يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع جوانب شتى من رحلة المؤلف والباحثين الأميركيين اللذين صاحباه فيها للتعمق في فهم مواقف المسلمين من التحديات العديدة التي تفرضها العولمة على الجميع اليوم، حيث تتوالى اللقاءات والحوارات والمناقشات التي توضح تعايش الأديان في العالم الإسلامي وأبعاد الدور الذي يقوم به المسلمون، ونتابع من ناحية أخرى طبيعة تأثير الإعلام الأميركي الذي يزيد من الصعوبات التي تكتنف عملية مد الجسور بين الإسلام والغرب.

ن القضايا التي كانت تؤرّق مؤلف هذا الكتاب (وبالتالي تلميذيه المصاحبين له من أميركا) قضية العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب ـ المسيحيين على وجه الخصوص.صحيح أنه لمس ـ كما يقول في كتابه (ص18) - تيارا ساريا بين صفوف المسلمين من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا ـ يجسّد كراهية لسياسات الولايات المتحدة وبغضا لليهود (إسرائيل بالذات) إلا أنه استطاع بفضل منهجه العلمي، ومن خلال منظوره كأستاذ ومفكر، أن يميز بين كراهية السياسات وبغض الاحتلال (الصهيوني) وبين نظرة المسلمين إلى شركائهم في الوطن.

تلك هي النظرة التي عبرت عنها مسؤولة سورية رفيعة المستوى يسجل المؤلف وقائع اللقاء معها في دمشق، هي الأستاذة بثينة شعبان ،التي كانت الوزيرة المسؤولة عن المغتربين وقد تطرقت إلى هذه القضية قائلة: من عام 627 إلى عام 647 ميلادية ظل المسلمون والمسيحيون يؤدون صلواتهم في الجامع الأموي بدمشق إلى أن قرر المسيحيون بناء كنيسة يقيمون فيها الصلوات. وليس لامرئ منا أن يفكر في العالم على أنه شرق وغرب.

فنحن لا يمكن أن نكون مسلمين حقا إلا إذا آمنا بإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وأقدم معبد لليهود في العالم قائم في دمشق وأقدم كنائس الدنيا في دمشق أيضا. هنا يعلق المؤلف قائلا (ص19): أن بثينة شعبان على حق.. فالتاريخ الإسلامي يعكس ثراء وعمقا ثقافيا يؤكد قدرة الإسلام على استيعاب مختلف العقائد.. وقد تأكدت هذه الحقيقة خلال زيارتنا للجامع الأموي في العاصمة السورية الذي شيده الأمويون وهم أول السلالات الكبرى الحاكمة في العالم الإسلامي.

وعندما تم إنشاء هذا المسجد في القرن السابع الميلادي ظل المكان يتشارك في موقعه مع كنيسة كانت قائمة من قبل. ومن ثم كان المسلمون والمسيحيون يؤدون صلواتهم في نفس الساحات.. ثم أن طراز الجامع الأموي بوصفه المسجد الكبير يصور على نحو أكثر من بليغ المؤثرات المعمارية البيزنطية والرومانية والعربية برغم أن خطته الأساسية استلهمت بيت النبي (ص) في المدينة المنورة.. والمسجد يضم ضريحا مكرسا ليوحنا المعمدان الذي يوقره المسلمون بوصفه يحيي عليه السلام.

ثم يضيف مؤلفنا ليقول: وكم قابلت من المسلمين خلال رحلتنا ممن كانوا ينظرون إلى المسيحيين واليهود بوصفهم «أهل الكتاب» وبمعنى أن ثمة وشائج روحية وعقيدية وتاريخية تربط بينهم وبين المسلمين.. وتلك رسالة ـ يؤكد المؤلف ـ ما برحت من جانبي أحاول نشرها في الولايات المتحدة.

حالات سوء الفهم

في السياق نفسه يعترف المؤلف بأن ثمة حالات من سوء الفهم بين تلك الأطراف، وأن تلك الظروف هي التي أفضت إلى تشكيل صور جامدة وقوالب نمطية مغلوطة (ستريوتايب) لدى كل فريق إزاء الفريق الآخر.. وأن إزالة هذه المفاهيم الجامدة المقولبة والمغلوطة تحتاج إلى جهود دءوبة وحثيثة وعلى نطاق واسع.

ثم ها هو يرصد تيارا ساريا بين صفوف المجتمعات المسلمة التي زارها وسجَّل أحوالها في صفحات الكتاب.. تيار يحث المسلمين على إلقاء كل ما يعانونه في حياتهم على عاتق «الآخر» ـ وهو الغرب الأوروبي ـ الأميركي في هذا السياق..

إنهم يرون هذا الآخر شيطانا مريدا ومتآمرا لا يكف عن محاولة إلصاق شتى المثالب والتُهم بجماعات المسلمين.. ومن وسائل الإعلام ما يعمد إلى إذكاء هذا التوجه من الترصد ومن محاولات إلقاء التبعة على أطراف أخرى.. والمؤلف يرى في هذا السياق أن مثل هذه المحاولات تسيء إلى الصورة السامية التي تجسد الإسلام الصافي الأصيل والحقيقي.

على صفحة 21 يقول مؤلف الكتاب: في تعاليمه المثلى، يحرص الإسلام دائما على أن يعطي الأولوية في شؤون البشر إلى تلقي العلم وإلى إعمال العقل بدلا من الاستسلام لنداء العواطف أو ثورات الغضب.. وكم كنت أعمل على تذكير مستمعيّ من المسلمين بأن النبي صلوات الله عليه كان يقول بأن مداد العلماء أكرم عند الله سبحانه من دماء الشهداء..

وأعلّق أيضا بأن هذا القول الكريم له مغزى فائق. ومن ثم فهو ينجم عنه نتائج عظيمة لا يستهان بها بالنسبة للأحوال السائدة في عالم الإسلام والمسلمين المعاصر.. فها نحو (بصراحة) نعرف كم أن عددا كبيرا من شباب المسلمين يشجعَّون على انتهاج السبيل المعاكس لهذا القول السديد.

وهناك من يلقنّهم بإيلاء الأهمية للتضحية وإراقة الدم أكثر من أهمية طلب العلم وإعمال العقل. وكم أودّ ـ يضيف البروفيسور أكبر أحمد ـ من كل أستاذ ومن كل قائد مسلم أن يجعل من هذا القول النبوي شعارا.. بقدر ما أسعى إلى أن يفهم كل من ليس مسلما تلك الطبيعة الحقيقية للإسلام التي تشدد في جوهرها على أمرين هما.. العلم.. والعقل.

الدين وفضيلة التعايش

عند هذه النقطة بالذات، يعترف مؤلف الكتاب بأنه لم يستطع أن يتخلى عن مهنته كأستاذ جامعي ومفكر وأكاديمي، لهذا فقد آثر أن يصارح مستمعيه في كل موقع إسلامي يحل فيه بأن يطلعوا على كتابات أصدرها مثقفون غير مسلمين ولكنها صدرت من منظور ثنائي محدد هو:

أولا: منظور احترام الإسلام عقيدة وشريعة وتعاليم.

ثانيا: منظور الدعوة إلى التعايش البنّاء والاحترام والتقدير المتبادل بين أبناء الديانات الإبراهيمية الثلاث لصالح أهل الإنسانية جمعاء.

3 كتب مقترحة

في هذا الإطار اقترح مؤلفنا 3 كتب رآها تحقق هذا الغرض: الأول لكاتبة مسيحية والثاني لكاتب يهودي والثالث لكاتب مسلم. هذه المقترحات طرحها الرجل في زياراته إلى دمشق حيث الجامع الأموي، وإلى الأردن حيث المعهد الملكي في عمان ثم إلى دلهي حيث كانت الزيارة ـ كما ألمحنا ـ في حلقة سبقت إلى مدرسة دينية في منطقة ديابوند.

أما مقترحات الكتب الثلاثة فجاءت على النحو التالي:

(1) كتاب «كارين أرمسترونغ» بعنوان: «المعركة من أجل الله»: والكاتبة تصف جوانب الحوار والشد والجذب الذي يدور بين أبناء العقائد الكتابية الثلاث وخاصة بين جماعات المعتدلين وفصائل المتشددين.

(2) كتاب «جوناثان ساكس» بعنوان «كرامة الاختلاف» وهو ـ في رأي مؤلفنا ـ دفاع حار عن فهم الديانات الإبراهيمية في زمن العولمة، ويدعو إلى الفهم والتعاطف الروحي العميق إزاء جميع التفاعلات التي تتم في المراحل الراهنة وخاصة ما يتعلق بتوزيع الثروة.

(3) أما الكتاب الثالث فهو من تأليف البروفيسور «أكبر أحمد» شخصيا وعنوانه «الإسلام تحت الحصار» وفيه يقول مؤلفنا المسلم أن مجتمعات الدنيا تكاد كلها تقع تحت الحصار، فبعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر شعر الأميركيون بأنهم معرضون دوما لطائلة هجوم ما من هنا أو من هناك. ولم يكن صدفة وقتها أن كانت ميديا الإعلام التليفزيوني تقدم أخبارها لملايين المشاهدين بالولايات المتحدة تحت لافتة شبه دائمة تقول: «أميركا تحت الحصار».

وهو نفس شعور جماهير المسلمين في الفترة الراهنة بعد أن تعرضت مجتمعاتهم وأفرادهم لضروب الإيذاء والمعاناة.. والمشكلة أنه حين تشعر المجتمعات بهذا الحصار وبأنه قد ضاق عليها الخناق.. فهي تتحول تلقائيا إلى موقف دفاعي على طول الخط، وبذلك لا يكاد أحد يصغي تحت وطأة هذه الحالة إلى صوت الحكمة ولا إلى وازع الرحمة أو التعاطف.

هنا يتجلى دور المعتدلين في دنيا الإسلام والمسلمين. وهنا أيضا، يؤكد المؤلف أنه صادف هذه النوعية من العناصر التي تجمع بين عمق الإسلام وبين شيمة الاعتدال وخاصة في أقطار مثل ماليزيا وإندونيسيا. ولكنه يبدي ملاحظة جديرة باهتمامنا كقارئين حين يقول (ص23):

ـ لاحظت في هذين البلدين أن ثمة دورا حيويا سوف يضطلع به المسلمون المعتدلون.. ومع ذلك فأنا أتردد في استخدام لفظة «معتدل» هذه بسبب ما قد تحمله من دلالات سلبية(!) فمن واقع ما تجمّع لديّ من معلومات اتضحت لي النظرة إلى هؤلاء «المعتدلين» على أنهم أولئك الذين على غير استعداد للدفاع عن أي أمر من الأمور.

هنا يستدرك مؤلفنا كي يضيف قائلا: مع هذا كله، فالناس الذين أتكلم عنهم واستخدم بالنسبة لهم تعبير «المسلم المعتدل» هم أولئك الذين يجسدون ويدافعون عن الهوية الحقيقية للإسلام، بينما يعيشون في الوقت نفسه «عصر العولمة».

ومن واقع ما تعلمته خلال رحلتي هذه فإن المسلمين المعتدلين هم الذين يطبقون تعاليم الإسلام في رحمته وفي عدله وإحسانه على نحو ما تلقوه من القرآن الكريم دون أن يرفضوا الحداثة ولا الغرب.. وبالتالي فهم ـ كما تحققت ـ ليسوا بالبسطاء ولا المستضعفين.

ما هي المشكلة الراهنة إذن؟سؤال يجيب عنه كتابنا موضحا أن هذه المشكلة تكاد تتركز فيما تنقله ميديا الإعلام بين طرفي المعادلة: عالم الإسلام وعالم الغرب.،وهنا يقول المؤلف أيضا: إن الميديا العالمية (الكوكبية إن شئت الدقة) هي التي طلت تغذي جماهيرها بشعور من التوتر والرعب مرتبطا بالمسلمين.. وهكذا ـ يضيف المؤلف ـ كنا في العاصمة الأردنية عمّان حين سمعنا عن انفجار قرب القنصلية الأميركية في كراتشي قبيل وصولنا إلى باكستان ببضعة أيام.

وعايشنا انفجارا في فندق ماريوت في جاكرتا عاصمة اندونيسيا حيث كنا نقيم وترامت إلينا أنباء انفجار آخر وقع في اسطنبول ـ الحاضرة التركية على ضفاف البوسفور.. ثم في دلهي وفي إسلام أباد.. وكان ذلك بعد انتهاء زيارتنا.. ولدرجة أن بات المرء يردد السؤال الحائر.

- ترى إلى متى نمارس لعبة الروليت الروسية هذه.. وإلى أي أمد تستطيع فيه الهرب أو النجاة من الضربة القاضية المهلكة؟

رغم هذا كله فقد أكمل المؤلف وتلميذه الأميركي وتلميذته الأميركية رحلتهم، وظلت أجهزة الإعلام في البلدان الإسلامية التي زاروها تعمل على تغطية أنباء وفعاليات هذه الرحلة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، سواء كان ذلك في الإعلام الهندي.. الباكستاني أو الشرق ـ آسيوي أو كان في قناة «الجزيرة» في قطر التي استضافت البروفيسور أكبر أحمد، فيما قام فريق الرحلة بالتجول في استوديوهات القناة العربية ومتابعة التجهيزات لبث نشرة الأخبار المسائية..

وهنا يعلق المؤلف ليقول: في كل مكان زرناه كنا نصادف المسلمين وهم يتابعون عن وعي ومعرفةٍ أحداث العالم وتطوراتها لدرجة أن يقول لنا إمام مسجد المدرسة في دلهي أنه يعرف باستمرار أين توجد وأين تسافر وزيرة خارجية أميركا كوندوليزا رايس.

لقاء في اسطنبول

في نفس السياق يسلمنا المؤلف لبعض التأملات على النحو التالي: هأنذا أقترب من خريف العمر.. لكنني أعترف بأن رحلتي هذه إلى عالم الإسلام العربي والهندي والآسيوي كانت تمثل بالنسبة لي مغامرة عظيمة.. لكنها جاءت على طريق كان طويلا سبق لي وأن اجتزت معالمه.

ومازلت أتذكر السلسلة التي دأبت محطة التليفزيون البريطانية البي. بي. سي البريطانية على تقديمها طوال عام 1993 بعنوان «أن تعيش الإسلام» وقد كنت مشاركا فيها. لكن التطورات التي استجدّت منذ ذلك الحين في مضمار السياسة والاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات كانت تمضي بإيقاع من أسرع ما يكون.

لذلك فقد كان من حظي خلال رحلتي المسجلة في الكتاب أن أجد من يتذكرني أو من يتطرق إلى اسمي أو إلى دراساتي سواء من قرأ عني على شبكة الانترنت أو من شاهدني على شاشات التلفاز.

هنا يستعيد مؤلفنا ذكرى مشهد بمطعم تركي في اسطنبول.. يقول:

- جلست لتناول طعام الغداء مع واحد من كبار مفكري تركيا.. وإذا برجل ضخم الجثة له لحية كثة كثيفة.. يشق طريقه في خشونة لا تخفي إلى طاولتنا ليقف على رؤوسنا قائلا:

- أنت أكبر أحمد ـ أليس كذلك؟

ساعتها هززت رأسي مبتسما ببطء ومتسائلا بيني وبين نفسي عما سيؤول إليه مجرى هذا الحديث، فإذا بالرجل يضيف على الفور قائلا:

- أنا رجل من «تشيلي» تحولت إلى الإسلام.. بعد أن شاهدتك تشرح معنى الإسلام في برنامج (المذيعة) أوبرا وينفري في أميركا.. وهأنذا أقول: شكرا لك.. ألف شكر.

تأثير الإعلام الأميركي

مثل هذه المواقف هي التي تبث في نفوس المفكرين والعلماء والدعاة المثقفين المتعمقين جذوة من أمل في أن الأمور يمكن أن تتحسن، وأن التفاهم يمكن أن يتعمق وأن يسود. إن المؤلف يعترف، بكل موضوعية، بأن مشكلة الجسور المطلوب بناؤها بين عالم الإسلام والمسلمين وبين عالم الغرب مازالت مشكلة صعبة وهي بحاجة إلى جهود جبارة.

لكنه يشهد بزوغ الأمل من واقع أهم الانطباعات التي خرج بها من رحلته في بلاد المسلمين.. يقول: طوال هذه الرحلة.. كان يروعني حقا ذلك التأثير الواسع (العولمي) للميديا الإعلامية الأميركية بقدر ما كان يسعدني روح التجاوب مع العولمة التي لمستها في أهل العالم الإسلامي.

ورغم ما أدركته من صعوبة مشاكل التفاهم أو الحوار، إلا أنني عدت من رحلتي وأنا مزود بشعور جديد من الأمل بعد أن صادفت والتقيت أفرادا مهمومين بهذه القضايا ويتمتعون بصفاء الرؤية وحسن الطوية.. وينتمون إلى أعراق مختلفة وأديان شتى.. كانوا يجمعون بين حمية التحمس وعمق العاطفة دليلا على أن إمكانات الحوار بين الأطراف المعنية قائمة ولكنها تنتظر من يعمل على تفعيلها.

على أن المؤلف ـ كما يتبدى بوضوح من سطور كتابه ـ مهموم إلى حد ليس بالقليل بقضية العولمة.. يراها عنصرا ظل طوال نصف القرن الماضي يتفاعل في عالمنا كي يسفر عن عواقب مادية ومعنوية على السواء.

وكان منها على سبيل المثال الإغراق في موجات التصنيع ومن ثم في الإسراف والترف الاستهلاكي مما أفضى في زماننا الراهن إلى ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض فيما يسمى ظاهرة التساخن ـ الاحترار العالمي.

وكان لابد لتلك الظاهرة ـ المشكلة ـ من أن تعبر عن نفسها فجاءت هذه التعبيرات على شكل كوارث من أنواع وإيقاعات وعقابيل شتى حلّت بالأرض وسكانها ـ كوارث من قبيل: العواصف الاستوائية. والأعاصير المدارية.. موجات التسونامي.. درجات الحرارة غير المسبوقة.. السيول الهطالة.. والجفاف الرهيب.. فضلا عن اطراد ذوبان الكتل الجليدية في شمال وجنوب كوكبنا.

الغريب والأكثر غرابة

والغريب ـ يضيف الكتاب ـ أن هذه العواقب هي الناجمة عن الأسلوب الذي ظل الغرب سادرا فيه من الإغراق في التصنيع. والأغرب أن جميع أقطار العالم مازالت رغم هذا كله ترى في هذا الغرب قدوة ينبغي الاحتذاء بها والنسج على منوالها لدرجة أن بلدا مثل الصين يكاد يجعل كل همّه ومهامّه أن يصبح جزءا من اقتصاد العولمة بدلا من أن يصبح من حماة البيئة والحادبين عليها أو المدافعين عن سلامتها.

ولم تقتصر العولمة ـ كما يوضح المؤلف ـ على الإضرار بالبيئة.. لقد كان من ضحاياها أيضا جموع لا تكاد تحصى من البشر. إن المؤلف يسترعي اهتمامنا في هذا الصدد إلى آثار العولمة في المضمار الاقتصادي يقول بأنها أدت إلى التباين.. بدلا من التواؤم.. التنافر بدلا من الاتساق بين طبقات الناس وحياة الناس ومستوى معيشة الناس.

وها هو الفقر يؤدي كما يؤكد كتابنا إلى إنهاء حياة الملايين من البشر سنويا بسبب نقص الرعاية الصحية وشح المواد الغذائية لدرجة أن نحو مليار إنسان في كوكبنا وفي ظل «بركات» هذه العولمة لا يدخل جيوبهم سوى مبلغ يقل عن دولار واحد يوميا.. وهي إحصائية مرعبة عندما نضع إلى جوارها ـ على سبيل المقارنة ليس إلا ـ إحصائية أخرى تقول بغير مواربة ما يلي: أن 358 فردا يملكون الآن من الثروات المالية ما يفوق نصف ما يملكه ـ أو يحوزه ـ نصف سكان العالم مجتمعين:

تلك هي إحصائيات اليأس، أرقام القنوط والإحباط كما يصفها المؤلف على صفحات هذا الكتاب. يزيد من وطأتها ما أصبح معروفا من التزايد المطرد في عدد سكان العالم: لقد قفز عددهم من 5. 2 مليار نسمة منذ نصف قرن مضى ليصبح 5. 6 مليارات إنسان في أيامنا هذه.. و.. البقية في الطريق.

فلن ينتصف هذا القرن الحادي والعشرون إلا ويصبح سكان هذا الكوكب نحو 11 مليار نسمة.. ولا سبيل إلى تجاهل هذه الاتجاهات الديموغرافية كما ينبه المؤلف. لماذا؟ لأن الموارد الطبيعية للكوكب المذكور أعلاه سوف تعجز عن تحمل مطالب الحياة البشرية اللهم إلا إذا عمد هؤلاء البشر، وليس غيرهم، إلى اتخاذ تدابير ناجعة وجذرية من أجل الحد من السكان.. وهو ما قد يتأتى سواء بفعل جهود البشر أنفسهم.. أو بفعل ما قد تقدم عليه.. «أمّنا».. الطبيعة من تصرفات!

بين العولمة والعنف

في غمار هذا كله، من فقر وكوارث طبيعية وتوقعات مخيفة ومنذرة بكل الخطر، كان طبيعيا أن تفضي العولمة إلى تزايد حدة العنف وإلى استخدام أدوات هذا العنف: ما بين القنابل المصنوعة.. منزليا إلى الأسلحة البيولوجية التي تهدد مصير الإنسان. والحاصل أن الكل معرض للخطر كما يقول الكتاب: أي فرد.. في أي مكان.

وفي أي وقت يمكن أن يسقط فريسة أو ضحية لهذا العنف سواء جاء منطلقا من خلاف ديني أو بغض عرقي. صحيح أن المجتمعات البشرية عاشت من قبل موجات سبقت من هذا التباغض لأسباب شتى. وصحيح أن مشاكل الحاضر عاشها وكابدها الناس في حقب ماضية.. ما بين سوء استغلال الموارد الطبيعية إلى الجشع في مراكمة واكتناز الثروات المادية.

إلا أن ما نشهده اليوم في ظل العولمة هو عودة هذه المشاكل والآفات ولكن بصورة أعمق وعلى نحو أفدح وبما ينذر بعواقب أشد نكيرا.. من هنا كان طبيعيا أن تشهد هذه السنوات الأولى من مطالع القرن العشرين انعكاسا لتلك النذر المخيفة فإذا بنا نشهد ونقرأ عناوين كتب رصينة وكتابات مؤلفين محترمين صادرة عن مؤسسات مرموقة (مؤسسة كارنيجي الأميركية مثلا) وتحمل عناوين من قبيل: العالم يحترق أو قرن متوحش: العودة إلى البربرية.

في معرض استجابة سكان العالم إلى هذه السلبيات الناجمة عن ظاهرة العولمة يرصد كتابنا اختلاف هذه الاستجابات وتباين ردود الأفعال.. هناك مجتمعات أصبحت مهمومة بها.. ومجتمعات تحاول أن تتهيأ لمواجهتها.. ومجتمعات قررت أن تتجاهلها أو بالأدق تشيح الطرف عنها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا!

الإسلام والصين

وفي كل حال فالعالم الإسلامي يتسم باستجابات متباينة إزاء العولمة ولكن مع إدراك ما أسفرت عنه من مشكلات ويكاد موقف العالم الإسلامي يشبه ـ في رأي المؤلف ـ موقف أهل أميركا اللاتينية. ربما بحكم تشابه الأحوال في كلا العالمين.. وهناك أيضا الصين التي تضم نحو 100 مليون مسلم بين سكانها حيث معاناة غالبية السكان.

هنا أو هناك من الحرمان وشظف العيش مما أدى إلى حالات من الشَغَب والتمرد وزعزعة الاستقرار، فيما أدى الأمر عند اللاتينو كما يسمونهم إلى أن تسلمت مقاليد الحكم حكومات يسارية في فنزويلا أو بوليفيا أو إكوادور أو نيكاراغوا.. فضلا عن كوبا. في كل هذه الظروف وعلى صعيد هذه الساحات ثمة دور ينتظر أن يضطلع به المسلمون.

عرض ومناقشة : محمد الخولي