يقدم المؤلف هنا رؤية معمقة للعالم الخلفي لما يسمى بالصراع بين الأزرق والأحمر، حيث يلفت نظرنا إلى أن إعادة انتخاب جورج بوش رئيسا لأميركا في عام 2004 كانت بمثابة الجزء الطافي من جبل الجليد المتمثل في محاولات اليمين المسيحي الأميركي تكريس هيمنته على الحياة السياسية الأميركية.
وأن مستشاريه قاموا بإعداد إستراتيجية للتقارب مع المسيحيين الإنجيليين لجعلهم العصب الأساسي في ائتلاف قوي ودائم، وهو ينطلق في تحليل مفصل للشرائح التي وقفت وراء هذا الفوز، بما في ذلك الأميركيون الناطقون بالأسبانية، الذين اقترع ثلثهم لصالح بوش والذين يكرس الانقسام في صفوفهم انقساما شاملا على المستوى الأميركي بأسره. كانت عملية إعادة انتخاب جورج بوش لفترة رئاسية ثانية عام 2004 ذروة المحاولات التي قام بها اليمين المسيحي من أجل التأثير على السياسة الأميركية، هذا إذا لم تكن السيطرة عليها. وعلى عكس ما كان يجري عادة في الماضي نجح هذه المرّة في مسعاه.
ولم يتردد العديد من المعلقين في القول إنه إذا كان الجمهوريون في الحكم فإن الأمر يعود إلى كون «الإنجيليين والشرائح الاجتماعية المحافظة» قد انتخبتهم، حسب تعبير البعض ؛ وإلى «الصلاة والتزام الملايين من الإنجيليين ومن البروتستانتيين والكاثوليك التقليديين»، كما قال آخرون.
إن مؤلف هذا الكتاب يؤكد في تحليلاته أنه لم يكن هناك ما يسمح بتوقع نجاح كبير لليمين المسيحي إلى ذلك الحد. ويشير في هذا السياق إلى رسالة كتبها بول ويريتش، رئيس «المؤسسة الحرّة في الكونغرس» عام 1999 إلى زملائه المحافظين طلب منهم فيها بعد فشلهم في عزل بيل كلينتون من البيت الأبيض الانسحاب من الحياة السياسية وتخليهم عن تلك «الثقافة التي ينادون بها».
وإذا كان اليمين المسيحي قد نجح في تأمين دفع «ناسه» حتى الفوز، فإنه بالمقابل كان يفشل باستمرار في الدفع إلى تبني برامجه. وهذا يعني انه لم يكسب الحرب الثقافية التي لا تزال مستمرة ولم تخمد جذوتها.
ائتلاف قوي ودائم
بكل الحالات ما يتفق عليه الجميع هو أن إعادة انتخاب جورج بوش في عام 2004 لم تكن بعيدة عن التزام الشرائح الأكثر محافظة إلى جانبه. على ذلك الأساس قام مستشارو جورج بوش، بقيادة كارل روف، بإعداد إستراتيجية للتقارب مع المسيحيين الإنجيليين بهدف أن يجعلوا منهم العصب الأساسي لائتلاف قوي ودائم. وقد قامت حساباتهم على القول إنه إذا أمكنت تعبئة المحافظين المتدينين، فإن ذلك يشكل «عاملا حاسما» يضمن للجمهوريين أغلبية انتخابية مهمة في مستقبل قريب.
مثل هذا التوجه أخذ سريعا تسمية «الإستراتيجية الأساسية» التي عرّفها كارل روف أنها لا ترمي إلى «إقناع الناخبين المترددين وضعيفي الالتزام وإنما توليد الحد الأقصى من الأصوات للجمهوريين». كان الهدف الحقيقي هو الوصول إلى الأربعة ملايين من الإنجيليين الذين لم يقترعوا عام 2000 والذين كان الجمهوريون يعتبرونهم من «أنصار بوش» وينبغي انخراطهم في العملية الانتخابية «من اجل ضمان توفير أغلبية جمهورية للرئيس في الكونغرس وإعادة انتخابه».
كان ذلك يعني مقاربة جديدة تماما بالنسبة للجمهوريين فيما يتعلق ببناء قاعدة انتخابية. إن هذه المقاربة هدفت بشكل حصري تقريبا إلى تعزيز قاعدة الإنجيليين وذوي «النزعات الأولية على الصعيد الاجتماعي». بالتالي لم يتم عمليا بذل أية جهود باتجاه الشرائح الوسطى.
وكان كارل ريف وفريقه قد أقاموا شبكة قومية من رجال الدين الإنجيليين «الذين لهم علاقات مباشرة بالقواعد». وقد أدى ذلك إلى قيام شبكة أوسع «ولّدت الملايين من الصلات المعروفة التي كانت تتم العلاقات المستمرة معها بواسطة منظومة مربوطة مع المركز العصبي لحملة بوش».
هكذا استطاع الدين أن يلعب «دورا لا سابق له» خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2004. وقد أعطى ذلك بنفس الوقت الفرصة التي طالما طال انتظارها للإنجيليين والمسيحيين المحافظين «من اجل أن يبرزوا عضلاتهم الثقافية والسياسية». هؤلاء لم يدعوا الفرصة تفوتهم واشترطوا على الرئيس في حالة إعادة انتخابه سن قوانين لـ «حماية الأخلاق».
بالنتيجة عززت انتخابات2004 الاستقطاب السياسي والثقافي الذي كان يعكس مفهوم «الانقسام بين الأحمر والأزرق». بتعبير آخر جعل الولايات المتحدة «أمّة ثنائية الأقطاب» تمّت في داخلها ترجمة الخلافات بين المناطق على أنها خلافات على صعيد الثقافة والقيم.
وينقل المؤلف عن أحد المعلّقين في مجلة «كرايزيس» الكاثوليكية المحافظة قوله: «من أهم نتائج انتخابات 2004 أنها كانت المناسبة لقيام هجوم مضاد ناجح جدا من قبل المؤمنين ضد الهيمنة السياسية والثقافية لغير المؤمنين.(...). ورغم بعض المحاولات العلمانية من اجل تفسير دور القيم الأخلاقية في الأحداث فإن الانتخابات كانت دون شك منعطفا في الحرب الثقافية الدائرة في أميركا».
يؤكد المؤلف أن الدين كان دائما عاملا مهما ـ إن لم يكن حاسماـ في السياسة الانتخابية الأميركية. وعلى مدى التاريخ الأميركي كلّه تشكّلت القاعدة الأساسية للحزبين الكبيرين من ائتلافات مختلفة لـ «مجموعات إثنية ـ دينية».
كان الجمهوريون يمثلون الكنائس البروتستانتية ـ البيضاء والانجلوسكسونية ـ المسيطرة بينما جذب الديمقراطيون المجموعات الدينية للفئات المهاجرة والأقليات مثل اليهود وبعض المجموعات البروتستانتية من بعض الطوائف الهامشية وخاصة الكاثوليك وهؤلاء جميعهم توحدهم الرغبة في مقاومة الهيمنة الثقافية للبروتستانتيين الذين يشكلون الأغلبية.
هوّة القيم
في الفترة التي جرت فيها الانتخابات الرئاسية عام 2004 توازت وتيرة التردد على الكنيسة مع الاقتراع للجمهوريين بينما تراجعت مسائل الأصول العرقية ودخول الناخبين إلى الصف الثاني. وكان الناخبون قد أعادوا تحديد مواقعهم على أساس الانقسام الاجتماعي ـ الاقتصادي والديني.
وكانت الطريقة التي ألحّ فيها «الحزب العريق الكبير»، أي الحزب الجمهوري،على موضوع الحرب الثقافية قد لاقت استقبالا حسنا لدى الناخبين التقليديين بشكل خاص. وقد دلّ أحد استطلاعات الرأي على أن «القيم الأخلاقية» قد كانت ذات دور حاسم في توجيه الاقتراع بالنسبة لحوالي 27 في المئة من مجموع الناخبين الأميركيين وأكثر من نصف الإنجيليين.
وتدل الشروح المقدّمة أيضا أن الجمهوريين بتركيز اهتماماتهم على الحرب الثقافية كسبوا العديد من أصوات الناخبين المؤيدين سابقا للديمقراطيين مثل الكاثوليك البيض والناطقين باللغة الاسبانية والنساء والعمّال. وتشير دراسات عديدة إلى أن السبب الأساسي الذي دفع قسما من الناخبين التقليديين للحزب الديمقراطي إلى التخلّي عنه والانحياز للحزب الجمهوري في انتخابات عام 2000 و2004 له علاقة باهتمامات «ثقافية».
إن استراتيجيي معسكر جورج بوش، بتركيزهم على شريحة محدودة من القيم الأخلاقية مثل دعم الأسرة التقليدية ورفض الإجهاض، نجحوا بإقناع أولئك الذين كانوا مترددين في تحديد وجهة انتخابهم بالاقتراع لمرشحهم. ذلك أن المسائل الثقافية تمثل بالنسبة للمعنيين أولوية سياسية أساسية. كان الجمهوريون قد حددوا هدفهم جيدا.
الديمقراطيون، على العكس، وجدوا أنفسهم في واقع الأمر أكثر فأكثر في الجهة الخاسرة من الشرخ الثقافي الذي تعيشه أميركا. المثال المضروب يخص النساء. إن النساء في الولايات المتحدة الأميركية، كما في أوروبا الغربية، يقترعن أكثر فأكثر باتجاه مغاير لوجهة اقتراع الرجال.
ومنذ الانتخابات الرئاسية عام،1980 التي تمّت خلالها ملاحظة الخلاف في وجهتي اقتراع النساء والرجال، بدا أن النساء الأميركيات يملن بالأحرى نحو الاقتراع لصالح الحزب الديمقراطي. أما الرجال فقد اقتربت مواقعهم أكثر من الحزب الجمهوري.
وتدل الإحصائيات الخاصة بتحليل انتخابات عام 2004 أن نسبة 51 في المئة من النساء أعطين أصواتهن للمرشح الديمقراطي بينما نال جورج بوش نسبة 55 في المئة من أصوات الرجال. وهذا يدل على تزايد عمق الهوّة «الثقافية» بين الجنسين.
لكن ذلك ليس سوى أحد جوانب التفسير. هذا ما أظهره ما أطلقوا عليه تعبير «هوّة الزواج» والتي تدل على شِرخ آخر في المشهد الثقافي الأميركي. في عام 2004 ذهبت أصوات النساء غير المتزوجات نحو المرشح الديمقراطي بفارق 25 نقطة إذ إن 62 في المئة منهن أعطين ثقتهن لجون كيري مقابل 37 في المئة فقط لجورج بوش. ولكن بوش حظي ب11 نقطة زيادة عن كيري بين شريحة النساء المتزوجات وحصل على نسبة 55 في المئة مقابل 44 في المئة لجون كيري.
لغز آخر
هوّة الزواج هذه يمكن تفسيرها بعدد من الأسباب. لقد دلّ استطلاع للرأي جرى إنجازه على الصعيد القومي الأميركي منذ فترة قريبة لدى النساء غير المتزوجات والمتزوجات، وأظهر أن الأهمية التي يتم إعطاؤها للقيم الأخلاقية تتباين كثيرا بين المتزوجات وغير المتزوجات. وبدا أن ثلث النساء المتزوجات يولين أهمية كبيرة لهذه القيم بينما لا تحظى بنفس الاهتمام سوى لدى الربع بالنسبة للنساء غير المتزوجات. هذه النتائج دفعت بعض المستشارين لدى الحزب الديمقراطي إلى أخذ المسائل الأخلاقية باهتمام أكبر في البرامج الانتخابية.
وتركزت الجهود على ضرورة عدم ترك المسألة الأخلاقية حكرا على الجمهوريين. ذلك أن الكثير من الأهالي قلقون على مصائر أبنائهم، وبالتالي ينبغي على الديمقراطيين إيجاد السبل من أجل الخوض في هذه الأمور. ذلك لا سيما فيما يتعلق بالقضايا ذات الاهتمام الكبير لدى شريحة هامة من الناخبين والتي تحدد إلى درجة كبيرة وجهة اقتراعهم.
باختصار بدا أنه ينبغي على الحزب الديمقراطي الانتقال إلى «الهجوم» على الجبهة الثقافية وصياغة أطروحات ثقافية تحظى بالاهتمام الشعبي. وذلك في أفق الدخول في «معركة» مع أشكال النفوذ الثقافية المعادية. وخاصة تلك التي تدعو لها شركات المصالح القوية مثل سلاسل وجبات الطعام السريع وألعاب الفيديو وصناعة التسالي.
كان الكاثوليك البيض والناطقون باللغة الاسبانية حسّاسين أيضا للمسائل التي طرحتها الحرب الثقافية. وكان أحد المعلقين المحافظين قد تشفّى قائلا إن جون كيري المرشح الكاثوليكي الأول بعد جون كندي قد «خسر» أصوات الكاثوليك. وكتب يقول: «لقد اقترع الكاثوليك لجورج بوش البروتستانتي الذي يتفقون معه ولم يقترعوا لجون كيري. وذلك خاصة على أساس مشاكل أخلاقية مثل الإجهاض الذي يحظى باهتمام بالغ لدى الكاثوليك».
ويقدم محللون آخرون تفسيرا أكثر عمقا ويتعلق بمعرفة «إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية عليها تحديث نفسها والتأقلم مع مجتمع في حالة تطور أو عليها العودة إلى جذورها وإلى تعاليمها التقليدية». هذه المسألة ذات الدلالة العالية تسمو بنظرهم عن المسائل الخاصة بالجنس والسن والتربية والمنطقة وعن جميع الإيديولوجيات».
على هذا الأساس، أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2004، اقترع الكاثوليك من مؤيدي التحديث لصالح جون كيري بفرق 17 نقطة بالقياس إلى بوش. على العكس أعطى الكاثوليك التقليديون 39 نقطة زيادة لبوش عن كيري. وقد أكد استطلاع للرأي عام 2005 هذا التوجه. وبيّن إلى أي مدى هو الفرق كبير في فهم تعاليم الكنيسة لدى الكاثوليك على ضوء الوجهة التي يقترعون لصالحها في العمليات الانتخابية للجمهوريين أو للديمقراطيين.
أصوات الناطقين بالإسبانية
يتفق الجميع على القول إن الناطقين باللغة الاسبانية يلعبون دورا متعاظما في الحياة السياسية الأميركية عامة وبين الكاثوليك بصفة خاصة. بالطبع هؤلاء الناطقون بالاسبانية ليسوا من الكاثوليك بشكل آلي. وكان البروتستانتيون الإنجيليون قد شرعوا في جعل أميركا اللاتينية هدفا لتبشيرهم، خاصة بين شرائح السكان التي ابتعدت عن الكنيسة الكاثوليكية.
وفي عام 1990 كان هناك حوالي 40 مليونا من سكان أميركا اللاتينية ينتمون إلى مجموعات إنجيلية بل ويعارضون بشكل صارم الكنيسة الكاثوليكية. وهذه الظاهرة نفسها تتكرر بين الناطقين بالاسبانية من مواطني الولايات المتحدة.
وفي عام 2004 كان هناك ثلث الناخبين من الأميركيين الناطقين بالاسبانية يعرّفون أنفسهم على أنهم بروتستانتيون ـ إنجيليون. وبالطبع اقترعوا لصالح جورج بوش. هذا إلى جانب العديد أيضا من الاسبانيين ـ الأميركيين الكاثوليك. ومثل هذه الظاهرة يمكن تفسيرها جزئيا بالدعم الكبير الذي يقدمه تاريخيا الأميركيون من ذوي الأصول الكوبية والقريبون دائما من الجمهوريين الذين حافظوا على موقف متشدد حيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو.
كذلك لعب التركيز على القيم الأخلاقية في الحملة الانتخابية لجورج بوش دورا في جذب أعداد من الأميركيين الناطقين باللغة الاسبانية. وكان أحد التقارير حول الكنائس الإسبانية في الحياة العامة الأميركية قد دلّ منذ عام 2003 على وجود «أغلبية واضحة من ذوي الأصول اللاتينية ـ الأميركية لن يدعموا البرنامج الديمقراطي في المواقف التي اتخذها فيما يتعلق بالأخلاق وبالروابط بين الدولة والكنيسة». هذا في الوقت الذي كان يقترع فيه المعنيون تقليديا للحزب الديمقراطي.
وهناك الآن أغلبية مهمة من اللاتينيين الأميركيين تؤيد المواقف الأخلاقية والاجتماعية للجمهوريين خاصة فيما يتعلق بالعائلة والتقاليد والعديد من القضايا الأخرى.. وقد دلّ استطلاع أجري بعد الانتخابات الرئاسية عام 2004 لدى الأميركيين الناطقين باللغة الاسبانية أن نسبة 29 في المئة منهم تعيد أسباب فشل جون كيري في تلك الانتخابات إلى مواقفه «المتساهلة» حيال مسائل أخلاقية مثل الطلاق والزواج «المثلي».
وقد جرى تأكيد نفس النتائج في استطلاع عام 2005 لدى الأميركيين من أصول أميركية ـ لاتينية «اسبانية» إذ أجاب 72 في المئة منهم أن الأخلاق ذات أهمية كبيرة بنظرهم. ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يؤكد أن المسائل الاجتماعية ـ الثقافية قد زادت الشروخ الموجودة أصلا داخل الطائفة الاسبانية الكبيرة في الولايات المتحدة اليوم.
ويصل المؤلف في تحليلاته عن الأميركيين ذوي الأصول الاسبانية إلى القول إنه نظرا لوجود نسب تزداد أكثر فأكثر من البروتستانتيين، وخاصة الإنجيليين، بينهم فإن الشروخ القائمة داخل الأميركيين ـ الاسبانيين مرشّحة كي تزداد عمقا هي الأخرى؛ هذا إذا لم تؤد إلى نفس النموذج من الاستقطاب الذي يتصف به إلى حد كبير القسم الباقي من السكان منذ عدة عمليات انتخابية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

