يقدم المؤلفان في هذا المنعطف المهم من كتابهما تحليلاً شاملاً للتوقعات المستقبلية لتطور الواقع الصيني، ويتساءلان عن مدى دقة التوقعات التي تدور حول بروز الصين باعتبارها القوة العظمى في العالم في أفق عام 2020، ويقدمان سلسلة من الحقائق الرقمية المذهلة عن وتيرة التقدم التي تنطلق فيها الإستراتيجية الصينية التي أفلحت في إغراق العالم كله بالسلع الصينية، وجعلت بكين خامس دولة في العالم على صعيد الاستثمارات المباشرة، وهو ما يعني تجاوزها لليابان.
ويشيران أخيراً إلى تحليلات غربية متشائمة تتوقع بروز ماو ثانٍ ليس شيوعياً ولا رأسمالياً لكنه يمتلك مفاتيح الترسانة النووية وصواريخها.شهد القرن العشرون ثلاث حروب كبيرة، هي الحربان العالميتان الأولى والثانية والحرب الباردة. وقد مثّلت تلك الحروب «ذروة» الحقبة الصناعية وساهمت في خلق التنافس بين موجات الثروة التي تهز عالم اليوم. إن منظومة الثروة التي ولّدتها الثورة الصناعية (الموجة الثانية للثروة بعد الموجة الأولى التي مثّلتها الزراعة) تناضل الآن من خط متراجع من اجل المحافظة على مواقعها. بالمقابل استطاع الاقتصاد القائم على المعرفة (الموجة الثالثة الحالية للثروة) الذي انطلق من الولايات المتحدة الأميركية أن «يجتاز» خلال عدة عقود فقط المحيط الهادئ ـ الباسيفيكي ـ ويجد مواقع قوية له في آسيا. وكل الدلائل تشير إلى أننا سوف نشهده خلال السنوات القادمة على شواطئ أميركا اللاتينية وإفريقيا؛ بل وهناك اليوم بعض ملامحه الأولى.
التحوّل الفريد الذي يشهده العالم اليوم يقوم على تغير آليات خلق الثروة، كما يشرح مؤلفا هذا الكتاب. ولا يبدو هذا التغيّر الهائل في أي مكان في العالم أكثر مما يبدو في الاستيقاظ الكبير للصين. ومع ذلك تشير الوثائق المختصة أن آسيا لا تزال غير مفهومة بشكل جيد من قبل وول ستريت وواشنطن؛ فهما يوليان أهمية أكبر للمحيط الأطلسي مما هو للمحيط الباسيفيكي لأسباب تاريخية وجغرافية. فما بين عام 2000 و2005، عندما دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات من اجل حريّة التجارة مع عشرين أمة من أمم العالم، كان من بينها واحدة فقط في آسيا. أمام مثل ذلك الإهمال قام سناتور أميركي بتذكير الحكومة الأميركية بأن آسيا «فيها ستة من أصل الاقتصاديات العشرة في العالم التي عرفت أسرع نمو اقتصادي خلال العقد المنصرم، وخمسة من بين الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة، ثم أنها تأوي أكثر من نصف سكان المعمورة». ويرى المؤلفان أنه كان بإمكان السناتور الأميركي أن يضيف أن آسيا تضم أيضاً الأغلبية الساحقة من المسلمين والمنطقة الزاخرة بالأسلحة النووية. الصين هي في قمة الهرم الآسيوي وإذا لم تفهم الولايات المتحدة وأوروبا وبقية أمم العالم ما الذي يجري حقيقة في الصين اليوم، والذي يخفيه سيل من الإحصائيات الاقتصادية والمالية، فإنه سيكون من الصعب إدراك فعلي لما ستكونه على المسرح الدولي. ذلك على خلفية القول بأن ما يجري هناك سوف يعيد، بطريقة أو بأخرى، توزيع الثروة وسيهز العالم.
حقائق ووقائع... في عام 2004 تجاوزت الولايات المتحدة اليابان كي تحتل المرتبة العالمية الثالثة بين الدول المصدّرة بعد الولايات المتحدة وألمانيا. وفي السنة نفسها حصلت على 14 بالمئة من أصل الـ 3500 مليار دولار التي تشكل الاحتياطي العالمي من العملات الأجنبية. وتملك الصين حوالي 175 مليار دولار كقيمة سندات في الخزينة الأميركية. ولا تتفوق عليها في هذا المجال سوى اليابان. هذا يعني أن الصين قادرة على هز الاقتصاد العالمي كله إذا قررت فجأة أن تستبدل الدولار باليورو أو بأية عملة أخرى. وفي خلال فترة لا تتجاوز العشرين سنة إلا بقليل أصبحت قوة اقتصادية عملاقة متفوقة على الصعيد العالمي بعد فترة من الجمود الطويل. لكن هل تستطيع الصين أن تستمر دائماً على نفس الوتيرة؟ وهل سوف تصبح حقاً القوة العالمية العظمى في أفق عام 2020؟. المطلوب أولاً، كما يرى مؤلفا هذا الكتاب، هو معرفة العوامل التي جعلت ازدهار الصين ممكناً. يقال عادة ان الأمر يتعلق بتخليها عن الشيوعية وتوجهها نحو اقتصاد السوق. لكن مثل هذا التفسير ليس كافياً.
ذلك أن أمماً أخرى اتبعت نفس النهج ولم تعرف أية أمة منها النجاح الذي عرفته الصين. ثم أن الصين نفسها لا يمكن وصفها كاقتصاد سوق متطور. كما إن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان قد افتتحت مصانع لها وضخّت رؤوس أموال في الصين في الوقت الذي لم تكن فيه قد تقدّمت كثيراً باتجاه اقتصاد السوق.
لكن هناك تفسيراً آخر للازدهار الصيني، وهو أن القادة الصينيين عرفوا أنهم لن يستطيعوا اللحاق بالغرب إذا اقتصرت بلادهم على تنمية صناعية تقليدية ؛ هذا في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتخلّص من صناعاتها التقليدية وتجهد كي تبني اقتصاداً يقوم على التكنولوجيات العليا لاقتصاد المعرفة.
وعلى قاعدة تصميمهم الراسخ فهم القادة الصينيون أنه لا بد من رفع مكانة التكنولوجيات المتقدمة في اقتصادهم مع المحافظة على تطوير الصناعات التقليدية ؛ وهذا ما تمت تسميته بـ «استراتيجية الطريق المزدوج» للتنمية.
كان النجاح في تحقيق مثل تلك الاستراتيجية يتطلب علاقة جديدة مع الزمن. وذلك بمعنى أنه ينبغي أن يتحقق في غضون عدة عشرات من السنوات ما كان يتطلب تحقيقه قرن أو أكثر.
بالتالي كان لا بد من أن تتزود الصين إذن بتكنولوجيات المعلومات والاتصالات والتكنولوجيات الرقمية المتقدة وأيضاً الوصول إلى أحدث المعطيات والمعارف الاقتصادية. بالتزامن مع هذا أدركت الصين أنه ينبغي عليها أن توسع من مجال نشاطاتها.
الترجمة الفعلية لذلك كانت في تركيز الصين على المكونات الأساسية الثلاث لاقتصاد المعرفة، أي الزمن والمكان والمعرفة.
الزمان والمكان والمعرفة
لقد برعت الصين في استخدام السرعة كأحد أسلحة المنافسة في التجارة الدولية. وينقل المؤلفان عن أحد مسؤولي التجارة الأميركية في الصين حتى عام 2000 قوله ان المصدّرين اليابانيين والكوريين الجنوبيين والأوروبيين كانوا غالباً بحاجة إلى «أربع أو خمس سنوات من أجل أن يجدوا مكاناً لهم في سوق ما. أما الصين فهي تغرقه بسرعة كبيرة إلى درجة عدم رؤيتها وهي قادمة».
وبسرعة إلى درجة أنه «من المستحيل تقريباً على المؤسسات الأخرى التكيف مع الضغط الذي تتم ممارسته على المنتج» باختصار عندما تقرر الصين أولوية ما فإنها تكون أيضاً قادرة على ضرب أرقام قياسية في سرعة العمل.
وقد عبّر المدير العام لمركز أتلانتا العلمي في شنغهاي «روبرت فونو» عن التقدم الذي حققته الصين بالقول: «ما جرى في الصين خلال سنوات التسعينات هو ليس أقل ولا أكثر من معجزة اجتماعية»، ثم أضاف: «خلال عشرة سنوات أنجزت الصين أحدى بنيات الاتصالات الأكثر تقدماً في المعمورة. وفي أفق عشرة سنوات أخرى ربما أنها ستحقق قصب السبق على الجميع».
وشرح أنه من اجل التوصل إلى ذلك بدأت الصين بـ «استيراد تقنية جديدة بأسرع وقت ممكن ثم درستها وقلّدتها وحسّنتها». وأضاف «إنها تطور تكنولوجيات محلّية تعادل في مستواها تكنولوجيات الغرب وهي تستخدمها كقاعدة من اجل تغذية قدرة التجديد لديها».
ويشير المؤلفان أن التسارع في الصين لا يقتصر على المسائل التجارية والتكنولوجيا فحسب، ولكنه أصبح جزءاً من الثقافة الجديدة للبلاد. بل وأصبح الشباب يتمنون أن تتم التحولات في الآليات الاقتصادية بأسرع ما يمكن.
عين على العالم
في الوقت الذي يحاول فيه جيران الصين تصوّر كيف يمكنهم الاندماج في آسيا جديدة يفترضون أنها سوف تكون تحت السيطرة الصينية فإن الصين لم تعد تنظر إلى نفسها كقوة آسيوية فقط.
إنها تتحدث عن إنشاء منطقة تبادل حر آسيوية، لكنها ذات طموحات عالمية اقتصادية وغير اقتصادية. وبهذا المعنى إنها ليست بصدد تغيير علاقتها مع الزمن فحسب وإنما أيضاً مع المجال الجغرافي.
في الواقع، تقوم الصين منذ فترة الإصلاحات التي عرفتها سنوات الثمانينات والتسعينات المنصرمة بتعميق وتوسيع علاقاتها مع العالم الخارجي، كما يبدو من فتح أسواقها أمام الاستثمارات الأجنبية وانضمامها إلى منظمة العمل الدولية وتعاظم صادراتها ووارداتها. هنا أيضاً تبدو استراتيجية التنمية المزدوجة واضحة.
من جهة تقوم الصين بإغراق العالم بالسلع التي تنتجها في معاملها من الحقبة الصناعية التقليدية وبأسعار زهيدة ؛ بل هي تنافس شركات صناعات القطع الالكترونية المكسيكية أو صناعات الألبسة الاندونيسية أو صناعات أسلاك النحاس الكولومبية.
ومن جهة ثانية تقوم الصين بتشجيع شركاتها ذات التقنية العالية على غزو العالم. هكذا تواجدت الحواسيب الصينية في عموم مناطق العالم. وتفتخر شركة «هاوي» لتصنيع تجهيزات الاتصالات أن عدد العاملين فيها بمجال البحث والتطوير يصل إلى عشرة آلاف شخص، وأن لها مخابر في الهند وبريطانيا والسويد والولايات المتحدة. وتتشارك اليوم مع مؤسسات كبرى مثل إنتيل وميكروسوفت وسيمنز وغيرها من الشركات الغربية الشهيرة.
سيناريوهات كابوسية
تتم الإشارة هنا إلى أن التوسع الجغرافي للصين سوف يكون واضحاً خلال السنوات القليلة المقبلة. ففي نهاية عام 2003 قامت بافتتاح 3400 مؤسسة لها في 139 بلداً.
وتدل معلومات الأمم المتحدة على أن الصين قد أصبحت في نهاية عام 2004 تحتل المرتبة الخامسة في العالم على صعيد الاستثمارات المباشرة، مخلّفة بذلك اليابان وراءها.
وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن الصين، وفيما هو أبعد من الجانب الاقتصادي، تحاول أن يكون لها حضورها في العديد من مناطق العالم، وخاصة في بعض المناطق الحسّاسة. هكذا حرصت مثلاً على أن يكون لها حضورها في أميركا الجنوبية التي كانت معتبرة لفترة طويلة بمثابة الساحة الخلفية للولايات المتحدة.
وقد رمت الصين من ذلك إلى إيجاد «وزن مقابل للتورط» الأميركي القوي في جزيرة تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني.
من المفترض نظرياً أن يحظى التوسع الاقتصادي باهتمام الصين إلى درجة تجعلها تتجنب الدخول في مغامرات عسكرية خارجية. مع ذلك ينظر جيرانها الآسيويون بكثير من القلق إلى تعاظم ميزانيتها العسكرية التي تتزايد بسرعة فائقة بلغت، كما تدل التقديرات، في عام 2004 ستة أضعاف ما كانت عليه في عام 1999.
يشير المؤلفان إلى أن أخصائيين صينيين قد بدأوا منذ فترة قريبة بإعداد «سيناريوهات» تذهب في الاتجاه المعاكس،إذ أنهم توقعوا احتمال أن تواجه الصين أزمة مالية شبيهة بتلك التي عرفتها عدّة بلدان آسيوية خلال خريف 1997 وبداية1998 ؛ أو ربما أنها قد تواجه سلسلة من الاضطرابات الاجتماعية.
ثم هناك أيضاً احتمال أزمات أخرى قد تلوح في الأفق مثلاً على صعيد الطاقة أو البيئة أو ربما قيام حرب مع تايوان قد يتم فيها اللجوء إلى استخدام الصواريخ أو غيرها من الأسلحة والتي ستؤدي إلى خلخلة آسيا الجديدة كلها. بكل الحالات سيؤدي وقوع أي من هذه الفرضيات إلى نتائج خطيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي لسنوات لاحقة.
وهناك تحليلات غربية أكثر تشاؤماً. وإذا تحققت «ولو بنصفها فقط فإنه سينبغي نقل المنظومة المالية العالمية إلى غرفة الإنعاش بسرعة»، كما يقول المؤلفان.
ويضيفان في موقع آخر ان هذه التحليلات و«السيناريوهات» الرهيبة «تغفل احتمالات أكثر رعباً» وبحيث تؤدي الأحداث في الصين إلى بروز ماو الثاني الذي لن يكون شيوعياً ولا رأسمالياً وإنما «متطرف متزمت» ويمتلك «مفاتيح» الترسانة النووية وصواريخها.
وفي المحصّلة يتم القول ان الغرب أهمل الصين عندما كانت خارج الدورات الاقتصادية الكونية «لكنها أصبحت من الآن فصاعداً جزءاً منّا»، كما تقول الجملة الأخيرة من الفصل المكرّس حصراً للصين.
إضاءة
من المفترض نظرياً أن يحظى التوسع الاقتصادي باهتمام الصين إلى درجة تجعلها تتجنب الدخول في مغامرات عسكرية خارجية. مع ذلك ينظر جيرانها الآسيويون بكثير من القلق إلى تعاظم ميزانيتها العسكرية التي تتزايد بسرعة فائقة بلغت، كما تدل التقديرات، في عام 2004 ستة أضعاف ما كانت عليه في عام 1999.
يشير المؤلفان إلى أن أخصائيين صينيين قد بدأوا منذ فترة قريبة بإعداد «سيناريوهات» تذهب في الاتجاه المعاكس، إذ أنهم توقعوا احتمال أن تواجه الصين أزمة مالية شبيهة بتلك التي عرفتها عدّة بلدان آسيوية خلال خريف 1997 وبداية 1998؛ أو ربما أنها قد تواجه سلسلة من الاضطرابات الاجتماعية.
ثم هناك أيضاً احتمال أزمات أخرى قد تلوح في الأفق مثلاً على صعيد الطاقة أو البيئة أو ربما قيام حرب مع تايوان قد يتم فيها اللجوء إلى استخدام الصواريخ أو غيرها من الأسلحة والتي ستؤدي إلى خلخلة آسيا الجديدة كلها. بكل الحالات سيؤدي وقوع أي من هذه الفرضيات إلى نتائج خطيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي لسنوات لاحقة.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



