الأمر قد لا ينطوي على أي مفاجأة لمن هم على دراية بالسرعات الهائلة التي تقاد بها السيارات في الجانب الشمالي الغربي من ولاية يوتاه الأميركية، حيث تحطمت في ذلك الجزء من الولاية الأميركية الكثير من الأرقام القياسية في قيادة السيارات ـ لا ينطوي الأمر على أي مفاجأة أن تسير سيارة هناك بسرعة 200 ميل في الساعة، أي 320 كيلو متراً.

ولكن المفاجأة الحقيقية تكمن في نوعية هذا السيارة التي تسير بهذه السرعة. فشهر أغسطس المقبل سيشهد مفاجأة من العيار الثقيل في صناعة السيارات، حيث ستطرح شركة بي إس سي تشالينج للسيارات أول سيارة تعمل بالبخار في العصر الحديث تسير بسرعة 200 ميل في الساعة الواحدة في ولاية أوتا الأميركية.

السيارة الجديدة تحمل اسم «انسبايريشن» وستكون من فئة المركبات الرياضية ومن شأنها أن تفتح صفحة جديدة في عالم صناعة السيارات حيث انها لن تتميز بسرعتها الفائقة فحسب، وإنما ستصل أيضاً إلى هذه السرعة بالتسبب في أقل قدر ممكن من التلوث البيئي.

تشير مجلة نيو ساينتست، التي أفردت للسيارة تحقيقاً مفصلاً في أحد أعدادها الأخير، إلى أنه على الرغم من أنه ستظل هناك حاجة إلى استخدام المواد الهيدروكربونية في تسخين ماء السيارة وتحويله إلى بخار، غير أن التقنية المستخدمة تتمتع بالفعالية التي من شأنها أن تفتح الباب على مصراعيه أمام المبدعين لاستخدام البخار في تصنيع العديد من الأجهزة والمنتجات في القرن الواحد والعشرين، حسب تعبير المجلة.

فعن طريق تقنية البخار يمكننا أن نتوقع قريباً رؤية طائرات تعمل بمحركات بخارية تحلق فرق رؤوسنا، وذلك في الوقت الذي يمكننا فيه أيضاً الاستفادة من محركات بخارية متناهية الصغر تعمل في المستشفيات وكذلك مفاعلات فضائية تعمل بالبخار تخترق الفضاء لاستكشاف المجرات التي تبتعد عنا بألوف السنوات الضوئية.

تقول لين إنجيل عضو الفريق الذي طور السيارة الجديدة: ليس من المهم أن التقنية نفسها قديمة ويرجع استخدامها إلى العصر الفيكتوري الذي انتشرت فيه المحركات البخارية، فالمهم هو أن يجري دائما البحث عن وسائل وطرق حديثة لتطويع هذه التكنولوجيا بشكل يفيد جميع فئات المستهلكين.

وتضيف إنجيل أن الشركة تعمل بشكل جدي على التأثير في الجيل المقبل من المهندسين ومصممي السيارات بشكل يحد من المشكلات البيئية المنتشرة في العصر الحديث. وكانت السيارة روكيت التي أنتجها الاخوة ستانلي في 1906 أسرع سيارة تعمل بالبخار في التاريخ، حيث بلغت سرعتها 127 ميلا في الساعة، حيث تم تصنيع تلك السيارة في وقت كانت الشركات تتسابق فيما بينها على الحصول على أكبر نسبة من هذه السوق في العالم.

ويأمل مصممو إنسبايريشن أن تتفوق سيارتهم على زروكيتز من حيث السرعة والفعالية. ويبلغ طول إإنسبايريشن 5,8 أمتار وصممها المهندس الدكتور جلين باوشر، وهو مهندس الميكانيكا في شركة بي إس سي سي، الذي كان حريصا على أن تقل السيارة في حجمها عن الحجم المعهود في السيارات الرياضية السريعة التي تصمم عادة لتحطيم الأرقام القياسية في السرعة، حيث كانت السيارة ثرست إس إس سي النفاثة الأسرع من الصوت والذي صممها أيضا الدكتور باوشر تفوق حجم إنسبايريشن بثلاث مرات.

وتعمل السيارة الجديدة بمحرك بخار بقوة 360 حصانا و 12 حارق زيت 250 وات. والسيارة تملك محرك حرق خارجي يضمن حرق الوقود والأوكسجين خارج المحرك، الأمر الذي يتيح مزيدا من السيطرة على عملية الحرق التي بدورها تتم تحت كمية أقل من الضغط، ما يعني في النهاية خروج كميات أقل من الانبعاث الكربوني الملوثة للبيئة.

يقول مات كاندي، كبير المهندسين في شركة بي إس سي سي: من خلال مشروع السيارة البخارية نعمل على مواجهة التحديات التي لم يجرأ أحد على مواجهتها من قبل. نحن نسعى إلى استغلال التقنيات المتاحة بهدف الاستفادة من تكنولوجيا البخار المهملة وذلك في خطوة لتحفيز الآخرين على الابتكار والإبداع لطرق هذا المجال لمصلحة المستهلك والبيئة.

ويضيف كاندي أن القائد تشارلز بيرنت سيكون القائد الرئيسي للسيارة الجديدة، فهو قائد قوارب بخارية محنك حقق بالفعل أرقام قياسية عديدة. وتقول إنجيل: أكبر تحدي واجهنا كان تصميم محرك الحرق. نظريا يتبين أن وحدة الحرق التي تستطيع تشغيل سيارة بهذه السرعة يجب أن تكون أكبر بكثير من الحجم الكلي للسيارة. ونحن جربنا أربعة أجيال من أجهزة الحرق وجميع أنواع المعالجات حتى وصلنا إلى التقنية الحالية التي نأمل أن تفتح الباب أمام تطبيقات أخرى عديدة.

بعد النجاح في تشغيل وحدة الحرق الداخلية ، فإن فريق العمل في شركة بي إس سي سي يستعد الآن لخوض موسم مزدحم للغاية بالطلبات على السيارة الجديدة التي يتوقع أن تكون حديث العام والأعوام المقبلة، بحسب تعبير المجلة. وسيعقد الاختبار الأولي للسيارة في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني برونتينجثورب وذلك بسرعة 100 ميل في الساعة قبل نقلها لولاية يوتاه الأميركية للعمل بالسرعة المقررة 200 ميل في الساعة.

يقول كبير المهندسين كاندي: ز أهم الإنجازات التي تحققت من خلال السيارة الجديدة هو تصميم وحدتي الحرق والتدفئة بهذا الحجم المضغوط. فالإنجاز الذي تحقق في هذا الشأن قد يحسن من فعالية أجهزة مشابهة في المستقبل مثل وحدات الحرق ومبدلات الحرارة في محطات الوقود وتوليد الكهرباء.

ويضيف أن المحركات البخارية يمكنها استخدام تشكيلة واسعة من أنواع الوقود المختلفة، كما أن وجود منطقة مخصصة لعملية الحريق يمنح فرصة السيطرة على الانبعاثات الضارة. ويوضح أن المحرك المستخدم في هذه السيارة يعد الأفضل مقارنة بكل المحركات البخارية التي يمكن استخدامها في أي تطبيقات مشابهة، حيث إنه يستخدم 40% من الوقود ويعمل بأفضل صورة له عندما تسير السيارة بسرعة منتظمة.

ويضيف كبير المهندسين أن المحركات البخارية تقدم العديد من المميزات البيئية التي من شأنها أن تخلق نهضة في عالم طاقة البخار في السنوات المقبلة، على حد تعبيره. ففي الوقت الذي تعد فيه المحركات البخارية أقل توفيرا للطاقة من محركات الحرق الداخلي، فإن الطريقة التي تحرق بها الوقود تجعلها أكثر نظافة وأقل تلويثا للبيئة.

الأمر الأكثر أهمية الذي أثاره مشروع السيارة هو أن طاقة البخار بالفعل يمكنها تحقيق الكثير للبشرية وأنه ليس من مصلحة العالم تجاهلها في ظل الحاجة الحالية والماسة إليها. فهذه الطاقة يمتد استخدامها إلى ما هو أبعد من وسائل النقل، بما فيها الطائرات والسيارات. فهناك غسالات تعمل بالبخار موجودة بالفعل في الأسواق الأوروبية وتعمل بعض الشركات على استغلالها في تشغيل أجهزة التكييف والتدفئة.

بل ان العلم وصل إلى ما هو أبعد من ذلك حيث استطاع مجموعة من الباحثين في معامل سانديا الوطنية في تصميم أدوات طبية بالغة الصغر تعمل بطاقة البخار، لا يزيد حجم أحدها على عشرين على مئة من حجم خصلة شعر واحدة من الجسم البشري، توضع تحت الجلد وتحمل للإنسان أدوية ومنشطات معينة. وخلاصة القول ان تصميم السيارة إنسبايريشن يؤكد أن طاقة البخار عادت مرة أخرى إلى الساحة لتفتح آفاقا غير محدودة من العمل والتطبيقات العلمية.

إعداد: حاتم حسين