نموذجا)..
إلى أن جاء عام 1989 ليشهد انهيار سور برلين وتهاوي الخصم اللدود في المعسكر الشرقي - الشيوعي وحلّ من بعده عقد التسعينات الذي افتتحه واحد من أهم منظرِّي الحقبة الأميركية وهو فوكوياما بكتابه الشهير بعنوان «نهاية التاريخ».
بيد أن المؤلف يعود بهذه التحالفات العسكرية والسياسية والإعلامية إلى تاريخ أبعد قليلا حيث يتابعها من مرحلة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ثم يتابعها إلى أن بلغت أوج نفوذها - كما يقول - مع شن الحرب على العراق في عام 2003 حيث يقول: في حرب العراق لا يمكن للمرء (الباحث) أن يفوته ملاحظة هذه التحالفات (يسميها التربيطات) وبعدها يبسط مقولاته على النحو التالي (ص130 وما بعدها): ديك تشيني (نائب الرئيس بوش) كان رئيسا لشركة نفطية..
أما عقيلته فهي عضو في مجلس إدارة شركة تعد من أكبر منتجي الأسلحة والمعدات العسكرية. أما رامسفيلد ومعاونه ولفويتز فكانا من شركاء تشيني في مضمار البيزنس وقد توليا ـ كما هو معروف ـ مقاليد وزارة الدفاع. ومن خلال حرب العراق استفادت شركة النفط وبالطبع جنت شركة السلاح أرباحا فلكية. وكان بديهيا أن ترد هذه الدوائر الصناعية الجميل على شكل تبرعات وهبات سخية لتمويل الحملات الانتخابية للنواب المقربّين والساسة المحاسيب.
ويواصل مؤلفنا حديثه قائلا: وبعد شن حرب العراق.. تقدمت الشركة التي كان يترأسها تشيني لتبرم عقودا تحت شعار إعادة بناء العراق ولقاء سعر باهظ تحمّل تكاليفه دافع الضرائب الأميركي. والمهم أن استفاد من هذه الشبكة جميع أطرافها.
والمشكلة ـ يوضح المؤلف (ص131) ـ هي أن تلك الماكينة الخطيرة من شبكة التحالفات لا يمكن تشغيلها ودورانها بفاعلية في غياب عدو واضح وله مصداقية بوصفها عدوا.. ولهذا فالحرب الشاملة تصبح مبررا لوجود، مجرد وجود، هذه التحالفات والتربيطات المصلحية الهائلة..
رأي لكاتب مطلع
في هذا السياق أيضا يحيل مؤلفنا إلى الكاتب الأميركي «شارلي بارليت» الذي يصفه بأنه من المطلعين في واشنطن على بواطن الأمور، وقد كتب موضحا أن سياسة التعاقد على تنفيذ مهام عسكرية (من جانب الشركات الخاصة) كان قد بدأها السيد تشيني نفسه حين كان وزيرا للدفاع في عام 1990. ويومها أبرم مع الشركة التي ترأّسها شخصيا فيما بعد اتفاقات بملايين الدولارات بالتعاقد المباشر.. وهو أمر ظل الكاتب الأميركي المذكور يطالب بكشفه أمام الجمهور.
من ناحيته يقول مؤلف كتابنا:
ـ على مدار فترة طويلة من القرن العشرين ظل العدو المعلن لأميركا (ذو المصداقية كما قد نقول) اسمه الاتحاد السوفييتي وكُنيته هي «إمبراطورية الشر والظلام» على حد تعبير الرئيس الأسبق ريغان. وبعد سقوط هذه الإمبراطورية عمد مقاتلو الحرب الباردة (التي انتهت) إلى تهديد جديد ما لبثوا أن ركزوا عليه منذ التفجير الذي تعرضت له سفارتا أميركا في دولتين افريقيتين في مطالع التسعينات. يومها بدأ يتردد اسم «بن لادن».
ويومها بدا أن ثمة خطرا حقيقيا يتهدد أميركا التي كانت بحاجة إلى استخدام هذا التهديد من أجل استمرار وإدامة هيمنة القوى العسكرية التي ظلت أطراف معنية تدعو إلى تعزيزها وتوسيعها، ومن ثم التهيؤ لاستخدامها في طول العالم وعرضه، سواء للدفاع عن أميركا أو لبسط هيمنتها في العالم بوصفها الطرف الفائز في القرن العشرين والمستعد لأداء دور القطب الأوحد في عالم القرن الحادي والعشرين.
أفكار المحافظين الجدد
جاءت هذه الدعوة ـ يضيف المؤلف ـ من جماعة أصبحت تعرف باسم «المحافظين الجدد» كان نجمها قد بدأ في الصعود خلال رئاسة ريجان لكن ما لبثت أن انزوت إلى حد ما خلال رئاسة بوش ـ الأب ثم رئاسة بل كلينتون.
ثم يورد المؤلف تعريفا محددا ومكثفا لهؤلاء المحافظين حين يضيف قائلا: إنهم يعتقدون أن أميركا لا ينبغي لها أن تتورع عن استخدام قوتها الجبارة من أجل نشر القيم التي تتبناها في طول العالم وعرضه..
ومنهم من يدعو بغير مواربة إلى تشييد إمبراطورية أميركية، ومن يعتقدون أن التهديدات التي تواجه أميركا لا يمكن السكوت عنها.. لا بسياسة الاحتواء بل لابد من التصدي لها ومنعها ولو أدى الأمر إلى توجيه ضربات اجهاضية ـ استباقية في بعض الأحيان.
ولكي يقتنع الأميركيون بمثل هذه الأطروحات، عمد المحافظون الجدد إلى إنشاء مجامع فكرية مهمتها العكوف على توضيح التهديدات التي يتناولونها (أو التي تصلح لتشغيل ماكينة المواجهة التي يتوّلون إدارتها) وكان الاختيار بالطبع هو عراق - صداّم حيث انتشرت أفكارهم في العديد من الدراسات والمقالات والكتب المنشورة، فضلا عن الأحاديث والمقابلات التي ظهروا خلالها على شاشات التلفزيون. في هذا الإطار بدأ الناس يتسامعون عن مؤسسات من قبيل: مشروع القرن الأميركي الجديد الذي أنشأه في عام 1997 كل من تشيني ورامسفيلد وولفويتز إلى أن أصدروا في عام 2000 تقريرا بارزا بعنوان شهير هو: «إعادة بناء دفاعات أميركا».
في هذه الوثيقة الخطيرة جاء التشديد على أن أميركا بحاجة إلى «التحرك بصورة أكثر عنفا لمواجهة أو صدّ أو اتقاء أحداث (رهيبة - كارثية) من طراز حادثة تدمير الأسطول الأميركي الشهيرة في «بيرل هاربور» في مطالع الحرب العالمية الثانية. ثم يعلق المؤلف على هذه النقطة بالذات ليقول (ص132): هذه العبارات توحي - كما يقول ناقدو الوثيقة - بأن وقوع مثل هذه المأساة سيكون أمرا أقرب إلى الترحيب (من جانب المحافظين الجدد) فمن شأنه أو يوفر زخما جديدا يدعم رؤية هؤلاء المحافظين إزاء أحوال العالم.. وهكذا بدت أحداث سبتمبر 2001 وكأنها هي ذلك الحدث المرتقب أو المنشود.
من ماركس إلى دارون
في نفس السياق يطلق مؤلف الكتاب بعض العنان لتأملاته كمفكر وأستاذ في علم السياسة.. يوضح لقارئيه كيف أن الغرب ظلت تساوره فكرة مواصلة التقدم نحو الديمقراطية من خلال قوانين وأحوال الصراع والتفاعل - العنيف أحيانا - على نحو ما لاحظه ورصده البروفيسور أكبر أحمد في كتابات الفلسفة السياسية الغربية عند كبار مفكري الغرب من أمثال هيغل وكارل ماركس وحتى تشارلس دارون صاحب فكرة - نظرية البقاء للأصلح. وقد سبق لهذه الفكرة أن ترجمت إلى شعارات يذكرها التاريخ الحديث في العالم من قبيل رسالة الرجل الأبيض..
وتمدين أو تحضير الشعوب المتخلفة - البربرية إن شئت - واستعمارها لا بهدف استغلالها (لا سمح الله!) بل من أجل الأخذ بيدها إلى بركات التقدم في العصر الحديث(!) وتلك هي المبادئ التي قامت عليها زمان الإمبراطورية البريطانية.
في ضوء هذا كله يرصد المؤلف حال أميركا - ولاسيما محافظيها الجدد ـ في نظرتهم إلى عالم التسعينات من القرن الذي مضى.. يقول: عندما طالعوا الصورة واكتشفوا هزيمة الشمولية التي كانت تجسدها «إمبراطورية الظلام» (السوفييتية) وجهوا على الفور آيات التهنئة إلى.. أنفسهم! فها هي قوى الديمقراطية والحرية التي تبنتها الولايات المتحدة وقد حققت انتصارها في أقطار العالم.. ولكن باستثناء «الدول المارقة». أو «محاور الشر» أو «النظم الداعمة للإرهاب» التي ينبغي العمل على مواجهتها وإنهاء نفوذها.
يومها بادرت المؤسسات الدولية التي تحظى برعاية واشنطون ومباركتها إلى الانتشار والنشاط في أرجاء العالم تطلب إلى الدول فتح أسواقها وتشجيع أساليب حرية التجارة، على أساس أن هذا هو السبيل المفضي ولا سبيل غيره نحو الديمقراطية.. مؤسسات من قبيل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. وهكذا تجمعت واندفعت القوى التي وصفها فوكوياما في «نهاية التاريخ» لتحمل اسما له وقع جديد وهو: العولمة. ومن فوكوياما تلقف الفكرة كاتب صحافي أميركي هو توماس فريدمان ليرسم لها أطرا جديدة ومغرية أيضا عندما أصدر كتابه الشهير بعنوان «الدنيا مسطحة».
هذه الإساءة المروعة
إلى هنا لم تكن قد لاحت مشكلة بالنسبة للعالم الإسلامي. لكن المشكلة ما لبثت أن تبدّت ومن ثم تعقدت عشية الاستعدادات المتخذة وفي غمار التهيئة النفسية واللوجستية - التعبوية لعملية غزو العراق. يقول مؤلف الكتاب: هنالك عمد المحافظون الجدد ومن والاهم من الشخصيات السياسية الأميركية والمثقفين والإعلاميين إلى تطوير فكرة المساواة أو المعادلة بين المتطرفين الإسلاميين وبين خطر النازية الذي كان ماثلا في عقد الأربعينات.
يومها قال المحافظون (الأميركيون) ان شن الحرب العالمية الثانية ضد النازي كان أمرا عادلا بل واجبا وقد أفضى بالفعل إلى انتصار كامل على هتلر وقوى الشر.. ويومها أيضا لم يتورع وولفويتز وكان نائبا لوزير الدفاع عن أن يعلن قائلا: لم تتغير الأمور على الإطلاق للأسف. فما زال الشر موجودا في العالم. ومازال هناك فاشستية شمولية لم تتغير في جوهرها عما شهده القرن الماضي.
عند هذه النقطة بالذات نتوقف عند تعليق مؤلف كتابنا الذي لابد وقد أورد تعليقاته من منطلق وجدان مسلم مجروح.. يقول: لقد قارنوا بين القرآن الكريم وكتاب «كفاحي» لهتلر (وتم هذا بأخبث أسلوب بواسطة المذيع التليفزيوني بل أوليري في برنامجه التليفزيوني على قناة فوكس) ووصل الأمر إلى استبعاد أي حوار معتدل أو معقول مع المسلمين بدعوى أنه سيكون تكراراً لسياسة «الاسترضاء» التي كان قد اتبعها السياسي البريطاني تشمبرلين إزاء هتلر وهي أساليب مكروهة في الحوليات السياسية الغربية ومن ثم لم يعد جائزا.
كل هذا تم فيما شرع المحافظون الجدد في محاولة طمس الخط الفاصل بين المتطرفين المسلمين وبين عقيدة الإسلام ذاتها فكان أن أدخلوا تعبير «الإسلاموفاشية». في نفس الإطار بادر بل كريستول وهو عميد المحافظين الجدد والناطق باسمهم إلى القول إن» الفاشية الإسلامية «بدأت مع ثورة إيران عام 1979 واستمرت في الوجود، على حد زعمه». وهنا يشير المؤلف إلى مقالة نشرها كريستول في الصحيفة الناطقة باسم المحافظين وهي «ويكلي ستاندارد» ودعا فيها واشنطون إلى استغلال هجوم إسرائيل على حزب الله اللبناني في صيف عام 2006 لقصف إيران!
أكذوبة مروعة
بلغ أمر هؤلاء المحافظين إلى حد التخويف، بل هو الترويع من أن انتصار الإسلاموفاشية ـ على حد وصفهم ـ معناه نهاية الغرب، وبالأدق حضارة الغرب، إذ سوف تحل الشريعة الإسلامية(!) وتقوم دولة الخلافة ومن ثم يدخل العالم إلى المحارق من جديد(!) على حد ما ذهب إليه واحد من صقور المحافظين الجدد هو ريتشارد بيرل في مقال نشر مؤخرا.
في كل حال اشتدت تهيئة العقل الأميركي، بل والغربي بشكل عام إزاء صراع جديد ينشب أو يندلع مجددا بين الحضارات. ويذهب مؤلفنا من جانبه (ص136) إلى أن صاحب مقولة هذا الصراع هو المستشرق برنارد لويس.. وقد استعارها فيما بعد صمويل هنتنغتون أستاذ علم السياسة في جامعة هارفارد لينشرها في كتابه الذي حاز شهرة واسعة في دنيا الفكر والسياسة على حد سواء.
وهناك من يقول ان برنارد لويس قد عمد إلى طرح أفكاره هذه في مقالات وأحاديث وكتب أصدرها ومفادها فكرة محورية أساسية وخطيرة في آن هي: أن الغرب - أو ما أصبح يعرف باسم عالم المسيحية ـ وصل حاليا إلى المراحل الأخيرة من صراع طويل دام قرونا على المكانة والنفوذ بينه وبين الحضارة الإسلامية.
مبدأ لويس
وبرغم ما في مثل هذه المقولات من تهافت، حيث يفوح منها - كما يلاحظ مؤلف كتابنا - رائحة الاستعلاء العنصري - إلا انه يلاحظ في هذا المقام أيضا كيف أن أفكار برنارد لويس هذه - بكل سمومها الخطيرة - ما لبثت أن حازت قبولا إلى حيث باتت تشكل الأسس القاطعة غير القابلة للنقاش للسياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو ما حددته جريدة محافظة بدورها هي «وول ستريت جور نال» تحت شعار «مبدأ لويس».
وما لهم لا يكرسون أفكار ذلك المستشرق المتعصب ضد الإسلام والمسلمين، في حين أن ديك تشيني نائب الرئيس بوش، والذي يقال أنه الرجل رقم واحد من حيث التأثير الحقيقي على مجريات الأمور، واقع بدوره تحت التأثير العميق لأفكار المستشرق لويس.
يقول المؤلف: بلغ من أمر هذا التأثير أن اقتبس تشيني من أقوال برنارد لويس على الهواء في حديث متلفر عشية شنّ الحرب على العراق. ويومها استعاد ديك تشيني مقولات لويس من أن المسلمين لا يستجيبون سوى للقوة وحدها ومن ثم ينبغي التعامل معها بكل حزم وصرامة(!).
هنا يعمد مؤلفنا إلى محاولة ترجمة هذه الأحكام قائلا (ص137): وكان معنى هذا أنك لو أظهرت أمام المسلمين أنك السيد الآمر الناهي فإنهم يحترمونك(!) وكان طبيعيا والحالة هذه أن يبرر السيد تشيني تبرير التدابير المتطرفة التي تم اتخاذها في تنفيذ الحرب على الإرهاب بما في ذلك استخدام التعذيب. والحاصل أن هذا الموقف المستند إلى آراء برنارد لويس ظل يوجه عمليات تخطيط الحرب على الإرهاب ومن ثم ظل يؤثر على تفكير المسؤولين الآخرين في واشنطون وعلى نظرائهم إلى عالم الإسلام وعقيدة المسلمين.
خطورة الإثارة الإعلامية
من ناحية أخرى، لو كانت آراء لويس ومن على شاكلته بشأن الإسلام والمسلمين محصورة في دراسات أكاديمية أو بحوث فكرية لهان الأمر نسبيا، المشكلة هي أن هذه الآراء وجدت طريقها - كما يوضح مؤلفنا ـ لا إلى أجهزة الإعلام الأميركية وحدها، بل إلى أجهزة الإعلام الغربي (الأوروبي) بشكل عام.
وهنا يحاول المؤلف أن يجيب على السؤال الذي يقول: كيف يعمل هذا الإعلام الغربي على تعريف الإسلام؟
في معرض الإجابة يشير البروفيسور أكبر أحمد إلى أن الإعلام الغربي لا يلبث في كل لحظة يتغذى على إخباريات وصور ومعلومات مخصوصة تشير في مجموعها إلى أن ثمة خطرا قد يهدد العالم وحضارته ومستقبله من الإسلام(!)
وكم قدموا إلى أجهزة الإعلام الغربي أخبارا عن مؤامرات أُجهضت، ومحاولات لتسلل المسلمين للتخريب في دول الغرب.. وكلها أوصلت جماهير الغرب إلى حالة دائمة من التوتر العصبي حيث كان الناس يتساءلون في كل لحظة عن زمان ومكان وقوع حدث من تدمير أو تخريب على يد فرد مسلم هنا أو هناك.
يلاحظ المؤلف أيضا (ص139) أن تفاصيل هذه الأخبار أو التقارير أو المعلومات كانت تقدم إلى الجماهير محاطة بقدر لا يخفى من ضباب الغموض والالتباس. وما كان لهذه الحالة من ترويع الناس (وقد نضيف والافتراء على الإسلام) لتفسح المجال لمن انتقدوا هذا الافتراء وحاولوا تفنيد تلك المقولات.. وهم من أهل الغرب ذاته.. ويسوق المؤلف من أمثلتهم مثقفا ومسؤولا بريطانيا هو «كريغ ميوري» وكان سفيرا لبلاده في أوزبكستان، وكان من منتقدي انسياق رئيس وزرائه توني بلير الأعمى كما يصفه مؤلفنا وراء تأييد سياسات الرئيس بوش.
لقد أعلن السفير الانجليزي تشككه إزاء معلومات أذيعت بشأن اعتزام 24 باكستاني يحملون الجنسية البريطانية تفجير 10 طائرات فوق المحيط الأطلسي في أغسطس عام 2006.. يومها أدلى الدبلوماسي المذكور بعدة أحاديث تليفزيونية أوضح فيها أن كثيرا من هؤلاء المتهمين ليس لديهم جوازات سفر وكثيرا منهم لم يكن بحوزتهم أي تذاكر طيران ولا اكتسبوا تدريبا على مثل هذه العمليات التي تتطلب بداهة قدرا واسعا من القدرة والانضباط.
ومن جانبها أكدت مصادر المخابرات الباكستانية أن هؤلاء الشباب كانوا مجموعة من «الهواة» ممن لا يمكن أن يشكلوا أي تهديد يُعتد به. ولكن برغم هذه الحقائق جميعا فإن الذين كان من همهّم تصوير المسلمين على أنهم يشكلون تهديدا حقيقيا وداهما (للغرب وحضارته وثقافته وأساليب حياته ومنجزاته ومستقبله) ما لبثوا أن تعاملوا مع مثل هذه القصة وغيرها على أنها محاولة أخرى لا يكف المسلمون عن بذلها لإلحاق أفدح الأضرار بهذا الغرب. وكان طبيعيا أيضا أن لا تقصّر الميديا عن إضفاء توابل الإثارة على ما يترامى إليها من معلومات تصور المسلمين على أنهم أعداء الحضارة ومدمروها والخطر الداهم المتربص بها.
بل إن مؤلفنا يتعامل من منظور انتقادي أيضا مع البعض من وسائل الإعلام العربية: بعضها يلجأ في رأيه إلى نفس الإثارة ولو من الناحية المهنية أو إلى المبالغة، أو إلى أداء المهمة الإعلامية دون الاهتداء ببوصلة من حيث اتزان الرؤية وضبط الأداء.. وهذا الاضطراب أو التخبط ما لبث وأن تلقفته الميديا الغربية كي تمضي، سواء في تصويرها خطر المسلمين، أو في تأكيدها على أن العالم مقبل ولاشك على صراع - ساخن في بعض الأحيان - بين الثقافات والحضارات.. أو فلنقل على وجه التحديد بين الغرب والإسلام.
عرض ومناقشة : محمد الخولي


