يقدم المؤلفان هنا تحليلاً ضافياً لجانبين مهمين طالما شغلا الباحثين والمؤلفين، وهما يدوران حول سؤالين محددين، أولهما: إلى أين تمضي الرأسمالية؟ وثانيهما: ما هو مستقبل الفقر؟ ويشددان فيما يتعلق بالسؤال الأول على الأهمية الاستثنائية لزيادة قيمة ما هو غير ملموس في المؤسسات الاقتصادية في الولايات المتحدة بصفة خاصة، ويشيران إلى أننا ندخل عالما جديدا وغريبا، تزدهر فيه الثروة القائمة على المعرفة إلى حد تغيير مفهوم المال نفسه بصورة جذرية، وسط توقع اختفاء هذا المفهوم في القرن العشرين، ويشددان أيضا على أهمية النجاح الكبير للنموذجين الهندي والصيني في مكافحة الفقر.

جرى في أحيان كثيرة الإعلان عن موت الرأسمالية في الأوقات التي تواجه فيها أزمة قاهرة أو في حالة وصول التضخم إلى مستويات عالية. بالمقابل ليست قليلة هي الآراء التي رددت أن الرأسمالية استطاعت مقاومة الأزمات الكبرى التي واجهتها طيلة القرن التاسع عشر وخاصة خلال القرن العشرين، لا سيما أمام العاصفة الكبرى التي هزّتها من جذورها وكادت أن تودي بها في مطلع سنوات الثلاثينات من هذا القرن.

لكن إذا كانت الرأسمالية قد استطاعت الصمود حتى الآن، فإن هذا لا يعني أنها خالدة. فكل منتج بشري هو بالتعريف غير أبدي. ثم إن جميع مكوناتها الأساسية المتمثلة في الملكية ورأس المال والأسواق وحتى المال نفسه يتضاءل دورها أو يتغير. والصورة التي تتبدى بها الرأسمالية اليوم ليست عامل اطمئنان لأنصارها.

ملكية مختلفة

بالنسبة للملكية يلاحظ أولا إنها تعني بالتعريف القاموسي أن «شيئا ما أو عدة أشياء تعود ملكيتها لأحدهم». لكن القواميس قد تخطئ فالملكية لم تكن أبدا في أي يوم من الأيام مجرّد «شيء أو أشياء». ذلك أن المنزل أو السيارة أو آلة التصوير لا يمكنها أن تشكل «ملكية» إذا لم تكن هناك قوانين ومعايير اجتماعية تحميها. وفي البلدان المتقدمة يوجد، بالإضافة إلى حقوق الملكية وقواعدها التي يحددها القانون ويحميها، منظومة هائلة «رقمية» تساعد على تحويل الملكية إلى رأس مال قابل للاستثمار، ويقوم بدوره بتنشيط التطور الاقتصادي وخلق الثروة.

تكمن هذه المنظومة في وجود قاعدة هائلة من المعلومات في حالة تطور مستمر بحيث إنها تعد قوائم بالمالكين وبما يملكون وتتابع عمليات نقل الملكيات وتساهم في إلزام موقعي العقود بمسؤولياتهم وتقدم المعلومات عن كفاءاتهم المالية. وهي منظومة تكون معممة حكما على المستويات الوطنية بحيث لا يكتفي مستخدموها بالأعمال ذات الطابع المحلي. لكن البلدان الفقيرة برأس المال لا تمتلك على مثل هذه المنظومات للمعلومات.

هذه المنظومات والقوانين والمعايير الاجتماعية تمثل جوانب «غير ملموسة» للملكية وهي تساهم في تحديدها وفي زيادة قيمتها. وهذه الجوانب «غير الملموسة» التي تشكل الملكية الملموسة موضوعها تزداد بسرعة وخاصة في البلدان ذات الاقتصاد المتقدم. إن الثورة الرقمية دخلت إلى مختلف ميادين الحياة والصناعات بحيث ان اليد العاملة أصبحت ذات نشاط فكري أكثر فأكثر.

والجماهير التي كانت تتزاحم في عام 2004 من اجل شراء أسهم شركة «غوغل» كانت مستعدة للاستثمار في مشروع تتمثل ملكيته وعملياته بشكل كامل تقريبا من مكونات «غير ملموسة» ومحمية ومؤكّدة قيمتها من قبل إجراءات «غير ملموسة» أيضا. ثم إن أسواق المعلوماتية ومواقع البيع عبر الانترنت لا تمتلك أية مواد أولية ولا أفران ولا فحم ولا سكك حديدية ولا مداخن تصدر منها الغازات السامة.

مزايا منتجات المعرفة

يتم التأكيد هنا على أن الملكية في الولايات المتحدة اليوم قد أصبحت «ملموسة» بأقل بكثير مما يسود الاعتقاد. وتدل دراسة أعدتها مؤسسة بروكلين أن قيمة ما هو «غير ملموس» في المؤسسات الأميركية « بما فيها شركات الحديد والصناعات الأخرى قد بلغت منذ عام 1982 نسبة 38 بالمئة من قيمتها التجارية العامة. ووصلت هذه النسبة بعد عشر سنوات مع تعميم الانترنت إلى 62 بالمئة، أي حوالي ثلثي قيمتها.

وتدل مختلف المؤشرات على أنه، بالرغم من الأصوات الكثيرة المطالبة بالعودة إلى القطاعات «الملموسة» الأكثر أمنا حيال تقلبات البورصة، سيتم التقدم أكثر فأكثر نحو الملكية «غير الملموسة» لا سيما في البلدان المتقدمة. ذلك أن تغير العلاقة مع الوقت في ظل التسارع في مختلف النشاطات بفضل تكنولوجيات المعلوماتية، سوف يدفع بالضرورة إلى محاولة التجديد. وينقل المؤلفان عن «باروتش ليف» أستاذ سياسات التمويل والمحاسبة في جامعة نيويورك قوله: «إن حياة المؤسسات الكبرى وموتها يرتبطان اليوم بالتجديد». وهذا يعني « التعاظم الهائل لما هو غير ملموس».

ومن الميزات التي يتم التأكيد عليها في «منتجات المعرفة» هو أنه يمكن استخدامها من قبل ملايين البشر بنفس الوقت دون أن تزول. وبنفس الوقت أيضا تجد الشركات الكبرى لوسائل الإعلام والفن أن أفلامها وموسيقاها يتم نسخها في جميع أنحاء العالم ونشرها مجانا على شبكات الانترنت. ونفس الأمر بالنسبة للمنتجات الصيدلانية التي قد يتم استثمار مبالغ مالية هائلة من اجل الوصول إليها.وجيوش المحامين لا تستطيع فعل الكثير أمام ذلك. ويشير المؤلفان إلى أنه لا تلوح أية هدنة قريبة في هذه «الحرب» التي لم تبلغ بعد ذروتها فيما يخص الملكية الفكرية.

عالم جديد وغريب

كذلك يشرح المؤلفان أن هناك تبدلا كبيرا أيضا فيما يخص ملكية رأس المال وطريقة تكديسه وتحويله من جيب إلى آخر. ويؤكدان على أن البنيات التحتية الأساسية في الولايات المتحدة، قلب الرأسمالية العالمية، هي في حالة تطور متسارع للتأقلم مع المتغيرات العميقة للمعرفة والوقت والمكان. إن الاستثمارات يمكن أن تتم بجزء من الثانية وعلى صعيد العالم أجمع. وهذا ما أطلق عليه احد المصرفيين الأميركيين توصيف «ديمقراطية أسواق رأس المال».

كلمة «السوق» جرى تكرارها في 405 ملايين وثيقة على شبكات الانترنت، كما يشير مؤلفا هذا الكتاب، وقد تكررت في معرض المدح من قبل أنصار الرأسمالية وفي معرض القدح من قبل مناوئيها. هذا التطور الكبير في الأسواق هو قريب العهد نسبيا، فحتى فترة ليست بعيدة كان البشر يعيشون في مرحلة ما قبل السوق.

بالمقابل عرفت الأسواق ازدهارا هائلا في العصر الصناعي، ثم جاءت «الموجة الثالثة» من الثروة القائمة على الاستهلاك الكبير للمعرفة لتترتب عليها «تبدلات ثورية» في البلدان المتقدمة على أصعدة الملكية وتشكل رأس المال والأسواق، بل والمال نفسه. وما يتم تأكيده هو أن البلدان الأخرى في آسيا وغيرها سوف تعرف هي أيضا تحولات مشابهة.

إننا ندخل في عالم جديد وغريب تزدهر فيه «الثروة الثورية» القائمة على المعرفة وتغيّر الكثير من معطياته. وإذا كان الدفع نقدا يتضاءل اليوم فإن «المال لن يعود موجودا في القرن الرابع والعشرين»، كما يقول أحد الآراء المطروحة في الكتاب. بل وربما أن الرأسمالية كلها سوف تنقرض قبل حلول عام 2300، حسب رأي آخر.

ماذا عن الفقر؟

ما يتم تأكيده منذ البداية فيما يخص مستقبل الفقر في عالم اقتصاد المعرفة هو أن هذا الاقتصاد يوفر الحظ الأفضل في تاريخ الإنسانية من اجل القضاء على الفقر. وذلك على قاعدة ما يقدمه من أدوات فعّالة لمكافحته. الفقر هو عدو الجميع وكل حكومات العالم تضع الخطط من اجل الحد منه وآلاف المنظمات غير الحكومية تتلقى الأموال في منظور تقديم المساعدات للفقراء. وهذا ما دفع البعض إلى الحديث عمّا أسموه «صناعة المعونة».

لقد قيل وكتب الكثير عن آفة الفقر التي كابد منها قسم كبير من البشر في التاريخ الإنساني كله. وما قيل وما كتب لا يزال ساري المفعول بالنسبة لفقراء اليوم. وكان العصر الصناعي قد وجد نفسه في قفص الاتهام من قبل الكثير على أساس أنه يقوم، هو ورأسماليته، على الاستغلال. وتتم الإشارة هنا إلى أنه لا تزال تتردد نفس الاتهامات حيال اقتصاد المعرفة وكأنه لم يتغير أي شيء. هذا في الوقت الذي شهدت فيه الخمسون سنة الأخيرة «التبدلات الكونية الأكثر سرعة والأكثر عمقا في تاريخ الفقر»، كما يكتب مؤلفا هذا الكتاب.

ويعتمدان في ذلك على تجربة كل من الصين والهند في تبنيهما لمبدأ «التزامن» في تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة والاقتصاد الصناعي التقليدي أو ما تتم تسميته ب» إستراتيجية التنمية المتوازية». وهذا قد يسمح لهما ب«القفز» عن عدة مراحل للوصول إلى الإنتاج الكبير والسريع. ولا يتردد المؤلفان في القول ان الهند والصين اللتين لهما حصة كبيرة في «البؤس العالمي» تمثلان التجربة الأكبر في مجال الحد من الفقر منذ بداية التاريخ.

دعنا نكون واقعيين

مع ذلك كثيرا ما يتردد القول ان التكنولوجيات المتقدمة لن يمكنها أن تحل مشكلة الفقر. والمثال الذي يتم تقديمه على هذه المدرسة من التفكير هو قول: «دعونا نكون واقعيين وأقدامنا على الأرض». فهناك القليل من المؤشرات التي تدل على أن تكنولوجيات الإعلام والاتصالات جاهزة لمواجهة مباشرة من اجل تحسين أوضاع الفقراء في العالم».

ويرى المؤلفان أن مثل هذا القول لا يأخذ باعتباره سوى الأجل القصير؛ هذا في الوقت الذي لم يقل فيه أي إنسان أنه يمكن القضاء على الفقر خلال فترة قصيرة. ثم ان التجربة التاريخية تبيّن حاجة كل تكنولوجيا جديدة إلى الوقت كي تعمّ آثارها. فعندما تمّ الشروع باستخدام المحرّك البخاري في قطاع المناجم كان هناك القلائل ممن تصوروا آثاره على الزراعة بعد سنوات عديدة. ووسّعت القطارات عند استخدامها الآلة البخارية من أسواق المنتجات الزراعية. وبهذا المعنى ساهمت الآلة البخارية في تغيير مكانة الزراعة في الاقتصاد.

لكن يتم التنبيه هنا إلى أن ما أظهر فاعليته في زمن ما وسياق ما قد لا يكون فاعلا بالضرورة في زمان ومكان آخرين. إن حيازة التكنولوجيات المتقدمة هو الجزء الأكثر سهولة في أية خطة. إذ من الأكثر تعقيدا هو تجاوز العديد من العقبات غير التكنولوجية. العقبة الأولى تتمثل في وزن التقاليد. ففي المجتمعات الزراعية تعيش الأجيال على مدى عقود وربما قرون عديدة على نفس المنوال. والفكرة السائدة في مثل هذه الحالة هي أن المستقبل هو إعادة إنتاج للماضي.

هذا يعني أيضا أن ما كان فاعلا في الأمس سيكون فاعلا أيضا في المستقبل. ومن هنا يتم الابتعاد عن أية مخاطرة في التجديد. بالتالي تؤدي مقاومتهم للتجديد إلى إعاقة سرعة التطور وتعزز القناعة أن المستقبل سوف يكون مشابها بالضرورة للماضي.

عقبات أمام التقدم

يمثل التعليم، أو غياب التعليم خاصة، عقبة أخرى أمام التقدم. وليس غريبا في حالة الفقر المدقع أن يفضّل الأهل الاستفادة من عمل أبنائهم بدلا من إرسالهم إلى المدرسة. يتم التأكيد هنا على أن التكنولوجيات الحالية تشكل أدوات مساعدة كبيرة بالنسبة للمربين، وأن العالم يقترب من الوقت الذي سوف يمكن فيه تأمين حاسوب في كل قرية بسعر زهيد ويتم ربطه بالعالم الخارجي. هنا أيضا التكنولوجيا وحدها لا تملك حلا من اجل مكافحة الجهل وإنما لا بد من أن تترافق مع تعبئة القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن التحديات الكبرى التي تواجهها الإنسانية واقع أن أكثر من مليار شخص في العالم لا يزالون يفتقرون إلى الكهرباء. وفي المحصّلة لا بد للبلدان الغنية من أن تتحمّل مسؤولياتها في استبدال الاستراتيجيات التي أثبت عجزها في محاربة الفقر في العالم والعمل على تسريع وزيادة فعالية خطط التنمية عبر الاستفادة من الثروة الثورية التي تمثلها المعرفة. إن مؤلفي هذا الكتاب يؤكدان مرارا وتكرارا وبصور مختلفة على أهمية المثالين الصيني والهندي في ميدان محاربة ظاهرة الفقر المتأصّلة فيهما وحيث يمكن لتجربتهما أن تكون مثالا يحتذى به في العديد من مناطق العالم الأخرى.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف