تتابع المؤلفة هنا تطور الجهود التي بذلتها إدارة الرئيس بل كلينتون في محاولتها الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية الذي طرح على واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، وهو السؤال الذي يدور حول كيفية توظيف أميركا لتفوقها العسكري والاقتصادي والهدف الذي ينبغي أن يرمي إليه هذا التوظيف.

وتشير إلى الكيفية التي تحول بها كلينتون في غمار هذه الجهود من سياسي محترف إلى رجل دولة من طراز رفيع.وتلقي الضوء على محاولات إقرار السلام في الشرق الأوسط، وكيف انتهت كامب ديفيد الثانية إلى توجيه اللوم للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عند الطريق المسدودة التي انتهت إليها، على حين ذهب بعض المراقبين الأميركيين المنصفين إلى أن تحميل عرفات وحده هذه المسؤولية ليس إلا خرافة فظيعة. «الروبيكون» نهر صغير من أنهار إيطاليا. لكنه أصبح رمزا في لغات وثقافات شتى لاتخاذ القرارات وحسم الأمور.

من هنا شاعت العبارة الشهيرة التي تقول بالتالي: عبور الروبيكون.بمعنى تعبر عنه الثقافة واللغة العربية بعبارات من قبيل: قُضي الأمر أو سبق السيف العزل أو لا مجال للتراجع. تستخدم مؤلفة الكتاب مثل هذه التعبيرات لكي توضح صعوبة القرارات التي كان على رئيسها بل كلينتون أن يتخذها في مواجهة أزمات وقضايا ثارت خلال ولايته التي امتدت - كما هو معروف - 8 سنوات وخاصة في مطالع الولاية الرئاسية الأولى. تقول المؤلفة إن من خصائص شخصية كلينتون أنه لا يُظهر غضبه أمام الآخرين.ولكنها شاهدت وعايشت استثناء من هذه القاعدة.

وكان ذلك خلال شهر أكتوبر من عام 1991 حين جاءتها مكالمة هاتفية من معاونها المناوب في البيت الأبيض، وكان ذلك صباح الأحد حين أيقظها المعاون من غرفة العمليات في المقر الرئاسي قائلا:عفوا سيدتي، اسف أن أبلغك أن قد تلقينا تقارير عاجلة تفيد بمصرع عدد من الجنود الأميركيين خلال مواجهات مع القوات الصومالية. لم يطل انتظارها كثيرا لكي تنضم إلى اجتماع استثنائي بحضور الرئيس كلينتون الذي وصفته في عبارات تقول: كان يشعر بغضب شديد وعميق. غضب من نفسه وغضب من البنتاغون وغضب من الأمم المتحدة ثم غضب من فريق معاونيه في مجال السياسة الخارجية.

وربما زادت ثورة الغضب الرئاسي تأججا تلك المشاهد التي نقلتها وكالة سي. إن. إن وتابعها الناس في كل أنحاء العالم وتصُّور جنديا أميركيا مقتولا وقد سحبت الجماهير الثائرة جثته في شوارع مقديشو، عاصمة الصومال.

نصائح رئيس الأركان

يومها ثارت ثائرة الكونغرس وطالب أعضاؤه بانسحاب فوري للقوات الأميركية من الصومال، وكان قرار إرسالها إلى هناك بدوافع إنسانية في الظاهر يستر مبررات استراتيجية رآها واقتنع بها الرئيس بوش الأب، وخاصة في ضوء الموقع الاستراتيجي للصومال في منطقة القرن الأفريقي مطلا على المحيط الهندي.

المهم أن كلينتون توَّجه إلى دوائر البنتاغون العسكرية طالبا المشورة.. وهنا أدلى رئيس الأركان (وهو القائد الرسمي والفعلي للقوات المسلحة الأميركية) بنصيحته قائلا لرئيس الدولة:لان الظروف ازدادت صعوبتها، فأنت لا تستطيع أن تُولّي الأدبار بغير تمهيد. بل عليك أن تتعامل مع المشكلة محاولا التماس الحل السليم.

ولم يكن رئيس الأركان سوى الجنرال كولن باول (الذي أصبح وزيرا لخارجية جورج بوش الابن) وكانت نصيحته صائبة اعتمدها بل كلينتون وعمل على ترجمتها في التعامل مع مشكلة الصومال على الأسس التالية:

زيادة استعدادات وقدرات القوات الأميركية في ذلك البلد الأفريقي.

العمل في الوقت نفسه على اتخاذ ترتيبات انسحابها.

تسليم مقاليد الأمور في الصومال إلى منظمة الأمم المتحدة.

لم يكن الجنرال باول من قيادات الحزب الديمقراطي، ولا كان من رجال بل كلينتون. لكن الرئيس لأميركي كان من الذكاء ليدرك أن الشعب الأميركي يعرف أن رئيسه لا يتمتع بخبرات ولا ميزات عسكرية - وبالتالي عمد الرئيس إلى الاعتماد على باول الذي كان النظر إليه بوصفه بطلا عسكريا (من أيام حرب فيتنام) وباعتباره شخصية يمكن أن يوجه إليها اللوم في حال الفشل أو الأزمات.. ثم باعتباره - في رأينا أيضا - ينتمي إلى قطاع الملونين في المجتمع الأميركي وهو القطاع الشعبي الذي طالما اعتمد بل كلينتون على تأييده إلى حد بعيد.

أشباح فيتنام

في كل حال كانت حادثة مصرع جنود أميركا - ناهيك عن مشهد جثة عسكري أميركي في شوارع مقديشو - أمرا لا ينسى. لا بحكم بشاعته الذاتية. ولا حتى بحكم المهانة التي تلقتها أميركا التي كانت قد تهيأت وقتها - منتصف التسعينات لتولّي مقاليد القطب الأوحد في عالم ما بعد الحرب الباردة..

ولكن لأن مثل هذه المشاهد جاءت لتستدعي إلى العقل الجمعي في الولايات المتحدة ذكريات أليمة ذاقت فيها أميركا - بجلالة قدرها - طعم الفشل لدى محاولة غزو كوبا وإسقاط زعيمها كاسترو فيما عرف بواقعة خليج الخنازير عام 1961.. فضلا عن استدعائها أيضا عقدة فيتنام التي ما برح الأميركيون العاديون - المخضرمون بالذات من حيث العمر والتجربة يدركون - بيقين - أنها كانت بدورها تجربة مريرة من تجارب الفشل والخيبة حتى لا يقال الهزيمة التي منيت بها قوة عظمى أمام شعب آسيوي فقير في شبه جزيرة ؟يتنام.

تقول المؤلفة في هذا السياق: كان كلينتون يفهم الأثر الموجع لمسألة فيتنام. وكان يريد للبلد والكونغرس والبنتاغون أن يتحركوا بعيدا إلى حيث يتجاوزوا مع الناس هذه العقدة.

«أولاد الستينات»

من عجب - تضيف المؤلفة - أن فوز الرجل بمنصب رئاسة الدولة جاء في عام 1992 بمثابة انتصار لجيل ؟يتنام. بمعنى أن كان انتصارا حققه «أولاد الستينات» على حكماء السياسة الخارجية الأميركية الذين كانوا ينتمون إلى عقد الخمسينات.

وفي ضوء هذه الحقيقة كان هناك الكثيرون ممن كانوا يرفضون غياب تجربة كلينتون العسكرية ومن يتهمون الحزب الديمقراطي بأنه حزب «ناعم» أو «متساهل» من حيث قوة أميركا وجبروتها وقدراتها الحربية.. وهناك أيضا من كانت تستبد بهم عقدة ؟يتنام فإذا بهم يتشككون ويرفضون أي مشاركة لقوات أميركا وقدراتها العسكرية خارج الحدود خوفا من مصير الفشل أو الهزيمة..

وعندما حدثت واقعة الصومال وما ارتبط بها من إهانة العسكريين الأميركيين ارتفع صوت هؤلاء المعارضين يقولون:إنها خليج الخنازير بالنسبة للرئيس كلينتون (في تلميح إلى الفشل القديم الذي مُني به من قبل الرئيس الأسبق كينيدي، وكان تلميحا ذكيا يستند إلى قدر لا ينكر من الحنكة السياسية.. أولا لأن كينيدي كان هو المثل الأعلى - القدوة النموذجية للرئيس كلينتون.

وثانيا لأن كلا الرجلين ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الذي اتهموه - كما أسلفنا - بأنه خفيف من حيث موازين القوة العسكرية ومقتضياتها - فما بالك وقد كان الهدف مع التسعينات هو تنصيب أميركا على عرش القوة العظمى وكان هناك من مثقفي المرحلة وساستها من يخشى أن يكون هذا التنصيب الطموح باهظ التكاليف، أو أن يفضي الأمر إلى خرافة اسمها القوة العظمى.. (وهذا هو - بالطبع - المعنى الذي اختارته السفيرة المؤلفة عنوانا لهذا الكتاب).

وربما زاد من أزمات «القوة العظمى» إن لم يكد ينقضي أسبوع واحد على تراجيديا الصومال، حتى باتت أميركا مطالبة بأن تتعاطى مع أزمة أخرى نشبت في الجوار المباشر للولايات المتحدة.. وفي دولة - جزيرة هاييتي على وجه التحديد.

مظاهرات ضد أميركا

الطريف والمؤلم المهين أيضا أن المسألة كانت اقرب إلى أزمة في العلاقات العامة.. بحكم ما لحق بالولايات المتحدة من ضرر في سمعتها الدولية وهيبتها الإقليمية.. كانوا قد اتفقوا على إعادة رئيس هاييتي المقيم في أميركا إلى بلاده ليخلف حكم العصبة العسكرية التي كانت قد أطاحت به في انقلاب.

وكان الترتيب الذي أشرفت عليه أميركا يقضي بإيفاد 200 من أمهر عناصر البحرية الأميركية من فيلق يحمل اسم «دبور البحر» إلى هاييتي لتدريب قواتها العسكرية. وبالمجان.لكن واشنطن فوجئت بمظاهرات عارمة في العاصمة «بور أوبرانس» تردد وترفع شعارات غاضبة ومطالبة بعودة عساكر أميركا - قوات اليانكي كما يسمونها إلى بلادها، ولدرجة استحال على المدربين الأميركيين أن يهبطوا من السفينة التي جاءت بهم من الولايات المتحدة.

وكان هذا مشهدا محزنا آخر نقلته عدسات المصورين إلى كل أرجاء العالم. ومفاده أن قوات أميركا أصبحت مرفوضة وربما مطرودة وممن؟.. من بلد مجاور صغير، يرسف في أغلال الفقر والتخلف.. يومها لم تجد إدارة كلينتون بدا من اللجوء إلى.. مجلس الأمن الدولي الذي أصدر قراره بإعادة فرض العقوبات على نظام هاييتي الحاكم بما في ذلك حظر إمدادات البترول وكان الهدف المعلن هو الضغط على حكامها العسكريين.. وإن كان الهدف المستتر يتمثل بطبيعة الحال في إنقاذ سمعة أميركا بوصفها قوة العالم العظمى والوحيدة أيضا.

زاد الطين بلة أيضا أن رئيس هاييتي المنفي «أرستيد» وهو حليف أميركا في الأساس كانت تراوده شكوك في نوايا الإدارة الأميركية ذاتها. أرستيد، الزعيم الهايتي تصفه المؤلفة على النحو التالي:كان كاهنا كاثوليكيا غامضا وراديكاليا وكانت مشكلته أن وكالة المخابرات الأميركية لم تكن تتعاطف معه بقدر تعاطفها مع خصومه من العصبة الانقلابية التي أطاحت به من رئاسة البلاد..

لهذا أعدت السي. آي. إيه تقريرها الذي يصف أرستيد بعدم الاتزان النفسي.. والمشكلة أن هذا التقرير أمكن تسريبه إلى الإعلام. وهكذا فوجئت أوساط الإدارة الأميركية بجريدة «نيويورك تايمز» تنشر التقرير في صفحتها الأولى يوم 3 أغسطس 1993 وفيه تشكك المخابرات المركزية في قدرات حليفها أرستيد وتصفه أنه متقلب المزاج يقول كلمة اليوم ويتراجع عنها في الغد..

ذكريات بوش الأب

من ناحيته أعرب أرستيد عن تشككه في إخلاص الرئيس كلينتون نفسه بالنسبة لقضية شعب هاييتي.. اجتمع إلى مؤلفة كتابنا في إحدى قاعات مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض وفاجأها بقوله: أنا لا يمكنني أن أكذب على شعبي لأقنعهم بأن يضعوا ثقتهم في الرئيس كلينتون.. ولو استمر الحال على ما هو عليه الآن فلن تمضي سنوات إلا ويصل السيد كلينتون بالنسبة لوعوده إلى مرحلة «اقرأ ما يرتسم على شفتي من كلمات».

وفي معرض التوضيح تشير المؤلفة إلى أن هذه العبارات اشتهرت عن الرئيس جورج بوش الأب الذي ظل يردد دعوته الناس إلى أن يقرأوا الكلمات المرتسمة على شفتيه بمعنى أنه يقطع على نفسه وعودا من أوضح ما يكون للعيان بالنسبة لعدم فرض ضرائب جديدة. في حين انتهى المطاف بالسيد بوش الأب إلى زيادة الضرائب وهو ما أدى إلى خسارته الانتخابية لصالح مرشح شبه مجهول قادم من الريف اسمه بل كلينتون، ومن ثم دخل بوش الأب تاريخ بلاده رئيسا لفترة واحدة ودخلت معه عبارة قراءة الشفاه رمزا للوعود التي لا تتحقق.

في كل حال انتهى الأمر بإعادة أرستيد إلى موقع الرئاسة في هاييتي. وأدى هذا الانجاز إلى قوة دفع أو إلى دماء جديدة من الحيوية تدفقت، كما توضح مؤلفة الكتاب، في أوصال الإدارة الأميركية - وبالتحديد في آلياتها السياسية والعسكرية وكان ذلك أمرا ثبت استمراره عبر سنوات مقبلة.

تقول المؤلفة في نهاية الفصل الثاني من الكتاب لأول مرة بدأ رئيس أميركي (تقصد كلينتون) - عند منتصف التسعينات - يفكر في استعمال القوة لا من أجل صد تهديد مباشر للأميركيين، كما كان الحال إزاء خطر الفاشية أو الشيوعية، ولكن لحماية القيم التي تدعو إليها أميركا فضلا عن حماية مصالحها الاستراتيجية..

ثم تضيف السفيرة نانسي قولها:والذي حدث هو أن هذه المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة ما لبثت أن اتسع نطاقها لكي تشمل مواجهة الكوارث الإنسانية في مجالات ومناطق شتى. وهنا تم استخدام ما أصبح يعرف باسم الدبلوماسية المستندة إلى القوة.. وفي هذا الإطار تحددت أبعاد الدور الجديد للقوة العظمى الوحيدة وفي مقدمة تلك الأبعاد ما كان مجسدا في تسلّم زمام القيادة ولكن في إطار من تقاسم الأعباء والمسؤوليات (مع القوى المحلية في هذه المنطقة أو تلك).

المعنى كما توضحه الكاتبة (ص53) هو أن أميركا مستعدة لاستعمال القوة فيما هي مستعدة أيضا لإقناع الأطراف الأخرى بالمساعدة على حفظ السلام واقتضى ذلك إعلان أميركا عن استعدادها لاستخدام القوة الكاملة التي تنطوي عليها دبلوماسية الدولة العظمى.. لكي يستتب السلام في منطقتين هامتين هما الشرق الأوسط وايرلندا.

بهذه العبارات تمهد المؤلفة السبيل لكي يتابع قارئها مسيرة القوة العظمى الوحيدة في عالمنا في محاولة تحقيق السلام في الشرق الأوسط وهو ما سنركز عليه من المنظور العربي ولو على حساب عرض وتحليل دور أميركا، والرئيس كلينتون بالذات في إحلال السلام بين قوى الكاثوليك والبروتستانت المتصارعة في أيرلندا.. وقد حقق الرجل في هذا المضمار نجاحا مشهودا بصورة أو بأخرى.

رجل الدولة

على صعيد قضية الشرق الأوسط - وهي قضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بالدرجة الأولى، يبدأ الكتاب سطور الفصل الثالث بعرض المشهد التاريخي الذي كان مسرحه حديقة البيت الأبيض وتابع فيه العالم المصافحة الشهيرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وكان يقف بينهما الرئيس كلينتون الذي نقلت الميكروفونات جملته الشهيرة بدورها: اذهبا في سلام.. واصنعا السلام.

كانت لحظة فاصلة في سيرة بل كلينتون شخصيا. تقول السفيرة المؤلفة أنها حولت الرجل من سياسي محترف إلى رجل دولة. لقد قرر الرجل أن يستثمر رصيدا هائلا من مكانته وسلطاته ووقته كرئيس للدولة العظمى لكي يحاول حل قضية هذا الصراع التي طالما استعصت على الحلول على مدار عقود شتى.

هذا ما تسجله مؤلفة كتابنا. وقد نعلق في هذا السياق - من منظورنا العربي كقارئين ومحللين - أن هذا الحل ما كان يظل مستعصيا لو استطاعت الدولة العظمى، أو بالأدق لو شاءت، أن تحمل إسرائيل على تنفيذ المقررات الصادرة عن الشرعية الدولية ومن ثم تجلو قواتها المحتلة عن الأرض العربية، وينفسح المجال أمام الفلسطينيين لممارسة حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة.

على أن المؤلفة - بحكم خبرتها الواسعة العميقة في البيت الأبيض وفي قضايا الأمن القومي - لا تلبث من جانبها أن تلاحظ أنه رغم كل ما أحاط المصافحة التاريخية بين عرفات ورابين من آمال وتوقعات، ورغم الرصيد من النفوذ السياسي الذي عمد الرئيس كلينتون إلى توظيفه لتفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط .

إلا أن انهيار هذه العملية في عام 2000 جاء بدوره برهانا ساطعا على أن القوة لها حدود، وأن النفوذ السياسي ليس موردا بغير نهاية حتى ولو كانت هذه القوة تعود إلى الدولة العظمى الوحيدة في العالم ولو كان هذا النفوذ يعود إلى رئيس تلك الدولة.وهو الذي يعد على نحو أو آخر أقوى رجل في المعمورة.

لقد جاء النجاح في أيرلندا نجاحا منقوصا.. أما النجاح في الشرق الأوسط فجاء مؤقتا ومرحليا. وجاءت الظاهرتان - النتيجتان على خلاف ما كانت تصدر عنه القوة العظمى من رؤية الهيمنة على مقاليد عالمها وفرض إرادتها على أطراف هذا العالم.. بل جاءت هذه الجهود لتزيد من ضلوع أميركا.. إن لم نقل تورطها في مشاكل وشؤون بلدان أخرى.

مع هذا كله ظل كلينتون يواصل خطى إدارته ويوازن بين أجندة الشؤون الداخلية في بلاده محققا قدرا لا يستهان به من الرخاء والاستقرار الاقتصادي - وبين أجندة الدبلوماسية والسياسة الخارجية لتمكين أميركا من الاضطلاع بدور صانع السلام.وجاءت نجاحاته النسبية حتى ولو كانت غير مكتملة في أيرلندا.. أو كانت مؤقتة في الشرق الأوسط - لكي تؤكد قدرة واشنطن أيامها على استخدام خليط من الإقناع الدبلوماسي والتحفيز الاقتصادي واستثمار المصداقية الأدبية.

والحق أن قدرا كبيرا من النجاح المرحلي لإدارة كلينتون يرجع الفضل فيه إلى الإدارة السابقة وهي حقبة بوش الأب.. وبالذات إلى سياسي حاذق تشير إليه المؤلفة بإعجاب هو جيمس بيكر وزير خارجية الرئيس بوش الأب.

وفي هذا الخصوص تعرض المؤلفة جهود واشنطون التي أعقبت حرب الخليج في عام 1991 (تحرير الكويت) حين بعث الرئيس بوش - الأب بوزير خارجيته «الموهوب» حسب وصف المؤلفة للضغط من أجل إحراز تقدم من خلال اثنتين من قنوات العمل الدبلوماسي: الأولى على المسار بين إسرائيل وفلسطين، والثانية على المسار بين إسرائيل والدول العربية المجاورة.

في هذا الإطار اتفق كل من أميركا والاتحاد السوفييتي في أكتوبر 1991 على المشاركة في استضافة مؤتمر مدريد التاريخي الشهير. ويكتسب مدريد أهميته المحورية من كونه أول محفل يتفاوض فيه الزعماء الفلسطينيون والإسرائيليون وجهاً لوجه وبصورة مباشرة. وفي هذا الإطار أيضاً حرص جيمس بيكر على التأكيد بأن السلام ينبغي أن يتأتى من جانب هؤلاء القادة مباشرة وليس من جانب الولايات المتحدة.

بعدها يمضي الكتاب ليتابع المسيرة من مدريد إلى أوسلو التي شهدت محادثات مغلقة ومفاوضات سرية أدت إلى اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية.. ومن ثم إلى ما تصفه المؤلفة بأنه الخطوات الأولية نحو السلام وهي تعزو هذا كله إلى «مزيج من العوامل التاريخية التي كان في صدارتها ما يلي: انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.

ومن ثم أصبحت الكلمة الفصل في الشؤون الدولية للولايات المتحدة. ولما كان الاتحاد السوفييتي هو الممول الأساسي والسند السياسي الأكبر لمنظمة التحرير فقد أدى ذلك إلى إضعاف المنظمة مما أفضى ـ في رأي مؤلفة الكتاب ـ إلى توسيع فرص السلام.

وهي تؤكد هذه الجوانب (ص59) حين تضيف قائلة فيما يشبه الإقرار أو الاعتراف: خلال الحرب الباردة كانت موسكو قد شاركت جنباً إلى جنب مع الدول العربية ومع كثير من الدول النامية، في دعم ومؤازرة منظمة التحرير الفلسطينية من أجل موازنة الولايات المتحدة ودعمها ومؤازرتها لإسرائيل.. والمهم أنه باتت المنظمة تسعى للحصول على الشرعية والاعتراف.

ثم تواصل المؤلفة استعراض مراحل عملية، بل عمليات أو بالأدق محاولات ومساعي، السلام في الشرق الأوسط، وخاصة بعد مقتل إسحق رابين وسط الحشود في إسرائيل إلى أن تصل بالقارئ إلى الجهود التي بذلها كلينتون في المراحل الأخيرة من ولايته لترتيب سلام ما بين عرفات وباراك في منتجع كامب ديفيد الشهير. وقد انتهت هذه الترتيبات بتوجيه اللوم إلى المرحوم عرفات الذي كان «يفتقر إلى الشخصية أو الإرادة» على حد قول الصهيوني باراك..

وهو ما ظلت تردده وتنفخ فيه أجهزة الإعلام الأميركية.. لكن المؤلفة تحرص على أن تورد رأي تيري رود لارسن الذي كان يتولى مسؤولية التنسيق لعملية السلام الذي يقول: من الخرافات الفظيعة القول بأن عرفات هو السبب في كارثة الفشل (في كامب ديفيد) والحقيقة هي أن الأطراف الثلاثة (الأميركي ـ الفلسطيني ـ الإسرائيلي) كلها ارتكبت أخطاء وليس هناك طرف واحد بعينه يستحق دون غيره توجيه الملام.

عرض ومناقشة: محمد الخولي