يبرز المؤلف هنا أبعاد الانقسام الذي تعاني منه الولايات المتحدة ما بين ولايات حمراء تتحمس للجمهوريين وأخرى زرقاء تنتصر للديمقراطيين، ويرى أن أميركا تشهد الآن عملية إسراع في تبديل المعسكرات استناداً إلى أسس موضوعية يصعب التحكم فيها أو تغييرها في الوقت الراهن.

وهو يشدد على أنه لا مجال لتجاهل وجود خلافات جوهرية بين المناطق المختلفة في أميركا تنعكس على الخيارات الانتخابية وعلى نتائجها، ويخلص إلى تأكيد وجود حرب ثقافية تحدد اتجاه شرائح مهمة من الشعب الأميركي المنقسم على نفسه بدرجة لم يشهدها منذ وضعت الحرب الأهلية الأميركية أوزارها. وصف جيمس ديفيسون هونتر في كتاب شهير له حول الحرب الثقافية أن الحياة السياسية الأميركية منقسمة إلى معسكرين ينظر كل منهما إلى الآخر بعين النفور والشك.

وبالتالي لا يمكن لمثل هذا الاستقطاب الأيديولوجي إلا أن يؤدي إلى إعادة رسم الخارطة الانتخابية الأميركية على أساس تحالفات وائتلافات جديدة بحيث تتماشى مع أطروحات الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأميركية، أي الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. ذلك أنه منذ اللحظة التي تصبح فيها الأيديولوجيا هي التي تحكم التنافس بين الحزبين فإنه لابد للولاءات الحزبية التقليدية القائمة على الاقتصاد والأصول العرقية والطبقات الاجتماعية إلا أن تتراجع لإعادة الانتشار على أساس خطوط الفصل الجديدة.

إن هذه التوجهات الجديدة بدت ظاهرة للعيان اعتباراً من العمليات الانتخابية الأخيرة. ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك في التقدم الكبير الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات عام 2000 لدى أصحاب المهن الحرة. هكذا «اقترعت 17 منطقة من بين ال25 منطقة الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة لصالح آل جور وأحياناً بنسبة 70 في المئة من الأصوات». بنفس الوقت انتقلت «بعض مناطق البيض الأكثر فقراً خاصة في المناطق المحيطية من الجنوب ـ من الاقتراع للمعسكر الديمقراطي إلى إعطاء الثقة للحزب الجمهوري».

وفي ولاية كنتاكي، اقترعت تسع من أصل الدوائر الأكثر فقراً لصالح جورج بوش «وغالباً بنسبة تقدّم توازي نسب التقدم التي حققها آل جور في الدوائر الأكثر ثراءً والأكثر ثقافة» في العديد من الولايات.

تبديل المعسكرات

إذا كانت هذه التغيرات لم تؤد بعد إلى التغيير الكامل للقاعدة الانتخابية التقليدية بالنسبة للحزبين، فإن تأثيرها لا يستهان به حيث أضعفت كثيراً على الأقل «الرابطة التقليدية بين الدخل واقتراع البيض». وهذا يبدو من خلال اندفاع شرائح مهمة من العمّال نحو الحزب الجمهوري بينما اتجه الناخبون من أصحاب المهن الحرّة نحو الديمقراطيين. كانت الآية معكوسة حتى مطلع عقد الثمانينات الماضي. السنوات الأخيرة عرفت تسارعاً في وتيرة «تبديل المعسكرات».

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن أحد الأسباب الرئيسية في هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة يتمثّل في فقدانهم لدعم ناخبي الطبقة العاملة الذين لا يمتلكون تحصيلاً جامعياً. ولكن نسبة كبيرة من العمّال الذين اقترعوا لصالح بوش في انتخابات 2004 كانوا من ذوي الدخول الماديّة المرتفعة. هكذا تقدم جورج بوش على جون كيري ب24 نقطة لدى العمّال البيض الذين تتراوح دخولهم بين 30000 دولار و50000 دولار في السنة.

التفسير الذي قدّمه عدد من المحللين يكمن في التأكيد على عودة «العامل الثقافي». والتأكيد أيضاً على أن بوش لم يحقق الفوز لأن مستشاريه قد نجحوا في استخدام نفور الطبقات الدنيا من «النخبة الليبرالية» فحسب، وإنما لأنهم عرفوا أن يعطوا لبوش صورة «رجل من الشعب» لا يتردد في ارتداء الجينز وقبعة راعي البقر.

لقد عرف الجمهوريون كيف «يتجاوزون» خصومهم الذين ركّزوا كل حملتهم الانتخابية على المسائل الاقتصادية. وبذلك استطاعوا أن يقنعوا العديد من الأميركيين عبر التركيز على «الأصالة الثقافية وليس على المصالح المادية» بالاقتراع ضد مصالحهم الاقتصادية، بل وتحميل الليبراليين مسؤولية الأوضاع الصعبة للعمّال.

إن النتيجة الأساسية التي يركز عليها المؤلف في تحليله لأهمية المسألة الثقافية في انتخابات 2000 هي أن الجمهوريين لم يتعلموا الدرس أبداً وكرروا نفس الخطأ في انتخابات عام 2004. وأنهم قد دفعوا ثمناً باهظاً لذلك، كانت الهزيمة الساحقة لمرشحهم جون كيري.

ولايات حمراء وزرقاء

في عام 2001 أي بعد عام واحد من انتخاب جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، كتب الصحافي الشهير من النيويورك تايمز دافيد بروك مقالاً في مجلة اتلانتيك مونثلي، وأعادت صحف ومجلات كثيرة نشره. وقد جاء فيه أن الخارطة الانتخابية الأميركية منقسمة إلى قسمين بين ولايات «حمراء» وولايات «زرقاء »، كما بدا في انتخابات عام 2000.

وقال بروك إن سكان الولايات «الحمراء» يقطنون في مناطق ريفية أو في مدن صغيرة حيث تنتشر الكنائس بكثرة. وهم حريصون على التردد على هذه الكنائس بانتظام، ويقومون بمشترياتهم من مخازن «وولمات» العملاقة ويحبّون سباقات الجرارات، أي الرياضة التي ظهرت في الولايات المتحدة في سنوات الثلاثينات وهي الآن رياضة ريفية شهيرة.

هؤلاء يقترعون بنسب كبيرة لصالح الجمهوريين. أمّا سكان الولايات «الزرقاء» فهم على العكس يسكنون في المدن الكبيرة وخاصة على طول الشاطئين الأميركيين. ويفضلون تناول الطعام في المطاعم المعروفة. وبالطبع هؤلاء يقترعون بنسب عالية للحزب الديمقراطي.

بعد عامين من ذلك المقال أكدت «الواشنطن بوست» في مقال لها تعليقاً على نتائج سلسلة من الانتخابات المحلّية في العديد من الولايات ان الأحمر والأزرق بالنسبة للولايات المعنية قد أصبحا أكثر وضوحاً وأن «الخارطة السياسية للولايات المتحدة الأميركية تأخذ ملامح الحرب الانفصالية ـ بين الشمال والجنوب في القرن التاسع عشر».

ذلك أن الولايات التي اقترعت لصالح بوش عام 2000 أصبحت أكثر وضوحاً في تأييدها للحزب الجمهوري. أمّا الولايات «الزرقاء» المؤيدة لآل جور، فإنها لم تتخل عن «مقاومتها». هكذا غدت البلاد المنقسمة أصلاً «أكثر انقساماً».

وكانت انتخابات 2004 قد مثّلت بالنسبة للكثير من المراقبين ذروة النزاع بين الأحمر والأزرق وبحيث أن البلاد بدت منقسمة عشية تلك الانتخابات بين معسكرين لا تمكن المصالحة بينهما. وينقل المؤلف عن تعليق جاء في صحيفة «الغارديان» البريطانية ما مفاده أن «أميركا اليوم هي أحد أكثر البلدان انقساماً بين جميع الديمقراطيات البرلمانية في العالم».

ثم أضاف: «إن المنازعات الأكثر حدّة وشراسة لا يتعارض فيها الأوروبيون والأميركيون وإنما الأميركيون فيما بينهم». لكن هذا كلّه لم يمنع المؤلف من أن يشير إلى دراسة يصفها بالمهمّة أكدت أن «الفروق بين الولايات ذات الولاء الجمهوري المتطرف مثل كانساس والولايات ذات الولاء الديمقراطي المتطرف مثل كاليفورنيا لا تمثّل سوى نسبة 8 في المئة من الأصوات كمعدّل.

الجغرافيا الانتخابية

إن المؤلف يؤكد بكل الأحوال أنه لا يمكن أبداً تجاهل حقيقة وجود خلافات جوهرية بين توجهات المناطق لها تأثيراتها الواضحة على الخيارات الانتخابية وعلى نتائجها. ولا يمكن أيضاً عدم ملاحظة حقيقة أن الحزب الكبير العريق، أي الحزب الجمهوري قد ثبّت مواقعه في الولايات الجنوبية بينما فعل الحزب الديمقراطي الشيء نفسه في مناطق شمال شرق وجنوب غرب الولايات المتحدة.

ويتضمّن هذا الكتاب الكثير من الأمثلة على حدّة «المواجهة» بين المعسكرين على صفحات الجرائد والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون، وخاصة عبر شبكات الانترنت. أحد الأمثلة من الجانب الديمقراطي جاء على لسان تيموثي بورك، مؤرخ الثقافات،

رداً على سؤال: لماذا يكره سكان الولايات الحمراء ـ الجمهورية ـ إلى هذه الدرجة الليبراليين من أبناء الولايات الزرقاء ـ الديمقراطية ؟. جاء في الرد: «إنهم يكرهوننا لأننا نحن الرابحون على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمستقبل لنا. وهم الخاسرون».

أما على الجانب الآخر، الجمهوري، فإن اللهجة ليست أقل حدّة. وينقل المؤلف عن مقابلة نشرتها «الغارديان» البريطانية مع فتاة من ولاية «حمراء» كانت تدرس في جامعة بولاية «زرقاء» أكدت فيها أن الدعم الذي لقيه بوش من قبل الولايات الحمراء كان على خلفية الضغينة .

وعدم قبول أن تكون محكومة من قبل «المدّعين من أبناء الشاطئ الشرقي. الأمر يتعلق بعدم قبول أن نكون محكومين من قبل أناس لا يتوقفون أبداً عن أن يفرضوا علينا مفهومهم الأعوج عن الأخلاق، والذي هو غير أخلاقي. انهم يفعلون ذلك دائماً والضغينة هي حقيقة واقعة».

ومثال آخر صارخ أكثر كتبه ستيفن جرينهاوت، أحد كاتبي الافتتاحيات في إحدى الصحف الأميركية المحافظة، وطالب فيه النخب الليبرالية في الولايات الزرقاء أن تكلّف نفسها عناء زيارة أمكنة مثل أوماها في نبراسكا أو بسمارك في كارولينا الشمالية عندما تسافر بين الشاطئيين دون توقف.

ويؤكد لهم أنهم سوف يجدون «بشراً عاديين ولطيفين» ويعيشون في «منازل عادية» ومزوّدة بالمياه. ويضيف أنهم سيجدون «الكثير من البشر المستقيمين والأذكياء» الذين يتم النظر إليهم وكأنهم «من حقبة إنسان نياندرتال الذين يعمي الحقد قلوبهم» بنظر الليبراليين لمجرّد أنهم يتمسّكون بقيم أكثر تقليدية وأنهم مؤمنون «أكثر من نخب الشاطئ الشرقي».

الظاهرة التي يتم التأكيد عليها في هذا السياق تتمثّل في الدور الكبير الذي تلعبه «الكنائس العملاقة» التي تستطيع ان تضم الآلاف من البشر، هكذا يتردد حوالي 25000 شخص في نهاية كل أسبوع على كنيسة «لاك وود» في هيوستن بتكساس كل يوم أحد وبحيث يوحي المنظر بأن الأمر يتعلّق بـ «مراكز تجارية هائلة مما هو بكنائس تقليدية» حسب تعبير المؤلف.

أغلبية هذه الكنائس العملاقة تقع في المناطق الأكثر دينامية في البلاد، أي في الجنوب والجنوب الغربي التي كانت قد أمّنت للجمهوريين النجاحات الانتخابية الأكثر أهمية خلال العمليات الانتخابية الأخيرة. وكان بوش قد عرف في الواقع الفوز في 97 دائرة من أصل المئة التي حققت أعلى معدّل للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. أغلبية هذه الدوائر كانت هي بلدات جديدة بعيدة نسبياً عن المدن التقليدية الكبرى؛ وهي بعيدة عنها إلى حد أنه من الصعب وصفها بالضواحي وديناميكية إلى حد انه من الصعب وصفها بأنها ريفية.

هذه الملاحظات الخاصة بتأييد هذه المناطق الجديدة للجمهوريين وجدت ما يؤكدها في العديد من الدراسات التي دلّت على أن بوش قد حقق نسبة 62 في المئة من الأصوات فيها مقابل 37 في المئة لصالح جون كيري. بالمقابل أكدت نفس الدراسات أن كيري تقدّم في المراكز الحضرية والحواضر القديمة بشكل عام، إذ نال فيها حوالي 60 في المئة من الأصوات.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن هذا النوع من التقسيمات ليس جديداً بالنسبة للأوروبيين. ذلك أنه يعكس الانقسام السياسي بين الديمقراطيين المسيحيين من جهة والديمقراطيين الاجتماعيين أو الاشتراكيين، من جهة أخرى في بعض البلدان الأوروبية خلال عقدي الستينات والسبعينات المنصرمين.

أما في أميركا فإن الجمهوريين هم الذين يتحملون المسؤولية الكبرى في الوضع القائم فهم الذين أقاموا ائتلافاً جديداً يشابه إلى حد كبير تلك التي كان يدعمها الديمقراطيون المسيحيون في أوروبا سابقاً. النتيجة هي أن المسائل الأخلاقية والثقافية قد احتلت الصدارة في برامج الأحزاب السياسية على حساب المسائل الاجتماعية ـ الاقتصادية التي كانت لها الأولوية تقليدياً.

الهيمنة الثقافية

بعد انتخاب جورج بوش للمرة الثانية عام 2004، سادت حالة من التفاؤل بين أوساط البروتستانتيين الإنجيليين والكاثوليك المحافظين واليمين المسيحي بشكل عام «ذلك أنهم رأوا في الانتخابات منعطفاً تاريخياً ولحظة استثنائية قد يمكنهم فيها تنفيذ برنامج أخلاقي محافظ».

في مواجهة مثل ذلك الأفق ارتفعت أصوات العديد من المراقبين العلمانيين مثل الآن ديرشويتز، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، الذي اتهم منذ غداة إعادة انتخاب بوش الرئيس الأميركي أنه يريد خلق الانطباع أن أميركا هي «أمّة مسيحية ويمكن لغير المسيحيين أن يعيشوا فيها منذ قبولهم بمكانة الأقلّية وليس كمواطنين كاملي الحقوق». وكان الرئيس بوش نفسه قد صرّح قوله: «هنا بيتنا ونحن نصلّي في بيتنا منقذنا».

ويتم في هذا الإطار وصف استراتيجية اليمين المسيحي الأميركي انها هادئة، ولكنها ترمي بكل وضوح إلى فرض هيمنته الثقافية. وذلك بعد تخليه عن فكرة «تثوير» أسس النظام السياسي والديمقراطية الأميركية بشكل عام. الخطوط العريضة لبرنامج هذا اليمين المسيحي يتم تحديدها بالعمل على تثبيت «مبادئه الأخلاقية والدينية الأساسية» عبر الاحتجاج المباشر ضد المنظومات الثقافية السائدة اليوم في الولايات المتحدة.

كذلك كرّس اليمين المسيحي الكثير من وقته وطاقته الفكرية من أجل حصوله على ما يسميه «المساواة الرمزية»، باعتبارها المرحلة الأولى نحو المساواة الكاملة والاعتراف الثقافي والاجتماعي والسياسي فيه. هذا البحث عن «المساواة الرمزية» جعل استراتيجيي اليمين المسيحي يركزون جهودهم على عدد من المسائل التي تحظى باهتمام شعبي كبير.

وكان لا بد من أن يثير ذلك ردود أفعال قوية من المعسكر الآخر. ويؤكد المؤلف أن مسألتين محددتين تثيران الكثير من الجدل بين المعسكرين. المسألة الأولى تخص فتح مدارس لتعليم التربية الدينية يمكنها أن تدرّس نظرياتها على قدم المساواة مع الهامش الذي يمتلكه تدريس نظريات داروين في التطور.

والمسألة الثانية تخص دور التديّن في الحياة العامّة من خلال إعادة كتابة تاريخ تأسيس الولايات المتحدة والأفكار التي قامت عليها الحضارة الأميركية. هاتان المسألتان لهما أهمية مركزية حاسمة في تحديد هوية الأمة الأميركية وتحويلها من منظور اليمين المسيحي إلى «أمّة مسيحية»..

ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى «الحرب الثقافية» الدائرة تشكل حجر الزاوية في تحديد وجهة اقتراع شرائح مهمة من الشعب الأميركي الذي يبدو منقسماً على نفسه إلى درجة لم يعرفها منذ الحرب الأهلية في بداية عقد السبعينات من القرن التاسع عشر.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف