يتطرق المؤلف هنا إلى مجموعة من القضايا المهمة أبرزها مواقف الجيل الجديد من الشباب المسلم، ويرصد ما يصفه بالتناقضات فيما يتعلق بالموقف من الغرب ومن التقنية ومن قضايا عديدة لم تحسب كالحجاب، وينتقل إلى موقف أميركا من الإسلام، مشيرا إلى أن مفكرا عرف بعدائه الشديد للإسلام مثل برنارد لويس ظل على مدار 30 عاما يؤثر في سياسة أميركا إزاء الإسلام. ويمضي بنا المؤلف في جولة في مؤتمر شهير ومهم عن الإسلام عقد في فيلادلفيا بالولايات المتحدة، حيث يرصد علامة استفهام مهمة هي: من الذي يتولى تعريف العالم بالإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
لم ينس مثقفو الهند تلك الكلمة التي سبق إلى إعلانها زعيمهم الراحل جواهر لال نهرو (1889ـ 1964)حين قال:إن سر ثقافة الهند يكمن في قدرتها على أن ترحب بالوافدين من خارجها، حيث إن الروح الغالبة في الحضارة الهندية هي أنها تتسم بميزة التقارب وليس التباعد، التناغم وليس المواجهة.من وحي هذه الكلمات يصحبنا مؤلف الكتاب إلى واحد من أهم.. وربما من أمتع، الفصول التي كتبها تحت عنوان لا يخلو بالطبع من دلالة وهو: النضال من داخل الإسلام.والمعنى الذي يشير إليه يتعلق بكفاح المسلمين لكي يعقدوا صلحا بينهم وبين العالم.. بحيث يتواءمون مع معطيات هذا العالم.. ومع تعقيد أوضاعه، وربما مع مشكلاته وتحدياته وتعقيداته بينما يظلون على إيمانهم العميق بالله ورسله وآياته وكتبه.. وباختصار أن يكونوا مسلمين ومعاصرين في آن معاً.
السفر إلى الهند
في هذا الفصل المطول، وهو الثاني من هذا الكتاب يحكي مؤلفنا عن رحلته من باكستان إلى الهند وبالتحديد الهند المسلمة بطبيعة الحال.
هنالك بدأ فريق الرحلة المسجلة في كتابنا يتخذ نوعية خاصة من الاستعدادات. يوضح لنا المؤلف أنه بحكم نشأته وانتمائه الأساسي إلى باكستان فقد كان طبيعيا أن يلقى مع تلميذيه الأميركيين قدرا لا يستهان به من الحفاوة والترحيب.. لكن ها هو يتحول مع فريقه إلى الهند، إلى ديابوند بالذات بوصفها أحد المراكز المهمة للإسلام في شبه القارة الهندية..
وربما كانت خصوصية تلك الاستعدادات المستجدة مرتبطة بخصوصية المشهد الهندي في حد ذاته.. وبمعنى أن المؤلف كان يتوقع اختلافا في نوعية الاستجابة وليس صدا ولا رفضا للزيارة من أساسها.. ولقد حملتهم زيارتهم الهندية أيضاً إلى جامعة «عليكره» الشهيرة.. وهي درة الإشعاع الثقافي المسلم في طول الهند وعرضها.
في ساحة «عليكره» كان اللقاء بالشباب من الطلاب.. يصفهم المؤلف في عبارات تقول:كانوا شبابا يفتقرون إلى أبسط قواعد الإتيكيت، كانوا أبعد ما يكونون عن النضج على نحو ما هو الحال بالنسبة للفتيان.
بيد أن الذي لاحظه المؤلف وصحبه هو أن هؤلاء الشباب الصغار من مسلمي الهند كانت صدورهم الفتية كأنها مراجل تغلي من الغضب تجاه الغرب وعلى أميركا وقادتها بالذات باعتبارهم يسومون المسلمين شتى أنواع العسف والظلم والطغيان. من ناحية أخرى لاحظ المؤلف مدى سخطهم (هل نقول إحباطهم) الذي عبروا عنه حين قالوا:ا نجد للأسف قيادة للعالم الإسلامي، بل نحن نعيش في مجتمع يسوده الخمول والركود، ليس أمامنا قدوة نسير على خطاها ولا ترى أي شخصية يُعتد بها تطرح أمامنا رؤية تغير أمامنا طريق المستقبل الحافل بألغام التحديات، وكم رأينا العكس ممن يتصّدون لقيادتنا.
هل تذكرون ظهور التلفزيون الملون لأول مرة في حياة مسلمي الهند منذ نحو ربع قرن؟ وهل تذكرون كيف بادر نفر من قادتنا إلى صيحة أعلنوها بملء أفواههم قائلين:يا معشر مسلمي الهند، هذا الجهاز الملون حرام.. إنه رجس من عمل الشيطان.. إنه التلفاز الملون الملعون.. فاجتنبوه!
أما اليوم - يضيف شباب جامعة «عليكره» ـ فلا يخلو بيت مسلم بالهند من جهاز أو اثنين من هذا.. الملعون.. المصبوغ بالألوان. وهكذا نرى أ ن المسلمين يتأرجحون من أقصى اليمين تطرفا إلى أقصى اليسار.. تطرفا بنفس المقياس.
الشرق والهنود الحمر
على الضفة الأخرى من القضية تأتي نظرة الغرب ـ كما يحللها مؤلفنا ـ إلى هذا العالم الذي يضم الملايين من أبناء عقيدة الإسلام. في هذا العالم الإسلامي يتسامع أهل الغرب ـ الأميركيون مثلا ـ عن وجود قبائل تعيش وتعمل وتكافح وتتفاعل و.. تبني وتحكم.. في بقاع شتى ما بين الشرق الأوسط - الجزيرة العربية إلى شبه جزيرة الهند إلى أفغانستان ومن ثم إلى أصقاع جنوب شرقي آسيا.
والمشكلة - كما يوضح الكتاب هي أن الفرد الأميركي، حتى ولو كان مثقفا، يربط بين مصطلح القبيلة أو العشيرة وبين معاني كلها سلبية وتتعلق عنده بالابتعاد أشواطا عن ركب الحضارة ومسيرة التقنية، ذلك لأن هذا الفرد الأميركي يسمع كلمة «قبيلة» أو «قبائل»..
فإذا به يستدعي على الفور من مستودعات ذاكرته الجماعية القومية ما وعاه وما راكمه من وقائع تاريخ بلاده عن قبائل كانت تقطن أميركا - العالم الجديد كما كانت تسمى منذ نحو قرنين ـ وهي قبائل الهنود الحمر، بكل ما كانوا عليه من تخلف شديد وعزلة رهيبة عما كانت عليه أحوال العالم من تقدم تقني وثورة صناعية واستنارة فكرية وإبداع فني وتحولات في ميادين السياسة والإدارة والاقتصاد.
بديهي أن الحال مختلفة تماما. والمقارنة ظالمة بل هي مرفوضة تماما، هكذا ينبه ويؤكد مؤلف هذا الكتاب، لكن هذا لم يكن معناه أن يتجاهل المؤلف صراعات الحاضر في مجتمعات يسودها الإسلام مثل نيجيريا في وسط إفريقيا أو الصومال في شرق القارة السمراء.
شباب سوريا والميديا
كذلك فلم يكن المؤلف غافلا - بوصفه عالما مسلما - عن واقع التناقضات التي تستبد حاليا بأقطار كثيرة من العالم الإسلامي. في بلد مثل سوريا يشاهد فتيات سافرات لا يقرأن ولا يتابعن ما يجري من أحداث، ويصغي إلى فتيات محجبات يتابعن تطورات الدنيا من شبكات البي بي سي وسي. إن. إن والجزيرة (ص117) فضلا عن مواقع الانترنت على شاشات الحواسيب.
تمضي فتاة سورية لتحكي مشاهداتها، وبالأدق انتقاداتها، لجيلها أمام زائرهم البروفيسور أكبر، ذلك الذي جمع بين نشأة إسلامية في باكستان ودراسة وتعليم غربي في انجلترا وأميركا.. تقول:أنظر إلينا لو سمحت وتأمل أحوالنا.. هذا هو الجيل الشاب في أمتنا.. لا يحصد من التكنولوجيا سوى أسوأ ثمراتها.. الفتيان يتعاملون مع الانترنت لمشاهدة العروض الإباحية.. ويستخدمون الهواتف النقالة لتبادل الصور المرفوضة أو النكات المكشوفة.. بل نكاد نقول إن من الرجال البالغين من لا يتورع عن قضاء 6 ساعات متوالية في ممارسة ألعاب الفيديو.
فتاة أخرى (ص119) كانت تسدل شعرها الطويل على كتفيها وترتدي سراويل الجينز أعربت عن حيرة جيلها الشاب قائلة:لم يعد هذا الجيل قادرا، من فرط الخلط والارتباك، على التمييز بين الخطأ والصواب.. أفراده يصحون وينامون على مشاهدة البرامج المتلفزة المقبلة من الغرب. وما أشد خطرها على الناشئة في المجتمع المسلم بالذات.. إن الأطفال يشاهدون ويتابعون ويتأثرون قيما سائدة في الغرب.. قيم الإغراق في الماديات والمعاشرة بغير زواج ومعاقرة الشراب وتصدع كيان الأسرة.. وهم يتصورون أن هذا هو الأمر العادي والعرف السائد أو الذي ينبغي أن يكون سائدا.
تضيف الفتاة السورية أيضاً في نفس الموضوع فتقول:والحق أن لم يعد للآباء أي سيطرة على أبنائهم.. ويؤسفني أن أقول إن التلفزيون أصبح هو الأب والأم لمثل هذه الأجيال. والمهم أن عمد المؤلف وصحبه في سياق هذه الحوارات إلى طرح أسئلة عن نماذج القدوة بالنسبة لهؤلاء الفتيات..
كأنما كان السؤال يريد أن يستطلع نوعية الشخصيات التي مازال هذا الجيل من الفتيات ينظرن إليها باحترام.. وهنا تراوحت الإجابات بين شخصيات دينية وسياسية.. بل تطرقت إلى شخصية فنية - إذاعية من أميركا بالذات هي «أوبرا وينفري» مذيعة التلفاز الأميركية الزنجية الشهيرة. وهنا أيضاً يقول المؤلف:عندما توسعنا في الاستفسار عن سبب شعبية «أوبرا وينفري».. أجابت الفتيات السوريات بأن إعجابهن بها يرجع إلى ما يلي:
إنها امرأة قوية(!)
وأن في شخصيتها جوانب روحية (غير مادية).
أنها تظهر اهتماما عميقا بقضايا جديرة حقا بالاهتمام.
أنها قدمت عدة برامج محترمة ورصينة عن الإسلام والمسلمين.
يضيف المؤلف أيضا:إن برامج «أوبرا وينفري» تحرك مشاعرهن لدرجة أن يشاهدنها باستمرار. (والحاصل) أن نماذج القدوة المعاصرة بالنسبة لهذا الجيل مستقاة (لا من القراءة أو الدراسة أو التحليل) بل من التعرض لما تقدمه وتبثه قنوات التلفزيون المنقولة عبر الأقمار الاصطناعية.
جاذبية عمرو خالد
في نفس السياق يمضي مؤلفنا الباكستاني - الأميركي قائلا:أما النموذج الذي تطرق إليه الحديث كثيرا فهو داعية يتمتع بجاذبية «كاريزمية» اسمه «عمرو خالد». وهو مصري ترك مهنة المحاسبة ونذر نفسه متفرغا للكتابة والحديث عن الإسلام. ومما يثير الاهتمام أنه كان النموذج الوحيد في استمارة الاستبيان التي وزعناها ـ الذي اجتمع بشأنه توافق بين الآراء في الأقطار التي زرناها من العالم العربي.. إن هذا الجيل من الشابات المسلمات أولينه الاهتمام لأنه قدم الإسلام أساسا بوصفه دينا يموج بالعاطفة والرحمة وطريقة روحية للحياة.. وقد وصفته فتاة سوريا قائلة:
إن طريقته بسيطة، خفيفة على القلب ومحببة في الإصغاء، فهو لا يقدم الإسلام من منظور الأوامر والنواهي على نحو ما يفعل الأكبر سنا.والمهم أن الشابة أجملت قولها: إنه يجعلنا نحب الإسلام.
مؤتمر عن الإسلام
مرة أخرى يعود المؤلف إلى حديثه مع الوزيرة السورية بثينة شعبان التي طرح عليها الفريق الزائر أسئلته عن أوضاع المرأة في الإسلام (ص121) فمضت تقول:أنا لا أشعر أن المرأة الغربية أكثر ليبرالية من المرأة المسلمة. لقد كنت ألقي محاضرة في أميركا. ولكي أُثبت للمستمعين أمرا بعينه.. فقد توقفْتُ فجأة وغطيت شعري بحجاب ثم استأنفْتُ الحديث: كنت بهذا أحاول أن أثبت أن الحجاب لا يغير من الأمر شيئا، بمعنى أن عقلي ظل كما هو بغير تغيير، والذين يتكلمون عن الإسلام لابد أن يتكلموا انطلاقا من روح القرآن الكريم.
نلاحظ أن المؤلف يسجل بأمانة أن مثل هذه الآراء التي استمع إليها في سوريا - مشرق العالم العربي - الإسلامي. وقد عاد ليسمعها تتردد أيضاً في العالم الآسيوي وبالتحديد خلال زيارته وإقامته في إسلام آباد عاصمة باكستان.
لقد شارك في دعوة عشاء ضمت عددا كبيرا من الحضور مما استدعى نصب خيمة في حديقة مضيفه الذي ينتمي مع قرينته إلى كبرى عائلات باكستان.. نحو 50 ضيفا وضيفة تداولوا بينهم الأحاديث والتساؤلات حول موضوع يؤرق قطاعات واسعة في الشرق وفي الغرب وهو: دور المرأة في الإسلام من السيدات الحاضرات من ارتدت الحجاب أو النقاب. ومنهن من كانت بغير حجاب أو نقاب ولكن الإجماع كان منعقدا على أن المرأة المسلمة لا تقلّ عن نظيرتها الغربية من حيث الحرية الليبرالية أو الأخذ بأسباب الحداثة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
ومع ذلك فقد استمر الإلحاح في المطالبة باستكمال حقوق المرأة في العالم الإسلامي. وفي هذا الإطار وردت الإشارة إلى مؤسسة إسلامية معنية بقضايا المرأة وتوعيتها بحقوقها.. وقد تم تأسيسها - كما يوضح المؤلف ـ في عاصمة باكستان لتحمل الاسم التالي:معهد الهدى الدولي للثقافة الإسلامية للنساء.
في كل حال فقد غادر المؤلف أراضي العالم الإسلامي وبين جوانحه قبس من الأمل.. ولاسيما بعد معايشته لمعاناة، ومن ثم إصرار، قطاعات من مجتمع المسلمين من الشباب والنساء بالذات، وقد جهدوا في تحويل سخطهم على أفاعيل الغرب إلى تمسك بالتقنية والتطور والحداثة مع الإيمان العميق بأن تحرير المرأة والفتاة المسلمة هو تحرير للمجتمع المسلم بأكمله.
مؤتمر عن الإسلام
ينتقل بنا المؤلف إلى الفصل الرابع من الكتاب الذي يحمل سؤالا جوهريا ومباشرا وهو:
من الذي يتولى تعريف الإسلام بعد أحداث سبتمبر 2001؟
يحكي الكاتب للقارئ عن فعاليات المؤتمر الذي دُعي إلى حضوره في منتصف ابريل من عام 2006 تحت إشراف مجلس فيلادلفيا للشؤون العالمية. وترجع أهمية المؤتمر المذكور إلى عوامل شتى من بينها:
أنه حمل عنوان «المؤتمر الدولي عن الإسلام والغرب».
أن المتحدثين في المؤتمر ضموا شخصيات في غاية الأهمية والتأثير.. ويكفي أن كان من بينهم أفراد مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، وهنري كيسنجر بكل خبرته الطويلة العريضة في الشؤون الدولية.. والشرق الأوسط بالذات، وفرانسيس فوكوياما المفكر الأميركي من أصل ياباني صاحب الدراسة الشهيرة بعنوان «نهاية التاريخ» والسناتور جو بيدن وقد كان من مرشحي الرئاسة الأميركية.. ناهيك عن البروفيسور برنارد لويس، المستشرق الشهير الذي يجمع (في رأينا) بين عمق المعرفة بالتاريخ والمشهد الإسلامي وبين قدر لا يخفى من التعصب والتحيز والتحامل على الإسلام والمسلمين.
مع مفتتح الفصل الرابع من كتابنا - يحكي المؤلف عن غرابة الأجواء التي لمسها لحظة وصوله إلى مكان انعقاد المؤتمر الدولي.. ومن أولى عناصر هذه الغرابة ذلك الجو المشحون المحيط بمكان الاجتماع وبالفندق حيث مقر إقامة المؤتمرين.. ولأنهم كانوا - كما أوضحنا - شخصيات مهمة.. فقد أحيط الفندق بأطواق من رجال الأمن الرسميين وغير الرسميين.
وظهرت للعيان أصناف شتى من البنادق والرشاشات متأهبة لأي احتمال، ومنعوا المرور المعتاد من حول المكان، بينما ظلت أصوات النباح تتصاعد من كلاب الشرطة المصاحبة للحراس.. باختصار - يضيف الأستاذ «أكبر أحمد» ـ كان جوا غريبا يسوده التوتر الشديد على نحو ليس بالمعتاد بالنسبة لمؤتمر علمي أو تجمع بحثي..
وقد أضاف إلى أجواء الغرابة قلة المتحدثين المسلمين، فما بالك وقد زادت الأجواء غرابة (هل نقول وكآبة أيضا) أن كان المؤتمر يضم «أيان حرصي علي» السيدة ذات الأصل الصومالي القادمة من هولندا كانت قد أعلنت أنها قد فارقت الإسلام ولم تعد مسلمة.
تشيني وكيسنجر والمؤلف
من واقع هذه الأجواء التي رسمها مؤلف الكتاب يكاد القارئ يشعر بمدى التناقض الذي يعشش بين جانبي القضية: جانب المسلمين الذين زارهم مؤلفنا خلال رحلته الطويلة من المشرق العربي إلى الجنوب الآسيوي - حيث عايش وعاين أقواما وشعوبا تحاول، بل تناضل، كي تحافظ على ديانتها فيما تكافح كي تواكب مسيرة العالم - رغم شعورها بالظلم والتمييز - من أجل الحداثة والسلام، وبين مؤتمر شعر المؤلف منذ استهلاله بأن ثمة تحاملا على هؤلاء المسلمين وعلى العقيدة الجليلة النبيلة التي يعتزون باعتناقها.
يقول أكبر أحمد في مستهل الفصل الرابع من الكتاب (ص127 وما بعدها):من الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه تشيني، ومن واقع الملاحظات التي أبداها كيسنجر، بدا واضحا أن أفكارهم عن العالم الإسلامي، على مدار السنوات، ومن ثم أفكار (توجهات) الإدارة الأميركية (إدارة الرئيس بوش) قد تأثرت إلى حد بالغ بأفكار برنارد لويس.. وهكذا فعندما سألوا كيسنجر أن يحدد أهم خطوة يمكن أن يتخذها من جانبه من أجل تحسين العلاقة مع العالم الإسلامي أجاب كيسنجر قائلا:حسنا.. أنا اذهب إلى برنارد (لويس) أولا.
وبعدها استرسل كيسنجر ليركز بالذات على إيران قائلا أن قيام إيران بتوجيه ضربة نووية أمر محتم على حد اعتقاده وأن على الغرب أن يمنعها من تطوير أسلحة نووية كي لا تصبح في رأيه خطرا يهدد العالم(!) ثم مضى كيسنجر في تزيين توجيه ضربة من جانب القوى الدولية إلى إيران ولكن مع اتخاذ احتياطات لأن عدد كبيرا من البشر سيموتون.. الخ
(وهنا يعلق المؤلف قائلا أن المسلّم به على نطاق واسع أن آراء كيسنجر مازال لها قدر من التأثير على البيت الأبيض).
بعد كيسنجر جاء دور مؤلفنا البروفيسور أحمد ليحثّ في كلمته أميركا على أن تتعلم من دروس التاريخ القريب وحتى لا تكرر أخطاءها على نحو ما هو حاصل من فوضى ضاربة أطنابها - كما قال المؤلف في مداخلته ـ في كل من أفغانستان والعراق.
في نفس مداخلته حذر البروفيسور أكبر أحمد من معاودة عملية تدخل أخرى في إيران.. وعمد إلى تذكير أميركا بأنها لاتزال حصنا مدافعا عن قيم وممارسات حقوق الإنسان وينبغي لها ألا تتخلى عن هذه المكانة حتى تظل محتفظة بأصدقائها وحلفائها على امتداد المعمورة.
في الوقت نفسه كان لابد لمؤلفنا أن يركز حديثه حول سبل تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي وهنا عمد إلى سرد جوانب من تجربة رحلته إلى الأقطار الإسلامية التي زارها، مضيفا لمستمعيه في فيلادلفيا أن لا محل لبناء الجسور المنشودة بين الطرفين إلا بعد أن يكف الأميركيون عن النظر إلى العالم الإسلامي .
وكأنه كتلة صمّاء واحدة، بل عليهم أن يفهموا أن هذا العالم المسلم يغلي بالغضب ثم أشار إلى العراق وأحواله الراهنة نموذجا على تنكّر أميركا لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفع شعاراتها.. ومن ثم يظل من واجب أميركا أن تعاود بعث وإحياء هذه القيم التي سبق وجعلت منها بلدا عظيما.. وكأنما تعيد أميركا اكتشاف هذه القيم بما يعود عليها بالمصلحة وعلى العالم أيضا.
بين الصراحة والمرارة
كانت كلماته مفعمة بالصراحة وبالمرارة أيضاً وهو يحكي عن وقع هذه الكلمات على الحضور بالمؤتمر فيقول (ص129):رغم أن عباراتي كان لها في بادئ الأمر وقع غلالة من الثلج في أرجاء القاعة..
فها هو شخص مسلم بين خلق الله من الحاضرين ينفرد بإسداء مثل هذه النصائح الصعبة، إلا أن الدفء شرع بعد ذلك يتسلل إلى الأجواء من واقع الاستجابات التي عبر عنها المتكلمون إزاء حديثي لقد رأيت كيسنجر موليا كل اهتمامه إلى ما أقول ولم يحول نظره عني طيلة الحديث.
وفي كل حال فقد كنت أخاطب جمهورا من المثقفين الأذكياء الذين كانوا بحاجة إلى أن يطلّعوا على الجانب الآخر من الصورة.. وبالتدريج بدأت معالم هذا الجانب وزواياه تدخل ضمن استيعابهم بل أن بعضهم أبدى موافقة على ما أبديته من آراء.
ثم يستطرد المؤلف قائلا:أما بالنسبة لي فقد كان هذا المؤتمر آية على مدى القصور والارتباك والتناقضات التي تكتنف محاولة تعريف، أو تحديد، ماهية الإسلام في الولايات المتحدة. ومن عوامل هذا القصور، وهو ما اعترف به كل من تشيني وكيسنجر، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلام.. كانت بيد لاعبين أساسيين ظلوا واقعين بدورهم تحت تأثير فرد واحد اسمه برنارد لويس (المستشرق اليهودي بكل تعصبه وتحامله)..
أما المحافل الأولى التي كانت تتطرق إلى موضوع الإسلام فلا كانت تبذل من جانبها محاولات يُعتد بها لطرح أو شرح المنظور الإسلامي، ولا قامت بالجهود الميدانية اللازمة لاستيفاء مثل هذا الموضوع.. ولم تكن النتيجة لتقتصر على أن أساء الأميركيون قراءة (أو فهم) المسلمين فقط بل كانت أميركا عاجزة عن التخطيط لمواجهة الأحداث الداهمة فيما جاء من بعد من السنوات.. والمشكلة كما رأيتها وعايشتها في مؤتمر فيلادلفيا هي إن لم تطفُ إطلاقا على السطح كلمات أو تعبيرات من قبيل «التفاهم» أو «الحوار» أو «التعاطف».
تعبير مرفوض
من هنا جاء تركيز المؤلف على أهمية التعريف الصحيح والنزيه أيضاً لمعنى «إسلام» ودلالة «مسلمين»: أنه ينعي مثلا على الميديا (مدفوعة بالنوازع الصهيونية أساسا) لأنها تلوك مثلا مصطلح «إسلامو فاشست» بمعنى أنها تربط افتراء وتعسفا بين الإسلام وبين كل من هتلر وموسوليني وهما أبغض شخصيتين إلى فكر ووجدان المواطن الغربي، الأمر الذي أشعل نيران الغضب في نفوس المسلمين الذين - كما يؤكد مؤلفنا - لم يستخدموا قط تعبيرات من قبيل «مسيحيو فاشست» حتى لوصف ما كان الغرب المسيحي يرتكبه بحق الشعوب من مظالم وجرائم.عند هذا المنعطف من أطروحات الكتاب.. يجد القارئ أمامه تحليلا رصينا بالنسبة لموقف مثقفي أميركا من الإسلام.
عرض ومناقشة : محمد الخولي