يرصد المؤلف هنا ما يصفه بمفاتيح الحرب الثقافية في الولايات المتحدة الأميركية، مشيراً على أن كلاً من طرفي هذه الحرب يحاول اكتساب أكبر قدر من الشرعية، فيما تتعادل قوتهما على صعيد الشارع الأميركي بشكل عام، ويتطرق إلى تحليل وضعية المسيحيين الصهاينة الذين يدفعون باتجاه المزيد من الدعم الأميركي لإسرائيل، وهو لا يتردد في الختام في الإعراب عن اعتقاده بأن اليمين المسيحي الأميركي كسب معارك عدة، لكنه خسر الحرب في نهاية المطاف.
منذ إعادة انتخاب جورج بوش في عام2004، غدت المعركة الأيديولوجية حول المعتقدات الحقيقية لمؤسسي أميركا تمثل إحدى نقاط الخلاف الكبرى في الحرب الثقافية الدائرة في الولايات المتحدة منذ بدايات الثمانينات، والتي أخذت أبعاداً كبيرة منذ انتخاب جورج بوش رئيسا عام 2000 وأصبحت مفتوحة مع بداية فترته الرئاسية الثانية.وفي أمة «ممزقة» حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الحياة العامة، يحاول الطرفان المتخاصمان في الحرب الثقافية توظيف موقف المؤسسين الأوائل للأمة الأميركية من اجل اكتساب قدر أكبر من الشرعية في الوقت الذي تتعادل فيه تقريبا قوتهما على صعيد الشارع الأميركي بشكل عام، كما دلّت استطلاعات رأي عديدة خلال السنوات الأخيرة.
ويشير المؤلف إلى استطلاع للرأي أجرته «النيوز ويك» في ربيع عام 2002 لمعرفة موقف الأميركيين فيما يتعلّق بتعريفهم للولايات المتحدة. وقد عبّر 45 في المئة من الأشخاص الذين جرى استجوابهم على أنهم يعتبرون بلادهم كأمّة مسيحية. كذلك أجاب 45 في المئة منهم أيضا بأنهم يرونها أمة علمانية. العشرة في المئة الباقية تمثل أولئك الذين لا رأي لهم.هذه النتيجة توضّح بشكل واضح مدى تعاظم ظاهرة الاستقطاب الثقافي الذي تعرفه البلاد والذي تنامى بعد ذلك أكثر فأكثر. هذا ما دلّت عليه عملية استطلاع أخرى حول نفس الموضوع ونفس الأسئلة بعد أربع سنوات حيث أكّد ثلثا الذين جرى استجوابهم أنهم يعتبرون أميركا أمة مسيحية. لكن المؤلف يشير هنا إلى استطلاع آخر في عام 2004 أظهر أن ثلث الأميركيين فقط يؤيدون إجراء تعديل دستوري يقر أن أميركا أمة مسيحية. فكرة التعديل الدستوري لاقت تأييدا كبيرا لدى الإنجيليين خاصة ولدى البروتستانتيين بشكل عام.
الملاحظة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف هي القول ان الأميركيين منقسمون بدرجة أقل حول مسألة فصل الدولة عن الكنيسة مما هو حول المسألة الأكثر عمومية حول الإرث المسيحي للمؤسسين وآثاره على الأوضاع الحاضرة. لكن هذا لم يمنع اليمين المسيحي من أن يرى في نتائج استطلاعات الرأي تبريرا واضحا للمواقف التي يتخذها في مواجهة المدافعين عن العلمانية. وفي المحصّلة يؤكد المؤلف أن أغلبية الأميركيين، من غير المنضوين في إطار منظمات إيديولوجية، يعارضون المواقف المتطرفة في هذا الاتجاه أو ذاك لدى الطرفين.
المسيحيون الصهاينة
يكرّس مؤلف هذا الكتاب العديد من صفحاته للحديث عن «المسيحيين الصهاينة» الذين يصفهم بأنهم متزمتون مسيحيون يكرّسون الكثير من وقتهم وطاقتهم ومالهم من أجل التسريع بقدوم نهاية العالم، بعد أن يتم تجميع كل يهود العالم في فلسطين. وقد أنشأوا من اجل ذلك عددا من المنظمات التي تناضل لصالح إسرائيل في واشنطن. وفي مقدمة هذه المنظمات «المسيحيون المتحدون من اجل إسرائيل» التي أسسها قبل فترة وجيزة جون هاجي، زعيم الصهيونيين المسيحيين منذ زمن طويل.
جون هاجن يتم وصفه على أنه مثل جميع الصهيونيين المسيحيين من الأنصار المتحمسين لإسرائيل ولحق جميع اليهود في «التجمّع من جديد» في الأرض الموعودة ؛ بما في ذلك في الأراضي المحتلة. المنطق الذي يقوم عليه دعمهم المطلق لإسرائيل هو منطق بسيط ولقد عرّفه أحد ناقديه بالقول «إن دعم رئيس وزراء إسرائيل، كائنا من يكون، قد يكون منه تسريع عودة المسيح».
المسيحيون الصهاينة لم يشجعوا القادة الإسرائيليين على بناء المستعمرات في الأراضي المحتلة فحسب، لكنّهم قاموا هم أنفسهم بتنظيم إقامة يهود البلدان الأخرى في تلك المستعمرات وموّلوا إنشاء مستعمرات إضافية. كما أنهم دعموا إعادة بناء معبد سليمان على الهضبة التي توجد فيها قبة الصخرة، أحد أهم الأمكنة المقدّسة الإسلامية.
ويرى المؤلف أنه لم يتم أخد الصهيونيين المسيحيين على محمل الجد حتى فترة أخيرة سوى في إطار الدوائر المسيحية المتزمتة. لكن عاملين اثنين استجدّا وأديا إلى تغيير حاسم. العامل الأول هو الإحساس المتعاظم الذي تولّى خبراء السياسة الخارجية الأميركية بعد انتخاب جورج بوش رئيسا للولايات المتحدة بأن موقف أميركا حيال النزاع في الشرق الأوسط يخضع أكثر فأكثر لتأثير الصهيونيين المسيحيين الذين وجدوا أذنا صاغية لدى البيت الأبيض.
وبنفس الوقت ركّزت أشكال النقد الموجهة لسياسة الإدارة الأميركية في عهد بوش على دور اليمين المسيحي، المعارض بشكل قاطع لقيام دولة فلسطينية، في تعطيل «خارطة الطريق» التي أعدتها الإدارة الأميركية نفسها، إنما التي وصفها بعض الصهيونيين المسيحيين أنها «شيطانية».
وفي الواقع يرى اليمين المسيحي أن أية اتفاق إسرئيلي ـ فلسطيني لا يمكن إلاّ أن «خلق التشويش في قضية واضحة جدا لمجابهة الخير ضد الشر». وبالتالي قد يؤدي ذلك الاتفاق إلى «حرمان إسرائيل من الأراضي التي هي صاحبة الحق فيها»، حسب تعبير وليام دال، احد قادة الصهيونيين المسيحيين.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على وجود سبب آخر لمعارضة الصهيونيين المسيحيين لأي حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي يتمثل في أن الحل، ومهما كانت صيغته، سوف يؤذي كثيرا دعاية اليمين المسيحي الذي جعل من الإسلام عدوه الجديد. حيث إن هذا اليمين كان يبحث في الواقع بعد سقوط جدار برلين على عدو يأخذ دور الاتحاد السوفييتي السابق.
الدور الذي كان اليمين المسيحي يبحث عنه كبديل للدور السوفييتي السابق وجده يوم 11 سبتمبر 2001. ولم يتردد بات روبرتسون، المسيحي الصهيوني، في وصف الإسلام، كما ينقل عنه المؤلف، انه «ليس دين سلام»؛ وإنما هو يبحث عن كيفية الهيمنة على العالم.
أرقام لها دلالتها
بعد أن يستفيض مؤلف هذا الكتاب في الإيضاحات التي يقدمها بناء على آراء الكثيرين من قادة اليمين المسيحي وممثليه حول الأهمية المركزية لإسرائيل لدى اليمين المسيحي الأميركي، يرى أنه من المفيد تفحّص بعض استطلاعات الرأي الأخيرة القريبة حول العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية وحول رؤية الرأي العام الأميركي للإسلام.
على الصعيد التاريخي يتم التأكيد على أن العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية كانت دائما علاقات ودّية. المسألة ليست إذن معرفة إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل، وإنما بالأحرى معرفة الموقف الذي تتبناه حيال النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
في عام 2004، قام المركز القومي الأميركي للأديان والسياسات باستطلاع لدى الأميركيين لمعرفة إجاباتهم حول تلك المسألة عبر طرح سؤال بصيغة قريبة من الموقف الذي يدافع عنه اليمين المسيحي. السؤال هو «هل ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية أن تدعم إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين في الشرق الأوسط؟».
أظهرت النتائج خلافا عميقا حول المسألة لدى الرأي العام الأميركي. ذلك أن 35 في المئة من الذين جرى طرح السؤال عليهم أجابوا بالإيجاب وبضرورة دعم إسرائيل. بالمقابل أجاب 38 في المئة بالسلب ولم يوافقوا على دعمها، الباقي لم يكن لهم رأي في الموضوع. لكن نسبة المؤيدين للدعم بين الإنجيليين التقليديين بلغت 64 في المئة بينما تراوحت نسبة غير المؤيدين لدعم إسرائيل لدى العلمانيين بين 51 في المئة و62 في المئة.
ويشير المؤلف ضمن هذا الإطار إلى استطلاع للرأي يعود إلى عام 2006، أن أربعة أميركيين من أصل عشرة يعتقدون أن العناية الإلهية هي التي أعطت إسرائيل لليهود. ووصلت نسبة الذين أكدوا ذلك بين الإنجيليين البيض إلى 69 في المئة مقابل 60 في المئة بين البروتستانتيين السود و56 في المئة في مناطق جنوب الولايات المتحدة.
يشير المؤلف إلى الزوبعة الكبيرة التي أثارتها دراسة قام بها في مطلع عام 2006 اختصاصيان شهيران في حقل العلاقات الدولية هما جون ميرشايمر، من جامعة شيكاغو، وستيفن والت، من جامعة هارفارد. الدراسة تحت عنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية»، وأثبت الباحثان فيها أن المسألة الإسرائيلية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المواجهة مع اليمين المسيحي المتزمت في الولايات المتحدة.
وقد درس الباحثان الموضوع من وجهة نظر المصالح القومية للولايات المتحدة وعمّا إذا كان الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل يخدم تلك المصالح، وكانت نتيجة التحليلات المقدّمة تؤكد أنها لا تخدم بالفعل المصالح الأميركية.
القراءة التي يقدمها مؤلف الكتاب لهذه النتائج تؤكد على عمق الهوّة التي تقسم الرأي العام الأميركي حول الدعم المقدّم لإسرائيل وحول السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط في إطار السياق الأوسع للحرب الثقافية التي أدّت إلى استقطاب كبير لدى الرأي العام الأميركي حول العديد من المسائل الجوهرية التي سيكون لها أثرها الحاسم في التوجّه المستقبلي الأميركي.
أمّا بالنسبة لصورة الإسلام لدى الرأي العام الأميركي فإن المؤلف يشير إلى واقع تشوش هذه الصورة منذ تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. وبالتوازي تزايدت الشكوك حياله لدى شرائح أكبر فأكبر. هكذا دل استطلاع للرأي بعد أربعة أشهر فقط من التفجيرات في نيويورك وواشنطن، أن 14 في المئة فقط من الأميركيين يعتقدون أن الإسلام يشجّع على العنف. وبعد عامين شملت هذه النسبة ثلث الأميركيين. وبنفس الوقت زادت نسبة أولئك الذين يعتقدون أن الإسلام لا يعلّم احترام غير المسلمين من 22 في المئة إلى 43 في المئة.
وفي عام 2006 أظهرت استطلاعات رأي عدة تزايد سلبية صورة الإسلام لدى الرأي العام الأميركي. وفي شهر مارس من تلك السنة 2006، أظهر استطلاع للرأي أجرته محطة «آ. بي. نيوز» أن نصف الذين جرى طرح السؤال عليهم لديهم آراء سلبية حيال الإسلام وأعرب 33 في المئة عن رأيهم أن الإسلام يشجع العنف حيال غير المسلمين وأيّد 58 في المئة مقولة ان عدد المتطرفين في الإسلام يفوق عددهم في الأديان الأخرى.
ويرى المؤلف، اعتمادا على العديد من الاستطلاعات بهذا الصدد، على أن الآراء السلبية حيال الإسلام شائعة خاصة في أوساط الإنجيليين البيض، ولدى اليمين المسيحي عامة. كما يشير أنه في الوقت الذي يؤكد فيه ثلثا البروتستانتيين تقريبا على وجود تباينات كبيرة بين المسيحية والإسلام، فإن هذه النسبة تبلغ حوالي 52 في المئة لدى مجموع الأميركيين.
المعارك والحرب
لا شك أن اليمين المسيحي قٌد حقق العديد من المكاسب منذ وصول جورج بوش إلى السلطة عام 2000. وذلك خاصة فيما يتعلّق بإعطاء دور أكبر للمسائل الدينية في الحياة العامّة. وقد دلّ استطلاع للرأي يعود إلى شهر نوفمبر من عام 2005، أجرته محطة فوكس نيوز التلفزيونية، على أن نسبة 15 في المئة فقط من الأميركيين يدعمون الاستبعاد الكامل للدين من الحياة العامّة. وأن أربعة أخماسهم يفكرون عكس ذلك. وهذه النسبة تصل إلى 90 في المئة بين أوساط البروتستانتيين والإنجيليين.
بالتوازي مع هذا، كانت نسبة أولئك الذين يرون ان اللبراليين قد ذهبوا بعيدا في محاولة الإبقاء على الدين بعيدا عن المدرسة وعن الحكومة اكبر بكثير (69 في المئة) من نسبة أولئك الذين اعتبروا أن المسيحيين المحافظين قد ذهبوا بعيدا في محاولة فرض قيمهم الأخلاقية والدينية على البلاد (49 في المئة ). الواضح أن المسيحيين التقليديين قد كسبوا هذه المعركة.
وما يؤكده المؤلف هو أن القليل من الأميركيين يبدون على اقتناع بأنه ينبغي بقاء الدين بعيدا عن السياسة. وقد كان نصفهم تقريبا يعتقدون عام 2004، حسب الاستطلاعات، أن القوانين والقرارات السياسية قد تكون أفضل إذا كان رجال السياسة من المتدينين؛ وأن نسبة 70 في المئة يعتبرون أنه ينبغي ان يكون الرئيس «ذا قناعة دينية راسخة».
وكان هناك الخمس فقط يعتقدون أن إدخال العامل الديني في السياسة يجعل الأمور أسوأ. وقد دلّت الاستطلاعات أيضا أن نسبة 15 في المئة فقط من الذين جرى استجوابهم كانوا يعتبرون أن جورج بوش لا يبالغ في اعتماده على الدين من اجل اتخاذ قرارات سياسية مقابل ان الخمس كان يرون أنه يبالغ في ذلك.
هنود وسويديون
يرى المؤلف انه إذا كانت الولايات المتحدة لا تشكل «أمّة مسيحية»، فإنها بالتأكيد بلد مسيحي، ولكن دون التعمّق كثيرا في التديّن. وينقل عن عالم الاجتماع الأميركي الشهير بيتر بيرغر قوله: «الهند هي البلاد الأكثر تديّنا في العالم والسويد هي البلاد الأقل تدينا، فالولايات المتحدة إذن هي امّة من الهنود يقودها سويديون». ثم يضيف أنه بعد ست سنوات من حكم جورج بوش، الولايات المتحدة هي «بالتأكيد أمّة من المتدينين ويحكمها واحد منهم»؛ وإنما في الحدود الصارمة لما لا يزال إطارا شرعيا سويديا بامتياز.
في المحصلة يرى المؤلف أن اليمين المسيحي قد انتصر في العديد من المعارك خلال السنوات الأخيرة، وخاصة فيما يتعلق بالتأثير على الرأي العام. لكن يبدو أنه قد خسر الحرب فيما يتعلّق بالأهداف النهائية. وإذا كان العديد من الأميركيين يؤيدون المواقف الكبرى لليمين المسيحي فهم يحذرون دائما من الخلط بين الدين والسياسة.
ويؤكد أن الأميركيين لن يقبلوا بفرض الفضيلة عليهم بقانون. هذا مع أن جميع الاستطلاعات تبيّن بصورة واضحة أن الدين لا يزال يلعب دورا كبيرا في حياة أغلبية الأميركيين العاديين وأن جزءاً مهماً من الأميركيين لديهم رؤية دينية عميقة للحياة. هذا على عكس الوضع في أوروبا. ولذلك تزداد الهوّة بين الأميركيين والأوروبيين. هذا ما ينتهي إليه المؤلف في تحليله لدور الدين في الحياة العامّة الأميركية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف