تختتم المؤلفة كتابها بالانتقال إلى الجانب المتعلق بالسنوات الثماني التي قضتها مندوبة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة،وتنقل لنا جوانب مما يدور وراء الكواليس، وبصفة خاصة قبيل الاقتراع على القرارات المهمة التي يجري التصويت عليها في مجلس الأمن.

وهي تخلص في الصفحات الأخيرة من الكتاب إلى تأكيد أن العالم بحاجة إلى أميركا والعكس صحيح، لأن أميركا تستطيع أن تغير العالم لكنها لا تملك أن تخضعه لإرادتها، ومن المؤكد أن أمنها القومي يلحقه الضرر من جراء عالم أقل استعدادا للتعاون وأكثر تشككا في نيات واشنطن. وهي تشدد أخيرا على خطورة اتساع نطاق عدم الثقة في أميركا من جانب الكثيرين على امتداد العالم.الزمان يعود إلى عشر سنوات في يوم قارس البرودة من أيام ديسمبر عام 1998. والمكان قاعة مجلس الأمن في مبنى منظمة الأمم المتحدة.. على نهر الإيست شرقي مانهاتن في نيويورك. أما الدراما فهي حوار ساخن بين مندوبي الدول الكبرى دائمة العضوية في المجلس الدولي ومنهم، بالطبع، ممثلو الدول الأصغر التي يتم انتخابها لعضوية سنتين في المجلس من دون أن يكون لها بداهة حق الاعتراض (الفيتو).

الحبكة الدرامية قوامها مناقشة فرض عقوبات (جزاءات حسب مصطلح المنظمة العالمية) على نظام طالبان الحاكم وقتها في أفغانستان. المبررات هي الربط من جانب الإدارة الأميركية بين طالبان وحوادث قصف سفارتي الولايات المتحدة في كل من دار السلام (تنزانيا) ونيروبي (كينيا) فضلا عن ضرب السفينة الأميركية «كول» في ميناء عدن جنوبي اليمن. الراوي: مؤلفة كتابنا، نانسي سودربرغ، وكانت خلال هذه الدراما السياسية تحمل لقب سعادة السفير، المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية.عن فصول هذه الدراما تحكي السفيرة المؤلفة (ص172 وما بعدها) تقول: كنت أجلس في قاعة مجلس الأمن خلف اللافتة الصغيرة المكتوب عليها عبارة «الولايات المتحدة»، وكانت أهدافي وجهودي التي دأبت على بذلها طيلة الساعات المحمومة السابقة تتمثل في تأمين اتفاق أعضاء مجلس الأمن على فرض عقوبات على نظام طالبان الأفغاني (وكانت تلك منطلقات إدارة كلينتون:

الجزاءات أولا وبعدها يمكن اتخاذ عمل عسكري ولكن ضمن نطاق محدود، ومحسوب، ولم يكن المحافظون الجدد قد جاءوا بإدارة بوش الراهنة ليدفعوا بها إلى حمأة الغزو والضربات العسكرية الاستباقية، تحت شعارات فرض الديمقراطية على أساس الفوضى المنظمة.. الخ).

أسرار مجلس الأمن

نعود إلى السفيرة صاحبة الكتاب، حيث تواصل روايتها قائلة: بيد أن العمل الحقيقي في مجلس الأمن لا يتم في تلك القاعة الرسمية الشهيرة التي تظهر طاولتها في الصور الصحافية وأجهزة الإعلام المرئي على شكل حدوة حصان. العمل الحقيقي لمجلس الأمن يتم في أماكن أخرى. هي تلك «القاعة غير الرسمية»، التي تحوي بدورها مائدة على شكل حدوة حصان أصغر حجما، وربما أبسط طابعا (لأنها لا تجد من يلتقط لها صورا في الإعلام) وهناك يلتئم عقد مندوبي الدول وسفرائها وكبار ممثليها.

حيث يجتمعون (على راحتهم كما قد نقول) ويتبادلون الآراء ويعقدون المشاورات بعيدا عن رسميات المجلس وبروتوكولات الأعراف الدولية وبغير المترجمين الفوريين (الترجمة الشفوية حسب مصطلح الأمم المتحدة) حيث تفضل الغالبية التحاور بالإنجليزية التي يجيدها الجميع، وإن كان هناك من يصرون من سفراء الدول على التخاطب والتحاور من خلال الترجمة الشفوية وهو أمر لا يمكن رفضه بحال من الأحوال.

وبرغم أن القاعة غير الرسمية لمجلس الأمن تطل على منظر جميل من نهر الإيست، إلا أن مندوبي الدول لا يكادون يستمتعون بهذا المشهد الطبيعي الساحر، فالستائر مسدلة باستمرار لأسباب أمنية لا تخفى على أحد (هذا فضلا عن جهامة القضايا المطروحة وهي تتعلق أساسا بالحروب والصراعات والكوارث التي تحل على العالم إما من غضبة الطبيعة أو من صنع الإنسان).

عندما يركض الدبلوماسيون

الحاصل ـ تقول السفيرة نانسي ـ أن تجد الدبلوماسيين يهرعون هنا ويركضون هناك ومعهم معاونوهم الذين لا يكفون عن الحركة في الغدو وفي الرواح، فيما تلمح مترجمي الأمم المتحدة وهم يطلون على المجتمعين وعلى ما يجري في تلك القاعة من خلال كبائن زجاجية صغيرة تحف بكل جوانبها.

لاتزال مندوبة أميركا في الأمم المتحدة تتكلم: في قاعة مجلس الأمن غير الرسمية، تركزت جهودي على الحصول على اعتماد قرار العقوبات المفروض على طالبان من جانب جميع الدول أعضاء المجلس.. (والحق) أن نص القرار كان قد ورد من واشنطن (! - علامة التعجب مضافة). وكالعادة كنت السيدة الوحيدة التي تجلس إلى طاولة القاعة.

وكان هناك نحو 20 عاما من العمر تفصل بيني وبين سائر الرجال من السفراء والمندوبين الذين ضمهم الاجتماع، لكن لم أكن وقتها مجرد امرأة شابة تتفاوض على قرار، بل كنت ممثلة للولايات المتحدة الأميركية. وكانت أحداث تدمير السفارتين وقصف المدمرة الأميركية قد جاءت لتجعل أي بلد آخر في العالم عزوفا عن إعاقة أي جهود ترمي وقتها إلى معاقبة طالبان لأن نظامهم يؤوي أسامة بن لادن.

صحيح أن الاجتماع في الأمم المتحدة ما لبث أن أصابه الفتور في حالة فرض عقوبات على النظام السابق في بغداد.. إلا أن الأمر كان على خلاف ذلك بالنسبة لنظام كابل في أفغانستان.. حتى الروس لم يعترضوا رغم مواقفهم التقليدية التي تدفعهم إلى معارضة أي ضلوع من جانب أي دولة أخرى في أمور أفغانستان التي يعدونها ضمن مناطق نفوذهم.

ثم تضيف السفيرة الأميركية قائلة:جلست لأرهف السمع بواسطة السماعة البلاستيكية الصغيرة المثبتة خلف أذني إلى المندوبين الروسي والصيني وهما اللذان كانا يبديان حذرا أو تحفظا إزاء فرض مثل هذه العقوبات طالما ظلت روسيا تسعى إلى تقويض العقوبات التي سبق وفرضتها الأمم المتحدة على العراق (نتيجة محاولة غزو واحتلال الكويت مع فاتح عقد التسعينات) بل قاومت موسكو أيضاً اتخاذ تدابير قاسية ضد طالبان في سالف الأيام.

وهكذا أصبح من واجبي أن أعمل طيلة الأيام السابقة على ذلك الاجتماع مع زملائي في العاصمة واشنطن من أجل أن نعالج الشواغل التي كانت تساور الروس في هذا الخصوص. بحيث تؤكد لهم بالذات أن العقوبات الدولية موجهة بالذات إلى قيادة أفغانستان وليس إلى شعبها.

(هنا قد نتدخل في ختام عرضنا التحليلي لهذا الكتاب لنؤكد من جانبنا أن أي عقوبات دولية - وخاصة الاقتصادية منها - يعمّ تأثيرها ليشمل قطاعات الشعب وأجيال المجتمع ورغم شعار استهداف القيادات أو النخب الحاكمة.. إلا أن هذه الصفوة قد لا تتأثر في واقع الأمر بمثل هذه الجزاءات بحكم قدرتها على إشباع احتياجاتها بمنأى عن طوق العقوبات المفروضة.. التي يشعر بوطأتها أوسع قطاعات الجماهير).

المهم أن مندوبة أميركا تحيط قارئيها بما ساورها وقتئذ من مشاعر الارتياح. ها قد أثمرت جهودها. وها قد حققت نجاح النص الذي صاغوه في واشنطن وبعثوا به لزوم الموافقة والتبني ـ الاعتماد من جانب مجلس الأمن الذي يشترط الإجماع في كل قراراته التي تصدر لتصبح واجبة التنفيذ حسب نص ميثاق الأمم المتحدة فما بالك عندما يرد في نص القرار الدولي الملزم إشارة أو إحالة إلى الفصل السابع من الميثاق وفيها تلميح أقرب إلى التصريح باستخدام وسائل أخرى منها بداهة القدرات العسكرية.

المؤلفة - السفيرة الأميركية تنفست الصعداء عندما سمعت السفير سيرغي لافروف مندوب الاتحاد الروسي الدائم وكان بالمصادفة أيضاً رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر.

(وقد أصبح كما هو معروف وزيرا لخارجية موسكو) ـ سمعته يدلي بالبيان الحاسم قرب ختام ذلك الاجتماع غير الرسمي قائلا إنه سوف يصّوت (بالموافقة) من أجل تبني هذا القرار. مما يعني - في رأي المؤلفة (ص173) - أن الآخرين سوف يتبعون الخطى نحو تغليظ قسوة العقوبات التي استهدفت بها أميركا - الجريحة وقتها معاقبة نظام طالبان في أفغانستان.بعدها خرجت السفيرة .

وفي يدها نص بيانات الموافقة وفي وجدانها شعور بالإنجاز. فاتجهت عبر أروقة مبنى الأمم المتحدة - الطابق الثالث المفروش بسجاد الموكيت الفاخر وتحفه أعمال وقطع فنية ذائعة الصيت تبرعت بها دول شتى من العالم.. واشهرها لوحة «جيرنيكا» الشهيرة للرسام بيكاسو التي تصور فظائع الحرب وبشاعتها.

اتجه الجميع إلى القاعة الرسمية لمجلس الأمن.. حيث اتخذ المترجمون مواقعهم خلف قمراتهم الزجاجية «يرطنون» باللغات الرسمية الست المعتمدة للحوار والبحث من جانب المنظمة الدولية: الإنجليزية.، الفرنسية، العربية، الأسبانية، الروسية والصينية. فيما لمعت فلاشات وأضواء التصوير. وساد شعور بالارتياح بالذات في نفوس مندوبي الدول الغربية الثلاث دائمة العضوية في المجلس..

وقد قدموا من باريس ولندن إلى جانب مؤلفة كتابنا القادمة من واشنطن. وكان أن جلسوا مترقبين الجلسة الرسمية للمجلس الدولي التي يعلن فيها رئيسها أن تم ـ بعد مشاورات غير رسمية خلف أبواب مغلقة الاتفاق بالإجماع على صدور قرار جديد.. رقم كذا.. لسنة كذا عن مجلس الأمن وبعدها يتلو القرار الدولي بقسميه حيث يضم الجزء الأول «ديباجة» تعدد الإحالات والمرجعيات والمبررات - الحيثيات فيما يمضي الجزء الأول لينص على فقرات «منطوق» القرار.

ذكريات أدلاي ستيفنسون

وسط هذه الأجواء لم تملك مؤلفة كتابنا سوى أن تستدعي إلى خاطرها بعض ما تابعته من خلال القراءة أو الدرس من ذكريات، وهي تقول: كنت أجلس في نفس المقعد الذي سبقني إلى شغله أدلاي ستيفنسون وهو الذي أكسب هذا المقعد شهرته عندما كشف عن صور الصواريخ الكوبية الملتقطة بالأقمار الاصطناعية في عام 1962.

أما ممثلو الدول الأربع الكبرى فقد التأم عقدهم حول مائدة مجلس الأمن فيما جلس ممثلو الدول الأخرى غير دائمة العضوية على كراسيهم الحمراء على جوانب القاعة.. لم تكن الأمم المتحدة قد اعترفت قط بشرعية نظام طالبان الذي استولى على مقاليد الحكم في أفغانستان..

ولذلك ظل ممثل هذا البلد هو مبعوث النظام السابق في كابل الذي كان على رأسه برهان الدين ربّاني الذي أطيح به من سدّة الحكم في عام 1996 عندما اجتاحت قوات كابل عاصمة بلاد الأفغان. وعند التصويت رفعت يدي بالموافقة على قرار العقوبات الذي صدر بأغلبية 13 صوتا ولم يعترض عليه أحد فيما امتنع عن التصويت كل من الصين وماليزيا.

وطبقا لأعراف الدبلوماسية الدولية المرعية في الأمم المتحدة. يحق لكل مندوب أن يدلي بكلمة تعليلا للتصويت سواء كان ذلك التصويت بالموافقة أو المعارضة أو بالامتناع تقول مؤلفة كتابنا:

ـ وتكلمت بعد إجراء التصويت لأقول إن قيادة طالبان تؤوي إرهابيا هو على رأس المطلوبين في العالم.. ثم أكدت أن الإرهابيين مازالوا يشكلون تهديدا.وأعدت على مسامع المندوبين الحاضرين القول - التحذير بأن الرئيس كلينتون سوف يترك لخليفته في البيت الأبيض فكرة أن «لا يمكن ترك نظام طالبان لكي يواصل تحدي إرادة المجتمع الدولي بإيواء ودعم الإرهابيين بما يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين». ثم تعلق المؤلفة لتقول:

ـ في ذلك الوقت لم تكن أميركا تعرف ما إذا كان آل جور أو جورج بوش سوف يتحملان مسؤولية التصدي لذلك الخطر المتفاقم. والذي حدث هو أن كثيرا من قدرات أميركا العسكرية ومؤسساتها الاستخبارية والدبلوماسية تم حشدها من أجل مواجهة التحدي المذكور لكن قلة قليلة هي التي فهمت وقتها مدى خطورة هذه الأخطار الجسيمة المحدقة ومدى تربصها بسلامة أميركا.

كانت وكالات الاستخبارات ودوائر إنفاذ القوانين في أميركا مازلت غارقة في فكرة أن الدولة العظمى (الوحيدة) في الدنيا لابد وأنها بمنأى عن أي خطر.. (وأن قوتها الجبارة) تجعلها كيانا يستعصي عن أي ضرر أو تهديد.

لقد بدا تهديد الإرهابيين أمرا بعيدا بعيدا عن شواطئ أميركا وسواحلها.. وهكذا سادت خرافة القوة العظمى التي لا تقهر.. هي نفس الخرافة التي جعلت الولايات المتحدة تحجم عن شن حرب شاملة على (تنظيم) القاعدة قبل حلول يوم الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001.

بين ساندي وكوندي

من ناحيتها تؤكد السفيرة مؤلفة الكتاب أن إدارة كلينتون كانت تدرك حجم الأخطار المتربصة ببلادها.تقول (ص175) ان كبار أركان تلك الإدارة، وهم الرئيس (السابق) ساندي برجر، مستشاره لشؤون الأمن القومي ومن في حكمهم ظلوا يراقبون الصراع الانتخابي بين المرشحين آل جور وجورج بوش في ولاية فلوريدا.

وهو الصراع ـ النزاع الذي أفضى إلى رفع الأمر إلى المحكمة العليا. وعندما فصلت المحكمة في المسألة لصالح بوش الذي أصبح بذلك مؤهلا لتولي رئاسة البلاد.. بدأ كلينتون وأركان إدارته في عملية التسليم والتسلم التي كان من مقتضياتها إحاطة الرئيس الجديد وكبار معاونيه بأهم القضايا والمشكلات المدرجة على أجندة المهام القومية.

في هذا السياق تنقل مؤلفة الكتاب عن زميلها (السابق) برجر، مستشار الرئيس كلينتون للأمن القومي.. يقول برجر:

ـ اجتمعت أكثر من مرة.. وعلى انفراد إلى السيدة كوندوليزا رايس (مستشارة الأمن القومي الجديدة) وأبلغتها أن القضية رقم واحد التي لابد وأن تشغل اهتمامها تحمل عنوان «الإرهاب» وقلت لها بالحرف الواحد:

ـ كوندي: أنا هنا كي أؤكد لك على هذه المسألة.

الحق أنني بذلت كل ما في وسعي لأضفي صبغة درامية على الأمر من أجل جذب اهتمامها.لكن (للأسف) كان هؤلاء (يقصد جماعة بوش وإدارته المستجدّة) قوما بعيدين عن صفوف الحكم والإدارة سنوات طويلة.. ومنهم من كان بعيدا منذ عقد الثمانينات.ولم يكن بمقدورهم أن يفهموا ظاهرة جديدة اسمها الإرهاب على يد عناصر من غير الدول، ولا الإرهاب الذي ترعاه دول.

ثم تعود مؤلفتنا إلى التعليق على نفس النقطة فتقول:كان لدى الفريق الجديد الذي واكب دخول بوش إلى البيت الأبيض (في عام 2000) أولويات مغايرة تماما.. وجاء على رأسها وقتئذ عدة مسائل رأوها أولى بالاهتمام ومنها: بناء دفاع صاروخي على مستوى أميركا بأسرها.واحتواء الصين (سياسيا واقتصاديا) بوصفها تهديدا صاعدا ضد الولايات المتحدة.

تجاهل تحليلات المستشار

زاد الأمر سوءا ـ على نحو ما توضح مؤلفة كتابنا - ذلك الخلاف الذي نشب بين السيدة كوندوليزا وهي مقربة من الرئيس ـ الجمهوري ـ الجديد، وبين واحد من مخضرمي الخبراء في شؤون الأمن القومي والعالمي.. اسمه ريتشارد (ديك) كلارك الذي ظل يلاحق اجتماعات مجلس الأمن في البيت الأبيض بتقارير وتحذيراته من ظاهرة رآها الرجل متنامية ومنذرة في تصوره بالخطر الجسيم مع مطلع القرن الحادي والعشرين.. وقد أطلق على هذه الظاهرة الوصف التالي:

ـ الإرهاب عبر الوطني (بمعنى الخطر الذي يتجاوز حدود الدول).

وقد بلغ من أمر خلاف رايس مع مرؤوسها كلارك أن قررت تنزيل رتبته وحرمته من مقعده ضمن مجلس رؤساء دوائر البيت الأبيض.. ومع إبعاد هذا الخبير عن مستويات صنع القرار طرأ ما يشبه التصدع في هياكل مكافحة ظاهرة الإرهاب من جانب الولايات المتحدة وهو ما اكتشفته لجنة الكونغرس المشتركة من الحزبين التي تم تشكيلها وتكليفها ببحث قضية كارثة سبتمبر عام 2001.

إلى مثل هذه التصدعات فضلا عما رأته من خلل في ترتيب الأولويات على أجندة الإدارة الجمهورية التي استجدت مع مطالع القرن في البيت الأبيض، تعزو مؤلفة الكتاب تداعيات الأحداث اللاحقة في السنوات القليلة الماضية، مع ما احتوته من مشكلات وأزمات ومواجهات.. مازالت ناشبة حتى اليوم..

وتخلص المؤلفة من تحليلها في هذا الخصوص إلى فصل ختامي تسميه «دروس للرئيس» فيما تحرص أيضاً على تصدير هذا الفصل أو تلك الدروس بكلمة منسوبة تاريخيا إلى الرئيس الأسبق جون كينيدي (1917- 1963) وهو الرمز الذي مازال يعد نموذجا في أدبيات الحزب الديمقراطي للقائد المثقف حيث يقول:

ـ موجة المستقبل ليست في أن تغزو العالم بفعل فكرة وحيدة أو عقيدة جامدة.. بل أنها تتمثل في تحرير أو إطلاق الطاقات المتنوعة للأمم الحرة والبشر الأحرار. العالم بحاجة لأميركا.. والعكس صحيح..تحت هذا العنوان تكتب مؤلفة الكتاب قائلة: صحيح أن أميركا تستطيع أن تغير العالم. ولكن الصحيح أيضاً أنها لا تستطيع أن تخضع هذا العالم لإرادتها.ومن عجب أن دعاة الهيمنة في أميركا يتصورون عالما تتشكل فيه مصالح أميركا على أساس جبروتها العسكري وسلطتها السياسية والاقتصادية المطلقة. وهذا العالم لا وجود له في دنيا الواقع.

أما الموجود بالفعل فهو عالم لابد وأن يقوم على أساس توازن في القوى وفي القدرات الدبلوماسية من شأنه أن يقنع الحلفاء بأن يتبعوا خطى الولايات المتحدة وبهذا الأسلوب وحده يمكن لأميركا أن تحمي مصالحها وصحيح أيضاً أن العالم يحتاج إلى قيادة الدولة العظمى لكن ليس بوصفها القوة المهيمنة بل بوصفها الشريك الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه.

عند الطرف الآخر للمعادلة لابد وأن نقول - تضيف مؤلفة الكتاب - بأن أميركا هي الأخرى تحتاج إلى العالم. إن أمنها القومي يلحقه الضرر من جراء عالم أقل استعدادا للتعاون وأكثر تشككا في نيات واشنطن.. أخيرا تعترف صاحبة الكتاب قائلة (ص329):مما ينذر بالخطر هو تلك النظرة المتفاقمة من عدم الثقة في أميركا.

وذلك الشعور المتسع باطراد من العداء لها في طول العالم وعرضه وعلى نحو لم يسبق له مثيل.وفيما تدل الإحصاءات على أن الأغلبية في سبعة من بين ثمانية من الأقطار الإسلامية يساورها القلق إزاء تهديد عسكري من جانب الولايات المتحدة بما في ذلك 74 في المئة في اندونيسيا .

وهي أكبر الأقطار الإسلامية سكانا، فإن هناك أغلبية أيضاً ترى في أميركا خطرا يتهدد السلام العالمي والأغلبية ـ الأغلبيات الأخيرة ـ ويا للعجب ـ في بلدان أوروبا الغربية وهي أقرب حلفاء الولايات المتحدة حيث النسب هي 61 بالمئة في اسبانيا و55 بالمئة في انجلترا و52 بالمئة في فرنسا.

ألا تدعو هذه الحقائق ساسة أميركا والحادبين عليها في الداخل والخارج إلى أن يراجعوا مسيرة هذه الدولة العظمى ويعوا الدروس المستفادة من عبرة التاريخ؟.

وحسبهم في هذا المقام أن يتمثلوا مرة أخرى قول جون كنيدي إن موجة المستقبل تتمثل في إطلاق القدرات الكامنة عند الأمم وفي نفوس البشر الأحرار.

عرض ومناقشة: محمد الخولي