مع التقدم الهائل في صناعة السيارات على امتداد السنوات الأخيرة، أصبح العالم ينتظر إنتاج سيارة تمتلك من الأدوات التقنية الحديثة ما يمكنها من قطع مسافة تصل إلى 100 ميل بغالون واحد فقط من الوقود. هل يمكن لمثل هذا الحلم أن يتحقق؟ هذا هو السؤال الذي حاولت مجلة «نيو ساينتست» العلمية الرد عليه في أحد أعدادها الأخيرة من خلال تناولها قضية السيارات البيئية التي ينتظرها العالم على أحر من الجمر.
المشكلة الرئيسية التي تعترض إنتاج مثل هذا النوع من السيارات تتمثل في التكلفة الباهظة لهذه المركبات. غير أن المجلة تشير إلى أنه بحسب دراسة مسحية حديثة تبين أن ثلثي الأميركيين تقريبا يودون اقتناء هذا النوع من السيارات بصرف النظر عن سعره. فمن وجهة نظر هؤلاء فإن رفع الكفاءة الاستهلاكية للسيارة هو أمر لن يكون له مردود مالي كبير متمثل في توفير تكلفة الوقود المستهلك فحسب، وإنما سيكون له أيضا مردود بيئي لا يمكن إغفاله والمتمثل في تقليص نسبة الانبعاث الكربونية المسببة للاحتباس الحراري.
ولكن على الرغم من ذلك، فإن الإحصائيات تفيد أن السوق الأميركية التي تعد أكبر أسواق السيارات في العالم لم تشهد في السنوات الأخيرة إنجازات علمية كبيرة في هذا الشأن. فالسيارات المهجنة لم تحقق المطلوب منها على مستوى التكلفة بسبب ارتفاع أسعارها بشكل لا يمكن تحمله من غالبية مالكي السيارات.
وفي الوقت نفسه هناك ضغوط كبيرة، بحسب المجلة، تمارس على صناعة السيارات الأميركية من قبل 17 ولاية أميركية تعتزم وضع حد للانبعاثات الكربونية الصادرة عن سيارات المستقبل بشكل يتشابه مع المعايير المتشددة التي ناقشتها ولاية كاليفورنيا في 2004، وهي المعايير التي كانت الولاية تعتزم تطبيقها تحت شعار «صناعة السيارات النظيفة». وعلى الرغم من أن وكالة حماية البيئة الفيدرالية الأميركية تصر على أنه ليس من حق أي ولاية تطبيق معايير من تلقاء نفسها على حجم الانبعاثات الكربونية الصادرة من السيارات، إلا أن هذا الحكم الفيدرالي يتعرض الآن لمحاولات متواصلة لإلغائه داخل أروقة القضاء الأميركية.
غير أنه بصرف النظر عن أي نتائج ستنتهي إليها النقاشات القضائية الدائرة، فإنه من المؤكد أن ترى السنوات الخمس المقبلة جيلا جديدا من السيارات البيئية التي تختلف عن تلك التي شهدها العالم مؤخرا. فإلى جانب العقاب والعصا التي يحملها القانون الجديد التي تفكر الولايات في تطبيقه، فإن هناك حوافز مالية كبيرة وجوائز ستقدمها تلك الولايات لمصنعي السيارات كي تشجعها على تصنيع جيل جديد من السيارات صديق للبيئة ويستهلك كميات أقل من البنزين وفي الوقت نفسه معقول التكلفة.
الفكرة الجديدة التي من المحتمل أن يقوم عليها الجيل الجديد من السيارات هي تصنيع مركبات تقطع مسافة 100 ميل من دون أن يتجاوز استهلاكها للوقود أكثر من غالون واحد، أي تقطع 42 كيلو مترا بلتر بنزين واحد، ما يعني انبعاث 60 غراما فقط من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلو متر. ومن نافلة القول إن الأمر ينطوي على تحديات تقنية كبيرة.
فبحسب المجلة، فإن عددا قليلا للغاية من السيارات سيمكنه تحقيق المعايير المتشددة التي تود الولايات الأميركية تطبيقها على حجم انبعاثات الوقود. فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن تصنيع مثل هذا النوع من السيارات يعني إما أن تكون السيارة قبيحة المنظر الخارجي أو عالية التكلفة بشكل لا يمكن معه تعميم التجربة بين المستهلكين العاديين أو أن يكون أداؤها دون المستوى، بل إن هناك إمكانية أن تكون السيارة تعاني من الاحتمالات الثلاثة مجتمعة.
وفي هذه الحالة فإنها لن تجد من يشتريها. فضلا عن ذلك كله، فإن حتى أشد المتفائلين يعترفون بأن إنتاج السيارات الخلوية والكهربائية بالكامل لا يزال أمامه على الأقل عشر سنوات. ومن ثم فإن السؤال الملح الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هو: هل يمكن تصنيع سيارة غير مكلفة صديقة للبيئة؟
الإجابة هي نعم؛ فقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل خطوات حثيثة في هذا الاتجاه تهدف إلى إنتاج سيارة متوسطة الحجم تستهلك غالونا واحدا كل 38 ميلا. ويأتي مشروع هذه السيارة في إطار تفكير الاتحاد في سن تشريع جديد يضمن ألا تصدر أي سيارة تسير في أي دولة أوروبية أكثر من 130 غراما من غاز ثاني أكسيد الكربون لكل كيلو متر، وهو ما يعني استهلاك غالون أميركي واحد كل 42 ميلا.
وعلى الرغم من هناك بعض شركات السيارات مثل لاند روفر في المملكة المتحدة آخذة في ممارسة ضغوط الهدف منها أن تحول دون تطبيق تشريعات قوية للحد من الانبعاثات الكربونية. إلا أن هدف استهلاك غالون واحد لكل 42 ميل يمكن تحقيقه بحسب التقارير العلمية المتوافرة في هذا الصدد. يقول بول نيفينهويس، من جامعة كارديف في بريطانيا: يمكن للمرء أن يشتري الفئة الثالثة من سيارات بي إم دبليو التي لا تصدر سوى 130 غراما لكل كيلو متر. ومن ثم فإن الهدف يمكن تحقيقه من الناحية العلمية. فسيارات بهذه المواصفات يمكن تصنيعها بشكل مقبول.
وقد انتهى نيفينهويس منذ فترة من تقرير مفصل سلمه للمفوضية الأوروبية استعرض فيه عددا كبيرا من الإنجازات العلمية الحديثة التي من شأنها تقديم جيل جديد نظيف من السيارات الصديقة للبيئة إلى الأسواق العالمية في وقت قريب للغاية. وقال في التقرير إنه تحدث إلى عدد كبير من الشركات ووجد أن لديها أفكارا كثيرة لكن مسؤوليها لا يريدون الإفصاح عنها في الوقت الحالي لضعف الإمكانات التقنية المتاحة. أحد الخيارات المتاحة حاليا هي أن يحل الديزل محل البنزين. وأشارت دراسة نرويجية حديثة إلى أن الاعتماد على محركات الديزل الحديثة يمكن أن يقلص من انبعاثات الكربون الضارة بمقدار الثلثين.
وثمة خيار آخر متمثل في إضافة نظام «الإيقاف والبدء» الذي يعتمد على وقف عمل المحرك عندما تكون السيارة في وضع ثبات وتشغيله بمجرد أن يضغط السائق على المُعجل. وتشير المجلة في هذا الصدد إلى أن هذه الفكرة تم تطبيقها بالفعل من قبل شركة سيتروين الفرنسية للسيارات منذ عامين. وجاءت بعدها شركة بي إم دبليو لتنتج السيارة ميني كوبر ديزل في أكتوبر 2007 التي تتمتع بمواصفات مشابهة ولكن بشكل أكثر تطورا يجعلها تقلص نسبة انبعاث ثاني أكسيد الكربون بما يتراوح بين 10% و 15%، مما يضعها ضمن فئة السيارات المهجنة مثل تويوتا برايوس التي يمكن قيادتها بمحرك بنزين أو بموتور كهربائي أو بالاثنين معا.
و من هذا يتبين أن المنافسة في المستقبل على السيارات النظيفة تدور رحاها بين السيارة المهجّنة وسيارة الديزل. وعلى الرغم من أن السيارة الديزل أكثر كفاءة في ناحية الاحتراق فإن خروج ذرات الكربون مع العادم يفوق بكثير ما يخرج من سيارات البنزين. أما بالنسبة لأوروبا فإن مشكلة ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية تحظى بأولوية كبرى. وتعتبر السيارة المصدر الأساسي لثاني أكسيد الكربون المتسبب في المشكلة المسماة بالمحميات الزجاجية.
وتعتبر السيارة الديزل أقل من سيارة البنزين في إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون. وتؤدي كفاءة الاحتراق في محرك الديزل إلى نتيجة مفادها أن سيارة الديزل تقطع 50% أكثر من مسافة السير مقارنة بسيارة البنزين. أي من التقنيتين سوف يفوز؟ ذلك يعتمد على ما يطلبه المشتري.
إعداد: حاتم حسين
