يتوقع المؤلفان في ختام كتابهما أن تتباعد الولايات المتحدة وأوروبا إلى حد كبير مستقبلا، وذلك خلافا للتصورات التي دارت حول إمكانية تقاربهما وصولا إلى توحيد مصيريهما، وهما يشيران إلى مفارقة مهمة، قوامها أن الدول الأوروبية التي تتقدم بخطى أسرع نحو الثورة القائمة على المعرفة هي الدول الأصغر الواقعة على محيط الاتحاد الأوروبي.

وفي مقدمتها السويد والنرويج أيرلندا، ويتطرقان كذلك إلى الوضع في الشرق الأوسط في أبعاده المستقبلية، فيحذران من أنه إذا لم تبدأ حكومات المنطقة منذ الآن بالتخطيط لتطوير اقتصاديات الخدمات القائمة على المعرفة، فإن خسارة الثروات الهائلة التي تتمتع بها المنطقة في الوقت الحالي ستصبح أمرا واردا إلى حد كبير، وقد يفتح ذلك الباب أمام رياح احتمالات مروعة، ربما تشمل تفاقم الفقر وتردي الكثيرين إلى هوة اليأس ، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

يؤكد المؤلفان في بداية حديثهما عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنهما بصدد التباعد، رغم كل ما يقال عن تقاربهما إلى درجة توحيد مصيرهما تقريبا.

وإذا كانت العولمة السائدة اليوم قد قادتهما بالفعل إلى تبنّي عدد من القواعد المشتركة في إطار لعبة التمويل وإلى استخدام خطاب موحّد عن الشفافية وغيرها من المسائل المتعلقة بالشركات والنشاط الاقتصادي، فإن هناك عوامل أكثر عمقا تفصل بينهما. حيث أن الازدهار الصيني الهائل غيّر كثيرا من المعادلات الدولية وخلط أوراق اللعبة. مما كانت له آثاره على مختلف العملات الكبرى والعلاقات التجارية وشوّش التحالفات القديمة كلها.

كانت الولايات المتحدة وأوروبا، تاريخيا، شريكين أساسيين على الصعيد التجاري. مع ذلك، واعتبارا من عام 1985 زاد كل من الطرفين من مبادلاته مع الصين ومع الدول الصاعدة الأخرى، مما أدى إلى تضاؤل نسبة التبادل في الاستيراد والتصدير بينهما بالقياس إلى مجمل مبادلاتهما الدولية.

تضاؤل التبادل بين ضفتي الأطلسي تزامن مع ظهور بعض الخلافات التجارية التي تزايد إيقاعها عندما قرر الاتحاد الأوروبي منع استيراد المنتجات المحوّلة وراثيا «المهجّنة» وزاد من الرسوم الجمركية على العديد من المنتجات الأميركية ابتداء من العسل ووصولا إلى المفاعلات النووية.

وتتم الإشارة هنا إلى أن المجلّة التابعة لمجلس التجارة الخارجية الأميركي قالت في مقال لها يعود إلى عام 2004 ما مفاده: « إن العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي هي في أدنى مستوى عرفته حتى بالنسبة للمسائل التجارية التقليدية».

وكان من شأن المنحى الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي عام 2005 بخصوص رفع الحظر عن بيع الأسلحة للصين أن زاد قليلا من تردي العلاقات. هكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة أمام أمر قليل الاحتمال لكنه شديد الخطورة، وهو أنه إذا قامت الصين بالهجوم على تايوان وكان عليها أن تدافع عن الجزيرة، فإن الجنود الأميركيين قد يجدون أنفسهم في مواجهة أسلحة قدّمها الشركاء الأوروبيون للصين. لذلك اضطر الأوروبيون إلى وضع مشروعهم قيد الانتظار.

نزاعات عبر الأطلسي

لم يكن ذلك كله، حسب رأي مؤلفا هذا الكتاب، سوى المناوشات الأولى المعلنة وأن المستقبل سوف يشهد نزاعات أكثر خطورة عبر الأطلسي.

لقد قيل الكثير عن الخلافات الكبيرة بين الولايات المتحدة وأوروبا حول الحرب الأخيرة ضد العراق كسبب لسوء العلاقات مؤخرا. وقيل أيضا إن التحالف الأطلسي قد تراخى عندما ابتعد خطر تعرض الأوروبيين لهجوم من الاتحاد السوفييتي السابق، وبالتالي أصبحوا لا يحتاجون إلى الجنود الأميركيين للدفاع عنهم. كل هذه الأقوال التي فيها بعض الصحة لم تكن برأي المؤلفين كافية لتفسير ما يجري من تباعد بين الشريكين الأطلسيين.

إن الهوّة بدأت بالاتساع، برأيهما، منذ عقود سابقة على ذلك. وتحديدا منذ الفترة التي بدأت فيها الولايات المتحدة ببناء اقتصاد المعرفة. في ذلك الوقت كانت البلدان الأوروبية الرئيسية بصدد إعادة الإعمار إثر ما سببته الحرب العالمية الثانية من خراب، ثم انكبت على تنمية اقتصادياتها الصناعية.

وتتم الإشارة هنا إلى أن أوروبا الغنية بالمواهب وبالعلماء الممتازين كانت على وشك ولوج دروب التكنولوجيات الجديدة، لكنها كانت تحت قيادة رؤساء شركات ورجال سياسة رجعيين متشبثين بالعصر الصناعي التقليدي وعاجزين بنفس الوقت عن رؤية ما هو أبعد.

صحيح أن أوروبا قد تقدّمت بسرعة أكبر من الولايات المتحدة في بعض القطاعات خلال السنوات الأخيرة، مثل قطاع الهواتف؛ وأن طائرة «إيرباص» قد تفوقت في أحيان كثيرة على طائرة البوينج الأميركية، وحقق الفرنسيون مستوى عالياً من المنافسة في ميدان الأقمار الصناعية مع «أريان». والقائمة تطول.

لكن هذه النجاحات كلها ينبغي وضعها في منظور لوحة أوسع. والأخذ أيضا وأساسا واقع أن المبادئ الصناعية التقليدية الأساسية مثل المركزية في المنتجات والأسواق والرقابة الصارمة لا تزال هي التي تحكم نمط التفكير لدى الاتحاد الأوروبي وتكبحه، بينما تتجه اقتصاديات المعرفة نحو اللامركزية والتنويع والمرونة.

الهوة تتسع

يرى المؤلفان أن الهوّة التي تتسع بين الولايات المتحدة وأوروبا، الغربية تحديدا، تعكس أيضا موقفين متعارضين حيال الوقت. بتعبير آخر إن أوروبا والولايات المتحدة تعملان بسرعتين مختلفتين.

أوروبا لا تزال متخلفة جدا بالنسبة للعمل في المنزل الذي يسمح للعاملين بتكييف أوقات عملهم.هي متخلفة أيضا بالنسبة لمرونة ساعات العمل ولفتح المتاجر دون توقف وكل أيام الأسبوع. بتعبير آخر لا تزال أوروبا تعاني من «روتين» الحقبة الصناعية التقليدية.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن صفة «بطيء» تتردد باستمرار في عناوين الصحف الأوروبية مثل: « البلدان الأوروبية الكبرى بطيئة في تنفيذ.. «أو» الاتحاد الأوروبي بطيء جدا في الإصلاحات الاقتصادية أو «التقدم البطيء في ميدان المساواة بين الجنسين».

في إطار المقارنة يبدو بوضوح أنه يمكن إنشاء شركة في الولايات المتحدة بسرعة أكبر بكثير مما هو في أوروبا. الفروق في التعامل مع الزمن ومع السرعة كبيرة جدا بين طرفي الأطلسي في مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي بما في ذلك الصناعات الدفاعية.

وللولايات المتحدة وأوروبا مقاربتان متمايزتان كثيرا حول مفهوم المجال. إن الاتحاد الأوروبي ينطلق من المقولة الصناعية التي تعتبر أنه بمقدار ما يكون المجال كبيرا وواسعا يكون أفضل؛ وعلى هذا الأساس يحاول مد حدوده الجغرافية بأقصى ما يستطيع وضم عدد أكبر من البلدان. ويعتبر أيضا أنه بمقدار ما يكون عدد سكانه كبيرا يكون أكثر ثراء.

وتتم الإشارة هنا إلى أن المقولة المتعلقة بالتمدد الجغرافي تستجيب لمقولة أكثر قدما ومفادها أن من يسيطر على الكتلة الجغرافية الممتدة من أوروبا الشرقية وصولا إلى سيبيريا ومرورا بروسيا سوف يقود العالم. مثل هذه النظرة يبدو أنها لا تزال تخامر أذهان البعض في القارة الأوروبية.

بعض الأصوات في أميركا نفسها رأت أن مستقبل الاتحاد الأوروبي واعد أكثر من مستقبل الولايات المتحدة، وذلك كون أن الأول يترعرع بينما ليس هناك أفق نحو شمول اتحاد الولايات الأميركية لأية منطقة جديدة. هذا ما يردّ عليه المؤلفان بالقول انه لو كان الأمر يتعلق فقط بالمساحة الجغرافية فإن مساحة روسيا تبلغ أربعة أضعاف مساحة الاتحاد الأوروبي الموسّع. وتبلغ مساحة البرازيل ضعفي مساحته.

ومن الواضح أن الدول الأوروبية التي تتقدم بخطى أسرع نحو الثروة الثورية القائمة على المعرفة إنما هي الأصغر والواقعة على محيط الاتحاد الأوروبي. هكذا مثلا برعت فنلندا مع «نوكيا» والسويد مع «إريكسون» بصناعة الاتصالات. وذلك على غرار ايرلندا في البرمجة الالكترونية.

وتتمايز النظرتان الأوروبية والأميركية حيال المعرفة والتكنولوجيات القائمة على أساسها. ففي عام 1997 أنتجت بلدان الاتحاد الأوروبي الخمسة عشر آنذاك ما قيمته 53 مليار دولار من الحواسيب مقابل أكثر من 83 مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة وأكثر من 67 مليار بالنسبة لليابان.

وفي عام 2000 اجتمع الأوروبيون في برشلونة حيث أعلنوا أنهم ينوون أن يجعلوا من أوروبا «الاقتصاد القائم على المعرفة الأكثر تقدما في العالم بأفق عام 2010».

وينقل المؤلفان عن نائب وزير الخارجية البولندية آنذاك قوله: «لم يثر لدي أي قول آخر من الضحك بمقدار ما أثاره ذلك القول، وهذا منذ إعلان المكتب السياسي الشيوعي عن أهداف إنتاجية غير قابلة للتحقيق بأية صورة من الصور».

التصريحات والواقع

لكن التصريحات شيء والواقع شيء آخر. وتتم الإشارة هنا إلى عدة دراسات تؤكد جميعها على أن مستوى المعيشة في أوروبا يتدنى بالقياس إلى الولايات المتحدة. في عام 2005 أقر القادة الأوروبيون أن آمالهم بالنسبة لعام 2010 قد ذرتها الرياح. وحمّلوا مسؤولية ذلك على التقصير في ميدان البحث وليس لعدم انخراطهم كليا في اقتصاد المعرفة. هذا في الوقت الذي يتم التأكيد فيه على أن جزءاً هاماً من مشكلة أوروبا الغربية يعود إلى عدائها العميق حيال التقنية.

ويتم التأكيد أيضا في هذا السياق على أن دول أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية سابقا قد أظهرت كفاءات عالية على صعيد التكنولوجيات الجديدة. فهنغاريا (المجر) مثلا أصبحت تملك أكبر موقع للبحث والتطوير تابع لشركة «نوكيا»، بعد فنلندا.

وتدل معلومات الاتحاد الأوروبي نفسه في عام 2001 على أن صادرات التكنولوجيات المتقدمة من هنجاريا أصبحت تنافس صادرات الدانمارك أو اسبانيا. لكن في المحصلة لا تزال أوروبا تتقدم ببطء السلحفاة نحو اقتصاد المعرفة ولا تزال في موقع بعيد وراء الولايات المتحدة.

إن التقدم الذي حققته أميركا جعلها تبتعد عن أوروبا التي لم تفهم جيدا سر هذا الابتعاد. وينقل المؤلفان عن المستشار الخاص للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية قوله بهذا الصدد: «إن الأمر لا يعود إلى كون أننا ضد الولايات المتحدة، وإنما يعود على كون أننا لم نفهم تطورها». من هنا قد يمكن القول أن الولايات المتحدة ليست الدولة ـ الأمة الأقوى في العالم وإنما المختبر الاجتماعي والاقتصادي الأكبر على وجه المعمورة.

بالمقابل، يتم التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تستطيع الاحتفاظ بدورها في ثورة الثروة العالمية ولن تحتفظ بقوتها الكونية ولن تستطيع المساهمة في مكافحة الفقر في العالم إذا لم تستبدل بشكل شبه كامل منظومتها التربوية.

في المحصّلة النهائية يتم التأكيد على أن الانتقال نحو اقتصاد المعرفة، أو الانتقال من العضلات إلى العقل، ليس مجرّد تقنيات وإنما هو ثورة في جميع مناحي الحياة اليومية.

وإذا لم تتماش بين المؤسسات مع نفس الإيقاع فإن المستقبل سوف يكون لأمم أخرى. وتلخص جملة في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب المستقبل في الشرق الأوسط بالقول: «إذا لم تبدأ حكومات الشرق الأوسط منذ الآن بالتخطيط لتطوير اقتصاديات الخدمات القائمة على المعرفة، فإن خسارة الثروات الهائلة بالنسبة لهذه المنطقة قد تثير موجة جديدة من الرعب عندما ستزداد حدّة الفقر واليأس».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف