تحرص المؤلفة هنا على إبراز النموذج الذي جسده الرئيس الأميركي بل كلينتون في توظيف الدبلوماسية الأميركية في عدد من محاولات إقرار السلام على مستوى العالم، حيث عين خلال رئاسته 55 مبعوثا رئاسيا لهذا الغرض، وهو رقم تؤكد المؤلفة أنه قياسي بكل المعايير ، وتركز بشكل خاص على جهوده في إقرار السلام في الشرق الأوسط التي وصلت إلى طريق مسدود، حيث لابد من الإشارة إلى أن هذه الدبلوماسية ،على الرغم من أهميتها، إلا أنها لا تكفي أحيانا كشرط لتحقيق السلام ،بينما كانت مستندة في مناطق مثل البوسنة إلى استعداد الإدارة الأميركية للجوء إلى استعمال القوة أو التهديد باستعمالها لدعم الجهود الدبلوماسية وتعزيز فعاليتها.
عندما استخدم بل كلينتون قواته العسكرية للتدخل في صراع البوسنة وكوسوفو بمنطقة البلقان انتقده الكثيرون بدعوى أن هذا الاستعراض لقوة الدولة العظمى الأوحد في عالم التسعينات كان أمرا غير ضروري لاسيما وقد حمل لافتة التدخل الإنساني. لكن مؤلفة الكتاب، وقد كانت من أقرب معاوني الرئيس الأميركي في مجال الأمن القومي - تؤكد في الفصل الرابع من كتابها (ص77) أن هذه الإجراءات التي حملت شعار الدبلوماسية، معززة بالعسكرية، كانت من المقتضيات الجوهرية بالنسبة للمصالح القومية لأمن أميركا وخاصة ما يتعلق بضمان الاستقرار على صعيد جناحها الشرقي الأطلسي ـ في أوروبا الغربية. إذن فلم يكن تدخل واشنطون دبلوماسيا وعسكريا مجرد نزوة من جانب رئيس، ولا كانت وحيا هبط على فؤاده من أعلى، ولا كانت مجرد استعراض للقوة من جانب دولة عظمى تريد تأكيد جبروتها في إطار عالمها وفي سياق زمانها.. ولا كان هذا التدخل بحال من الأحوال منطلقا من مجرد الشعور بالعطف الإنساني والرغبة الخيرية في إخماد لهيب صراع شهدته تلك المنطقة العصّية من جنوب القارة الأوروبية..
ذكريات من 70 سنة... كل هذه الشعارات واللافتات والدعايات كانت ماثلة بتكرار فريد في الإعلام الأميركي. لكن الحقيقة الإستراتيجية بحق تؤكدها مؤلفة كتابنا حين تقول ما يلي: لقد كانت قيادة الولايات المتحدة على إدراك كامل لحقيقة أنه منذ 70 سنة مضت (وهي بالطبع برهة زمنية محدودة من عمر العالم) أدى اشتعال، ومن ثم استشراء العنف في منطقة البلقان الجنوبية من أوروبا، إلى اندلاع شرارة صراع دولي ـ كوني حمل اسم الحرب العالمية الأولى. - وقد نعلق لنضيف أن هذه الحرب.. العظمى كما أسمتها أدبيات السياسة والتاريخ في أقطارنا العربية أدت، كما أصبح معروفا، إلى سقوط ممالك وانهيار إمبراطوريات وتغييرات شاملة ـ مأساوية في جوانب كثيرة منها في الخارطة السياسية لعالم العقد الثالث من القرن العشرين ـ ويكفي أن تلك الحرب الضروس قد أفضت إلى انهيار ومن ثم زوال إمبراطورية مسلمة واسعة الأرجاء هي الدولة العثمانية وإلى صدور وعد بلفور الذي أدى إلى تكريس الوجود ومن ثم الاستعمار الصهيوني للأرض العربية في فلسطين. ومن المعروف أن كل رئيس أميركي يعيش الفصول الختامية من ولايته القانونية وقد استبد به هاجس التركة السياسية أو الميراث الرئاسي الذي يدخل به في سجل تاريخ بلاده ويودعه «المكتبة التذكارية» التي تقضي الأعراف الأميركية بتأسيسها شاهدا على أعمال ومنجزات (أو سلبيات) كل رئيس.
أنشودة البجع ... هكذا أراد كلينتون، بكل مهاراته وثقافته، أن يكون لحن النهاية الرئاسي ـ أنشودة البجع ـ كما يسميها العرف الغربي ـ من مقام إيجابي يحكي مآثره التي يتطلع إليها كل رئيس وكل سياسي أميركي.. وتتمثل في التوصل إلى حل لأصعب قضايا العصر وهي الصراع الفلسطيني / العربي ـ الإسرائيلي / الصهيوني.. حيث يتمثل الهدف الأساسي في ضمان أمن إسرائيل وتأمين الاعتراف بها من جانب الأطراف الإقليمية ـ العربية بالذات وهو ما قد يكفل نزع فتيل العنف والتشدد من جانب أجيال الشعب الفلسطيني المحروم من أبسط الحقوق السياسية والوطنية التي يكفلها القانون الدولي.. فضلا عن ضمان رضا الأطراف العربية التي تمتلك موارد النفط واحتياطياته الحافلة والواعدة وتفتح أسواقها الشاسعة أمام الصادرات السلعية والمعلوماتية من الولايات المتحدة مع ما يرتبط بذلك من تداول الاستثمارات الهائلة، المباشرة وغير المباشرة التي تصب في خزائن الولايات المتحدة بخاصة وتجدد الحياة في شرايين الاقتصاديات الغرب ـ أوروبية الحليفة بشكل عام.
الطموح و جائزة نوبل
في حالة بيل كلينتون أيضا كان هناك الطموح الفردي أو الهاجس الشخصي الذي يرنو إلى الفوز بجائزة نوبل الدولية الرفيعة. كيف لا وقد سبق إليها ـ كما نعرف ـ وبالنسبة لجهود السلام في الشرق الأوسط بالذات أسماء وشخصيات أخرى.. مثل بيجين الصهيوني والسادات المصري.. الخ.. وفي الجائزة تكريم وفي احتفالاتها البروتوكولية ما يكفل النسيان.. أو بعض النسيان للفضائح والتعقيدات الداخلية.. وما قد يدر مبالغ مالية كان يتطلع إليها الرئيس الأميركي لسداد فواتير أتعاب المحامين الطائلة . وفيها ما يعزز مكانة وسمعة الحزب الديمقراطي في سنة الانتخابات (2000 للميلاد) ولو بقدر محدود.
لكن هذا كله كان يحمل صفة الاستعجال الأمر الذي أفضى إلى تبدد الآمال في مفاوضات باراك ـ عرفات في إطار كامب ديفيد الثانية.
بل كان باراك نفسه موشكا على ترك منصبه كرئيس للوزراء.. نفس الموقف الذي كان يعيشه بيل كلينتون.. وأدى هذا الوضع اللاهث إلى أن ظل أبو عمار معرضا لضغوط الوقت والإلحاح في داخل المنتجع الرئاسي الأميركي فيما كانت تتناهى ضغوط الرأي العام الفلسطيني والعربي محذرة من أي تفريط يطيح بما تبقيّ من المطالب الفلسطينية المشروعة إلى كارثة مادون الحد الأدنى ومن ثم المصادرة على مستقبل القضية وأجيالها ومصائرها..
تعلق مؤلفة الكتاب على هذه الصورة الغريبة من أوضاع مفاوضات كامب ديفيد قائلة: ولو كان قد أتيح مزيد من الوقت في المنصب الرسمي لكل من كلينتون وباراك، ولو كان خليفة كلينتون (تقصد بوش ـ الابن) قد واصل المسيرة، منطلقا مما تحقق في تلك المفاوضات، لأمكن تحقيق مزيد من التقدم في هذا المضمار.
موقف عرفات
من خلال رؤيتها الأميركية المعتادة، لا تنسى السفيرة الكاتبة أن تحيل إلى موقف المرحوم ياسر عرفات. فتقول أيضا:ولو كان عرفات مستعدا من جانبه أيضا إلى التفاوض في غمار تلك الأيام الأخيرة من ولاية كل من باراك وبل كلينتون، لكان التوصل إلى سلام أمرا مرجحا. والمعروف أن هناك الكثيرين ممن باتوا الآن يتساءلون عما إذا كان عرفات جادا في واقع الأمر في التخلي عن العنف وفي التوصل إلى سلام مع إسرائيل. والحاصل أنه مع ختام تلك القمة في كامب ديفيد كان معظم الإسرائيليين على اقتناع بأن الزعامة الفلسطينية رفضت أسخى عرض كان مقدما حتى تاريخه من جانب إسرائيل.وهناك الكثير أيضا ممن يرون أن عرفات قرر (وقتها) العودة إلى العنف.
ثم تخلص المؤلفة إلى نتيجة تقول فيها ما يلي: «ان هناك تقريرا يؤكد أن الإسرائيليين كانوا يتشككون في أن الفلسطينيين قد قبلوا حقا حل الدولتين أو حق إسرائيل في الوجود». (المؤلفة تشير هنا إلى تقرير صادر عن مجموعة إدارة الأزمان بعنوان «حان وقت القيادة»).
بين الزعيم والسياسي المحترف
من جانبه أيضا حاول الرئيس كلينتون أن يلخص فشل كامب ديفيد فقال:ربما لم يستطع عرفات ببساطة أن يقوم القفزة الأخيرة من زعيم الثورة إلى رجل الدولة. والحق أن عرفات لم يقل «لا» مطلقا ولكنه لم يستطع أن يقول «نعم».
ـ بعدها توضح المؤلفة أن سلبيات كامب ديفيد الثانية أفضت إلى نتائج أشد سلبية وخطورة.. لقد ذهب كلينتون وجاء بوش، وذهب باراك ليأتي أرييل شارون.. ومع هذا التبدل تغيرت المواقف.. وسحبوا من على الطاولة كل مقترحات كلينتون وقد كانت معقولة ولو إلى حد ما.
يقول الكتاب:منذ أن تولى جورج بوش (الابن) مقاليد الرئاسة الأميركية في عام 2001 عمدت الولايات المتحدة إلى رفض أي مشاركة جادة في عملية السلام بالشرق الأوسط. وكان أن حل الركود محل التقدم على جميع الجبهات. واقترحت إدارة بوش خارطة طريق تنطوي على اتخاذ خطوات متبادلة من كلا الجانبين بما يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية «مؤقتة» ومعيبة التعريف. بل إن أميركا لم تقم بتهيئة السبل للعودة للتفاوض فقد أصبح الموقف في حكم الميت تماما حسب تعبير شارون شخصيا.
وبدلا من ذلك ـ تضيف المؤلفة (ص66) أن سياسة الرئيس (الجديد) بوش ظلت تقضي ببساطة بالتأييد الكامل على طول الخط لاستراتيجية رئيس الوزراء شارون التي كانت تتزايد تشددا وتعنّتا تجاه الفلسطينيين مع تباعد أميركا في الوقت ذاته عن أي جهود ترمي إلى استئناف التفاوض الجاد والمسؤول.
جدار الفصل
في هذا الإطار تعرض المؤلفة إلى تزايد العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإلى مواقف الرئيس عرفات الصلبة في مراحله الأخيرة.. وإلى تذرع إسرائيل بمقتضيات الأمن إلى حيث سمحت لنفسها بأن تقيم سورا على غرار جدار برلين الشهير في الضفة الغربية المحتلة.. حيث يوضح الكتاب أن جاءت هذه الخطوة لتحظى بتأييد 80 في المئة من الإسرائيليين.. ولا يفوت المؤلفة أيضا أن تعرض إلى لجوء إسرائيل بصورة متزايدة إلى اغتيال القيادات الفلسطينية من أمثال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي في شهرين متعاقبين.. وتضيف قولها:
ـ فيما كانت أميركا تبدي معارضتها لمثل هذا السلوك (الإسرائيلي) فقد أوضح شارون أن عرفات يمكن أن يكون هدفا لتلك الإجراءات سواء بسواء.
بعدها أيضا تعود صاحبة الكتاب إلى نظرة عامة تحاول أن تلقيها على الموقف بشكل شامل وبالذات على الدور المفروض أن تضطلع به أميركا ـ القوة العظمى الوحيدة.. وإلا حقَّ على أميركا وصف الخرافة الذي تدير عليه المؤلفة محور هذا الكتاب.
على صفحة 67 تقول السفيرة نانسي سودربرغ :في التحليل الأخير سوف يتعين على الولايات المتحدة أن تشارك ـ مرة أخرى وبصورة مباشرة، وعلى مستوى رئيس الجمهورية - في البحث عن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وبغير مشاركة أميركية متواصلة في التماس هذا السلام.. سوف تزداد الحال تدهورا. وعلى الزعماء العرب أن يضطلعوا بأداء دور بنّاء للمضي قدما بالإصلاحات في مرحلة ما بعد عرفات ولتعميق الالتزام بتحقيق السلام.
إن الطرفين يعانيان من ظاهرة استقطاب بالغة الحّدة.. ولكن ينبغي أن تظل عجلة السلام في الحركة والدوران.وإلا كان مصيرها كمصير أي دراجة.. إن توقفت دواليبها عن الحركة إلى الأمام تعثرت وانقلبت براكبيها.
رؤية من الحزب الديمقراطي
نلاحظ أن المؤلفة في هذه السطور المهمة من الكتاب التي تتعلق تحديدا ـ كما ألمحنا ـ بقضية فلسطين ـ وهي محور قضايا الحرب والصراع وأيضا السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.تختم تحليلها بطرح رؤية مهمة من جانبها لمستقبل التطورات المرتبطة بهذه القضية..
ومن البديهي أن هذا الطرح يأتي على ضوء مقترحات الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بشأن خارطة الطريق.. فضلا عما بدر ورشح خلال زيارة الرئيس الأميركي المشهودة مؤخرا لعدد من أقطار المنطقة وقد بدأها ـ كما هو معروف ـ بزيارة لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.. نلاحظ أيضا أن المؤلفة تنطلق في رؤيتها هذه من عوامل شتى منها المعايير أو التي سبق إلى طرحها الرئيس ـ رئيسها أيام عملها في البيت الأبيض ـ بل كلينتون.
أما هذه الرؤية فتلخصها المؤلفة فيما يلي: أن ثمة توجّهات يؤيدها الإسرائيليون تتصور دولة فلسطينية منزوعة السلاح في الضفة الغربية وقطاع غزة.وتتصور سيادة الفلسطينيين على الأحياء العربية في القدس الشرقية بما في ذلك أماكنهم المقدسة ولاسيما المسجد الأقصى وعاصمتهم في القدس الشرقية. وأن بعضا من المستوطنات (تقصد المستعمرات) الإسرائيلية الكثيفة السكان ستصبح جزءا من إسرائيل مقابل مساحات مكافئة من الأراضي التي ستصبح جزءا من فلسطين.وأن يكون لمعظم اللاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى فلسطين، وليس إلى إسرائيل أو الحق في تلقي التعويض.
ورغم كل ما قد يبديه المحلل السياسي العربي من تحفظات وهي كثيرة على هذه الرؤية، وخاصة ما يتعلق بمستعمرات الاستيطان الصهيوني، أو هزال كيان الدولة الفلسطينية المقترحة (وهي بالطبع محور خارطة الطريق التي يتبناها الرئيس الأميركي بوش) دع عنك حكاية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى..فلسطين.(أي عودة إذن؟) ـ رغم هذا كله، فقد آثرنا أن نعرض لهذه الرؤية الواردة على الصفحات المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط من هذا الكتاب.
أولا لأنها رؤية قيل انها خضعت لاستطلاعات الرأي بين صفوف الفلسطينيين والإسرائيليين وأنها حازت قبولا يزيد ولو بصورة طفيفة على 50 في المئة من كلا الجانبين على نحو ما تذكر مؤلفة الكتاب (ص67).. ثم أن هذه الرؤية تصدر عن خبيرة دبلوماسية، تنتمي إلى الحزب الديمقراطي وهو الحزب الذي تقول بورصة التوقعات السياسية الراهنة بالنسبة للسباق الرئاسي الأميركي الموشك حاليا على الانطلاق بأنه مؤهل وفق المعطيات المتوافرة لأن يفوز مرشحه بمنصب رئيس الدولة الأميركية في انتخابات نوفمبر القادم..
ومن البديهي أنه حتى مع هذا الفوز المتوقع أو حتى المرجح للديمقراطيين، طبعا إذا لم تطرأ مستجدات غير متوقعة أو مباغتة تغير موازين الأمور لصالح المنافس الجمهوري ـ فإن مثل هذه الرؤية «الديمقراطية» كما قد نسميها.. جديرة بدورها بأن يطرأ عليها تعديلات وتغيرات حسب ما تقضي به مسيرة الأحداث وتطورات الأوضاع.. وفي كل حال فإن تناول مثل هذه الرؤى والأفكار الواردة في مثل هذا الكتاب جديرة بأن تشكل في تصورنا، مرجعية أو جزء من مرجعية تنطلق منها النظرة الأميركية إلى القضية ـ الأساس في منطقتنا بالشرق الأوسط.
المصلحة الأميركية أولا
وقصارى ما تشدد عليه مؤلفة الكتاب هو أهمية المشاركة المباشرة والفعالة والمتفاعلة من جانب الرئيس الأميركي، أيا كان انتماؤه الحزبي، في التعامل مع هذه القضية باعتبار أن السلام في الشرق الأوسط، وهو منطقة البترول الأولى في العالم، أمر يصب في المصالح الحيوية لأميركا والغرب وربما العالم بشكل عام.
في هذا السياق أيضا تضيف مؤلفة الكتاب قائلة عند ختام الفصل الثالث:يأتي دور أميركا في عمليات السلام، سواء في الشرق الأوسط أو في أيرلندا ليبرهن بوضوح على مدى أهمية القوة السياسية والاقتصادية والمعنوية للولايات المتحدة.. وبوصفها الدولة العظمى الوحيدة والمتبقية، فإن أميركا مؤهلة لكي تتيح للأطراف ذات الصلة عوامل الثقة في بعضها البعض من خلال الالتزامات التي تتعهد بها تلك الأطراف إزاء الولايات المتحدة.
ثم تواصل المؤلفة تحليلها لتقول بصراحة لا تخفى:ليست هناك دوافع فوقية أو خيرية في هذا الخصوص (بمعنى أن الأميركيين لا يتصرفون بمنطق التضحية في سبيل الغير. أو أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ببساطة مباشرة ـ توضح المؤلفة - أن السلام في الشرق الأوسط (وفي أيرلندا) أمور من شأنها أن تخدم مصالح أميركا ذاتها. وعندما يجري استئناف عملية السلام (بين العرب وإسرائيل).
فمن شأن حل هذا الصراع الذي يزعزع استقرار الشرق الأوسط أن يؤدي إلى تخفيف حجم الكراهية تجاه الولايات المتحدة في الخارج وأن يقلل من تجنيد عناصر الإرهابيين في الوقت ذاته. ثم تستدرك المؤلفة لتقول:صحيح ان أميركا لن تستطيع حل كل صراعات الدنيا لكن مشاركتها وتفاعلها إذا جاءا في ظل التوقيت المناسب وحسن الاختيار يمكن أن يشكلا عاملا حافزا ومساعدا على تفاعل العناصر المفضية إلى تحقيق السلام.
وتعود الكاتبة إلى إبراز النموذج الذي كان يجسده الرئيس كلينتون في هذا الصدد موضحة أنه دَخَل بالدبلوماسية الأميركية ليشارك في عدد من محاولات السلام على صعيد العالم لدرجة أن قرر خلال ولايته الرئاسية تعيين عدد يصل إلى 55 من المبعوثين الخاصين لرئيس الدولة الأميركية وهو رقم تراه قياسيا بكل معنى.. ولم تقتصر جهوده في استخدام القدرات الدبلوماسية لبلاده ـ الدولة العظمى الوحيدة المتبقية كما تصفها ـ على صراعات ايرلندا أو الشرق الأوسط..
بل استطاع أن يخفف حدة التوتر بين تركيا واليونان، وأن يحول دون اندلاع حرب نووية كانت محتملة الوقوع بين الهند وباكستان، هذا فضلا عن أدوار اضطلع الرئيس السابق بها من أجل المساعدة على التفاوض لإنهاء صراعات ونزاعات نشبت في أيامه بين بيرو وإكوادور في الجارة الأميركية ـ اللاتينية، وأيضا بين أثيوبيا وإريتريا في قارة أفريقيا.
الكلمة الأخيرة في هذا المضمار تقول فيها السفيرة المؤلفة ما يلي:في البلدان التي تحظى فيها أميركا بروابط تاريخية ونفوذ متفرد لدى زعمائها.. يمكن لدبلوماسية الدولة العظمى أن تؤثر بكل معنى في موازين الحرب والسلام.
مع هذا علينا أن نعترف أنه مع أهمية هذه الدبلوماسية، إلا أنها لا تكفي أحيانا كشرط لتحقيق السلام. بل تقتضي الظروف في أحيان أخرى استعمال القوة أو التهديد باستعمالها من أجل مساندة الجهود الدبلوماسية وتعزيز فعاليتها. ولم تكن مثل هذه الحقيقة أكثر وضوحا وتأكيدا من دور الدبلوماسية الأميركية، معززة بقوة الدولة العظمى، في مناطق من قبيل البوسنة وكوسوفو.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



