يستمد هذا الكتاب أهميته من تناوله بالتحليل المعمق لواقع يفرض نفسه على الولايات المتحدة اليوم، وقوامه أنها تشهد اليوم انقساما عميقا بين أنصار الأخلاق الدينية ودعاة العلمانية. ولا يتردد مؤلف الكتاب في القول إن هناك استقطابا حادا في أميركا هو بصدد التحول إلى حرب ثقافية وأيديولوجية حقيقية يشجّع عليها اليمين المسيحي الذي يتزايد وزنه كثيرا في الحياة السياسية الأميركية.
وإذا كان العامل الديني قد لعب دورا كبيرا في انتخاب جورج بوش عام 2000، فإن إعادة انتخابه عام 2004 مثّلت ذروة محاولات اليمين المسيحي من أجل التأثير على توجهات السياسة الأميركية. وعلى ضوء معرفته بانتخابات 2000 و2004 يحاول المؤلف شرح رهانات عام 2008 ويحلل النزاع بين رؤيتين للعالم لا يمكن التوفيق بينهما. حدد اليمين المسيحي مهمّتين أساسيتين له في الفترة الأخيرة هما: خوض الحرب الثقافية وإنقاذ الولايات المتحدة. هذا ما أدّت إليه عملية استقطاب أيديولوجي بدأت ملامحه الأولى منذ مطلع عقد السبعينات الماضي، كما يؤكد المؤلف في مستهلّ تحليلاته.
ويحدد السبب الرئيسي لهذا الاستقطاب في النفوذ المتعاظم للمتطرفين بين أعضاء الحزبين الأميركيين المسيطرين على الحياة السياسية الأميركية تاريخيا، أي الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. في مطلع عقد السبعينات الماضي وصل العديد من العلمانيين إلى الصفوف الأولى في الحزب الديمقراطي ودفعوا باتجاه تبنّي «سياسة جديدة» ذات منحى أكثر علمانية. وبدا أثناء انتخابات الحزب الديمقراطي في ميامي عام 1972 أن «العلمانيين ـ الدنيويين ـ قد أصبحوا يشكلون قوة سياسية هامة داخل حزب كبير». وفي نفس الفترة ترك التقليديون الحزب، إمّا للالتحاق بصفوف الحزب الجمهوري وتغيير معسكرهم أو للابتعاد تماما عن العمل السياسي.
أثر معكوس: هذا التصاعد للعلمانيين داخل الحزب الديمقراطي كان له أثر معكوس داخل الحزب الجمهوري. فمنذ أواسط سنوات السبعينات المنصرمة شهد «الحزب العريق والكبير»، أي الحزب الجمهوري تدفق عدد متزايد من «البروتستانت الإنجيليين» بين منتسبيه الجدد. وهؤلاء هم من المواظبين على ممارسة الشعائر الدينية. وفي مطلع عقد التسعينات الماضي بدأ اليمين المسيحي بممارسة تأثير هام على الحزب الجمهوري، ومن خلال هذا الحزب ومن خلال الرئيس جورج بوش اعتبارا من عام 2000، طال نفوذه الحياة السياسية الأميركية كلّها.
وقد كان ذلك يمثّل تغييرا جذريا بالقياس إلى سنوات السبعينات والثمانينات حيث لم تؤد آنذاك محاولات اليمين المسيحي في سبيل لعب دور حاسم في الحياة السياسية إلى النتائج التي كان يأملها. وتدل المعلومات المقدّمة انّه اعتبارا من منتصف سنوات التسعينات كان البروتستانتيون المحافظون «الإنجيليون» يمثلون حوالي نصف أصوات الكثير من الانتخابات الأولية في الحزب الجمهوري. وفي انتخابات عام 1994 جرى انتخاب 11 سناتورا و73 من أعضاء الكونغرس بفضل أصوات اليمين المسيحي. وفي عام 2002 كان المحافظون المسيحيون يسيطرون على أغلبية اللجان الفيدرالية للحزب الجمهوري في 18 ولاية أميركية من أصل ولايات أميركا الخمسين.
هكذا تحوّل الحزب الجمهوري، حسب توصيفات مؤلف ها الكتاب إلى «حزب للمحافظين المتدينين الذين يتبنون قيما أخلاقية وثقافية تقليدية». بالمقابل زاد الحزب الديمقراطي من شعبيته لدى «الناخبين الذين يعارضون الأصوليين المسيحيين». وأيضا من «المسيحيين التقدميين». وكان يوحّد هؤلاء جميعا رغبتهم في منع المسيحيين المحافظين من تحقيق مآربهم السياسية. وقد استغلّ المعلقون المحافظون مثل ذلك الوضع كي يصفوا الحزب الديمقراطي على أنه «حزب فاسق».
نتج عن ذلك الوضع أيضا «شكل جديد من النزاع الديني والثقافي» قسم البلاد إلى معسكرين وأعطى للمشهد السياسي الأميركي أبعادا إيديولوجية واضحة. هكذا مثلا، منذ عام 1992 يقترع ما بين 70 بالمئة إلى 80 بالمئة من العلمانيين الليبراليين للمرشح الديمقراطي في جميع الانتخابات الرئاسية بينما يقترع ثلثا التقليديين الدينيين تقريبا لصالح المرشح الجمهوري.
ويرى المؤلف أن انتخابات عام 2004 مثّلت ذروة هذا التوجّه، ذلك أن «كتلة محافظة تقليديا» قد تشكّلت على قاعدة تحالف عريض ضمّ التقليديين الدينيين من مختلف الطوائف الكبرى في أميركا. وهذا ما أسماه جوزيف بوتوم، المعلّق في مجلّة «ويكلي ستاندارد» المحافظة أنه «أحد أكبر التبدلات التي كانت بعيدة عن التصور في التاريخ الثقافي الأميركي».
كذلك وجدت هذه التوجهات صداها لدى الرأي العام، إذ دلّ استطلاع للرأي يعود إلى عام 2005 إلى أن 51 بالمئة من الأميركيين الذي جرى استجوابهم يرون أن الجمهوريين يهتمون بحماية القيم الدينية بينما هناك 28 بالمئة فقط اعتبروا أن الديمقراطيين قد يفعلون الشيء نفسه. على العكس اعتبر 52 بالمئة أن الديمقراطيين يهتمون بحماية الحرية الفردية مقابل 30 بالمئة فقط بالنسبة للجمهوريين.
واعتبر 45 بالمئة من المستجوبين أن المحافظين المتدينين لهم هيمنة مفرطة على الجمهوريين بينما رأت نفس النسبة أن الليبراليين غير المتدينين يمارسون هيمنة مماثلة على الديمقراطيين. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن سؤالا محددا تضمّنه الاستطلاع يبين مدى الاستقطاب لدى الرأي العام الأميركي. فعلى سؤال: «هل ذهب المسيحيون المحافظون بعيدا في محاولة فرض قيمهم الدينية على البلاد؟»، أجاب 46 بالمئة ب«نعم» وأجاب عدد مماثل بـ «لا».
هنا يفتح المؤلف قوسين كي يؤكد أن الناخبين الأميركيين هم بشكل رئيسي من أنصار المواقف الوسطية. لكن هذا لا يمنع واقع أن الاستقطاب الأيديولوجي قائم لدى الشرائح الأكثر التزاما بين الناخبين منذ سنوات التسعينات. وقد ذهب بعض المعلّقين إلى حد القول إن الولايات المتحدة كانت منقسمة إلى «أمّتين». أمّتان تتمايزان على أساس «المنظومة الأخلاقية والثقافة أكثر مما هو على أساس الطبقة أو العرق أو الأصل الإثني».
إن مفهوم وجود «أمّتين» يجد تعبيره الصارخ من وجهة نظر سياسية في الخرائط الانتخابية التي توزع الولايات المتحدة بين ولايات «حكومات» حمراء «جمهورية» وولايات زرقاء «ديمقراطية». وينقل المؤلف عن الحاكم السابق الجمهوري ل«ديلاوير» قوله: «توجد في الحقيقة أميركيتان. إحداهما شاطئية ومدنية وصناعية وليبرالية جدا سياسيا؛ والأخرى ريفية وذات تجمعات سكانية صغيرة وأفكار تقليدية حول العائلة والأخلاق وذات مفاهيم سياسية تتراوح بين الاعتدال والمحافظة».
اللوحة التي يتم رسمها للحياة السياسية الأميركية اليوم هي أنها موزعة بين «ناشطين سياسيين، واثقين تماما من آرائهم». وبالتالي لا يقبلون بأية مصالحة «ذلك أن الحقيقة لا تقبل أية مصالحة مع الخطأ»، على حد قولهم.
ويرى المؤلف أن الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2004 التي عبأت أعدادا ليست مألوفة من الناخبين من المعسكرين مثّلت ذروة التطور الجاري. ويؤكد أنه إذا كان جورج بوش هو الذي فاز فيها، فإن ذلك لا يعود إلى كون أن الأميركيين لم يروا خطورة نقاط ضعفه وتواضع مداركه الفكرية. لقد لاحظوا ذلك جيدا. جرى انتخاب بوش من جديد ذلك أن مستشاريه قد نجحوا، ضمن أجواء مشحونة جدا من وجهة نظر ايديولوجية، في تعبئة عدد من الناخبين يفوق قليلا عدد ناخبي المعسكر الخصم.
وهذا يثبت أنه في أجواء الاستقطاب الحاد تغدو المشاركة في الانتخاب هي مفتاح الفوز في صناديق الاقتراع. ففي عام 2004 حصل المرشح الديمقراطي جون كيري على 16 بالمئة من الأصوات زيادة عمّا كان قد حصل عليه آل غور في الانتخابات السابقة. لكن جورج يوش حصل على 24 بالمئة زيادة عمّا كان قد حصل عليه في المرّة السابقة. كانت المشاركة الانتخابية قد زادت بنسبة 16 بالمئة بالقياس إلى انتخابات عام 2000، وهذا ما غيّر الموازين كلّها.
تمرد على الشرق
إن انتصار بوش هو انتصار مؤقت لتيار في الثقافة السياسية الأميركية كان نفوذه هامشيا في أفضل الأحوال خلال القسم الأكبر من القرن العشرين. وتدل التحليلات المقدّمة أن هذا التيار يجد جذوره الراسخة في قيم وعادات الجنوب الأميركي وفي بعض المناطق الغربية. وهؤلاء ينظرون بكثير من الريبة إلى «صعود الحداثة الفاسقة لأهل الشمال والشرق، التي تتغذّى من قرن ونصف القرن من الازدراء حيال أهل الجنوب»، كما ينقل المؤلف عن أحد المحللين الأميركيين.
ضمن مثل هذا المنظور يعكس انتخاب جورج بوش عام 2000، وخاصة إعادة انتخابه عام 2004 نوعا من «التمرّد الناجح ضد النخبة من أهل الشرق» وذلك من قبل من يحاولون عكس مجرى التاريخ الاجتماعي والثقافي للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن المثير للانتباه أن آل غور، رغم أن له جذورا قوية في المنطقة، لم يستطع الفوز بولاية واحدة من ولايات الجنوب في انتخابات عام 2000؛ ولا حتى في ولاية تنيسي، مسقط رأسه.
ولم يكن حال جون كيري أفضل في عام 2004، كما تؤكد الإحصائيات. في مثل هذه الظروف تغدو رهانات النزاع السياسي كبيرة جدا. وهكذا أخذت النقاشات منحى حادا حول العديد من المسائل السياسية. وقد لعبت وسائل الإعلام دور من يصب الزيت على النار. وكان اليمين المحافظ قد انشأ خلال السنوات الأخيرة شبكة إعلامية قوية على صعيد الإذاعة والتلفزيون والإنترنت من أجل الترويج لبرامجه بقصد تعبئة القواعد وجمع أنصارا جددا مع العمل على تقليص مصداقية الخصم السياسي.
وينقل المؤلف عن دافيد هورويتز، المناضل اليساري المتطرف سابقا الذي انتقل إلى مواقع التنظير الاستراتيجي للحزب الجمهوري قوله: «السياسة هي حرب بوسائل أخرى. ففي الحرب السياسية لا تقاتل من أجل التفوق في نقاش، وإنّما من أجل تدمير الروح القتالية لدى العدو».
الحرب الثقافية
في عام 1992 لم يتورع باتريك بوكانان، المحافظ المتشدد والمستشار السابق لدى الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في القول إن الرهان في الصراع بين بيل كلينتون وجورج بوش الأب في الانتخابات الرئاسية يتعدّى كثيرا مجرّد التغيير في القيادة السياسية للبلاد. «الرهان ليس من يحصل على ماذا، وإنّما هو من نحن والرهان هو ما نعتقده وما نرمز له كأميركيين. ذلك أن هناك حربا دينية في هذه البلاد. إنها حرب ثقافية حاسمة مثلما كانت الحرب الباردة بالنسبة للأمة التي سوف نصبحها، ذلك أنها حرب من أجل روح أميركا».
لم يكن بوكانان هو أوّل من ذكر مفهوم الحرب الثقافية. فعالم الاجتماع جيمس هانتر كان قد نشر في السنة السابقة لحديث بوكانان كتابا تحت عنوان «الحروب الثقافية». وكرّسه لتحليل التحولات الثقافية في المشهد السياسي الأميركي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد حدد فيه القول إن هناك صراعا «من أجل تحديد هويّة أميركا».
وأكّد كذلك أن إعطاء مكانة متسامية للقيم الأخلاقية هو في صميم ذلك الصراع. وينتهي هانتر إلى القول إنه من الممكن دائما الوصول إلى مصالحات توفيقية حول المسائل ذات الطبيعة السياسية الصرفة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بالحقيقة الأخلاقية المطلقة تغدو المصالحة مستحيلة».
ويتم التأكيد في هذا السياق أن الإنجيليين المحافظين شكّلوا النواة الصلبة لناخبي جورج دبليو بوش عام 2004. وتدل الإحصائيات أن نسبة 78 بالمئة من الذين اقترعوا منهم انتخبوا لصالح جورج بوش. وهذا يمثّل حوالي نسبة 40 بالمئة من مجموع الأصوات التي نالها. إن إعادة انتخاب جورج بوش عام 2004 لم تعط للمحافظين الدينيين فرصة عكس اتجاه التيارات التحديثية والعلمانية في الثقافة الأميركية فحسب، وإنما أيضا أعطتهم إمكانية وقف التدهور الأخلاقي للمجتمع الأميركي الذي أعادوه إلى الانصراف عن الدين.
هكذا عكس الاستقطاب المتعاظم في الحياة السياسية الأميركية انقساما ثقافيا وإيديولوجيا عميقا في البلاد. وينقل المؤلف عن نيكولا كريستول، المعلّق في نيويورك تايمز قوله: «إن أحد الانقسامات الأكثر عمقا حاليا يكمن في هوّة الشك التي تفصل الإنجيليين عن المجتمع العلماني».
ويذهب روبرت رايش، أحد أعضاء إدارة كلينتون أبعد من ذلك، عندما يعتبر أن الاستقطاب السياسي والثقافي في البلاد يشكل جزءا من معركة أكبر «بين الحضارة الحديثة والمتزمتين المعادين للحداثة». ويرى ريتشارد لاند، رئيس إحدى لجان الحرية الدينية في جنوب أميركا أن المجتمع الأميركي ممزق بين «رؤيتين متناقضتين تماما للعالم». ولم يتردد أحد المعلقين في القول إن البلاد قد دخلت «في مرحلة جديدة من العصر الظلامي الأميركي».
تشوش السياسة الأميركية
يرى مؤلف هذا الكتاب أن فهم السياسة الأميركية خلال السنوات العشر الأخيرة يستدعي أولا بالضرورة إدراك طبيعة المشاعر التي عبأت الإنجيليين وغيرهم من المحافظين الدينيين في الانتخابات التي جرت في السنوات الأخيرة. الولايات المتحدة، وعلى عكس القسم الأكبر من البلدان المتطورة، هي بلاد متدينة بعمق.
وقد دلّ استطلاع للرأي يعود إلى عام 2000، أجرته «لوس انجلوس تايمز» أن 74 بالمئة من الأميركيين يعتبرون أن «المناخ الأخلاقي» في الولايات المتحدة يأخذ منحى سيئا. وبعد أربع سنوات، أظهر استطلاع آخر قامت به قناة «فوكس نيوز» أن 71 بالمئة من الأميركيين يؤكدون القول إن البلاد تعاني من «انحطاط أخلاقي خطير».
وينقل المؤلف في هذا السياق عن أحد مواقع الإنترنت التابعة للمسيحيين المتطرفين قوله: «هناك عاصفة تهز أميركا كلّها. تعاطي الكحول والمخدرات والمراهقات الحوامل والإجهاض والجنس المثلي والعنف في المدارس وسوء معاملة الأطفال وأفلام الدعارة والاغتصاب والسرقة والقتل، هذه الأوبئة كلّها تجتاح بلادنا. إن أميركا تغرق في الشرور وغياب الأخلاق. وكل شيء يدل على أن هذه العاصفة تهدد بانقراض الأسس الأخلاقية والسياسية لأميركا».
ويرى جيمس دوبسون، مؤسس الجمعية المسيحية «العائلة أوّلا» أن الولايات المتحدة قد تكون على «حافة التدمير الذاتي». ذلك أنه بدلا من الالتزام بالمبادئ المسيحية التي قامت البلاد على أساسها انحرفت الثقافة الأميركية «نحو النسبية الأخلاقية والوثنية الجديدة»؛ وبنفس الوقت أدارت ظهرها لـ «القناعات الدينية الأكثر عمقا ل90 بالمئة من الشعب الأميركي».
ويؤكد مؤلف الكتاب أن هذا النوع من الخطاب يبيّن بشكل عميق مشاعر الاغتراب والحرمان والغضب التي كانت في خلفية التعبئة الكبيرة للمحافظين المسيحيين خلال السنوات الأخيرة والتي غيّرت إلى حد كبير لهجة الخطاب العام في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا ما رأى به المؤرخ الأميركي الشهير ريشارد هوفستادر نوعا من الظاهرة المرضية التي أطلق عليها تسمية «الخطاب الهذياني للسياسة الأميركية».
رواية للتاريخ
يرد المؤلف على هذا بالقول إن السخرية أو الاحتقار الصريح ـ ومهما كان هذا صحيحا ـ فإنه لا يمثّل سوى رواية معينة للتاريخ. ذلك أن استطلاعات الرأي تقدّم رواية أخرى وتؤكد أن صورة المحافظين المسيحيين هي أكثر إيجابية بكثير مما يزعمون هم أنفسهم. ودلّ واحد من الاستطلاعات في عام 2000 أن 60 بالمئة من الأميركيين لهم آراء ايجابية حيال الإنجيليين. ومثل هذه النسب لم تتغير عمليا بعد ست سنوات كما يدل استطلاع يعود إلى مطلع عام 2006.
ويشير المؤلف أيضا إلى أن قسما هاما من المحافظين المسيحيين اعتبروا أن إعادة انتخاب جورج بوش عام 2004 كانت بمثابة التعبير عن إرادة سماوية سوف تجلب «الثورة» المحافظة التي طال انتظارها. في المحصّلة يبدو أن اليمين المسيحي قد حقق تقدما في مشروعه الرامي إلى إقامة «كتلة منسجمة» قادرة على معارضة المؤسسة الثقافية الأميركية المسيطرة بفعالية.
ويبدو أيضا أن جعل الحزب الجمهوري «مسيحيا» ليس سوى مرحلة، هامة بالتأكيد، من اجل تحقيق هذا الهدف. وكان نجاح الحملة من اجل إعادة انتخاب بوش عام 2004 الدليل على أن اليمين المسيحي استطاع أن يجمع «كتلة محافظة ثقافيا» لم تقتصر واقعيا على الإنجيليين فقط، وإنما ضمّت مجموعات بروتستانتية أخرى محافظة بل ومن المورمون واليهود.هكذا قد يمكن القول إن الحزب الجمهوري أصبح «الذراع السياسية للمحافظين المسيحيين» حسب تعبير سناتور جمهوري سابق.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



