يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يجمع بين البحث الميداني والتعمق الفكري في غمار السعي للاقتراب المنهجي من قضية العلاقة بين الإسلام والعولمة، أو على وجه الدقة قضية الدور الذي يلعبه المسلمون في مواجهة تحديات العولمة، ومؤلفه هو البروفيسور أكبر أحمد الباحث والمفكر الذي يحظى بتقدير كبير في الدوائر الأكاديمية على ساحلي الأطلسي، والذي يشغل كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية في واشنطن ويعمل أستاذا زائرا في مؤسسة بروكنغز للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

أسئلة شتى اضطرمت في الأفئدة وماجت في النفوس بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبصرف النظر عن الأحداث الكئيبة، فالذي حدث أن نال المسلمون بل والإسلام ذاته قدرا كبيرا من الأذى من حيث الاسم والسمعة والمكانة بين الناس. من يومها.. وربما حتى كتابة هذه السطور.. يواصل كل الحادبين على عقيدة الإسلام ودور المسلمين في العالم والعصر الذين يعيشون فيه، محاولة توضيح جوانب الصورة من منطلق جوهري يقول: المسلمون قوم يؤمنون بالله.. ويكرمون الإنسان، ويعملون من أجل أن تكون الحياة على ظهر الأرض طيبة وبناءة.. منتجة وجميلة.. كي تستحق أن تُعاش.

وعلى هذا الأساس تتواصل جهود الكثيرين.. في مجالات الميديا الإعلامية.. المجامع الدينية.. البحوث والدراسات العلمية.. من أجل توضيح هذه الصورة.. صورة الإسلام والمسلمين في سياق الحقبة الزمانية الخطيرة التي يعيشونها والتي يطلق عليها تحديدا الوصف التالي: عصر العولمة. - رحلة إلى الإسلام: في هذا الإطار تأتي أهمية الكتاب الذي نقدم له عرضا تحليليا في هذه السطور وفيما يليها من سطور يحمل الكتاب عنوانا يقول: رحلة إلى داخل الإسلام. ويحمل عنوانا فرعيا يشير إلى القضية التي تحتل محور الاهتمام وهي: الإسلام في زمن العولمة. الكتاب مهموم إذن بقضية العلاقة بين الإسلام والعولمة حيث يعني ـ في رأينا ـ دور المسلمين في زمن العولمة وإن كنا نفضل استخدام لفظة «التحديات» بدلا من «الأزمة».

في كل حال فالكتاب يستحق نظرة جادة ومتعمقة لأسباب جوهرية منها بالذات ما يلي: أولا أن مؤلفه البروفيسور أكبر أحمد وهو مفكر مسلم يحظى بتقدير واسع النطاق في الأوساط الأكاديمية في انجلترا وأميركا، وهو يشغل «كرسي ابن خلدون» للدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية في واشنطن، كما أنه زميل زائر في مؤسسة «بروكنغز» المرموقة للبحوث والاستشارات الاستراتيجية. ثانيا: إن الرجل لم يكتف بالجلوس إلى المكتبة أو باستشارة المراجع والمصادر العلمية.. بل آثر أن يقوم برحلة ميدانية في أكثر من بلد مسلم ومعه اثنان من تلاميذه الأميركيين في الدراسات الأكاديمية العليا. من ثم فإن مادة الكتاب جاءت ثمرة طيبة ـ فيما نتصور ـ تجمع بين رصانة الفكر وعمق البحث.. وبين سخونة الواقع ونبض الميدان.

ثالثا: إن الكتاب جاء ليبدد الكثير من الصور النمطية والقوالب الجامدة، سابقة التجهيز كما نسميها أو سالفة الإصرار والتربص والترصد بالإسلام والمسلمين، لاسيما وأن المؤلف وتلاميذه لم يقصروا في إجراء حوارات حرة وصريحة ونزيهة مع نوعيات مختلفة في بلدان شتى من أبناء العالم الإسلامي.. وكان الهدف من هذا كله هو: معاودة رأب الصدع الذي حدث، ومحاولة استعادة الجسور التي تهاوت في غمار أحداث سبتمبر، وساعد على تدميرها أعداء وخصوم كثيرون ومنهم الدوائر الصهيونية بخاصة وأوساط اليمين الغربي الاستعلائية المتعصبة بشكل عام.

من هنا استحق الكتاب الوصف الذي ساقه البروفيسور «لورنس رونس» الأستاذ بجامعة برنستون الأميركية بأنه عمل فريد يجمع بين ثراء المادة وواقعية الأمل.

دمشق وكراتشي وجاكرتا

هكذا بدأت رحلة البروفيسور أكبر أحمد ورفيقيه وقد امتدت، عبر عالم الإسلام والمسلمين، ما بين مساجد دمشق إلى مدارس كراتشي.. إلى بيوت جاكرتا.. جمعتهم زيارات وحوارات ولقاءات مع أفراد من شتى المهن والاتجاهات والاهتمامات والطبقات: أكاديميون.. دارسون.. سائقو تاكسي.. رؤساء وزراء.. علماء دين.. وفي هذا الخصوص يقول ناشر الكتاب وهو ـ بالمناسبة ـ مؤسسة بروكنغز نفسها:

ـ جاءت هذه الرحلة لتكشف عن مدى ما يضطرم في صدر المسلمين من إحباطات إزاء الغرب، بقدر ما أوضحت مدى ما تجيش به الصدور من آمال.. ولهذا عاد الأستاذ «أكبر» وفريقيه من رحلتهم المشهودة هذه بشعور تختلط فيه أحاسيس القلق والانشغال مع مشاعر الأمل والرجاء.

ستة فصول اضافية يحتويها كتابنا وقد استهلها المؤلف بفصل يصف رحلته الإنثربولوجية ـ كما أسماها ـ إلى العالم الإسلامي، في صحبة تلميذته «هايلي» التي يعدها ـ كما يقول ـ بمثابة ابنته وتلميذه «فرانكي» الذي يعده ابنه أيضا. جاء الباحثان الأميركيان الشابان إلى تلك المغامرة التي صادفا فيها مواقف تنذر بقدر من الخطر في زيارة باكستان مثلا.. كانت معرفتهما بتلك الأصقاع من العالم لا تعدو قراءة رواية الانجليزي فورستر الشهيرة بعنوان «ممر إلى الهند».

مع ذلك، ورغم معارضة الأسرة والأصدقاء فقد أخذا إجازة أكاديمية وسددا من جيوبهما تكاليف الرحلة ثم وضعا ثقتهما في أستاذهما المسلم من أجل خوض هذا المحيط المتلاطم المفعم بالأسرار بالنسبة لهما.. ويعرف باسم: عالم الإسلام ودنيا المسلمين.

ضاحية هندية فقيرة

تحملنا السطور الأولى ـ كما حملت المؤلف ورفيقيه إلى ديوباند ـ ضاحية فقيرة وشبه مهملة من ضواحي نيودلهي عاصمة الهند.. كانوا في طريقهم إلى إحدى مدارس الدين الإسلامي هناك وكان دليلهم في الرحلة هو «إعجاز قاسمي» بلحيته المدببة ونظاراته السميكة.. وتهذيبه الجمّ.. كان مدرسا وداعية يعمل في سلك مدرسة «ديوباند» ذات الشهرة الواسعة بين مسلمي شبه القارة الهندية.. وبدأ حديثه معهم معبرا عن قدر لا يخفى من الحنق والغضب والمرارة إزاء مواقف الغرب من المسلمين. كان قد نشر كتابا باللغة الأوردية يدين فيه مشاهد ومواقع العنف في أفغانستان.. وفي العراق.. حيث النشاط العسكري لأميركا.. فضلا عن فلسطين حيث «البربرية الإسرائيلية» كما ذكر في ذلك الكتاب.

المسلم والتكنولوجيا

هكذا كان المعلم الهندي الشاب يدين الغرب وسلوكياته ومواقفه إزاء المسلمين.

لكن كان لهذا الموقف وجه مغاير آخر: يقول المؤلف في بدايات الفصل الأول:

ـ عن موضوع التكنولوجيا جاءت ردود «إعجاز» بمثابة مفاجأة لمستمعيه.. وبدلا من أن يدين التكنولوجيا الحديثة ـ كما كنت أتوقع ـ بوصفها امتدادا لطغيان الغرب طالعنا مبلغ اعتزازه وهو يقدم لنا بطاقة التعريف الشخصية التي تفيدنا بأنه ـ ولا فخر

ـ «محرر الموقع الإلكتروني» الخاص بمؤسسة ديابوند الدينية التعليمية.. ثم مضى يشرح لنا كيف أنه مسؤول بهذه الصفة عن مخاطبة وتوجيه وتثقيف آلاف من شباب المسلمين في طول مناطق جنوب آسيا وعرضها.. وبمعنى أنه لم يكن يرى أي تناقض بين استخدام تكنولوجيا الغرب وبين نشر الرسالة الإسلامية.

ثم يعلق مؤلف الكتاب قائلا: جاءت هذه الملاحظات من جانب «إعجاز» كي توضح بكل جلاء حجم الهوة الهائلة التي تفصل بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.. وهذا ما عبرت عنه عبارات (تلميذي ـ ابني) فرانكي حين قال: في واشنطن العاصمة، كنت أتصور أن الأمر سيئا لكن لم أكن لأعرف أنه بلغ هذه الدرجة من السوء. بعدها يعلق المؤلف بدوره قائلا: في ذلك اليوم أدركت أن هؤلاء الشباب من الأميركيين قد باتوا يواجهون مباشرة أكبر تحد لبلادهم في القرن الحادي والعشرين وهو: أزمة أميركا مع العالم الإسلامي.

ثم جاءت كلمات «إعجاز».. المثقف الهندي المسلم لتزيد الأمر إيضاحا: كان يرى أن كيان العولمة مرادف لتلك الأطماع التي تنطلق منها الشركات العالمية المتعددة الجنسيات التي لا تتورع عن استغلال الموارد الطبيعية التي يمتلكها العالم الإسلامي.. وأن العولمة ترادف أيضا ذلك الجهل (أو التجاهل) من جانب وسائل الإعلام الغربية للديانة التي يؤمن بها «اعجاز» وللثقافة التي يعتنقها وللأعراف والتقاليد التي يتبعها..

ثم يمضي الشاب المسلم ليربط بين هذه المواقف السلبية من جانب الغرب وبين الانفلات الجنسي وشيوع العنف على نحو ما تروج له وتمجّده سينما هوليوود، مضيفا في نفس السياق أن الأميركيين لا يشكلون سوى 6 في المئة فقط من سكان العالم بينما يستهلكون 60 في المئة من موارد هذا العالم الطبيعية، ومدللا على ما يقول من واقع شيوع السمنة بصورة أقرب إلى الوباء بين صفوف الأميركيين الذين استبدت بهم آفة الإسراف حتى على مستوى الطبقات الوسطى.

سموم البوذية الثلاثة

مرة أخرى يعلق مؤلف الكتاب على هذا التصور فيقول: هكذا كان المثقف المسلم الشاب يقارن ـ من حيث لا يدري ـ بين تصرفات أميركا وَمْن على شاكلتها من قوى العولمة في الغرب أو في غيره، وبين «السموم الثلاثة» التي سبق وحذرت منها تعاليم (الحكيم الآسيوي) «بوذا» الذي قال انها يمكن أن تدمر الأفراد بل وتقوض دعائم المجتمعات. وهذه الآفات الناقعة الثلاث هي عند بوذا: الشره، الغضب، والجهل.

ماذا عن الإسلام في هذا الخصوص؟

يجيب مؤلف الكتاب قائلا: في التعاليم الإسلامية فإن البلسم الشافي لهذه الرذائل الثلاث يتمثل في 3 كلمات هي: العدل، الإحسان، والعلم. الأولى بمعنى القَسْط والاقتصاد، والثانية بمعنى العطف والتراحم، والثالثة بمعنى الاستنارة والمعرفة. ذلك لأن العدل بالنسبة للآخرين هو علاج الطمع فيما يملكه الآخرون أما سورة الغضب فلا يطفئ نيرانها سوى أن نتعامل معهم بمنطق الرحمة والإحسان، في حين أن الجهل لا يمحو ظلماته سوى نور العلم وأشعة المعرفة.

هنالك يستسلم المؤلف إلى عدد من التأملات التي يدونها في عبارات تقول: هذه الأفكار أو (الاتهامات) التي واجهت مضيفنا المسلم من الهند رأيت فيها تلخيصا مكثفا لأزمة المسلمين مع الغرب أو مع صورة الغرب.. وعلى خلاف تعاليم دينهم في العدل والإحسان.. ها هي جموع المسلمين تشاهد على شاشات التلفزيون مديري ورؤساء الشركات والاحتكارات العالمية يراكمون تلالا هائلة من الثروات.

بينما يرى المسلمون بأعينهم أبناء جلدتهم في العالم الإسلامي يتضورون جوعا كما أنهم يتابعون ما يتعرض له المسلمون من مصائر القتل في أفغانستان والعراق.. ويعاينون كيف أن الفلسطينيين وهم في قلب العالم الإسلامي يمكن أن يكابدوا ألوان القهر والاضطهاد دون أن يتلقوا أي عون أو حتى أمل من جانب الغرب، وأن مئات الملايين من المسلمين يمكن أن يعيشوا تحت نير حكومات فظة قاسية دون أن يلوح أمامهم أمل في العدل.

ويمضي مؤلفنا ليقول: يشعر المسلمون أن ليس لهم صوت في كل هذه الأحوال، وأنهم ليسوا مدعوين للمشاركة في الكثير من الأحداث والأنشطة التي تدور في العالم رغم أنها قد تمس مصالحهم. وحتى تزيد هذه الإهانة تعمقا وإيلاما.. فالمسلمون يعايشون الثقافة الأميركية وقد غزت ديارهم من خلال ميديا الإعلام، فضلا عن ذلك السيل المنهمر من منتجات الغرب.. ولهذا جاءت ردود أفعال المسلمين إزاء هذا كله مصبوغة بمزيج من التوتر والغضب.. ولكي يواجهوا هذا العالم الخارِج عن السيطرة، ولكي يحافظوا على شعورهم بالأمان.. لجأ المسلمون إلى العودة إلى جذورهم.

العودة إلى الجذور

هكذا جاء تحليل مؤلفنا لما لاحظه ورصده من تجليات هذه العودة إلى الجذور، أو هي الصحوة كما يتردد وصفها في هذا الجزء أو ذاك من العالم الإسلامي. وهو يوضح أيضا أن تلك الظروف والملابسات التي سيطرت على كل أبعاد الصورة شجعت كثيرا من المجتمعات الإسلامية على أن تتمرس داخل أسوار مواقف دفاعية ومتشددة ومتوترة في مواجهة الغرب.

وهذه النظرة التي عمل على تعميقها عدد من قادة تلك المجتمعات جاءت لتهدد وتزعزع أي جهد لحوار إنساني يمكن أن يتم على مستوى المعمورة.. ذلك لأنها تكرس قيم التعامل بقسوة ودون مبالاة وتتيح لدعاة التشدد والرفض والتطرف أن يرتدوا مسوح الأبطال المنقذين.. بينما تتعارض في جوهرها مع مفاهيم العدل والإحسان والحكمة والمعرفة التي تشترك فيها جميع التعاليم الدينية على السواء.

ثم يمضي تحليل المؤلف ليضيف قائلا: ومنذ إعلان «الحرب على الإرهاب»، وجدنا أن مجتمعات في العراق وإلى حد ما في أفغانستان.. وقد استبدت بها الفوضى ضاربة أطنابها ما أتاح لخصومات قديمة دينية وقبلية وطائفية ومذهبية أن تطفو على السطح من جديد. ذلك لأن الناس هناك يعيشون في ربقة حالة من عدم اليقين، لا يعرفون ما إذا كانت بيوتهم ستكون آمنة اليوم أو غدا ـ ما إذا كانوا سيصلون ـ سالمين ـ إلى أعمالهم وما إذا كان أطفالهم سيعودون من المدرسة إلى المنزل.

والأدهى والأنكى أن القتلة لا يزالون بغير عنوان مجهولي الأسماء! البعض يلوم الجنود الأميركيين، والبعض يلوم أشباحا اسمهم المتمردون بل وقد يلوم عناصر مازالت متواجدة ضمن صفوف الحكومة في العراق، وهكذا فإن تلك الحرب المعلنة على الإرهاب ما لبثت أن تدهورت إلى حيث أصبحت حرب الكل ضد الكل للأسف الشديد.

في كل حال ـ يوضح المؤلف ـ فقد جاءت العولمة على جانبين: خير وشر.. نعمة ونقمة.. العولمة من ناحية جاءت بسياسات للتنمية الاقتصادية رفعت ملايين الفقراء من وهدة الفقر بفضل ما تلقاه الفقراء من مبالغ الائتمان الصغيرة (من بنوك الفقراء) في بنغلادش والهند. وجاءت أيضا بالتكنولوجيا الجديدة التي أتاحت سرعة توزيع المؤن الغذائية والمعونات الطبية على منكوبي الزلزال في باكستان أو موجات التسونامي في إندونيسيا..

لكن هناك الكثيرين من سكان العالم باتوا يرون في العولمة ظاهرة بلا قلب أو أنها قلب يفتقر إلى شعور الرحمة أو البر أو الخير أو الإحسان (المقترن بالعدل كما يؤكد القرآن الكريم) ثم زاد الأمر سوءا إلى حد كارثي وقوع أحداث سبتمبر 2001 التي يصفها المؤلف بأنها وضعت كلا من أميركا والعالم الإسلامي عند طرفي نقيض، حيث سقطت ظلال قاتمة السواد على أنحاء كوكبنا، وخاصة بعد أن أعلنت أميركا حربها على الإرهاب لتأتي حربا على خلاف ما شهده الكوكب في الماضي.. حرب بلا عدو ظاهر أو مميز، وحرب بلا نهاية في الأفق.. صحيح أنها ليست حربا ـ يضيف المؤلف ـ على الدين أو الحضارة ولكن كلا من الدين والحضارة مرتبط بها بصورة أو بأخرى.

أوديسة إلى المسلمين

من منطلق هذه الأفكار كلها، بدأت الأوديسة المعرفية التي انطلقت منها تجربة هذا الكتاب، رحلة فكرية لاكتشاف عالم الإسلام والمسلمين مع سنوات العقد الأول من هذا القرن الواحد والعشرين.. وخاصة ما يتعلق بالمتغيرات التي طرأت على ضوء ما ألمّ بأميركا ـ القطب الأوحد في عالم هذه السنوات ـ من نوازل في الهيبة.. في الثقة في النفس - الشعور بالأمن.. بعد أحداث خريف 2001. وكان لابد أن تغطي زيارات الأوديسة كلا من الشرق الأوسط وجنوب آسيا والشرق الأقصى.. وكان لكل من هذه المناطق مبررات أكدت أهمية زيارتها واستطلاع آراء ساكنيها:

الشرق الأوسط ـ كما يذكر الأستاذ أكبر أحمد ـ يتسم بخصوصية مميزة بالنسبة لعقيدة الإسلام.. وتتجسد هذه الميزة في لغته المشتركة وهي العربية، اللغة التي نزل بها الوحي القرآني الكريم من لدن السماء، هذا فضلا عن أن رسول الإسلام نفسه (ص) كان عربيا.. ولهذا كله ـ يستطرد البروفيسور أكبر (ص11) فإن العرب لهم ميزة روحية في عيون سائر المسلمين..

أما في جنوبي آسيا فالملمح المباشر الذي لا تخطئه العين يتمثل في ذلك المزيج بين اليوغا الهندية والصوفية الإسلامية حيث أدى التفاعل بينهما إلى التماس السبل الكفيلة بفهم الكون عبر الهوة الفاصلة بين مختلف العقائد.. لكن المنطقة المسلمة الثالثة التي شملتها رحلة الكتاب وهي أصقاع الشرق الآسيوي الأقصى وتشمل ماليزيا وإندونيسيا فلا تتكلم العربية كالشرق الأوسط ولا كانت جزءً من إمبراطورية المغول المسلمة الزاهرة كما كان الحال في الهند.. إنها المنطقة التي يصفها المؤلف بقوله:لقد وفد عليها الإسلام وئيدا ورقيقا وسمحا على يد التجار وأهل الطريق من الصوفية.. وعمل الإسلام من ثم على التكيف مع العقائد المختلفة هناك وعلى رأسها الهندوسية والبوذية والمسيحية.

استبيان حول القدوة

في الشرق الأوسط حطت البعثة الأميركية رحالها في دمشق.. ولأنها كانت بعثة أكاديمية فقد رأى مؤلف كتابنا البروفيسور أحمد اتباع نهج متعدد التخصصات في تناول القضايا ومقاربة المشكلات.. وبمعنى أن الأسلوب الذي انتهجته الرحلة ـ البعثة جمع بين الإفادة من علوم السياسة والاجتماع وأصول الدين والأنثربولوجيا (علم دراسة الإنسان) وعليه، فقد شمل هذا الأسلوب أيضا طرح استمارة استبيان على أهل البلدان التي غطتها الزيارة تستفسر عن اهتماماتهم وقضاياهم وعن الشخصيات التي يرونها في موقع القدوة، أو النموذج سواء من شخصيات الواقع أو شخصيات التراث أو التاريخ.

ولأنهم اتبعوا نهجا اجتماعيا أو مجتمعيا في جوانبه فقد شملت أنشطتهم لقاءات مع كبار الشخصيات المسلمة وزيارات لمواقع بارزة فضلا عن زيارات قاموا بها للأسواق والمنتديات العامة من أجل اللقاء مع مواطنين عاديين من جماهير المسلمين.. وفي هذا الصدد يلاحظ مؤلفنا أن هؤلاء المواطنين العاديين كانوا لا يقبلون في البداية على الانخراط في الحديث مع زائرين أجانب، ولكنهم كانوا يتفاعلون عن طيب خاطر عندما يعرفون أن على رأس هؤلاء الزائرين «الغرباء» أستاذ مسلم اسمه.. أحمد.. و«هكذا أتيح لنا أن نرى ـ يقول المؤلف ـ جانبا من المجتمع المسلم لا يجد طريقه عادة إلى العرض والظهور في وسائل الإعلام».

نابليون والإمام الغزالي

ربما يكون من الطرافة بمكان ما كشف عنه الاستبيان إياه عندما قدموه إلى كبار الشخصيات التي صادفوها من العالم الإسلامي.. كان السؤال المحوري ـ كما ألمحنا ـ يدور حول الشخصية القدوة أو المثل العليا. في هذا السياق أجاب الرئيس مشرف في باكستان أو كَتَب في هذه الخانة من استمارة الاستبيان قائلا: مثلي الأعلى هو.. النبي محمد عليه الصلاة والسلام. لكن الرئيس الباكستاني مضى بعدها يشرح مدى إعجابه ببطل فرنسي هو نابليون بونابرت في معركة أوسترلتز التي يراها أفضل معارك نابليون (دارت المعركة عام 1805) واستطاع فيها الجيش الفرنسي إلحاق الهزيمة بعدة جيوش أوروبية منافسة).

أما مصطفى كيريتش، مفتي الديار في البوسنة (وقد التقته البعثة في الدوحة) فقد ذكر أن مثله الأعلى هو الإمام أبو حامد الغزالي الملقب بحجة الإسلام والمسلمين.. في حين أن السياسية (الراحلة) بنازير بوتو قالت ان قدوتها هي السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنة الرسول عليه الصلاة والسلام.. وهنا يعلق المؤلف قائلا (ص16):

ـ قالت بوتو في حماس لا يخفى أنها تشعر بوشيجة تربطها بالسيدة فاطمة الزهراء حيث أن كلا منهما فقدت والدها الحبيب وهي في مرحلة فاصلة من العمر.

ولأن بعثة البروفيسور أكبر أحمد تحققت من واقع ردود الاستبيان من مدى تعلق جماهير المسلمين على اختلاف المواقع والمذاهب والأجيال بنبيّ الإسلام.. وقد جعلت منه الغالبية العظمى مثلا أعلى وقدوة سامية.. فإن المؤلف يعلق قائلا: لم يكن من دواعي دهشتي أن أعرف من واقع التفاعل مع هؤلاء المسلمين كيف أن أكثر ما يسيء إلى نفوسهم هو تلك الصورة السلبية التي تقدم عن الإسلام.. في الغرب بما في ذلك التطاول الذي يرفضونه على رسول الإسلام ونبي المسلمين.

ولا كانت صدفة أيضا أن يطرح على جماعات المسلمين سؤال يقول: ما هي في رأيكم أكبر المشاكل التي تصادف الإسلام؟ وهنا تتوالى الإجابات على النحو التالي: إسرائيل.. معاناة الفلسطينيين.. الحالة في العراق.

يخلص المؤلف من هذا كله إلى أن يقول: بيد أن مشكلة المشاكل (كما عايناها) كانت الفكرة بأن ثمة حقدا يضمره الغرب ضد الإسلام. وأرى أن الذين يخططون في عواصم الغرب لكسب القلوب والعقول في العالم الإسلامي سيظلون بحاجة إلى أن يضعوا هذه الحقيقة في نظر الاعتبار.

عرض ومناقشة : محمد الخولي