تقدم المؤلفة هنا تحليلاً للمبادئ المحورية الخمسة في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي كرستها إدارة كلينتون، وتنطلق منه إلى تحليل تطور السياسة الخارجية الأميركية منذ فترة الارتباك التي هيمنت عليها بعد غياب الخصم السوفييتي لتشير إلى تبني الاتجاه الويلسوني الداعي إلى التفاعل بين أميركا والعالم الخارجي، وهي توضح في هذا الصدد وجود ثلاثة اتجاهات متصارعة في واشنطن بشأن مستقبل أميركا، تضم الواقعيين الانعزاليين وأنصار اتجاه الهيمنة، لتخلص في النهاية على أن ما نراه من تجليات السياسة الخارجية اليوم في ظل إدارة بوش كان قائماً وموجوداً قبل دخوله البيت الأبيض بوقت طويل.

5 مبادئ محورية عملت على إرسائها الإدارة الديمقراطية خلال حقبة كلينتون، في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة كقوة عظمى واحدة في عالم القرن الحادي والعشرين. أهمية تلك المبادئ ترجع إلى عوامل عديدة نستطيع أن نجمل أبرزها فيما يلي: (1) أنها تُعبّر عن نظرة صانع السياسة الخارجية ـ مهندس العلاقات الدولية في عالمنا المعاصر ـ إلى خارطة النفوذ والتأثير على صعيد ذلك العالم. (2) أن هذه الرؤية الصادرة عن الحزب الديمقراطي في الماضي القريب (منذ التسعينات) جديرة بأن تستعاد حتى مع قدر من التعديل إذا ما صدقت أرجح التوقعات بفوز الحزب الديمقراطي في سباق الرئاسة الذي يوشك حالياً على الإقلاع في الولايات المتحدة.

والمعنى هو أن على الأطراف الدولية خارج أميركا، ومنها بالطبع أطراف عربية، أن تتسلح بالاستعداد المسبق للتعامل مع هذه الرؤية التي سبقت إلى صياغتها وطرحها بل وتفعيلها إدارة بيل كلينتون، ومن المرتقب أن تشكل خلفية أو منطلقاً مع التحديث والتطوير اللازم لأي رؤية يشهدها الربع الأخير من العام الحالي. أما المبادئ الخمسة التي ألمحنا إليها، وكما عرضت لها مؤلفة هذا الكتاب فهي:

أولاً: ضمان أن يظل الأمن القومي للولايات المتحدة مُجسداً في تحالفاتها مع أوروبا وآسيا. ثانياً: ضمان أن تقوم علاقات أميركا مع الدول الرئيسية الأخرى، ولاسيما روسيا والصين، على أساس تفاعل بنّاء مستند إلى قيم ومبادئ. ثالثاً: التسليم بأن الصراعات المحلية ينجم عنها بالضرورة نتائج عالمية (بل كوكبية) ولابد بالتالي من العمل على حلها قبل أن تتصاعد فتلحق أبلغ الأضرار بالمصالح الحيوية للدول كافة. رابعاً: ضرورة التصدي للأخطار المستجدة التي تنجم عن أوجه التقدم التكنولوجي ويمكنها اختراق حدود الدول. خامساً: العمل على تكامل وتوسيع الأسواق الاقتصادية على مستوى العالم بما يخدم ويحقق مصالح أميركا ويدعم القيم الديمقراطية. بعد هذا العرض، تمضي المؤلفة مع الفصل الخامس من كتابها إلى تأكيد أهمية توخي الواقعية في تنفيذ وإدارة أجندة السياسة الخارجية.. وهي تحرص على تصدير هذا الفصل بكلمة منسوبة إلى الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت يقول فيها: لقد تعلمنا أن رفاهنا يعتمد على رفاه الدول الأخرى البعيدة عنا.. تعلمنا أن نعد أنفسنا من مواطني العالم ومن أعضاء المجتمع الإنساني.

التراث الويلسوني

إن أدبيات السياسة الأميركية تحرص على أن تربط بين هذه المقولات المنسوبة إلى الرئيس روزفلت وبين رؤى واتجاهات منسوبة بدورها إلى الرئيس ويلسون الذي يرتبط اسمه ـ في سجل التاريخ الحديث ـ بإعلان المبادئ الأربعة عشر منادياً بحق الشعوب في تقرير المصير عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918.

إن هذا «الاتجاه الويلسوني» في السياسة الخارجية يدعو إلى التواصل والتفاعل والتعاطي الإيجابي بين أميركا وبين العالم الخارجي.

ولأن مؤلفة الكتاب كانت من كبار معاوني بل كلينتون فلا عجب أن تبدي تحمساً لرئيسها الديمقراطي الذي تنسب إليه (ص101) أنه حاول أن يصطنع مبدأ في السياسة الخارجية تصفه المؤلفة بأنه كان «تحديث الويلسونية».

وفي السياق نفسه تنعى السفيرة صاحبة الكتاب على أركان الحزب الجمهوري ـ الحاكم حالياً في ظل الرئيس بوش ـ الابن أنهم لم يقبلوا قط تلك الطبعة المحدثة التي صاغها كلينتون وأركان إدارته الديمقراطية لمبادئ ويلسون في التفاعل الإيجابي مع العالم الخارجي وفي تطبيق أجندة بناءة ومتفاعلة في مضمار السياسة الخارجية.

تقول المؤلفة في هذا السياق: ظل المحافظون (الجدد) ينتقدون الرئيس كلينتون على أنه كان يمارس التدخل (الخارجي) مع مبالغة في الاستعداد ومبالغة في بطء الخطوات، وأنه كان يتجنّب الوضوح الأخلاقي أو المعنوي فيما يعمد إلى استخدام القوات الأميركية لأداء مهام إنسانية تتجاوز المصلحة القومية، وأنه عمد إلى تقييد حرية أميركا في إبرام معاهدات وبناء تحالفات دولية مما أدى إلى تقليص قدرة أميركا على قيادة العالم.

عدو جديد

نلاحظ من جانبنا أن المؤلفة تعزو مثل هذه الانتقادات إلى ما تصفه بأنه نوع من الوهن أو الفتور المَرَضي الذي كان قد دبّ في دوائر المحافظين إزاء تناول قضايا السياسة الخارجية لأميركا مع وصول الحرب الباردة إلى نهايتها.. لقد وجد الجمهوريون وحلفاؤهم من المحافظين الجدد (وقد نصفهم بأنهم قوى اليمين السياسي بشكل عام في أميركا) وجدوا أنفسهم وقد زال من أمامهم الاتحاد السوفييتي وكان موضع بغضهم وموئل ما كانوا يضمرون من مشاعر الرفض والشجب والعداء: كانوا بحاجة إلى عدو يرفضونه ويبغضونه ويوجهون إليه ما اعتادوا عليه من سهام النقد والتجريح.. اختفى الخصم الشيوعي.. ولم يعد أمامهم سوى بل كلينتون وسياساته لكي يوجهوا إليهما كل ما كان يعتمل في نفوسهم من مشاعر الرفض والكراهية.

كانوا ـ في رأي المؤلفة ـ كمن يرغب في إطالة أمد وأساليب الحرب الباردة.. ولذلك ظلوا يتبعون سياسة احتواء الخصم الجديد بمعنى محاصرته والإحداق به وإجهاض كل ما كان يطرح من رؤى وكل ما كان يحاول اتخاذه من خطوات، «كان من الصعب على ساسة ومسؤولين تربوا سنوات على إجادة فن التعامل المظلم مع موسكو وقادتها ومؤامراتها ـ فن الكرملينوجيا ـ كما تسميه المؤلفة وفن الحديث ليل نهار عن الخطر النووي.. أن يتجاوزوا هذا الميراث من النظرة إلى العالم..

وهكذا ظلوا يتداولون الحديث عن الأسلحة النووية، والدفاعات الصاروخية (هل تذكر مثلاً نظام حرب الكواكب الموروث من أيام ريجان وكاد ينقل الصراع الدولي إلى الفضاء الخارجي؟). ثم ظلوا أيضا يتحركون ضمن إطار القضايا الموروثة بدورها من أيام الصراع بين الشرق والغرب.. قضايا تايوان.. كوريا.. الصين وكوبا... الخ.

حكاية الفصائل الثلاث

إن هذه الدوائر المحافظة ذاتها ما لبثت أن انقسمت صفوفها إلى ثلاث فصائل أو ثلاثة اتجاهات بشأن مستقبل أميركا بوصفها دولة عظمى:

اتجاه الواقعيين: الذين كانوا معنيين بما يصفونه بأنه الحفاظ على «توازن القوى» في عالم القرن الحادي والعشرين.. وكان هذا الاتجاه مجسدا في سياسيين مخضرمين على رأسهم هنري كيسنجر وجيمس بيكر وبرنت سكوكرفت (مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب) وقد بلغ الأمر أن كتب كبيرهم كيسنجر، البطريرك كيسنجر كما تسميه المؤلفة كتابا حمل عنوانا مثيرا للاستغراب هو:هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟!

اتجاه الانعزاليين: ممن ظلوا ينادون بأن تقبع أميركا داخل حدودها الطبيعية مستريحة وادعة بين محيطين هما الأطلسي من الشرق والباسفيكي من الغرب تنعم بالروقان وراحة البال بعيدا عن صداع المشاكل والتعقيدات وقد تستمتع بمكانة الدولة العظمى ولو من ناحية الشكل البروتوكولي كما قد نسميه، دون أن تدفع ثمنا، أي ثمن لهذه المتعة المجانية على مسؤوليات الدولة العظمى التي يجب أن تحملها على عاتقها تجاه العالم الذي أحلّها هذه المكانة.

والمعروف أن دعاة العزلة كانوا قد منوا بهزيمة ماحقة بعد أن قرر الرئيس روزفلت مع مطلع عقد الأربعينات ـ أن تدخل أميركا بكل قدراتها ـ معارك الحرب العالمية الثانية وجاء فوزها مع حلفائها على كل من ألمانيا واليابان إيذانا بالمكانة الفريدة التي ما لبثت أميركا أن حظيت بها في محيط العالم كله.

اتجاه الهيمنة: وكان أصحابه هم الحلفاء الطبيعيون لدعاة الانعزال حيث شكل الفريقان تحالفا يضمر أشد العداء ويتعامل بكل استهانة مع بل كلينتون وسياساته في مجال التفاعل مع مشكلات العالم وأزماته وصراعاته وقضاياه وخاصة ما يتعلق برغبة الرئيس الديمقراطي أو محاولاته تدعيم المؤسسات والمعايير الدولية. ويومها قال قائلهم بكل وضوح:لقد انهار عدونا السوفييتي. وهانحن قد أُتيحت لنا فرصة لإعلان النصر، ومعه نعلن الانسحاب من مشاكل العالم وهموم البشر خارج حدود بلادنا وعلينا أن نتجه نحو الداخل.

السيطرة في الكونغرس

كانت صيحة مخيفة.ربما كانت بعيدة عن الواقع أو المصالح القومية لأميركا. لكنها لم تكن بعيدة حقا عن شعور الجماهير في الولايات المتحدة.. لقد قيض لدعاة العزلة والانكفاء وكذلك حلفائهم دعاة الهيمنة وسيطرة القطب الكوكبي الواحد ـ أن ترتفع أصواتهم مع ولاية التجديد للرئيس كلينتون في منتصف عقد التسعينات.

كأنما بعثوا مرة أخرى، وجاء انبعاثهم هذا على شكل تأييد شعبي جعلهم يسيطرون على مجلسيْ الكونجرس ـ النواب والشيوخ ـ وكان ذلك للمرة الأولى منذ 40 عاما..

وفي هذا السياق مارس رئيس مجلس النواب نوت جنجريتش وكان من المقربين إلى دعوة الهيمنة، ومارس السناتور هيلمز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وكان من غلاة الدعوة إلى الانعزالية ـ مارس هؤلاء ومن على شاكلتهم نفوذا تصفه المؤلفة بأنه كان «هائلا» على مسار السياسة الخارجية الأميركية مما أدى إلى تعويق دائم أو شبه دائم لكل جهود البيت الرئاسي الأبيض في إدارة فعالة ذات معنى ـ لدور أميركا الجديد في العالم الذي كان موشكا على دخول حقبة القرن الواحد والعشرين.

في هذا الإطار طرح تحالف العزلة والهيمنة شعارهم الجديد الذي كان يشوبه قدر لا يخفى من مداهنة الجماهير والشعار هو: «عقد مع أميركا».

وكان هذا التعاقد يقضي بتحجيم سلطة رئيس الدولة حتى لا يسمح مطلقا بوضع أي جندي أميركي تحت أمرة قوات أو قيادة منظمة الأمم المتحدة في إطار جهود الهيئة الدولية لحفظ السلام في هذا الركن أو ذاك من العالم. وكان يقضي بمنع منظمة التجارة العالمية من المطالبة بأي إصلاحات أو تعديلات في قوانين الاستهلاك الأميركية أو في قوانين البيئة المعتمدة من جانب واشنطون. وكان يقضي بمعارضة سداد أميركا أي متأخرات كانت مستحقة في ذمتها لميزانية الأمم المتحدة مما أفضي بالمنظمة العالمية إلى مواجهة أزمات طاحنة خاصة في تمويل جهودها لصنع السلام ودعم جهود التنمية وخاصة على صعيد أقطار العالم النامية.

نجم ساطع ينطفئ

تقول المؤلفة:كان هذا العقد الجديد على أميركا بمثابة نجم ساطع في آفاق دعوة العزلة ورفض التفاعل مع مشكلات العالم. لكن تشاء الأقدار أن هذا النجم يخبو نوره ثم ينطفئ ويتوارى وسط غيوم كثيفة من دخان وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ومن ثم تعود أميركا إلى اكتشاف أهمية التعاطي من جديد مع مشاكل وقضايا وأوضاع العالم الخارجي. ومن سخريات الأقدار أن يأتي هذا الاكتشاف لا على يد كلينتون وحزبه الديمقراطي بل يأتي على يد دعاة العزلة ذاتهم.. وقد حملوا في ذلك الحين، وحتى الآن اسم: المحافظين الجدد.

ومع سقوط نجم دعاة العزلة واكتشاف ضرورات العودة إلى المشاركة مع قضايا العالم، اشتد من ناحية أخرى ساعد دعاة الهيمنة، كانوا يمارسون دعاواهم، على استحياء كما قد نقول، خلال حقبة ريجان في عقد الثمانينيات ولم يكن صوتهم مسموعا وقتها كما ينبغي. وربما اكتفوا كذلك بأن يرددوا أصواتهم ضمن مؤسسات كانت تعمل على حواف أو هوامش الحياة الفكرية - السياسية في أميركا وكان على رأسها مؤسسة ذاع صيتها في ظل إدارة بوش الحالي وهي:

معهد المشروع الأميركي (أميركان انتربرايز) الذي يُصدر أهم دورية تنطق باسم غلاة المحافظين من فصيلة اليمين الرجعي في السياسة الخارجية وتحمل بدورها الاسم التالي:

ويكلي ستاندارد.

أما المبدأ الجوهري الذي تمحورت عليه كل قناعاتهم وكل طروحاتهم فيمكن أن تجسده بإيجاز شديد وموجع أيضا العبارة التالية (ص103):

ـ الإيمان العميق (هل نقول الأعمى؟) بأن سيادة أميركا وتفوقها على العالم هي أساسا في مصلحة هذا العالم ومن أجل خيره(!)

وهذا المنظور الغريب والفريد في بابه عبّر عنه قطبان من أركان المحافظين الجدد هما ويليام كريستول وروبرت كانمان في مقال منشور عام 1996 بمجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) تقول سطوره ما يلي:إن الهيمنة الأميركية هي الدفاع الموثوق الوحيد ضد أي انهيار يحدث في هيكل السلم والنظام الدوليين..

وعليه فإن الهدف الذي يليق بالسياسة الخارجية الأميركية لابد وأن يتمثل في الحفاظ على مقاليد تلك الهيمنة كي تمتد وتتواصل إلى أقصى مراحل ممكنة في المستقبل.. ولتحقيق هذا الهدف تحتاج الولايات المتحدة إلى سياسة خارجية نيوـ ريجانية تجمع بين التفوق العسكري والثقة المعنوية (أو الأخلاقية).

أسلوب الضربات الاستباقية

تلك هي أفكار وقناعات المحافظين الجدد من دعاة هيمنة أميركا وتفوقها وفرص سطوتها على سائر الأمم والشعوب. وهؤلاء يمثلون مجموعة متطرفة في أفكارها داخل صفوف الحزب الجمهوري على نحو ما تقول مؤلفة الكتاب..

وهم أيضا دعاة ما أصبح يعتمده دهاقنة السياسة والحرب في إدارة بوش الراهنة من الأسلوب الاستباقي في توجيه الضربات الموجعة هنا أو هناك على أساس أن هذه الضربات الاستباقية لن تؤدي فحسب إلى هزيمة التهديدات المعروفة بل تؤدي إلى منع قيام تحديات في المستقبل والسؤال هو:هل يتمثل خطر هذه التهديدات مثلا في الضغط على ما تملكه أميركا من موارد مالية واقتصادية؟

يجيب المحافظون الجدد قائلين: ان أميركا تملك موارد شديدة الوفرة بالغة الثراء.. لكن الخطر هو أن تفقد الإرادة السياسية في اللحظة الحاسمة.. ولذلك ينبغي للسياسيين أن يعملوا على تثقيف جموع الناخبين في ولاياتهم بشأن مسؤوليات أميركا وبشأن التشجيع على تعزيز جبروتها العسكري وخاصة ما يتعلق بوجود شبكة دفاع صاروخي متأهبة دوما للانطلاق، مع التصرف بقدر من التصميم والشجاعة بغير خوف من لومة لائم في العمل خارج الحدود.. إن أميركا - في رأيهم - هي القوة الغالبة صاحبة الجبروت دون غيرها في العالم وبهذا فهي قادرة على أن تُخضع هذا العالم لإرادتها.

مشروع القرن الأميركي

هذه الطروحات - مع كل ما تنطوي عليه من غرابة ومبالغات متمادية، ومتطرفة من حيث نظرة أميركا إلى العالم.. شعوبه وأقطاره وأوضاعه وثقافاته ـ لم تكن لتخرج إلى النور فقط مع نجاح السيد جورج بوش - الابن في سباق رئاسة الدولة في عام 2000: لقد جاء تولي بوش للرئاسة بمثابة لحظة الكشف أو الإعلان أو الجهر الواضح بالنسبة لهذه العصبة من غلاة المحافظين.

كان هذا الفصيل الشديد التطرف يستعد لدوره المرتقب على مدى ثلاث سنوات كاملة هي السنوات الثلاث الختامية من القرن العشرين. وقتها كانت جهودهم قد تبلورت واتضحت في مشروع سياسي - أيديولوي قصدوا به ترتيب الأولويات التي اعتمدوها في مسيرتهم وحمل المشروع الاسم التالي. مشروع قرن أميركي جديد.

وقد تم تدشين المشروع بإصدار وثيقة إعلان مبادئ حملت توقيع 25 شخصا وكان من بينهم أسماء لمعت في الفترات التي تلت هذا الإصدار مباشرة.. ومن هذه الأسماء ما يلي:دونالد رامسفيلد (وقد أصبح وزيرا للدفاع) + ديك تشيني (نائب الرئيس) + بول ولفوويتز (نائب وزير الدفاع ثم رئيس البنك الدولي إلى أن استقال في ربيع العام الماضي بسبب انحرافات سلوكية) فضلا عن جيب بوش شقيق الرئيس وابن الرئيس الأسبق وحاكم ولاية فلوريدا.

أكثر من هذا..

لقد سبقت جهود هؤلاء المحافظين الجدد.. وكان ذلك في أوج ولاية كلينتون - جهود أخرى كانت تتم بعيدا عن الأضواء، على يد ولفوويتز وكان أيامها وكيلا لوزارة الدفاع لشؤون السياسات. وفي مارس 1992، تسربت إلى الصحف وثيقة أعدت في مكتب وكيل الوزارة المذكور وهي أول وثيقة من نوعها تصدر بعد انتهاء الحرب الباردة وقالت سطورها ما يلي:إن الاهتمام الأساسي الذي ينبغي أن تنشغل به الولايات المتحدة دون سواه لابد وأن يتمثل في منع نشوء أي منافس لها على ظهر الأرض..

وهذا الهدف يقتضي منا أن نحول بين أي دولة (أو قوة) معادية أن يكون لها أي سيطرة على أي منطقة.. فيما نعمل على إقناع الآخرين.. بأن لا يطمحوا يوما إلى أي دور أكبر.. يستوي في ذلك الأصدقاء والأعداء.

كانت تلك نغمة يسودها الاستعلاء والغرور إلى حد العنجهية.. يكاد يصدق عليها العبارة الشهيرة التي سبق إلى إطلاقها واحد من حكماء السياسة الخارجية الأميركية هو السناتور ويليام فولبرايت (1905ـ 1995) وهي:حذار من عنجهية القوة.

عبرة التاريخ

هذا الاعتزاز المغرور بالقوة والجبروت يصدر بدوره - كما توضح مؤلفة كتابنا - عن شعور بما يمكن أن نصفه بأنه «نشوة الشعور بالفوز« وهو شعور مؤقت بحكم التعريف يصدق عليه كلمة قالها كذلك الروائي الانجليزي جورج أورويل (1903ـ 1950):كل من يفوز في اللحظة الراهنة يشعر أنه كيان لا يقهر.

وقد شعرت أميركا ـ وكان لها الحق - بأنها حققت قصب السبق واحتست كأس الفوز على الاتحاد السوفييتي.. وشعرت بعدها بأنها قوة لا تقهر نفس الشعور الذي لاشك راود أميركا عقب انتصارها - مع الحلفاء - على النازي في أوروبا، وانتصارها - بعد القصف الذري لكل من هيروشيما ونجازاكي على اليابان.

المشكلة أن الدول مثل الأفراد لا يتعلمون كما ينبغي من دروس التجربة ولا من عبرة التاريخ. فبعد الحرب العالمية الثانية شعرت أميركا بأنها قوة لا تقهر.. ولم يكد يمضي عقدان من الزمن إلا وتجرعت مرارة الفشل في أحراش فيتنام.

ودار الزمن دورته.. فإذا بأميركا تعاود شعورها بزهو الانتصار وإحساس القوة الظافرة التي لا تقهر.. في عام 1991 - 1992 بعد الانهيار السوفييتي. ولكن لم تكد تمضي سبع سنوات إلا وتفاجأ أميركا - القطب الأوحد والدولة الأعظم في العالم بتدمير سفارتها في دار السلام - تنزانيا وسفارتها في نيروبي - كينيا..

هكذا كتب على القوة العظمى.. القاهرة.. الجبارة أن تذوق شعور الانكشاف.. عدم الأمان.. ضرورة التصدي من جديد لخطر داهم وجسيم.. هو ذلك الشعور الذي تقول معه السياسة الواقعية بأن القوة - مهما كانت عاتية أو جبارة فإن لها حدودا وأن المسؤولية العالمية ومكانة القطب الأوحد في العالم لها ثمن ومغارم وتكاليف لا مهرب من أدائها وكأنهما ضريبة المكانة المتفردة.

وإن مقولات السيطرة والتفوق، وما يواكبها من دعوات الهيمنة والاستعلاء على الآخرين، لها وجه آخر.. تصفه مؤلفة الكتاب في العبارة التي اتخذتها عنوانا للفصل السادس، وهي: خرافة المَنَعة.. بمعنى خرافة القوة التي لا سبيل إلى النيْل منها أو المستحيل إلحاق الضرر بها.

عرض ومناقشة: محمد الخولي