يستمد هذا الكتاب أهميته من أن مؤلفته، نانسي سودربرغ، تقدم استناداً إلى عضويتها في مجلس الأمن القومي الأميركي على امتداد ثماني سنوات خلال رئاسة بل كلينتون تحليلاً متكاملاً لنزعة التحرك من طرف واحد التي هيمنت على السياسة الخارجية والمؤسسة العسكرية الأميركيتين، وهمشت حلفاء أميركا على امتداد العالم.
وهي تتصدى لإلقاء الضوء على السؤال الأكثر أهمية الذي واجهته أميركا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وهو: كيف ومن أجل أي هدف تستخدم أميركا تفوقها العسكري الاقتصادي؟ وهي توضح كيف أن جورج بوش تجاهل الإجابات التي كانت إدارة كلينتون قد بدأت تبلورها في معرض الإجابة عن هذا السؤال الدقيق، وهو التجاهل الذي تؤكد انه قد أسفر عن نتائج لا يمكن إلا أن توصف بأنها أقرب إلى كارثة حقيقية بكل المعايير. «كانت سياستنا تتمثل في أن نتعاون إذا تيسر التعاون. وإلا انطلقنا نتخذ إجراءاتنا منفردين ومن جانب واحد. وكانت سياستنا تقضي أيضاً بأن تضع بلادنا في قلب المؤسسات الجديدة المعنية بقضايا التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد.
وكانت تقضي كذلك بزيادة قدراتنا للحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية حيث استخدمنا أساليب شتى ما بين فرض القانون وتعزيز الاستخبارات فضلاً عما قمنا به من جهود في المجال العسكري..». كاتب هذه العبارة، بكل ما احتوته من أفكار، هو الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. وبديهي أنه يعني بهذا كله أميركا من حيث قدراتها وجيوشها واستخباراتها.وبديهي أيضاً ان كان الرجل يستشرف دور أميركا بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها في مطلع التسعينات..
ومن ثم امتد المجال أمام الولايات المتحدة كي تقوم بدور القطب الأوحد في عالم أواخر القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين. هذه العبارات وردت في تصدير الكتاب الذي نقلب صفحاته ونستعرض محتوياته معاً هنا. لكن لماذا حرص الناشر على ترصيع الكتاب بتصدير ضافٍ من رئيس سابق ومثقف أيضاً للولايات المتحدة؟ لأن مؤلف ـ بالأدق مؤلفة هذا الكتاب ـ كانت من دعائم السياسة الخارجية وإدارة العلاقات الدبلوماسية الدولية في رئاسة بيل كلينتون.
بواطن الأمور
الأستاذة نانسي سودربرغ ـ مؤلفة الكتاب ـ كانت عضواً في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.. وقد تولت منصب المندوب الدائم لواشنطن لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك، وبرغم أن المندوب الأميركي يحمل لقب «السفير» إلا أن تقاليد الدبلوماسية الأميركية تخلع عليه رتبة وزارية بوصفه أهم ممثليها، ومن ثم يحق له أن يشارك في اجتماع مجلس الوزراء الذي يرأسه عادة رئيس الدولة.
لكل هذه العوامل يكتسب كتابنا أهميته. فالمؤلفة حازت اطلاعاً واسعاً ومباشراً: هو إلمام من الدرجة الأولى بأهم القضايا العالمية من خلال خدمتها في مجلس الأمن القومي، وخاصة ما كان يدور تحت السطح أو بين الكواليس بكل ما تحتويه من دخائل وأسرار.
ولعل في هذا ما يؤهل المؤلفة ـ كما ذكرت جريدة «واشنطن بوست» في نقدها التحليلي لهذا الكتاب ـ لكي تعرض في إفاضة العالِم ببواطن الأمور لسياسة كلينتون الخارجية الدولية، ولكي تنقد من منظور الدراية المباشرة والممارسة والخبرة العميقة السياسات التي اتبعتها إدارة بوش الابن في المجال الدولي، بكل ما أفضت إليه من مشكلات وتعقيدات مازالت تمثل تحديات شرسة وعقبات كأداء بالنسبة لأميركا وللعالم كله على السواء.
من هنا فليس من قبيل المصادفة، ولا البلاغة اللغوية أن تختار المؤلفة لكتابها عنواناً فرعياً يدور حول معنى مزدوج تقول فيه: قوة أميركا الجبارة.. بين الاستخدام والاستغلال أو بين الاستعمال وإساءة الاستعمال.
تأملات على الساحل
في مقدمة الكتاب تفتح المؤلفة سطورها على مشهد شاركت فيه رئيسها ومعه لفيف من كبار أعضاء الكونغرس إذ كانوا يحلقون على متن طائرة هليكوبتر فوق سواحل نورمانديا الفرنسية.. وجاء ذلك عام 1994 احتفالاً بالذكرى الخمسين لمعركة نورماندي التي قادها الجنرال أيزنهاور وجنود الحلفاء وبدأت بإنزال جحافل هؤلاء الجنود على سواحل فرنسا الشمالية، وكانت أولى حلقات المعارك الأخيرة التي أدت إلى هزيمة هتلر واستسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية.
وقد بدأت تلك المعركة في 6 يونيو من عام 1944. وعلى صهوة الطائرة الرئاسية استسلمت السفيرة نانسي لتأملات عميقة واسعة النطاق حاولت أن تستعرض خلالها أهم المرتكزات التي أقام عليها بيل كلينتون وأركان حزبه الديمقراطي دعائم سياستهم الخارجية، وخلصت، كما تقول في مقدمة هذا الكتاب، إلى حقيقة مؤداها ما يلي:
إن كلينتون حرص على أن تظل أميركا فاعلة ومشاركة في أحوال وقضايا العالم بعد أن أصبحت تتولى دور القطب الدولي الأول. لكن كلينتون ـ وأركان الحزب الديمقراطي بشكل عام ـ حرصوا أيضاً على أن يرفضوا ما تصفه المؤلفة بأنه خرافتين بشأن هذا الدور وهما: (1) أن تعزل أميركا نفسه(2) أن تتولى دور الشرطي الأوحد في عالمها.
تياران في أميركا
الواقع أن الفوز في الحرب الباردة، وتداعي ومن ثم زوال الخصم السوفييتي، أسفرا عن انتشار تيارين سياسيين داخل المجتمع الأميركي ذاته:
تيار يقول: الآن.. وبعد استرداد الأنفاس، تستطيع أميركا أن تسترخي وتريح بالها، ومن ثم تنسحب بهدوء وأمان من دوامات المشكلات التي تؤرق عالمها وتقضّ مضاجع زمانها.
تيار آخر يقول عند الطرف الآخر من نفس المعادلة: الآن، وبعد تحقيق الفوز على الخصم (الشيوعي) بات الميدان مفتوحاً لكي تتسلم أميركا مقاليد ضبط الأمور في العالم إن لم يكن من باب الأبهة. فالأولى من منطلق المسؤولية.
هنا تعلق المؤلفة قائلة: الحق أن كلينتون ظل يواجه معارضة صلبة إزاء وضع وتطوير سياسة خارجية لا تقع ضحية لأي من تلك الخرافتين.. والحق أيضاً أنه حين فاز الجمهوريون بأغلبية في مجلس النواب عام 1994 فقد كان ذلك يعني اكتساب دعاة العزلة مزيداً من النفوذ بما أتاح لهم السيطرة على محفظة النقود ـ بمعنى الاعتمادات المالية، فكان أن عملوا على تحجيم وتعويق جهود الرئيس (الديمقراطي) في التعاطي مع صراعات العالم والسعي نحو المشاركة في مواجهتها بما يشمله ذلك من جهود صنع السلام والحد من انتشار الأسلحة.. وحماية البيئة. عند الضفة الأخرى من القضية كان هناك المتحمسون لدور الشرطي الأميركي الذي يتولى بحكم قدراته الهائلة وموارده الثرية ومكانته السوبر ـ مهمة تنظيم شؤون العالم.
تضيف المؤلفة قائلة: كان على كلينتون أن يواجه فورة الحماس بأن يستخدم هذه الإمكانات الجبارة، وذلك الدور المتفرد لكي يحل جميع صراعات الدنيا، لا في مناطق الجوار المباشر لحدود أميركا وحسب ـ في هاييتي مثلاً ولا بالنسبة للصراعات الحديثة العهد ـ في البلقان أو في البؤر الملتهبة بإفريقيا.
فما بالك بصراعات وقضايا (مزمنة) في قبرص وفي الهند مع باكستان وفي الشرق الأوسط! مع هذا كله ـ تضيف السفيرة نانسي ـ لم تكن أميركا، مهما كان وضعها كقوة عظمى أو كقطب وحيد في عالمها، قادرة ولا كانت مستعدة على أن تشتبك مع كل القضايا وكل المشكلات وكل الصراعات في كل بقاع الدنيا.. لهذا كان التحدي الماثل أمام كلينتون وإدارته ومعاونيه يتمثل في أمر جوهري هو: تعريف المسألة وتحديد الوسيلة التي تتيح لواشنطن أن تعمل وتشارك وتتفاعل.
9 شهور من حكم بوش
على خلاف هذا المسار، بل على النقيض منه، جاءت رئاسة جورج دبليو بوش في ملابسات حملته الانتخابية التي أفضت إلى فوزه على منافسه الديمقراطي آل غور، ثم في الأشهر التسعة الأولى من ولايته الرئاسية الأولى حيث كان السعي من أجل تباعد أميركا عن مشكلات عالمها والاهتمام ـ ربما إلى حد الانكفاء ـ بقضاياها الداخلية.
في هذا السياق ترصد المؤلفة، من واقع خبرتها بشؤون السياسة الدولية وقضايا الأمن القومي، وجود تيارين كانا يتجاذبان في رأيها ولاية الرئيس بوش الأولى وهما: تيار الواقعية الذي استهدف أصحابه العودة إلى مواصلة سياسة الرئيس بوش ـ الأب حيث كان اعتماد نهج يتسم باعتدال أكثر وطموحات أقل إزاء السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
تيار الهيمنة الذي استهدف أصحابه العودة إلى مواصلة سياسة الرئيس رونالد ريجان وهي سياسة تقول: أَمَا وقد قُيضَ لأميركا أن تكون القطب الأوحد في العالم فقد بات بوسعها، بل وأصبح من مقتضيات مكانتها، أن تستخدم جبروتها العسكري كي تجبر العالم على أن ينصاع لرغباتها ولكي تُحول دون قيام أي قوة أخرى قد تنافسها.
بوش فريسة للهيمنة
بيد أن المشكلة ـ كما تؤكد مؤلفة كتابنا ـ أن آل الأمر إلى أن سقط الرئيس بوش بين حبائل خرافة الهيمنة والانفراد بالسيطرة، خاصة بعد فترة الشهور التسعة التي استهل بها وجوده في مكتب الرئاسة البيضاوي بالبيت الأبيض وهي أشهر الصراع بين تياري الواقعية والهيمنة.. حيث ساد نوع من الفوضى أو الحيرة أو الارتباك في مقاربة الأمور وخاصة من حيث أساليب التعامل مع القوى الكبرى الأخرى ـ الصين وروسيا ـ فضلاً عن نهج التعامل مع قضايا الشرق الأوسط وكوريا الشمالية.
وزاد الأمر اشتعالاً وقوع أحداث سبتمبر 2001 فكان الانحياز الكامل والتكريس التام لتيار الدعوة إلى أن تمارس أميركا كامل هيمنتها على أمور عالمها وأن لا تتورع عن استخدام جبروتها العسكري، خاصة وقد جاءت تلك الأحداث لتطرح صورة مستجدة تماماً لم تعهدها أميركا ولا عالمها ولا شعبها..
صورة انكشاف القوى العظمى أمام العنف الإرهابي رغم كل ما تمتلكه من ثروات طائلة وثقافة محدثة وقدرة عسكرية جبارة. هنالك ترصد السفيرة مؤلفة الكتاب ملمحاً تراه، ونراه معها إيجابياً، من ملامح السياسة التي اتبعها الرئيس بوش في أعقاب أحداث ذلك الخريف المثقل بالحزن والمأساة من عام 2001: لقد اتبع بوش سياسة تجميع الصفوف على الصعيد الدولي بعامة، وعلى صعيد المحالفة الأطلسية الغربية بشكل خاص.
لاسيما تحت شعارات لا يرفضها أي طرف في العالم من قبيل «محاربة الإرهاب على الصعيد الدولي». ساعتها لقيت أميركا تأييداً وتعاطفاً من الأطراف كافة إزاء المأساة التي تكبدّها شعبها.. وربما كان أبلغ تجليات هذا التعاطف والتأييد تلك القرارات التي صدرت لصالح أميركا من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. لكن سرعان ما انقلبت الأوضاع وتحولت الأفكار وتبدلت المناهج المتبعة في تناول القضايا ومواجهة الأزمات: كان هناك النهج الواقعي الدولي بمعنى متعدد النزعة الذي اصطنعه ودعا إليه وزير الخارجية كولن باول.
لكن الذي حدث أن تغلبت دعوات الهيمنة والانفراد بالرأي والقرار على هذا النهج الداعي للواقعية وإلى التعددية.. وفي ضوء هذا الفوز لتيار الهيمنة أو خرافة الهيمنة كما سبق وأن وصفتها المؤلفة ـ جاء قرار الرئيس بوش بغزو العراق.
في هذا الصدد تعلق المؤلفة قائلة: قرار غزو بغداد صدر بغير أن تتوافر دلائل عن خطر وشيك داهم يهدد أميركا، في مواجهة معارضة من معظم الأطراف في العالم، وإذا ما نحينا جانباً الفشل في العثور على أسلحة الدمار الشامل، والفشل في تحقيق سائر الأهداف التي سعت إليها (كما قيل) تلك الحرب التي شنّوها على العراق، ومنها مثلاً تحويل العالم العربي ديمقراطياً أو تعزيز التوصل لتسوية دائمة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، فقد جاءت الحرب على العراق، بمثابة اختبار للاعتقاد بأن أميركا لا تحتاج حلفاء ولا تحتاج إلى الأمم المتحدة كي تواجه تحديات الزمن الراهن.
ثلاثي الصقور
وتستطرد المؤلفة في هذا الخصوص لكي توضح أن أركان دعوة الهيمنة وهم: تشيني، نائب الرئيس ومعه اثنان من غلاة جماعة المحافظين الجدد وهما ريتشارد بيرل وبول فولفوتز (كان الأول مستشاراً استراتيجياً للبنتاغون فيما كان الثاني نائباً لوزير الدفاع) ـ هؤلاء «الصقور» الثلاثة تصفهم المؤلفة بأنهم كانوا بمثابة تركة موروثة من أيام رونالد ريجان فيما كان رئيسهم دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع السابق) ينتمي إلى حقبة أبعد حكم فيها الجمهوريون أيضاً هي حقبة جيرالد فورد.
والمشكلة ـ كما تضيف المؤلفة ـ هي أن أصبحت إدارة بوش ـ الابن.. أقرب إلى فصل مستأنف من إدارة ريجان حيث يوجد أكثر من تماثل شديد أو تقارب عميق بين الرئيسين: لقد جاء كل منهما بعد إدارة ديمقراطية: كارتر بالنسبة لريجان وكلينتون بالنسبة لجورج بوش. وكان تصور الرئيس الجمهوري المستجد أن سلفه الديمقراطي قد أضاع هيبة أميركا وألحق أفدح الأضرار بسمعتها وهيبتها ومصالحها.
وهكذا انتهت أساليب البراغماتية التي تشكل جانباً بارزاً من شخصية أميركا.. بمعنى الروح العملية والنهج الواقعي في معالجة الأمور (وكان هذا نهج الحزب الديمقراطي) ليحل محلها توجهات مذهبية وقناعات إيديولوجية ترى أن العالم ينقسم بالحسم والضرورة إلى شطرين.. أبيض وأسود.. ملائكة وشياطين.. أخيار وأشرار..
وكان أن اتسم الرئيسان ريجان وبوش بعدم الاكتراث بآراء الحلفاء خارج الحدود وبالمبالغة في تكديس الأسلحة وتعزيز الجبروت العسكري للولايات المتحدة.. رغم أن هذا الإنفاق الهائل على النواحي العسكرية.. مصحوباً، كما هو متوقع ومعروف، بتخفيضات الضرائب على نحو ما يبادر إليه عادة قادة الحزب الجمهوري في أميركا ـ ما لبث أن أفضى إلى تفاقم الدين الداخلي في البلاد ومن ثم إلى ارتفاع معدلات البطالة..
وإذا كانت العبرة ليست بالتصورات العقائدية ولا بتفعيل الشعارات الدينية (على نحو ما يقول به سلوك المحافظين الجدد) لأن العبرة أصلاً بالنتائج.. يمكن القول، مع مؤلفة هذا الكتاب، ان نتائج هذا السلوك الذي درج عليه الجمهوريون لم تكن على قدر التوقعات بل جاءت على عكس تلك التوقعات في أغلب الأحيان: فمازال العراق مستنقعاً للتوريط..
ومازال تنظيم القاعدة في حال من النشاط، ومازال الأميركيون يشعرون إزاء هذا النشاط بخطر يتهددهم على نحو آخر.. ومازالت القضايا التي شددت أميركا على خطورتها بغير حل. ومنها مثلاً في كوريا الشمالية أو في إيران. هذا فضلاً عن الوهن الذي أصاب تحالفات أميركا في طول العالم وعرضه.
قال الشاعر الأيرلندي
هكذا تهاوت أركان المعادلة. وبدأت أمور كثيرة تتداعى إلى حيث السقوط. هذا ما تحاول المؤلفة أن تؤكده في أول فصول كتابها. وإذا ما تساقطت الأركان، يصبح المركز ـ المحور مهدداً بالسقوط. هكذا يحذر الشاعر الأيرلندي الكبير ويليام بتلر ييتس (1865 ـ 1939) الذي تقتبس المؤلفة بعضاً من أبياته مفعمة بهذا النذير حيث التلميح هنا يشير إلى أميركا بوصفها المركز أو قطب الرحى كما قد نقول.
هنا تستدعي السفيرة نانسي إلى الذاكرة مشهد اجتماع أركان إدارة بيل كلينتون في «غرفة العمليات» كما يسمونها بالبيت الأبيض.. وكان ذلك تحديداً في 13 مارس 1993. كانت أطول جلسات هذه القيادات حيث استغرق الاجتماع أكثر من 4 ساعات في تلك القاعة الفسيحة بالدور الأرضي بالجناح الغربي من مقر الرئاسة الأميركية. وكان المطروح على طاولة البحث قضايا الساعة ومنها بالذات وبالترتيب:الشرق الأوسط + هاييتي + البوسنة.
بالنسبة للشرق الأوسط بحث المجتمعون أحدث التقارير التي قدمها وزير الخارجية وقتها (وارن كريستوفر) بشأن المفاوضات التي أجراها ـ وقتها أيضاً ـ في المنطقة.. وشرح الوزير رؤيته لفرص سانحة ـ وقتها كذلك ـ لتحقيق السلام. ولكن على مسارين اثنين:
المسار الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
كانت الدبلوماسية الأميركية تعمل للتوصل إلى اتفاق مرحلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتيح للطرف الأول مزيداً من أشكال الحكم الذاتي() ويقضي في الوقت نفسه باطراد خطى انسحاب قوات إسرائيل من الأراضي المحتلة.. ساعتها بدت الأمور وكأنها واعدة بإحراز التقدم في هذا المضمار. أما بالنسبة لعملية السلام مع سوريا فقد أبدى الإسرائيليون مرونة جديدة وبدوا على استعداد للنظر في إعادة مرتفعات الجولان التي سبق الاستيلاء عليها في حرب عام 1967.. وكان هذا يعني (ص11) إمكانية تحقيق السلام بين إسرائيل وسوريا.
اقتراح رابين
في الاجتماع نفسه أوضح وزير خارجية كلينتون أن رئيس وزراء إسرائيل رابين كان على استعداد لاتخاذ «خطوات ملموسة» تساعد العرب على المشاركة في الجهود المبذولة، وأن رابين وضع فكرة ازدواج الجنسية (فلسطينية ـ إسرائيلية) على الطاولة.. وفيما كان هذا الاقتراح أو التصور بحاجة إلى مزيد من البحث، فقد رآه وزير الخارجية الأميركي أمراً «غاية في التشجيع». وهو أيضاً ما حظي بموافقة بإيماءة من الرأس من جانب كل المسؤولين المجتمعين.
مع ذلك فقد ساد نوع من التحفظ إزاء التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية.. وفي هذا الإطار قال وزير خارجية كلينتون: أنا لا أتصور أمر التعامل مع المنظمة. بيد أن مؤلفة الكتاب تحرص على التعليق في هذا السياق فتقول: لم يكن الوزير يعرف أنه لن تمضي 6 أشهر إلا ويتخذ ياسر عرفات رئيس المنظمة خطاه شخصياً إلى عتبات البيت الأبيض.
أما عند المسار السوري فقد بدا الوزير الأميركي واثقاً مما يقول. كان يتبع أجندة تحمل عنواناً أو شعاراً واضح التحديد هو: الانسحاب الكامل (من الجولان) مقابل الاعتراف الكامل (بإسرائيل). عند هذا المنعطف من النقاش تناثرت أحاديث عن أهمية إيفاد ونشر قوات أميركية على الحدود بين سوريا وإسرائيل. كان رابين يطالب بتأمين تلك الحدود.. وكان يشدد على دور أميركا في تحقيق هذه الضمانات. وهنا أضاف كريستوفر وزير الخارجية قائلاً: لو كنت إسرائيلياً.. لكان همّي الأساسي أن أتأكد من وجود الأميركيين هناك.
من عجب أن تكشف المؤلفة ـ بحكم خبرتها المباشرة التي ألمحنا إليها ـ أن مجلس المسؤولين الموسع في البيت الأبيض، وقد شهده الرئيس كلينتون ونائبه غور، أبدى استحساناً لمرابطة قوات أميركية على طول تلك الحدود. وبعدها عاد رئيس الأركان الجنرال كولن باول بخطة عسكرية ومالية لهذا الانتشار المزمع للقوات الأميركية. واستمع الرئيس كلينتون ملياً، وأصغى إلى تحليلات بشأن إيجابيات المسألة بالنسبة لدور أميركا وصورتها وسمعتها، ثم علق الرئيس قائلاً: أظن أن الأمر يستحق الاهتمام والمسألة جديرة بالاعتبار.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



